5862- أبو ذر الغفاري
ص 98
(ب)
أبو ذر الغفاري.
اختلف في اسمه اختلافا كثيرا، فقيل: جندب بن جنادة، وهو أكثر وأصح ما قيل فيه. وقيل: برير بن عبد الله، وبرير بن جنادة، وبريرة بن عشرقة، وقيل: جندب بن عبد الله، وقيل: جندب بن سكن. والمشهور جندب بن جنادة بن قيس ابن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار. وقيل: جندب بن جنادة بن سفيان [3] ابن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة الغفاري. وأمه رملة [4] بنت الوقيعة، من بنى غفار أيضا.
وكان أبو ذر من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام. يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامسا، ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.
أخبرنا غير واحد بإسنادهم إلى محمد بن إسماعيل: حدثنا عمرو بن عباس، أنبأنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى، عن أبي جمرة [1] ، عن ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر. فقال:
ما شفيتني مما أردت. فتزود وحمل شنة [2] له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، اضطجع [3] فرآه علي، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال: ما آن [4] للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه [5] فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى [إذا] [6] كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه [علي معه [7]] ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت. ففعل، فأخبره قال: إنه حق، وإنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي.
ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته.: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه
وقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه [1] .
وروينا في إسلامه الحديث الطويل المشهور، وتركناه خوف التطويل.
وتوفي أبو ذر بالربذة سنة إحدى وثلاثين، أو اثنتين وثلاثين. وصلى عليه عبد الله ابن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبو ذر في أمتي على زهد عيسى ابن مريم» . وقال علي: وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه، ثم أوكي [2] عليه فلم يخرج منه شيئا. أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان. فيقول: دعوه، إن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه. حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقوله، فتلوم [3] أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونظر ناظر من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر.
فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده» [4] . فضرب الدهر من ضربه.
وسير أبو ذر إلى الربذة. وفي ذكر موته، وصلاة عبد الله بن مسعود عليه، ومن كان معه في موته، ومقامه بالربذة، أحاديث لا نطول بذكرها. وكان أبو ذر طويلا عظيما.
أخرجه أبو عمر.
5865- أبو ذؤيب الهذلي
ص 101
(ب د ع)
أبو ذؤيب الهذلي
الشاعر.
كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يره. ولا خلاف أنه جاهلي إسلامي. قيل:
اسمه خويلد بن خالد بن المحرث بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل.
وقال ابن إسحاق: قال أبو ذؤيب الشاعر: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مريض، فاستشعرت حزنا، وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها [3] ، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسي طولها، حتى إذا كان قريب السحر أغفيت، فهتف بي هاتف يقول:
خطب أجل أناخ بالإسلام %~% بين النخيل ومعقد الآطام
قبض النبي محمد فعيوننا %~% تذري الدموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح [4] ، فتفاءلت ذبحا يقع في العرب. فعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض، أو هو ميت من علته، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به، [5] فعن لي شيهم- يعنى القنفذ
- وقد قبض على صل- وهي الحية- فهي تلتوي عليه، والشيهم يعضها حتى أكلها، فزجرت ذلك فقلت: الشيهم شيء مهم، والتواء الصل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أولت أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر. فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة زجرت [1] الطائر، فأخبرني بوفاته. ونعب غراب سانح فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي. وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجئت المسجد فوجدته خاليا، وأتيت بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبت بابه مرتجا، وقيل: هو مسجى، وقد خلا به أهله. فقلت: أين الناس؟ فقالوا: في سقيفة بني ساعدة، صاروا إلى الأنصار. فجئت إلى السقيفة فوجدت أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة بن الجراح، وسالما، وجماعة من قريش.
ورأيت الأنصار فيهم: سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وملأ منهم. فآويت إلى قريش وتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب. وتكلم أبو بكر فلله دره من رجل لا يطيل الكلام، يعلم مواضع فصل الخصام! والله لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له، ومال إليه. ثم تكلم عمر بعده بدون كلامه، ثم مد يده فبايعه وبايعوه. ورجع أبو بكر فرجعت معه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وشهدت دفنه. ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي النبي صلى الله عليه وسلم [2] :
لما رأيت الناس في عسلانهم [3] %~% ما بين ملحود له ومضرح [4]
متبادرين لشرجع [5] بأكفهم %~% نص الرقاب، لفقد أبيض أروح [6]
فهناك صرت إلى الهموم، ومن يبت %~% جار الهموم يبيت غير مروح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها وتضعضعت آطام بطن الأبطح [1]
وتزعزعت أجبال يثرب كلها %~% ونخيلها لحلول خطب مفدح
ولقد زجرت الطير قبل وفاته %~% بمصابه وزجرت سعد الأذبح
وزجرت أن نعب المشحج [2] سانحا %~% متفائلا فيه بفأل أقبح
ورجع أبو ذؤيب إلى باديته فأقام بها، وتوفي في خلافة عثمان، رضي الله عنه، بطريق مكة، فدفنه ابن الزبير. وقيل: إنه مات بمصر منصرفا من غزوة إفريقية، وكان غزاها مع عبد الله ابن الزبير ومدحه، فلما عاد ابن الزبير من إفريقية عاد معه، فمات، فدفنه ابن الزبير.
وقيل: إنه مات غازيا بأرض الروم، ودفن هناك.
وكان عمر بن الخطاب ندبه إلى الجهاد، فلم يزل مجاهدا حتى مات بأرض الروم، فدفنه ابنه أبو عبيد، فقال له عند موته:
أبا عبيد، رفع الكتاب %~% واقترب الموعد والحساب
في أبيات، قال محمد بن سلام: قال أبو عمرو: سئل حسان بن ثابت: من أشعر الناس؟
فقال: حيا أم رجلا؟ قالوا: حيا. قال: هذيل أشعر الناس حيا. قال ابن سلام: وأقول:
إن أشعر هذيل: أبو ذؤيب.
قال عمر بن شبة: تقدم أبو ذؤيب على سائر شعراء هذيل بقصيدته العينية التي يقول فيها بنيه [3] .
وقال الأصمعي: أبرع بيت قالته العرب بيت أبي ذؤيب:
والنفس راغبة إذا رغبتها %~% وإذا ترد إلى قليل تقنع
وهذا البيت من شعره المفضل، الذي يرثي فيه بنيه، وكانوا خمسة أصيبوا في عام واحد، وفيه حكم وشواهد، وأولها [4] :
أمن المنون وريبها تتوجع %~% والدهر ليس بمعتب من يجزع
قالت أمامة [1] : ما لجسمك شاحبا %~% منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع [2] ؟
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا %~% إلا أقض عليك ذاك المضجع [3] ؟
فأجبتها: أن ما لجسمي [4] أنه %~% أودي بني من البلاد فودعوا [5]
أودي بني فأعقبوني حسرة %~% بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
فالعين بعدهم كأن حداقها %~% كحلت بشوك فهي عور [6] تدمع
سبقوا هوي [7] وأعنقوا لهواهم %~% فتخرموا ولكل جنب مصرع
فغبرت بعدهم بعيش ناصب %~% وإخال أني لاحق مستتبع [8]
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم %~% فإذا المنية أقبلت لا تدفع
وإذا المنية أنشبت أظفارها %~% ألفيت كل تميمة لا تنفع
وتجلدي للشامتين أريهم %~% أني لريب الدهر لا أتضعضع
حتى كأني للحوادث مروة %~% بصفا المشقر كل يوم تقرع [9]
والدهر لا يبقى على حدثانه %~% جون السحاب له جدائد أربع [10]
أخرجه أبو عمر مطولا، ولحسن هذه الأبيات أوردناها جميعها، والله أعلم.