لا خلاف أنه أكرم البشر «1» ، وسيد ولد آدم «2» ، وأفضل الناس منزلة عند الله وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى.
واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدا، وقد اقتصرنا منها على صحيحها، ومنتشرها، وحصرنا معاني ما ورد منها في هذه الفصول.
لا خلاف أنه أكرم البشر «1» ، وسيد ولد آدم «2» ، وأفضل الناس منزلة عند الله وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى.
واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدا، وقد اقتصرنا منها على صحيحها، ومنتشرها، وحصرنا معاني ما ورد منها في هذه الفصول.
فيما ورد من ذكر مكانته عند ربه عز وجل، والاصطفاء ورفعة الذكر، والتفضيل، وسيادة ولد آدم وما خصه به في الدنيا من مزايا الرتب، وبركة اسمه الطيب.
عن «1» ابن عباس «2» رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أن الله تعالى قسم الخلق قسمين، فجعلني من خيرهم قسما، فذلك قوله تعالى: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين.
ثم جعل القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلثا، وذلك قوله تعالى: فأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون،
فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: «وجعلناكم شعوبا وقبائل «1» » الآية.. فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر.. ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني من خيرها بيتا، فذلك قوله تعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت «2» » الآية..
وعن «3» أبي سلمة «4» : عن أبي هريرة «5» قال: «قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ ...
قال: «وآدم بين الروح والجسد» .
وعن «6» واثلة «7» بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.»
ومن حديث «1» أنس «2» رضي الله عنه: «أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» .
وفي حديث «3» ابن عباس «4» : أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» .
وعن «5» عائشة «6» عنه صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام فقال:
قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم» .
وعن «7» أنس «8» رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به فاستصعب عليه، فقال له جبريل: بمحمد «9» تفعل هذا!! فما ركبك أحد أكرم على الله منه ... فارفض عرقا» .
وعن «1» ابن عباس رضي الله عنه: عنه صلى الله عليه وسلم «لما خلق الله آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض، وجعلني في صلب نوح في السفينة، وقذف بي في النار في صلب إبراهيم، ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني بين أبوي.. لم يلتقيا على سفاح قط» .
وإلى هذا أشار العباس «2» بن عبد المطلب رضي الله عنه بقوله:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا «3» وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق «4»
ثم احتوى بيتك المهيمن من ... خندف «5» علياء تحتها النطق «6»
وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق
يا برد نار الخليل يا سببا ... لعصمة النار وهي تحترق
وروى عنه صلى الله عليه وسلم أبو ذر «1» . وابن عمر «2» . وابن عباس «3» .
وأبو هريرة «4» . وجابر «5» بن عبد الله أنه قال: «أعطيت خمسا- وفي بعضها ستا «6» - لم يعطهن نبي قبلي «7» .
- نصرت بالرعب مسيرة شهر.
- وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل.
- وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي.
- وبعثت إلى الناس كافة.
- وأعطيت الشفاعة.
وفي رواية «1» : بدل هذه الكلمة «وقيل لي سل تعطه»
وفي رواية أخرى «2» «وعرض علي أمتي. فلم يخف علي التابع من المتبوع» .
وفي رواية «3» «بعثت إلى الأحمر والأسود» .
قيل: «السود» العرب، لأن الغالب على ألوانهم الأدمة فهم من السود.
«والحمر» العجم.
وقيل: البيض والسود من الأمم.
وقيل: «الحمر» الإنس.
«والسود» الجن.
وفي الحديث الآخر «4» : عن أبي هريرة «5» رضي الله عنه «نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع، وبينا أنا نائم جيء بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» .
وفي رواية «1» عنه «2» «وختم بي النبيون» .
وعن عقبة بن «3» عامر: أنه قال:
قال صلى الله عليه وسلم «4» «إني فرط «5» لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف أن تنافسوا فيها» .
وعن عبد الله «6» بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «7» «أنا محمد، النبي الأمي؛ لا نبي بعدي؛ أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، وعلمت خزنة النار، وحملة العرش» .
وعن «8» ابن عمر «9» رضي الله عنه «بعثت بين يدي الساعة»
وفي رواية ابن «1» وهب: أنه صلى الله عليه وسلم قال «2» : «قال الله تعالى:
سل يا محمد.. فقلت: ما أسأل يا رب. اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، واصطفيت نوحا، وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.
فقال الله تعالى: ما أعطيتك خير من ذلك.
- أعطيتك الكوثر، وجعلت اسمك مع اسمي ينادى به في جوف السماء، وجعلت الأرض طهورا لك ولأمتك، وغفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأنت تمشي في الناس مغفورا لك، ولم أصنع ذلك لأحد قبلك، وجعلت قلوب أمتك مصاحفها.
وخبأت لك شفاعتك ولم أخبأها لنبي غيرك» .
وفي حديث آخر «3» رواه حذيفة «4»
«بشرني- يعني «5» ربه- عز وجل، أول من يدخل الجنة
معي من أمتي سبعون ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا، ليس عليهم حساب وأعطاني، ألا تجوع أمتي، ولا تغلب، وأعطاني، النصر والعزة، والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا.
- وطيب لي ولأمتي المغانم «1» .
- وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا ولم يجعل علينا في الدين من حرج» .
وعن أبي هريرة «2» عنه صلى الله عليه وسلم «3» «ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» .
معنى هذا عند المحققين: بقاء معجزته ما بقيت الدنيا. وسائر معجزات الأنبياء ذهبت للحين، ولم يشاهدها إلا الحاضر لها.
ومعجزة القرآن يقف عليها قرن بعد قرن عيانا لا خبرا الى يوم القيامة.
وفيه كلام يطول، هذا نخبته.
وقد بسطنا القول فيه. وفيما ذكر فيه سوى هذا آخر باب المعجزات.
وعن «1» علي «2» رضي الله عنه: كل نبي أعطي سبعة نجباء، وزراء، رفقاء، من أمته، وأعطي نبيكم صلى الله عليه وسلم أربعة عشر نجيبا، منهم أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وعمار.
وقال صلى الله عليه وسلم «3» «إن الله قد حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد بعدي. وإنما أحلت لي ساعة من نهار» .
وعن «4» العرباض «5» بن سارية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني عبد الله، وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وعدة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بن مريم» .
وعن «1» ابن عباس «2» قال: إن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
قالوا: فما فضله على أهل السماء؟ ..
قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: «ومن يقل منهم إني إله من دونه» «3» الآية.
وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم «إنا فتحنا لك فتحا مبينا «4» » الآية.
قالوا: وما فضله على الأنبياء؟ ..
قال: إن الله تعالى قال: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه «5» » الآية.
وقال: لمحمد «وما أرسلناك إلا كافة للناس «6» » .
وعن «1» خالد «2» بن معدان: أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك- وقد روي نحوه عن أبي ذر «3» ، وشداد «4» بن أوس، وأنس «5» بن مالك رضي الله عنهم- فقال: «نعم ... أنا دعوة أبي إبراهيم- يعني قوله: «ربنا وابعث فيهم رسولا منهم «6» » .
وبشر بي عيسى. ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام. واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، إذ جاءني رجلان عليهما ثياب بيض- وفي حديث آخر ثلاثة رجال- بطست من ذهب مملوة ثلجا، فأخذاني فشقا بطني- قال في غير هذا
الحديث، من نحري إلى مراق بطني- ثم استخرجا منه قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطر حاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه- قال في حديث آخر- ثم تناول أحدهما شيئا، فإذا بخاتم في يده من نور، يحار الناظر دونه، فختم به قلبي فامتلأ إيمانا وحكمة، ثم أعاده مكانه، وأمر الآخر يده على مفرق صدري فالتأم.»
وفي رواية «1» : إن جبريل قال: «قلب وكيع- أي شديد- فيه عينان تبصران، وأذنان سميعتان، ثم قال أحدهما لصاحبه،
زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها» .
قال في الحديث الآخر:
«ثم ضموني إلى صدورهم، وقبلوا رأسي، وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب الله لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك.
وفي بقية هذا الحديث من قولهم:
«ما أكرمك على الله، إن الله معك وملائكته» .
قال «1» في حديث «2» أبي ذر «3» .
«فما هو إلا أن وليا عني، فكأنما أرى الأمر معاينة» .
وحكى أبو محمد «4» المكي، وأبو الليث «5» السمرقندي، وغيرهما: أن آدم عند معصيته قال «6» «اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي- ويروى- وتقبل توبتي» .
فقال له الله: من أين عرفت محمدا؟ ..
قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. - ويروى: محمد عبدي ورسولي- فعلمت أنه أكرم خلقك عليك» .
فتاب الله عليه وغفر له.
وهذا عند قائله تأويل قوله تعالى:
«فتلقى آدم من ربه كلمات «1» » .
وفي رواية أخرى: فقال آدم: لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب.. لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك» .
فأوحى الله إليه: «وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك، ولو لاه ما خلقتك.
قال: وكان آدم يكنى بأبي محمد «2» .
وقيل: بأبي البشر «3» .
وروي عن سريج «4» بن يونس أنه قال:
إن لله ملائكة سياحين، عبادتها على كل دار فيها أحمد أو محمد، إكراما منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن قانع القاضي «1» عن أبي الحمراء «2» قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما أسري بي إلى السماء إذا على العرش مكتوب.. لا إله إلا الله محمد رسول الله. أيدته بعلي..»
وفي التفسير عن «3» ابن عباس «4» في قوله تعالى: «وكان تحته كنز لهما «5» » .
قال «6» : لوح من ذهب مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب. عجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. أنا الله لا إله إلا أنا.. محمد عبدي ورسولي.»
وعن «7» ابن عباس «8» رضي الله عنهما «على باب الجنة مكتوب:
إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسول الله، لا أعذب من قالها» .
وذكر أنه وجد على الحجارة القديمة مكتوب «محمد تقي مصلح، وسيد أمين» .
وذكر السمنطاري «1» : أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد، على أحد جنبيه مكتوب.. لا إله إلا الله..
وعلى الآخر محمد رسول الله.»
وذكر الأخباريون: أن ببلاد الهند وردا أحمر مكتوبا عليه بالأبيض.. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وروي عن جعفر «2» بن محمد عن أبيه: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ليقم من اسمه محمد فليدخل الجنة لكرامة اسمه صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن القاسم «3» في «سماعه «4» » وابن وهب «5» في «جامعه «6» » عن مالك «7» :
سمعت أهل مكة يقولون: «ما من بيت فيه اسم محمد إلا نمى، ورزقوا، ورزق جيرانهم.»
وعنه صلى الله عليه وسلم «1» «ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة» .
وعن «2» عبد الله بن «3» مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى نظر إلى قلوب العباد فاختار منها قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته.
وحكى النقاش «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت «وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا «5» » الآية. قام خطيبا فقال: يا «معشر أهل الإيمان.. إن الله تعالى فضلني عليكم تفضيلا، وفضل نسائي على نسائكم تفضيلا.»
الحديث..
في تفضيله بما تضمنته كرامة الإسراء من المناجاة والرؤية، وإمامة الأنبياء، والعروج به إلى سدرة المنتهى، وما رأى من آيات ربه الكبرى.
ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم قصة الإسراء، وما انطوت عليه من درجات الرفعة مما نبه عليه الكتاب العزيز، وشرحته صحاح الأخبار.
قال الله تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام «1» » الآية.
وقال تعالى «والنجم إذا هوى «2» » إلى قوله «لقد رأى
من آيات ربه الكبرى «1» » .
فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به صلى الله عليه وسلم، إذ هو نص القرآن، وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث كثيرة منتشرة ... رأينا أن نقدم أكملها ونشير زيادة من غيره يجب ذكرها.
عن أنس «2» بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «3» «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: «فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن.» .
فقال جبريل: «اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه..
ففتح لنا فإذا أنا بآدم صلى الله عليه وسلم، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، صلى الله عليهما. فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة. - وذكر مثله- فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير.
قال الله تعالى «ورفعناه مكانا عليا «1» » ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة- فذكر مثله- فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة- فذكر مثله- فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة- فذكر مثله- فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة «2» ، وإذا ثمرها كالقلال «3» ..
قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال:
ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة قال: إرجع إلى ربك فاسأل التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا، قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.. قال: فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشرة، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول صلى الله عليه وسلم فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه.
قال القاضي: جود ثابت «1» رحمه الله هذا الحديث عن أنس «2» ما شاء، ولم يأت أحد عنه بأصوب من هذا. وقد خلط فيه غيره عن أنس تخليطا كثيرا لا سيما من رواية شريك «3» بن أبي نمر.
فقد ذكر في أوله مجيء الملك له، وشق بطنه وغسله بماء زمزم، وهذا إنما كان وهو صبي وقبل الوحي، وقد قال شريك في حديثه وذلك قبل أن يوحى إليه وذكر قصة الإسراء، ولا خلاف أنها كانت بعد الوحي.
وقد قال غير واحد إنها كانت قبل الهجرة بسنة.
وقيل: قبل هذا.
وقد روى ثابت «4» عن أنس «5» من رواية حماد «6» بن سلمة أيضا «7» مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان عند ظئره «8»
وشقه قلبه تلك القصة مفردة من حديث الإسراء كما رواه الناس، فجود في القصتين، وفي أن الإسراء إلى بيت المقدس وإلى سدرة المنتهى كان قصة واحدة، وأنه وصل إلى بيت المقدس، ثم عرج من هناك فأزاح كل إشكال أو همه غيره.
وقد روى يونس «1» عن ابن شهاب «2» عن أنس قال: كان أبوذر «3» يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «4» «فرج سقف بيتي فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله من زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بنا إلى السماء» فذكر القصة.
وروى قتادة «5» الحديث بمثله عن أنس «6» عن مالك «7» بن صعصعة
وفيها تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وخلاف في ترتيب الأنبياء في السماوات «1» .
وحديث ثابت «2» عن أنس «3» أتقن وأجود، وقد وقعت في حديث الإسراء زيادات نذكر منها نكتا «4» مفيدة في غرضنا.
منها في حديث ابن شهاب «5» وفيه «قول كل نبي له «مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح» إلا آدم وإبراهيم فقالا له «والابن الصالح» .
وفيه من طريق ابن عباس «6» «ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف «7» الأقلام «8» .
وعن أنس «9» «ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى
فغشيها ألوان لا أدري ما هي. قال: ثم أدخلت الجنة.»
وفي حديث «1» مالك «2» بن صعصعة «فلما جاوزته- يعني موسى- بكى فنودي ما يبكيك؟ قال: رب هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي» .
وفي حديث «3» أبي هريرة «4» «وقد رأيتني «5» في جماعة من الأنبياء فحانت الصلاة فأممتهم. فقال قائل: يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت فبدأني بالسلام.»
وفي حديث أبي هريرة «ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا:
يا جبريل: من هذا معك؟ قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة.
ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم- وذكر كلام كل واحد
منهم وهم ابراهيم- وموسى- وعيسى- وداوود- وسليمان- ثم ذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: وإن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال «كلكم أثنى على ربه وأنا أثنى علي ربي:
الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين.
وكافة للناس بشيرا ونذيرا.
وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء.
وجعل أمتي خير أمة.
وجعل أمتي أمة وسطا.
وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون.
وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما.
فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد.
ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ومن سماء إلى سماء نحو ما تقدم.
وفي حديث «1» ابن مسعود «وانتهى بي إلى سدرة المنتهى،
وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها.
قال تعالى: «إذ يغشى السدرة ما يغشى «1» » .
قال «2» فراش من ذهب.
ومن رواية أبي هريرة «3» من طريق الربيع «4» بن أنس:
«فقيل لي: هذه سدرة المنتهى، ينتهي إليها كل أحد من أمتك خلا «5» على سبيلك، وهي السدرة المنتهى، يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما، وأن ورقة منها مظلة الخلق فغشيها نور، وغشيتها الملائكة.
قال: فهو قوله «إذ يغشى السدرة ما يغشى»
فقال تبارك وتعالى له: «سل»
فقال إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما.
وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داوود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم فلم يكن له عليهما سبيل.
فقال له ربه تعالى قد اتخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التوراة: محمد حبيب الرحمن: وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقا، وآخرهم بعثا وأعطيتك سبعا من المثاني، ولم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرش، ولم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما.
وفي الرواية الأخرى «1» قال «فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا:
- أعطي الصلوات الخمس.
- وأعطي خواتيم سورة البقرة.
- وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات «1» .
وقال «2» «ما كذب الفؤاد ما رأى «3» » الآيتين.
رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح.
وفي حديث شريك «4» «أنه رأى موسى في السابعة- قال بتفضيل كلام الله- قال: ثم علي به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله.
فقال موسى: لم أظن أن يرفع علي أحد.
وقد «5» روي عن أنس «6» أنه صلى الله عليه وسلم «صلى بالأنبياء ببيت المقدس» .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم:
«بينا أنا قاعد ذات يوم إذ دخل جبريل عليه السلام فوكز بين
كتفي فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر، فقعد في واحدة وقعدت في الأخرى، فنمت حتى سدت الخافقين، ولو شئت لمسست السماء وأنا أقلب طرفي، ونظرت جبريل كأنه حلس «1» لاطىء «2» فعرفت فضل علمه بالله علي وفتح لي باب السماء، ورأيت النور الأعظم ولط «3» دوني الحجاب وفرجه الدر والياقوت ثم أوحى الله إلي ما شاء أن يوحي.
وذكر البزار «4» عن علي بن «5» أبي طالب رضي الله عنه:
لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم الأذان جاءه جبريل بدابة يقال لها البراق فذهب يركبها فاستصعبت عليه.
فقال لها جبريل: اسكني، فو الله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم. فركبها حتى أتى بها إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تعالى، فبينا هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا جبريل ... من هذا!!»
قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه.
فقال الملك: الله أكبر الله أكبر
فقيل له من وراء الحجاب
صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر
ثم قال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله
فقيل له من وراء الحجاب:
صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا..
وذكر مثل هذا في بقية الأذان. إلا أنه لم يذكر جوابا على قوله حي على الصلاة حي على الفلاح.
وقال: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه فأم أهل السماء.
فيهم آدم ونوح.
قال أبو جعفر «1» محمد بن علي بن الحسين راويه «2» :
أكمل الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماوات والأرض.
قال القاضي وفقه الله: ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق لا في حق الخالق، فهم المحجوبون، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه. إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس. ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء كقوله تعالى «كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون «1» » .
فقوله في هذا الحديث «الحجاب» «وإذا خرج ملك من من الحجاب» يجب أن يقال إنه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته، وعجائب ملكوته وجبروته، ويدل عليه من الحديث قول جبريل عن الملك الذي خرج من ورائه: إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه» فدل: على أن هذا الحجاب لم يختص بالذات، ويدل عليه قول كعب «2» في تفسير سدرة المنتهى قال: إليها ينتهي علم الملائكة، وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم.
وأما قوله «الذي يلي الرحمن» فيحمل على حذف مضاف أي:
يلي عرش الرحمن: أو أمرا ما من عظيم آياته، أو مبادي حقائق معارفه مما هو أعلم به.
كما قال تعالى: «وسئل القرية «1» » أي «أهلها» .
وقوله: فقيل من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر
فظاهره: أنه سمع في هذا الموطن كلام الله تعالى ولكن من وراء حجاب.
كما قال تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب «2» » أي وهو لا يراه، حجب بصره عن رؤيته.
فإن صح القول: بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل. فيحتمل أنه في غير هذا الموطن. بعد هذا. أو قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه.
والله أعلم.
ثم اختلف السلف والعلماء
هل كان إسراؤه بروحه أو جسده!؟ ..
على ثلاث مقالات:
فذهب طائفة: إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام.
مع اتفاقهم: أن رؤيا الأنبياء حق ووحي.
وإلى هذا ذهب «1» معاوية «2» وحكي «3» عن الحسن «4» ، والمشهور عنه خلافه وإليه أشار محمد بن اسحق «5» .
وحجتهم قوله تعالى «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس «1» » .
وما «2» حكوا عن عائشة «3» رضي الله عنها:
ما فقدت «4» جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وقوله: «بينا أنا نائم» .
وقول أنس «5» : وهو نائم في المسجد الحرام. وذكر القصة ثم قال في آخرها: فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام..
وذهب معظم السلف والمسلمين: إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة.
وهذا هو الحق.. وهو قول ابن عباس «6» - وجابر «7» - وأنس «8» - وحذيفة «9» - وعمر «10» - وأبي هريرة «11» - ومالك
بن صعصعة «1» - وأبي حبة «2» البدري- وابن مسعود «3» - والضحاك «4» - وسعيد بن جبير «5» - وقتادة «6» - وابن المسيب «7» - وابن شهاب «8» - وابن زيد «9» - والحسن «10» - وإبراهيم «11» - ومسروق «12» ومجاهد «13» - وعكرمة «14» - وبن جريج «15» .
وهو دليل قول عائشة «16» . وهو قول الطبرى «17» - وابن
حنبل «1» - وجماعة عظيمة من المسلمين.
وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، والمفسرين.
وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح.
واحتجوا بقوله تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى «2» » .
فجعل «إلى المسجد الأقصى» غاية الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة والتمدح بتشريف النبي محمد صلى الله عليه وسلم به وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه.
قال هؤلاء: ولو كان الإسراء بجسده الى زائد المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح.
ثم اختلفت هذه الفرقة: هل صلى ببيت المقدس؟! أم لا ففي حديث أنس «3» وغيره: ما تقدم من صلاته فيه.
وأنكر ذلك «1» حذيفة «2» بن اليمان وقال:
«والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا»
قال القاضي وفقه الله: والحق من هذا والصحيح إن شاء الله إنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار.
- ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة.
- إذ لو كان مناما لقال: بروح عبده. ولم يقل بعبده، وقوله تعالى «ما زاغ البصر وما طغى «3» » ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ولما استبعده الكفار ولا كذبوا فيه ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر.
بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته.
إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس
في رواية أنس، أو في السماء على ما روى غيره، وذكر مجيء جبريل له بالبراق وخبر المعراج، واستفتاح السماء، فيقال: من معك؟ ..
فيقول: محمد ... ولقائه الأنبياء فيها، وخبرهم معه، وترحيبهم به، وشأنه في فرض الصلاة، ومراجعته مع موسى في ذلك وفي بعض هذه الأخبار «فأخذ- يعني جبريل بيدي فعرج بي إلى السماء» إلى قوله «ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» وأنه وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره.
قال «1» ابن عباس «2» : «هي رؤيا عين رآها صلى الله عليه وسلم لا رؤيا منام» .
وعن «3» الحسن «4» فيه «بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني «5» بعقبه فقمث فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي- ذكر ذلك ثلاثا-
فقال في الثالثة: «فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد، فإذا بدابة.. وذكر خبر البراق..
وعن «1» أم هانيء «2» : ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي تلك الليلة. صلى العشاء الآخرة ونام بيننا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا «3» رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا.
قال «يا أم هانيء.. لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي. ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه. ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون..»
وهذا بين في أنه بجسده..
وعن «4» أبي بكر «5» من رواية شداد «6» بن أوس عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به:
«طلبتك يا رسول الله البارحة في مكانك فلم أجدك» ..
فأجابه «إن جبريل عليه السلام حملني إلى المسجد الأقصى.
وعن «1» عمر «2» رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد ثم دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه آنية ثلاث. وذكر الحديث.
وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة فتحمل على ظاهرها.
وعن «3» أبي ذر «4» عنه صلى الله عليه وسلم: «فرج «5» سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل فشرح صدري، ثم غسله بماء زمزم.. إلى آخر القصة ثم أخذ بيدي فعرج بي..
وعن أنس «6» «أتيت فانطلقوا بي إلى زمزم، فشرح عن صدري» .
وعن «7» أبي هريرة «8» عنه «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني
عن مسراي.. فسألتني عن أشياء لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط.. فرفعه الله لي أنظر إليه» .
ونحوه «1» عن جابر «2» ..
وقد روى عمر بن «3» الخطاب رضي الله عنه في حديث الإسراء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«ثم رجعت إلى خديجة وما تحولت عن جانبها» .
احتجوا بقوله تعالى: «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك «1» » فسماها رؤيا..
قلنا: قوله: «سبحان الذي أسرى بعبده «2» » يرده لأنه لا يقال في النوم «أسرى» .
وقوله: فتنة للناس» يؤيد أنها رؤيا عين وإسراء بشخص إذ ليس في الحلم «3» فتنة، ولا يكذب به أحد، لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في ساعة واحدة في أقطار متباينة.
على أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية.
فذهب بعضهم «إلى أنها نزلت في قضية الحديبية، وما وقع في نفوس الناس من ذلك.
وقيل: غير هذا
وأما قولهم: إنه قد سماها في الحديث مناما
وقوله في حديث آخر: «بين النائم واليقظان» وقوله أيضا: «وهو نائم»
وقوله: «ثم استيقظت» ... فلا حجة فيه ... إذ قد يحتمل أن أول وصول الملك إليه كان وهو نائم. أو: أول حمله والإسراء به وهو نائم وليس في الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه قوله: «ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام» .
فلعل قوله: «استيقظت» بمعنى أصبحت، أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته. ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليله، وإنما كان في بعضه.
وقد يكون قوله: «استيقظت وأنا في المسجد الحرام» لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض. وخامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى، وما رأى من آيات ربه الكبرى، فلم يستفق، ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام.
ووجه ثالث: أن يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه، ولكنه أسري بجسده وقلبه حاضر ورؤيا الأنبياء حق، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو من هذا قال: تغميض عينيه لئلا يشغله شيء من المحسوسات عن الله تعالى ... ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات.
ووجه رابع: وهو أن يعبر بالنوم ههنا عن هيئة النائم من الاضطجاع ... ويقويه قوله في رواية عبد «1» بن حميد عن همام «2» :
«بينا أنا نائم» - وربما قال- مضطجع وقوله في الرواية الأخرى «بين النائم واليقظان» فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت هيئة النائم غالبا.
وذهب بعضهم: إلى أن هذه الزيادات من النوم، وذكر شق
البطن ودنو الرب عز وجل الواقعة في هذا الحديث، إنما هي من رواية شريك «1» عن أنس «2» فهي منكرة «3» من روايته.
إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغره صلى الله عليه وسلم.
ولأنه قال في الحديث: «قبل أن يبعث» والإسراء بالإجماع كان بعد المبعث. فهذا كله يوهن ما وقع في رواية أنس «4» مع أن أنسا قد بين من غير طريق أنه إنما رواه عن غيره، وأنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال مرة: «عن مالك «5» بن صعصعة»
وفي كتاب مسلم: «لعله عن مالك بن صعصعة» على الشك
وقال مرة: «كان أبو ذر «1» يحدث» «2»
وأما قول «3» عائشة «4» : «ما فقدت جسده» فعائشة لم تحدث به عن مشاهدة، لأنها لم تكن حينئذ زوجه، ولا في سن من يضبط ولعلها لم تكن ولدت بعد. على الخلاف في الإسراء متى كان.
- فإن الإسراء كان في أول الإسلام على قول الزهري «5» ومن وافقه بعد المبعث بعام ونصف وكانت عائشة «6» في الهجرة بنت نحو ثمانية أعوام.
وقد قيل: كان الإسراء لخمس قبل الهجرة.
وقيل: قبل الهجرة بعام.
والأشبه: أنه لخمس.
والحجة لذلك: تطول.. ليست من غرضنا فإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل على أنها حدثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها.
وغيرها يقول خلافه مما وقع نصا في حديث أم هانيء «1» وغيره وأيضا فليس حديث عائشة رضي الله عنها بالثابت والأحاديث الأخر أثبت، لسنا نعني حديث أم هانيء، وما ذكرت فيه خديجة «2» وأيضا فقد روي في حديث عائشة «ما فقدت» ولم يدخل بها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالمدينة، وكل هذا يوهنه.
بل الذي يدل عليه صحيح قولها إنه بجسده لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا عين، ولو كانت عندها مناما لم تنكره..
فإن قيل: فقد قال تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى «3» » فقد جعل «ما رآه» للقلب، وهذا يدل على أنه رؤيا نوم ووحي، لا مشاهدة عين وحس.
قلنا: يقابله قوله تعالى: «ما زاغ البصر وما طغى «4» » فقد أضاف الأمر للبصر.
وقد قال أهل التفسير في قوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى» أي لم يوهم القلب العين غير الحقيقة، بل صدق رؤيتها.
وقيل: ما أنكر قلبه ما رأته عيناه..
وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز فاختلف السلف «1» فيها، فأنكرته عائشة «2» رضي الله عنها..
عن مسروق «3» أنه قال لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين..
هل رأى محمد ربه؟ ..
فقالت «4» : «لقد قف «5» شعري مما قلت.. ثلاث من حدثك بهن فقد كذب.
من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت: «لا تدركه
الأبصار «1» ..» الآية وذكر الحديث.
وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها وهو المشهور «2» عن ابن مسعود «3» ومثله عن أبي «4» هريرة أنه قال: إنما رأى جبريل.»
واختلف عنه «5» وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين.
وعن ابن عباس «6» رضي الله عنهما: «أنه رآه بعينه «7» » .
وروى عطاء «8» عنه: «أنه رآه بقلبه» .
وعن أبي العالية «9» عنه: رآه بفؤاده مرتين «10» » .
وذكر «11» ابن إسحق «12» : أن ابن «13» عمر أرسل إلى ابن
عباس رضي الله عنهما يسأله: هل رأى محمد ربه.
فقال: نعم..
والأشهر عنه: أنه رأى ربه بعينه روي ذلك عنه من طرق.
وقال «1» : إن الله تعالى اختص موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة «2» ، ومحمدا بالرؤية.
وحجته قوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى «3» » .
قال الماوردي «4» : قيل: «إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين «5» » .
وحكى أبو الفتح الرازي «6» ، وأبو الليث «7» السمرقندي
الحكاية عن كعب «1» وروى «2» عبد الله «3» بن الحارث قال:
«اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: أما نحن بنو هاشم فنقول: إن محمدا قد رأى ربه مرتين» ..
فكبر كعب حتى جاوبته الجبال وقال: «إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلمه موسى ورآه محمد بقلبه» .
وروى شريك «4» عن أبي ذر «5» رضي الله عنه في تفسير الآية قال:
«رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه» .
وحكى «6» السمرقندي عن محمد «7» بن كعب القرظي وربيع «8» بن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل.. هل رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادي ولم أره بعيني» .
وروى «1» مالك «2» بن يخامر عن معاذ «3» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«رأيت ربي. وذكر كلمة.. فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ .. الحديث «4» .
وحكى عبد الرزاق «5» : أن الحسن «6» كان يحلف بالله، لقد رأى محمد ربه وحكاه أبو عمر الطلمنكي «7» عن عكرمة «8» .
وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود «9» .
وحكى ابن إسحق «1» : أن مروان «2» سأل أبا هريرة «3» .
«هل رأى محمد ربه» ؟ فقال: نعم..
وحكى النقاش «4» عن أحمد بن «5» حنبل أنه قال: «أنا أقول بحديث ابن عباس بعينيه رآه رآه..» حتى انقطع نفسه- يعني نفس أحمد..
وقال أبو عمرو «6» : قال أحمد بن حنبل: «رآه بقلبه» وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار.
وقال سعيد «7» بن جبير: «لا أقول رآه ولا لم يره» .
وقد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس «8» وعكرمة والحسن «9» وابن مسعود.
فحكي عن ابن عباس وعكرمة: «رآه بقلبه» .
وعن الحسن وابن مسعود: «رأى جبريل» .
وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أنه قال: رآه وعن ابن عطاء في قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك «1» » قال: «شرح صدره للرؤية، وشرح صدر موسى للكلام» .
وقال أبو الحسن «2» علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه وجماعة من أصحابه:
أنه رأى الله تعالى ببصره وعيني رأسه وقال: كل آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهم السلام فقد أوتي مثلها نبينا صلى الله عليه وسلم وخص من بينهم بتفضيل الرؤية.
ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال: ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز أن يكون.
قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: «والحق الذي لا امتراء
فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا. وليس في العقل ما يحيلها» .
والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها.
ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه.. بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل.
ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله.
فقال له تعالى: «لن تراني «1» » أي لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من نبيه موسى، وأثبت وهو الجبل.. وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا بل فيه جوازها على الجملة.
وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها..
إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة..
ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: «لا تدركه الأبصار «2» » لاختلاف التأويلات في الآية.. وإذ ليس يقتضي
قول من قال في الدنيا الاستحالة..
وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على الجملة.
وقد قيل: لا تدركه أبصار الكفار.
وقيل: لا تدركه الأبصار. لا تحيط به. وهو قول ابن عباس وقد قيل: لا تدركه الأبصار وإنما يدركه المبصرون.
وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها.
وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى: «لن تراني «1» » .
وقوله: «تبت إليك «2» » لما قدمناه، ولأنها ليست على العموم، ولأن من قال: معناها لن تراني في الدنيا، إنما هو تأويل.
وأيضا فليس فيه نص الامتناع.
وإنما جاءت في حق موسى.
وحيث تتطرق التأويلات، وتتسلط الاحتمالات، فليس للقطع
إليه سبيل وقوله «تبت إليك» أي من سؤالي ما لم تقدره لي..
وقد قال أبو «1» بكر الهذلي في قوله: «لن تراني» أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا، وأنه من نظر إلي مات
وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه: أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة، لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرة عرضا للآفات والفناء، فلم تكن لهم قوة على الرؤية.
فإذا كان في الآخرة، وركبوا تركيبا آخر ورزقوا قوى ثابتة باقية، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية..
وقد رأيت نحو هذا لمالك «2» بن أنس رحمه الله قال: لم يرفي الدنيا لأنه باق، ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رؤي الباقي بالباقي.
وهذا كلام حسن مليح.. وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة.
فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده، وأقدره على حمل أعباء
الرؤية لم تمتنع في حقه، وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. ونفوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه ورؤية ما رأياه.. والله أعلم.
وقد ذكر القاضي «1» أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين «2» ما معناه: إن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا.
وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له.
واستنبط ذلك- والله أعلم- من قوله «ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني «3» » ثم قال «فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا «4» » «5» وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه- على هذا القول..
وقال جعفر «6» بن محمد: شغله بالجبل حتى تجلى- ولولا ذلك لمات صعقا بلا إفاقة.
وقوله هذا: يدل على أن موسى رآه.
وقد وقع لبعض المفسرين في «الجبل» أنه رآه
وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا له إذ جعله دليلا على الجواز.
- ولا مرية في الجواز.. إذ ليس في الآيات نص في المنع.
وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه.. فليس فيه قاطع أيضا ولا نص..
- إذ المعول فيه على آيتي النجم. والتنازع فيهما مأثور.
والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
وحديث ابن عباس «1» : خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجب العمل باعتقاد مضمنه «2» .
ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية.
وحديث معاذ «3» محتمل للتأويل «4» . وهو مضطرب الإسناد
والمتن وحديث أبي ذر «1» الآخر مختلف، محتمل، مشكل، فروي «2» «نور أنى «3» أراه»
وحكى بعض شيوخنا أنه روي «نوراني أراه» .
وفي حديثه «4» الآخر.. سألته فقال: رأيت نورا.
وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية..
فإن كان الصحيح «رأيت نورا» فهو قد أخبر أنه لم ير الله تعالى.. وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله تعالى.
وإلى هذا يرجع قوله: «نور أنى أراه» أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر..
وهذا مثل ما في الحديث «5» الآخر «حجابه النور» .
وفي الحديث الآخر «6» : «لم أره بعيني.. ولكن رأيته
بقلبي مرتين» وتلا: «ثم دنا فتدلى «1» » ..
والله تعالى قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب..
أو كيف شاء لا إله غيره..
فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه إذ لا استحالة فيه ولا مانع قطعي يرده والله الموفق للصواب.
وأما ما ورد في هذه القصة من مناجاته لله تعالى وكلامه معه بقوله «فأوحى إلى عبده ما أوحى
«1» إلى ما تضمنته الأحاديث.
فأكثر المفسرين على أن الموحي هو الله عز وجل إلى جبريل وجبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.. إلا شذوذا «2» منهم..
فذكر عن جعفر «3» بن محمد الصادق قال: «أوحى إليه بلا واسطة» .
ونحوه عن الواسطي «4» ..
وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين: «أن محمدا كلم ربه في الإسراء» .
وحكي عن الأشعري «1» وحكوه عن ابن مسعود «2» وابن عباس «3» وأنكره آخرون.
وذكر النقاش «4» عن ابن عباس «5» في قصة الإسراء عنه صلى الله عليه وسلم في قوله «دنا فتدلى «6» » .
قال «فارقني جبريل.. فانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي وهو يقول: ليهدأ روعك يا محمد. ادن ادن.
وفي حديث أنس «7» في الإسراء «8» .. نحو منه..
وقد احتجوا في هذا بقوله تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا
فيوحي بإذنه ما يشاء «1» » !
فقالوا: هي ثلاثة أقسام:
- من وراء حجاب كتكليم موسى.
- وبإرسال الملائكة، كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبينا صلى الله عليه وسلم.
- الثالث قوله «إلا وحيا» ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة.
وقد قيل: «الوحي» هنا هو ما يلقيه في قلب النبي دون واسطة.
وقد ذكر أبو بكر «2» البزار عن علي «3» في حديث الإسراء ما هو أوضح في سماع النبي صلى الله عليه وسلم لكلام الله من الآية فذكر فيه:
فقال الملك «4» .. الله أكبر الله أكبر.. فقيل لي من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر.. وقال في سائر كلمات الأذان مثل ذلك.
ويجيء الكلام في مشكل هذين الحديثين في الفصل بعد هذا مع ما يشبهه، وفي أول فصل من الباب منه
- وكلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن اختصه من أنبيائه جائز غير ممتنع عقلا، ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه.
فإن صح في ذلك خبر اعتمد عليه.
وكلامه تعالى لموسى كائن حق مقطوع به، نص ذلك في الكتاب وأكده بالمصدر دلالة على الحقيقة، ورفع مكانه على ما ورد في الحديث في السماء السابعة «1» بسبب كلامه.. ورفع محمدا فوق هذا كله، حتى بلغ مستوى وسمع صريف الأقلام..
فكيف يستحيل في حق هذا، أو يبعد سماع الكلام فسبحان من خص من شاء بما شاء، وجعل بعضهم فوق بعض درجات..
وأما ما ورد في حديث الإسراء، وظاهر الآية من الدنو والقرب من قوله: «دنا فتدلى «1» فكان قاب قوسين أو أدنى «2» »
فأكثر المفسرين: أن الدنو والتدلي منقسم ما بين محمد وجبريل عليهما السلام..
أو مختص بأحدهما من الآخر..
أو من سدرة المنتهى.
قال «3» الرازي «4» وقال ابن عباس «5» هو محمد دنا فتدلى من ربه
وقيل: معنى «دنا» قرب و «تدلى» زاد في القرب.
وقيل: هما بمعنى واحد أي قرب.
وحكى مكي «1» والماوردي «2» عن «3» ابن عباس «4» هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه.. أي أمره وحكمه..
وحكى النقاش «5» عن الحسن «6» قال: «دنا» من عبده محمد صلى الله عليه وسلم «فتدلى» فقرب منه، فأراه ما شاء أن يريه من قدرته وعظمته..
قال «7» .. وقال ابن عباس «8» : هو مقدم ومؤخر.. تدلى الرفرف «9» لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه..
قال: «فارقني جبريل، وانقطعت عني الأصوات وسمعت كلام ربي عز وجل» .
وعن «1» أنس «2» في الصحيح: «عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه بما شاء.. وأوحى إليه خمسين صلاة «3» ..
وذكر حديث الإسراء..
وعن محمد بن كعب «4» : هو محمد دنا من ربه فكان قاب قوسين.
وقال جعفر «5» بن محمد: أدناه ربه منه حتى كان منه كقاب قوسين وقال جعفر بن محمد: والدنو من الله لا حد له، ومن العباد بالحدود..
وقال أيضا: انقطعت الكيفية عن الدنو.. ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه، ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان، فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه، وزال عن قلبه الشك والارتياب.
قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله، أو إلى الله، فليس بدنو مكان، ولا قرب مدى.. بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق ليس بدنو حد.. وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه، وقربه منه، إبانة «1» عظيم منزلته، وشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته.. ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام.
«يتأول فيه ما يتأول في قوله «2» . «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» على أحد الوجوه نزول إفضال «3» وإجمال «4» ، وقبول وإحسان.
قال الواسطي «5» : من توهم أنه بنفسه دنا، جعل ثم مسافة بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا، يعني عن درك حقيقته.
إذ لا دنو للحق ولا بعد.
وقوله «قاب قوسين أو أدنى «6» » .
فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم.
وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب وإظهار التحفي..
وإنافة «1» المنزلة والرتبة من الله له.
ويتأول فيه ما يتأول في قوله «2» «من تقرب مني شبرا، تقربت منه ذراعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ..
قرب بالإجابة والقبول..
وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول.
عن «1» أنس «2» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا.. لواء الحمد بيدي.. وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر.
وفي رواية ابن زحر «3» عن الربيع «4» بن أنس في لفظ هذا الحديث «5» : أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا.. وأنا قائدهم
إذا وفدوا.. وأنا خطيبهم إذا أنصتوا.. وأنا شفيعهم إذا حبسوا.. وأنا مبشرهم إذا أبلسوا.. لواء الكرم بيدي..
وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر.. ويطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون.
وعن «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه: وأكسى حلة من حلل الجنة.. ثم أقوم عن يمين العرش.. ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري.
وعن أبي «3» سعيد «4» الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أنا سيد ولد آدم يوم القيامة.. وبيدي لواء الحمد ولا فخر..
وما نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي.. وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر..
وعن «5» أبي هريرة «6» عنه صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع.
وعن «1» ابن عباس «2» رضي الله عنهما: «أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشفع، ولا فخر.. وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح لي فأدخلها فيدخل معي فقراء المؤمنين، ولا فخر. وأنا أكرم الأولين والآخرين، ولا فخر» .
وعن أنس «3» «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الناس تبعا» ..
وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد الناس يوم القيامة.. وتدرون لم ذلك؟ .. يجمع الله الأولين والآخرين» .. وذكر حديث الشفاعة..
وعن «6» أبي هريرة «7» رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أطمع أن أكون أعظم الأنبياء أجرا يوم القيامة» .
وفي حديث «1» آخر: «أما ترضون أن يكون إبراهيم وعيسى فيكم يوم القيامة.. ثم قال: إنهما في أمتي يوم القيامة.. أما إبراهيم فيقول: أنت دعوتي وذريتي فاجعلني من أمتك.. وأما عيسى فالأنبياء إخوة بنو علات «2» أمهاتهم شتى.. وإن عيسى أخي ليس بيني وبينه نبي وأنا أولى الناس به» .
قوله: «أنا سيد الناس يوم القيامة» هو سيدهم في الدنيا ويوم القيامة، ولكن أشار صلى الله عليه وسلم لانفراده فيه بالسؤدد والشفاعة دون غيره، إذ لجأ الناس إليه في ذلك فلم يجدوا سواه، «والسيد» هو الذي يلجأ الناس إليه في حوائجهم.. فكان حينئذ سيدا منفردا من بين البشر، لم يزاحمه أحد في ذلك ولا ادعاه..
كما قال تعالى: «لمن الملك اليوم؟. لله الواحد القهار «3» » والملك له تعالى في الدنيا والآخرة.. لكن في الآخرة، انقطعت دعوى المدعين لذلك في الدنيا. وكذلك لجأ إلى محمد صلى الله عليه وسلم جميع
الناس في الشفاعة فكان سيدهم في الأخرى دون دعوى.
وعن «1» أنس «2» رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم، «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول:
محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك.
وعن «3» عبد الله بن «4» عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«حوضي مسيرة شهر، وزواياه «5» سواء وماؤه أبيض «6» من الورق «7» ، وريحه أطيب من المسك، كيزانه «8» ، كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا» ..
وعن «1» أبي ذر «2» نحوه وقال: «طوله ما بين عمان إلى أيلة «3» يشخب «4» فيه ميزابان «5» من الجنة.
وعن «6» ثوبان «7» مثله، وقال: «أحدهما من ذهب والآخر من ورق» .
وفي رواية «8» حارثة «9» بن وهب: «كما بين المدينة وصنعاء» .
وقال أنس «10» «أيلة وصنعاء» .
وقال «1» ابن عمر «2» «كما بين الكوفة والحجر الأسود»
وروى حديث الحوض أيضا أنس «3» ، وجابر بن سمرة «4» ، وابن عمر «5» ، وعقبة «6» بن عامر، وحارثة «7» بن وهب الخزاعي، والمستورد «8» ، وأبو بزرة «9» الأسلمي، وحذيفة «10» بن اليمان، وأبو أمامة «11» ، وزيد «12» بن أرقم، وابن مسعود «13» ، وعبد الله «14»
بن زيد، وسهل «1» بن سعد، وسويد «2» بن جبلة، وأبو بكر «3» ، وعمر «4» بن الخطاب، وابن بريدة «5» ، وأبو سعيد الخدري «6» ، وعبد الله «7» الصنابحي، وأبو هريرة «8» ، والبراء «9» ، وجندب «10» وعائشة «11» وأسماء «12» بنتا أبي بكر، وأبو بكره «13» ،
وخولة «1» بنت قيس ... وغيرهم [2] رضي الله عنهم أجمعين.
جاءت بذلك الآثار الصحيحة.. واختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله..
عن «1» أبي سعيد «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو كنت متخذا خليلا «3» لا تخذت أبا بكر» .
وفي حديث آخر: «وإن صاحبكم خليل الله «4» » .
ومن «5» طريق عبد الله «6» بن مسعود: «وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» .
وعن «1» ابن عباس «2» قال: جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه.. قال:
فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم..
فقال بعضهم: عجبا.. إن الله اتخذ إبراهيم من خلقه خليلا..
وقال آخر: «ماذا «3» بأعجب من كلام موسى.. كلمه الله تكليما» .
وقال آخر: «فعيسى كلمة الله وروحه» .
وقال آخر: «آدم اصطفاه الله» .
فخرج عليهم فسلم، وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبكم، أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا، وهو كذلك، وموسى نجي الله، وهو كذلك، وعيسى روح الله، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله.. وهو كذلك.. ألا وأنا حبيب الله ولا فخر.. وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر.. وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله
لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» ..
وفي حديث «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه «من «3» قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: إني اتخذتك خليلا.. فهو مكتوب في التوراة.
أسب «4» حبيب الرحمن» .
قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: اختلف في تفسير «الخلة» وأصل اشتقاقها.
فقيل: «الخليل» المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال.
وقيل: «الخليل» المختص «5» .. واختار هذا القول غير واحد
وقال بعضهم: أصل «الخلة «6» » الاستصفاء «7» .. وسمي
إبراهيم «خليل الله» لأنه يوالي فيه ويعادي فيه.. وخلة الله له.
نصره وجعله إماما لمن بعده.
وقيل: «الخليل» أصله الفقير، المحتاج، المنقطع..
مأخوذ من «الخلة «1» » وهي الحاجة.. فسمي بها إبراهيم لأنه قصر حاجته على ربه، وانقطع إليه بهمه، ولم يجعله قبل غيره، إذ جاءه جبريل، وهو في المنجنيق، ليرمى به في النار فقال: ألك حاجة؟.
قال: أما إليك فلا..
وقال أبو بكر «2» بن فورك «الخلة» صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار..
وقال بعضهم: أصل «الخلة» المحبة.. ومعناها الإسعاف والإلطاف، والترفيع، والتشفيع..
وقد بين ذلك في كتابه تعالى بقوله: «وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه.. قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟!. «3» »
فأوجب للمحبوب.. أن لا يؤاخذ بذنوبه..
قال: هذا والخلة أقوى من البنوة.. لأن البنوة قد تكون فيها العداوة.
كا قال تعالى: «إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم «1» » الآية..
ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة.. فإذا.. تسمية إبراهيم، ومحمد عليهما السلام- «بالخلة» إما بانقطاعهما إلى الله، ووقف حوائجهما عليه، والانقطاع عمن دونه، والإضراب عن الوسائط والأسباب.
- أو لزيادة الاختصاص منه تعالى لهما وخفي ألطافه عندهما، وما خالل بواطنهما من أسرار إلهيته، ومكنون غيوبه ومعرفته.
- أو لاستصفائه لهما، واستصفاء قلوبهما عمن سواه، حتى لم يخاللهما حب لغيره..
ولهذا قال بعضهم: «الخليل» من لا يتسع قلبه لسواه..
وهو عندهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم «2» : «لو كنت متخذا خليلا
لا تخذت أبا بكر «1» خليلا لكن أخوة الإسلام» .
واختلف العلماء أرباب القلوب «أيهما أرفع درجة.. الخلة أو درجة المحبه» ..
فجعلها بعضهم: «سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا ولا الخليل إلا حبيبا.. لكنه خص إبراهيم بالخلة ومحمدا بالمحبة» .
وبعضهم قال: «درجة الخلة أرفع.. واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم:
«لو كنت متخذا خليلا غير ربي عز وجل» فلم يتخذه.. وقد أطلق المحبة لفاطمة «2» وابنيها وأسامة «3» وغيرهم..
وأكثرهم: جعل المحبة أرفع من الخلة لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة الخليل إبراهيم.
وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب «4» .. ولكن هذا
في حق من يصح الميل منه، والانتفاع بالوفق «1» وهي درجة المخلوق.. فأما الخالق فمنزه عن الأغراض.
- فمحبته لعبده تمكينه من سعادته، وعصمته وتوفيقه، وتهيئة أسباب القرب، وإفاضة رحمته عليه.. وقصواها كشف الحجب عن قلبه، حتى يراه بقلبه، وينظر إليه ببصيرته فيكون كما قال في الحديث «2» .
«فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به» ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله والانقطاع إلى الله، والإعراض عن غير الله. وصفاء القلب لله، وإخلاص الحركات لله.
كما قالت عائشة «3» رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن..
برضاه يرضى. وبسخطه يسخط» .
ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا
فإذا ما نطقت كنت حديثي ... وإذا ما سكت كنت الغليلا «1»
فإذا مزية الخلة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة، المتلقاة بالقبول من الأمة.
وكفى بقوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله ... «2» » الآية
حكى أهل التفسير: أن هذه الآية لما نزلت قال الكفار:
إنما يريد محمد أن نتخذه حنانا «3» كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم.
فأنزل الله غيظا لهم، ورغما على مقالتهم هذه الآية:
«قل أطيعوا الله والرسول «4» » .
فزاده شرفا بأمرهم بطاعته، وقرنها بطاعته ثم توعدهم على التولي عنه.
بقوله: فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين «1» » .
وقد نقل الإمام أبو بكر «2» بن فورك عن بعض المتكلمين كلاما في الفرق بين المحبة والخلة.. ونحن نذكر منه طرفا يهدي إلى ما بعده.
فمن ذلك قولهم: «الخليل» يصل بالواسطة.. من قوله:
«وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض «3» » :
«والحبيب» يصل إليه به من قوله: «فكان قاب قوسين أو أدنى «4» » .
وقيل: «الخليل» الذي تكون مغفرته في حد الطمع من قوله:
«والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي «5» » .
«والحبيب» الذي مغفرته في حد اليقين من قوله:
«ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «6» » الآية
«الخليل» قال: «ولا تخزني يوم يبعثون «1» »
«والحبيب» قيل له: «يوم لا يخزي الله النبي «2» »
فابتديء بالبشارة قبل السؤال.
«والخليل» قال يوم المحنة حسبي الله.
«والحبيب» قيل له «يا أيها النبي حسبك الله «3» » .
«والخليل» قال: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين «4» »
«والحبيب» قيل له «ورفعنا لك ذكرك «5» »
أعطي بلا سؤال
«والخليل» قال «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام «6» »
«والحبيب» قيل له «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت «7» » .
وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب المقال من تفضيل المقامات والأحوال، و «كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا «1» » .
قال تعالى: «عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا «1» » .
عن آدم «2» بن علي قال: سمعت ابن عمر «3» يقول «4» : «إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى «5» . كل أمة تتبع نبيها يقولون:
يا فلان اشفع لنا.. يا فلان اشفع لنا.. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.»
وعن «1» أبي هريرة «2» : سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني قوله «عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا» .
فقال «هي الشفاعة» .
وروى كعب بن مالك «3» عنه صلى الله عليه وسلم «4» «يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول.. فذلك المقام المحمود» .
وعن ابن عمر «5» رضي الله عنهما- وذكر حديث الشفاعة- قال: «فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود الذي وعده» .
وعن ابن مسعود «6» عنه صلى الله عليه وسلم «7» «أنه قيامه عن يمين العرش
مقاما لا يقومه غيره يغبطه «1» فيه الأولون والآخرون»
ونحوه عن كعب «2» والحسن «3» .
وفي رواية «هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه» .
وعن ابن مسعود «4» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» : «إني لقائم المقام المحمود.. قيل: وما هو؟ قال: ذلك يوم ينزل الله تبارك وتعالى على «6» كرسيه.. الحديث» .
وعن أبي موسى «7» رضي الله عنه: عنه صلى الله عليه وسلم «8» «خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم أترونها للمتقين؟ ولكنها للمذنبين الخطائين.
وعن «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله..
ماذا ورد عليك في الشفاعة فقال: شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا، يصدق لسانه قلبه» .
وعن أم حبيبة «3» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «4» : «أريت ما تلقى أمتي من بعدي.. وسفك بعضهم دماء بعض.. وسبق لهم من الله ما سبق للأمم قبلهم.. فسألت الله أن يؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم.. ففعل» .
وقال «5» حذيفة «6» : يجمع الله الناس في صعيد «7» واحد حيث
يسمعهم الداعي وينفذهم «1» البصر.. حفاة «2» عراة «3» كما خلقوا، سكوتا لا تكلم نفس إلا بإذنه فينادى محمد.. فيقول:
لبيك «4» وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك ولك وإليك، ولا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك.. تباركت وتعاليت.. سبحانك رب البيت» .
قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله.
وقال ابن عباس «5» رضي الله عنهما «6» .
إذا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة فيبقى آخر زمرة من الجنة وآخر زمرة من النار.. فتقول زمرة النار لزمرة الجنة:
ما نفعكم إيمانكم!! فيدعون ربهم ويضجون فيسمعهم أهل الجنة.
فيسألون آدم، وغيره بعده في الشفاعة لهم.. فكل يعتذر حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم. فذلك المقام المحمود..
ونحوه «1» عن ابن مسعود «2» أيضا، ومجاهد «3» ، وذكره علي «4» بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم «5» ..
وقال «6» جابر «7» بن عبد الله ليزيد «8» الفقير: «سمعت بمقام محمد؟ - يعني الذي يبعثه الله فيه-
قال: قلت: نعم.. قال: فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج- يعني من النار- وذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين-
وعن أنس «1» نحوه «2» وقال: فهذا المقام المحمود الذي وعده.
وفي رواية أنس «3» وأبي هريرة «4» وغيرهما- دخل حديث بعضهم في حديث بعض «5» - قال صلى الله عليه وسلم «6» : «يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة فيهتمون- أو قال فيلهمون- فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا» .
ومن طريق آخر عنه: «ماج «7» الناس بعضهم في بعض» .
وعن «8» أبي هريرة «9» : «وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقولون: ألا تنظرون من يشفع لكم!! .. فيأتون آدم، فيقولون- زاد بعضهم أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء- اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا.. ألا ترى ما نحن فيه!!! ..
فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيت.. نفسي..
نفسي اذهبوا إلى غيري.. اذهبوا إلى نوح.. فيأتون نوحا، فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى ما نحن فيه!!! ألا ترى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك؟! فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله.. نفسي.. نفسي..
قال في رواية أنس «1» : ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم.
وفي رواية أبي هريرة «2» رضي الله عنه: وقد كانت لي دعوة دعوتها على قومي.. اذهبوا إلى غيري.. اذهبوا إلى إبراهيم.
فإنه خليل الله.
فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض.. اشفع لنا إلى ربك.. ألا ترى ما نحن فيه؟!.
فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا ... فذكر مثله..
ويذكر ثلاث كلمات كذبهن «1» - نفسي.. نفسي.. لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله.
وفي رواية: فإنه عبد آتاه الله التوراة، وكلمه، وقربه نجيا.
فيأتون موسى. فيقول: لست لها- ويذكر خطيئته «2» التي أصاب، وقتله «3» النفس.. نفسي نفسي. ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته.. فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد. عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فأوتى فأقول: أنا لها.. فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي..
فإذا رأيته وقعت ساجدا.
وفي رواية: فآتي تحت العرش فأخر ساجدا.
وفي رواية: فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الا أنه يلهمنيها الله.
وفي رواية: فيفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي.
قال في رواية أبي هريرة: فيقال: يا محمد. ارفع رأسك.
سل تعطه واشفع تشفع.. فأرفع رأسي فأقول: يا رب.. أمتي..
يا رب.. أمتي.. فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة.. وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب» .
ولم يذكر في رواية أنس هذا الفصل وقال مكانه:
ثم أخر ساجدا.. فيقال لي: يا محمد.. ارفع رأسك.. وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعطه «1» .. فأقول: يا رب أمتي.. أمتي.. فيقال: انطلق. فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى
ربي، فأحمده بتلك المحامد- وذكر مثل الأول وقال فيه «1» - مثقال حبة من خردل «2» - قال:
فأفعل، ثم أرجع- وذكر مثل ما تقدم، وقال فيه- من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل- فأفعل وذكر في المرة الرابعة «3» - فيقال لي: ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعطه.. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال:
لا إله إلا الله.. قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي «4» لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله.
ومن رواية قتادة «5» عنه «6» قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة، فأقول يا رب ما بقي في النار الا من حبسه القرآن «7»
- أي من وجب عليه الخلود- وعن «1» أبي بكر، وعقبة «2» بن عامر، وأبي سعيد «3» ، وحذيفة «4» مثله قال: «فيأتون محمدا فيؤذن له، وتأتي الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط» .
وذكر في رواية «5» أبي مالك عن حذيفة «6» : فيأتون محمدا فيشفع فيضرب الصراط فيمرون ... أولهم كالبرق، ثم كالريح والطير وشد الرجال «7» ، ونبيكم صلى الله عليه وسلم على الصراط.. يقول اللهم سلم سلم حتى يجتاز الناس- وذكر آخرهم جوازا.. الحديث
وفي رواية أبي هريرة «8» : فأكون أول من يجيز «9» .
وعن ابن عباس «10» عنه صلى الله عليه وسلم «11» : يوضع للأنبياء منابر يجلسون عليها، ويبقى منبري لا أجلس عليه.. قائما بين يدي ربي منتصبا.
فيقول الله تبارك وتعالى.. ما تريد أن أصنع بأمتك؟. فأقول:
يا رب عجل حسابهم.. فيدعى بهم فيحاسبون.. فمنهم من يدخل الجنة برحمته ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي، ولا أزال أشفع حتى أعطى صكاكا «1» برجال قد أمر بهم إلى النار.. حتى إن خازن النار ليقول: يا محمد.. ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة..
ومن طريق زياد «2» النميري عن أنس «3» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «4» قال: «أنا أول من تنفلق الأرض عن جمجمته «5» ولا فخر وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وأنا أول من تفتح له الجنة ولا فخر، فآتي فآخذ بحلقة الجنة فيقال:
من هذا؟. فأقول: محمد.. فيفتح لي.. فيستقبلني الجبار تعالى فأخر له ساجدا» - وذكر نحو ما تقدم-
ومن رواية أنيس «1» .. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «2» :
لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر..
فقد اجتمع من اختلاف ألفاظ هذه الآثار أن شفاعته صلى الله عليه وسلم ومقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها، من حين يجتمع الناس للحشر، وتضيق بهم الحناجر، ويبلغ منهم العرق والشمس والوقوف مبلغه، وذلك قبل الحساب، فيشفع حينئذ لإراحة الناس من الموقف، ثم يوضع الصراط ويحاسب الناس- كما جاء في الحديث عن أبي هريرة «3» وحذيفة «4» ، وهذا الحديث أتقن «5» - فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة- تقدم في الحديث-
ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ودخل النار منهم- حسبما تقتضيه الأحاديث الصحيحة- ثم فيمن قال: لا إله إلا الله- وليس هذا لسواه صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث المنتشر الصحيح «1» : «لكل نبي دعوة يدعو بها، واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» .
قال أهل العلم: معناه دعوة أعلم «2» أنها تستجاب لهم ويبلغ فيها مرغوبهم، وإلا فكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة، ولنبينا صلى الله عليه وسلم منها ما لا يعد، لكن حالهم عند الدعاء بها بين الرجاء والخوف. وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاؤوه يدعون بها على يقين من الإجابة..
وقد قال محمد بن زياد «3» وأبو صالح «4» عن أبي هريرة «5» في هذا الحديث: «لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وأنا أريد أن أؤخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» .
وفي رواية «6» أبي صالح: عن أبي هريرة، «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته» .
ونحوه في رواية أبي زرعة «1» عن أبي هريرة.
وعن أنس «2» مثل رواية ابن زياد «3» عن أبي هريرة. فتكون هذه الدعوة المذكورة مخصوصة بالأمة، مصمونة الإجابة، وإلا فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا، أعطي بعضها ومنع بعضها، وادخر لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة «4» ، وخاتمة المحن «5» وعظيم السؤال والرغبة. جزاه الله أحسن ما جزى نبيا عن أمته، صلى الله عليه وسلم كثيرا.
عن عبد الله «1» بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «2» :
«إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا.. ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله.. وأرجو أن أكون أنا هو
فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة.
وفي حديث «1» آخر عن أبي هريرة «2» : «الوسيلة «3» » أعلى درجة في الجنة.
وعن أنس «4» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» : «بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه «6» قباب «7» اللؤلؤ.. قلت لجبريل:
ما هذا؟؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله.. قال: ثم ضرب «8» بيده إلى طينته فاستخرج مسكا» .
وعن عائشة «9» وعبد الله «10» بن عمرو مثله قال: «ومجراه على الدر والياقوت وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج» .
وفي رواية عنه «فإذا هو يجري ولم يشق «1» شقا، عليه حوض ترد عليه أمتي» - وذكر حديث الحوض-
ونحوه «2» عن ابن عباس «3» ..
وعن ابن عباس «4» أيضا قال «5» : الكوثر «6» » الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
وقال سعيد «7» بن جبير: «والنهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله» .
وعن حذيفة «1» فيما ذكر صلى الله عليه وسلم عن ربه: فأعطاني الكوثر نهرا من الجنة يسيل في حوضي» .
وعن «2» ابن عباس في قوله تعالى: «ولسوف يعطيك ربك فترضى «3» » قال: «ألف قصر من لؤلؤ، ترابهن المسك، وفيه ما يصلحهن» .
وفي رواية أخرى: «وفيه ما ينبغي له من الأزواج والخدم» .
فإن قلت: إذا تقرر من دليل القرآن، وصحيح الأثر، وإجماع الأمة كونه أكرم البشر وأفضل الأنبياء، فما معنى الأحاديث الواردة بنهيه عن التفضيل، كقوله:
عن ابن عباس «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «2» : «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس «3» بن متى» ..
وفي غير هذا الطريق عن أبي هريرة «4» قال- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- «ما ينبغي لعبد» - الحديث.
وفي حديث «1» أبي هريرة «2» في اليهودي «3» الذي قال: «والذي اصطفى موسى على البشر» - فلطمه رجل من الأنصار وقال:
«تقول ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا» ؟!!.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تفضلوا بين الأنبياء» .
وفي رواية «4» «لا تخيروني على موسى» - فذكر الحديث.
وفيه: ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى.
وعن «5» أبي هريرة: من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب.
وعن ابن مسعود «6» : لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى.
وفي حديثه الآخر «7» : فجاءه رجل فقال: يا خير البرية..
فقال: ذاك إبراهيم.
فاعلم أن للعلماء في هذه الأحاديث تأويلات أحدها: أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم.. فنهى عن التفضيل
إذ يحتاج إلى توقيف «1» .. وأن من فضل بلا علم فقد كذب.
وكذلك قوله: لا أقول إن أحدا أفضل منه» ، لا يقتضي تفضيله هو، وإنما هو في الظاهر كف عن التفضيل
الوجه الثاني أنه قاله صلى الله عليه وسلم عن طريق التواضع ونفي التكبر والعجب، وهذا لا يسلم من الاعتراض «2» .
الوجه الثالث: ألا يفضل بينهم تفضيلا يؤدي إلى تنقص بعضهم، أو الغض منه، لا سيما في جهة يونس عليه السلام إذ أخبر الله عنه بما أخبر، لئلا يقع في نفس من لا يعلم منه بذلك غضاضة وانحطاط من رتبته الرفيعة.
إذ قال تعالى عنه: «إذ أبق «3» إلى الفلك المشحون «4» » «إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه «5» » .
فربما يخيل لمن لا علم عنده حطيطته «6» بذلك.
الوجه الرابع: منع التفضيل في حق النبوة والرسالة فإن الأنبياء فيها على حد واحد، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات، والرتب، والألطاف «1» وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل «2» ومنهم أولو عزم «3» من الرسل، ومنهم من رفع مكانا عليا «4» ، ومنهم من أوتي الحكم صبيا «5» وأوتي بعضهم الزبور «6» ، وبعضهم البينات «7» ، ومنهم من كلم الله «8»
ورفع بعضهم درجات «1» ، قال الله تعالى: «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض «2» » الآية.
وقال «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض «3» الآية.
وقال: بعض أهل العلم: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال:
- أن تكون آياته ومعجزاته أبهر وأشهر.
- أو تكون أمته أزكى وأكبر.
- أو يكون في ذاته أفضل وأظهر.
وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه، وتحف ولايته واختصاصه.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «4» : إن للنبوة أثقالا «5» ، وإن
يونس تفسخ «1» منها تفسخ الربع «2» ..
فحفظ صلى الله عليه وسلم موضع الفتنة من أوهام من يسبق إليه بسببها جرح في نبوته، أو قدح في اصطفائه، وحط من رتبته، ووهن في عصمته، شفقة منه صلى الله عليه وسلم على أمته.
وقد يتوجه على هذا الترتيب وجه خامس وهو أن يكون:
«أنا» راجعا إلى القائل نفسه، أي لا يظن أحد وإن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة ما بلغ أنه خير من يونس لأجل ما حكي عنه، فإن درجة النبوة أفضل، وأعلى وإن تلك الأقدار لم تحطه عنها حبة خردل ولا أدنى.
وسنزيد في القسم الثالث في هذا بيانا- إن شاء الله تعالى-.
فقد بان لك الغرض، وسقط بما حررناه شبهة المعترض.
وبالله التوفيق، وهو المستعان لا إله إلا هو..
عن جبير «1» بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم «2» : «لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب «3» .
وقد سماه الله تعالى في كتابه: محمدا وأحمد.
فمن خصائصه تعالى له: أن ضمن أسماءه ثناءه فطوى أثناء ذكره عظيم شكره..
فأما اسمه «أحمد» فأفعل ... مبالغة من صفة الحمد
و «محمد» مفعل» ... مبالغة من كثرة الحمد
فهو صلى الله عليه وسلم أجل من حمد وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدا فهو أحمد المحمودين وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة، ليتم له كمال الحمد، ويشتهر في تلك العرصات «1» بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده.
يحمده فيه الأولون والآخرون بشفاعته لهم، ويفتح عليه فيه من المحامد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما لم يعط غيره» ، وسمى الله أمته في كتب أنبيائه بالحمادين، فحقيق أن يسمى محمدا وأحمد.
ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه، وبدائع آياته فن آخر، هو أن الله جل اسمه حمى «2» أن يسمى بهما أحد قبل زمانه..
أما «أحمد» الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب، أو شك.
وكذلك: «محمد» أيضا لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم، إلى أن شاع قبيل وجوده صلى الله عليه وسلم وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد.. فسمى قوم
قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو و «الله أعلم حيث يجعل رسالته «1» » ..
وهم: محمد «2» بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد «3» بن مسلمة الأنصارى، ومحمد «4» براء البكري، ومحمد «5» بن سفيان بن مجاشع، ومحمد «6» بن حمران الجعفي، ومحمد «7» بن خزاعي السلمي لا سابع لهم.
ويقال: أول من سمي محمدا محمد بن سفيان «8» .
واليمن تقول: بل محمد بن اليحمد «9» من الأزد ثم حمى الله
كل من تسمى به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في أمره حتى تحققت السمتان «1» له صلى الله عليه وسلم، ولم ينازع فيهما.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر» ففسر في الحديث..
ويكون محو الكفر إما من مكة وبلاد العرب وما زوي «2» له من الأرض ووعد أنه يبلغه ملك أمته، أو يكون المحو عاما بمعنى الظهور والغلبة.
كما قال تعالى: «ليظهره على الدين كله «3» » .
وقد ورد تفسيره في الحديث «4» : أنه الذي محيت به سيئات من اتبعه» وقوله: «وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي» أي على زماني وعهدي.. أي ليس بعدي نبي كما قال: «وخاتم النبيين «5» » وسمي: «عاقبا» لأنه عقب غيره من الأنبياء وفي
الصحيح «أنا العاقب الذي ليس بعدي نبي» وقيل: معنى «على قدمي» أي يحشر الناس بمشاهدتي..
كما قال تعالى: «لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا «1» » .
وقيل: «على قدمي» على سابقتي.
قال الله تعالى: «أن لهم قدم صدق عند ربهم «2» » .
وقيل: «على قدمي» أي قدامي وحولي.. أي يجتمعون إلي يوم القيامة وقيل «قدمي» على سنتي.
ومعنى قوله: «لي خمسة أسماء» قيل إنها موجودة في الكتب المتقدمة، وعند أولى العلم من الأمم السالفة.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم «3» : لي عشرة أسماء.. وذكر منها «طه» و «يسن» حكاه مكي «4» .
وقد قيل في بعض تفاسير «طه» : أنه يا طاهر يا هادي.
وفي «يسن» يا سيد. حكاه السلمي «1» عن الواسطي «2» ، وجعفر «3» بن محمد.
وذكر غيره: لي عشرة أسماء، فذكر الخمسة التي في الحديث.
قال: وأنا رسول الرحمة «4» ، ورسول الراحة «5» ورسول الملاحم «6» ، وأنا المقفي «7» قفيت النبين، وأنا قيم «8» و «القيم» الجامع الكامل- كذا وجدته- ولم أروه «9» وأرى أن صوابه
«قثم» «1» بالثاء كما ذكرناه بعد عن الحربي «2» وهو أشبه بالتفسير «3» .
وقد وقع أيضا في كتب الأنبياء، قال داوود عليه السلام:
اللهم ابعث لنا محمدا مقيم السنة بعد الفترة.. فقد يكون «القيم» «4» بمعناه.
وروى النقاش «5» عنه صلى الله عليه وسلم «6» : «لي في القرآن سبعة أسماء محمد- وأحمد- ويس- وطه- والمدثر- والمزمل- وعبد الله-» .
وفي حديث آخر عن جبير «7» بن مطعم رضي الله عنه: هي ست، محمد، وأحمد، وخاتم، وعاقب، وحاشر، وماح.
وفي حديث أبي موسى «1» الأشعري أنه كان صلى الله عليه وسلم «2» يسمي لنا نفسه أسماء فيقول: أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة «3» ، ونبي الملحمة، ونبي الرحمة، ويروى: المرحمة والراحة، وكل صحيح- إن شاء- الله ومعنى «المقفي» معنى «العاقب» .
وأما نبي «الرحمة» «والتوبة» «والمرحمة» «والراحة» .
فقد قال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين «4» » .
وكما وصفه بأنه «يزكيهم. ويعلمهم الكتاب والحكمة «5» » «ويهديهم إلى صراط مستقيم «6» » و «بالمؤمنين رؤف رحيم «7» » .
وقد قال في صفة أمته إنها «1» : «أمة مرحومة» .
وقد قال تعالى فيهم: «وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة «2» أي يرحم بعضهم بعضا.
فبعثه صلى الله عليه وسلم «3» ربه تعالى رحمة للعالمين، ورحيما بهم، ومترحما، ومستغفرا لهم، وجعل أمته أمة مرحومة، ووصفها بالرحمة وأمرها صلى الله عليه وسلم بالتراحم وأثنى عليه فقال «4» . «إن الله يحب من عباده الرحماء» وقال «5» : «الراحمون يرحمهم الرحمن» «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» .
وأما رواية «نبي الملحمة «6» » فإشارة إلى ما بعث به من القتال والسيف صلى الله عليه وسلم.. وهي صحيحة..
وروى حذيفة «7» مثل حديث أبي موسى «8» وفيه «9» :
ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملاحم، وروى الحربي «1» في حديثه صلى الله عليه وسلم «2» أنه قال: «أتاني ملك فقال لي أنت قثم أي مجتمع قال و «القثوم» الجامع للخير وهذا اسم هو في أهل بيته صلى الله عليه وسلم معلوم.
وقد جاءت من ألقابه صلى الله عليه وسلم وسماته في القرآن عدة كثيرة سوى ما ذكرناه كالنور «3» ، والسراج «4» المنير، والمنذر «5» ، والنذير «6» ، والمبشر «7» ، والبشير «8» ، والشاهد «9» ، والشهيد «10» والحق المبين «11» ، وخاتم «12» النبيين، والرؤوف الرحيم «13» ،
والأمين «1» ، وقدم الصدق «2» ورحمة للعالمين «3» ، ونعمة الله «4» ، والعروة الوثقى «5» ، والصراط المستقيم «6» ، والنجم الثاقب «7» ، والكريم «8» والنبي الأمي «9» ، وداعي الله «10» ...
- في أوصاف كثيرة، وسمات جليلة، وجرى منها في كتب الله المتقدمة وكتب أنبيائه وأحاديث رسوله وإطلاق الأمة جملة شافية كتسميته: بالمصطفى، والمجتبى «11» ، وأبي القاسم، والحبيب
ورسول رب العالمين، والشفيع المشفع، والمتقي، والمصلح، والظاهر، والمهيمن، والصادق، والمصدوق، والهادي، وسيد ولد آدم، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر «1» المحجلين «2» ، وحبيب الله، وخليل الرحمن، وصاحب الحوض المورود، والشفاعة والمقام المحمود، وصاحب الوسيلة، والفضيلة والدرجة الرفيعة، وصاحب التاج، والمعراج واللواء، والقضيب، وراكب البراق، والناقة والنجيب «3» ، وصاحب الحجة والسلطان، والخاتم «4» والعلامة، والبرهان، وصاحب الهراوة والنعلين «5» ..
ومن أسمائه في الكتب: المتوكل، والمختار، ومقيم السنة،
والمقدس «6» وروح القدس «7» ، وروح الحق، وهو معنى «البار قليط «8» » في الإنجيل.
وقال ثعلب «1» : «البار قليط» الذي يفرق بين الحق والباطل ومن أسمائه في الكتب السالفة: ماذ ماذ «2» ومعناه طيب طيب «وحمطايا «3» » والخاتم والحاتم حكاه كعب الأحبار.
وقال ثعلب: «فالخاتم» الذي ختم الأنبياء و «الحاتم» أحسن الأنبياء خلقا وخلقا ويسمى بالسريانية «مشفح «4» » و «المنحمنا «5» » واسمه أيضا في التوراة: «أحيد «6» » روي ذلك عن ابن سيرين «7» ومعنى «صاحب القضيب» أي السيف وقع ذلك مفسرا في الإنجيل قال: «معه قضيب من حديد يقاتل به،
وأمته كذلك» وقد يحمل على أنه القضيب الممشوق «1» الذي كان يمسكه صلى الله عليه وسلم، وهو الآن عند الخلفاء.
وأما: «الهراوة» التي وصف بها فهي في اللغة العصا.
وأراها «2» - والله أعلم- العصا المذكورة في حديث الحوض «أذود «3» الناس عنه بعصاي لأهل اليمن «4» » .
وأما: «التاج» فالمراد به العمامة، ولم تكن حينئذ إلا للعرب، والعمائم تيجان العرب.
وأوصافه وألقابه وسماته في الكتب كثيرة وفيما ذكرناه منها مقنع- إن شاء الله- وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم وروي «5» عن أنس «6» أنه لما ولد له إبراهيم «7» جاءه جبريل فقال له:
«السلام عليك يا أبا إبراهيم»
قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى: ما أحرى هذا الفصل بفصول الباب الأول لانخراطه «1» في سلك «2» مضمونها، وامتزاجه بعذب معينها «3» ، لكن لم يشرح الله الصدر للهداية إلى استنباطه، ولا أنار الفكر لاستخراج جوهره والتقاطه إلا عند الخوض في الفصل الذي قبله. فرأينا أن نضيفه إليه، ونجمع به شمله.
فاعلم: أن الله تعالى خص كثيرا من الأنبياء بكرامة خلعها «4» عليهم من أسمائه.
كتسمية: إسحق واسماعيل «بعليم «1» » «وحليم «2» » وإبراهيم ب «حليم «3» » ونوح ب «شكور «4» » وعيسى ويحيى ب «بر «5» » وموسى ب «كريم «6» » و «قوي» ويوسف ب «حفيظ» «عليم «7» » وايوب ب «صابر «8» » واسماعيل ب «صادق الوعد «9» » كما نطق بذلك الكتاب العزيز من مواضع ذكرهم. وفضل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بأن حلاه «10» منها في كتابه العزيز وعلى ألسنة أنبيائه بعدة «11» كثيرة اجتمع لنا منها جملة بعد إعمال الفكر وإحضار الذكر، إذ لم نجد من جمع منها فوق اسمين، ولا من تفرغ فيها لتأليف فصلين، وحررنا منها في هذا الفصل نحو
ثلاثين اسما، ولعل الله تعالى كما ألهم إلى ما علم منها وحققه يتم النعمة بإبانة ما لم يظهره لنا الآن ويفتح غلقه «1» .
فمن أسمائه تعالى: «الحميد» ومعناه المحمود، لأنه حمد نفسه وحمده عباده. ويكون أيضا بمعنى الحامد لنفسه ولأعمال الطاعات وسمى النبي صلى الله عليه وسلم «محمدا» و «أحمد» «فمحمد» بمعنى محمود، وكذا وقع اسمه في زبر داوود.. «وأحمد» بمعنى أكبر من حمد، وأجل من حمد..
وقد أشار إلى نحو هذا حسان «2» بقوله:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
ومن أسمائه تعالى: «الرؤف الرحيم» وهما بمعنى متقارب، وسماه في كتابه بذلك فقال: «بالمؤمنين رؤف رحيم «3» »
ومن أسمائه تعالى: «الحق المبين» ومعنى «الحق» الموجود والمتحقق أمره، وكذلك «المبين» أي البين أمره وإلهيته «بان»
«وأبان» بمعنى واحد ويكون بمعنى المبين لعباده أمر دينهم ومعادهم وسمى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في كتابه فقال: «حتى جاءهم الحق ورسول مبين «1» » وقال: «وقل إني أنا النذير المبين
«2» » وقال: «قد جاءكم الحق من ربكم «3» » وقال: «فقد كذبوا بالحق لما جاءهم «4» .
قيل: محمد وقيل: القرآن.. ومعناه هنا ضد الباطل، والمتحقق صدقه وأمره، وهو بمعنى الأول. «والمبين» البين أمره ورسالته أو المبين عن الله تعالى ما بعثه به كما قال تعالى:
«لتبين للناس ما نزل إليهم «5» ..»
ومن أسمائه تعالى «النور» ومعناه ذو النور أي خالقه أو منور السماوات والأرض بالأنوار، ومنور قلوب المؤمنين بالهداية وسماه: «نورا» فقال: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين «6» » . قيل: محمد وقيل: القرآن وقال فيه:
«وسراجا منيرا «1» » سمي بذلك لوضوح أمره وبيان نبوته، تنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به.
ومن أسمائه تعالى: «الشهيد» ومعناه العالم وقيل: الشاهد على عباده يوم القيامة وسماه: «شهيدا» و «شاهدا»
فقال: «إنا أرسلناك شاهدا «2» » وقال: «ويكون الرسول عليكم شهيدا «3» » وهو بمعنى الأول.
ومن أسمائه تعالى: «الكريم» ومعناه الكثير الخير، وقيل المفضل وقيل: العفو. وقيل: العلي.
وفي الحديث «4» المروي في أسمائه تعالى «الأكرم» وسماه تعالى «كريما» بقوله: «إنه لقول رسول كريم «5» » قيل: محمد وقيل: جبريل وقال صلى الله عليه وسلم «6» : «أنا أكرم ولد آدم» ومعاني الاسم صحيحة في حقه صلى الله عليه وسلم.
ومن أسمائه تعالى: «العظيم» .. ومعناه الجليل الشأن، الذي كل شيء دونه.. وقال في النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنك لعلى خلق
عظيم «1» » ووقع في أول سفر «2» من التوراة عن اسماعيل «وسيلد عظيما لأمة عظيمة، فهو عظيم وعلى خلق عظيم» .
ومن أسمائه تعالى: «الجبار» ومعناه المصلح، وقيل القاهر، وقيل العلي العظيم الشأن، وقيل المتكبر، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب داوود. «بجبار» فقال: تقلد أيها الجبار سيفك فإن ناموسك «3» وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك.
ومعناه في حق النبي صلى الله عليه وسلم إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم أو لقهره أعداءه، أو لعلو منزلته على البشر، وعظيم خطره..
ونفى عنه تعالى في القرآن جبرية التكبر التي لا تليق به فقال:
«وما أنت عليهم بجبار «4» » .
ومن أسمائه تعالى: «الخبير» ومعناه المطلع بكنه «5» الشيء، العالم بحقيقته، وقيل معناه المخبر وقال الله تعالى: «الرحمن فسئل به خبيرا «6» » .
قال القاضي بكر «1» بن العلاء المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه وسلم والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم وقال غيره: بل السائل النبي صلى الله عليه وسلم.
والمسؤول هو الله تعالى. فالنبي «خبير» بالوجهين المذكورين.
قيل: لأنه عالم على غاية من العلم بما أعلمه الله من مكنون علمه، وعظيم معرفته، مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به..
ومن أسمائه تعالى: «الفتاح» ومعناه الحاكم بين عباده، أو فاتح أبواب الرزق والرحمة والمنغلق من أمورهم عليهم، أو يفتح قلوبهم وبصائرهم بمعرفة الحق.. ويكون أيضا بمعنى الناصر.
كقوله تعالى: «إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح «2» » أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وقيل: معناه مبتدىء الفتح والنصر
وسمى الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ب «الفاتح» في حديث الإسراء الطويل من رواية الربيع «3» بن أنس عن أبي العالية «4» وغيره عن أبي هريرة «5» رضي الله عنه وفيه من قول الله تعالى: «وجعلتك
فاتحا وخاتما» . وفيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم في ثنائه على ربه وتعديد مراتبه: ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما.
فيكون الفاتح هنا: بمعنى الحاكم، أو الفاتح لأبواب الرحمة على أمته، والفاتح لبصائرهم بمعرفة الحق، الإيمان بالله، أو الناصر للحق، أو المبتدىء بهداية الأمة، أو المبدأ «1» المقدم في الأنبياء، والخاتم لهم كما قال صلى الله عليه وسلم «2» : كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث.
ومن أسمائه تعالى في الحديث: «الشكور» ومعناه المثيب على العمل القليل وقيل: المثني على المطيعين..
ووصف بذلك نبيه نوحا عليه السلام فقال: «إنه كان عبدا شكورا «3» » وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بذلك فقال «4» :
«أفلا أكون عبدا شكورا» أي معترفا بنعم ربي، عارفا بقدر ذلك، مثنيا عليه، مجهدا نفسي في الزيادة من ذلك.
لقوله «لئن شكرتم لأزيدنكم «5» » .
ومن أسمائه تعالى: «العليم» و «العلام» و «عالم الغيب والشهادة» ، ووصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم، وخصه بمزية منه فقال:
«وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما
«1»
وقال «ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون «2» » .
ومن أسمائه: «الأول» و «الآخر» ومعناهما السابق للأشياء قبل وجودها والباقي بعد فنائها وتحقيقه أنه ليس له أول ولا آخر، وقال صلى الله عليه وسلم «3» : «كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث» وفسر بهذا قوله تعالى: «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح «4» » فقدم محمدا صلى الله عليه وسلم.
وقد أشار إلى نحو منه عمر «5» بن الخطاب رضي الله عنه «6»
ومنه قوله «1» : «نحن الآخرون السابقون» .
وقوله «2» : «أنا أول من تنشق الأرض عنه، وأول من يدخل الجنة، وأول شافع، وأول مشفع، وهو خاتم النبيين وآخر الرسل صلى الله عليه وسلم» .
ومن أسمائه تعالى: «القوي» و «ذو القوة المتين» ومعناه القادر وقد وصفه الله تعالى بذلك فقال:
«ذي قوة عند ذي العرش مكين «3» قيل: محمد، وقيل: جبريل.
ومن أسمائه تعالى: «الصادق» في الحديث المأثور «4» ، وورد في الحديث «5» أيضا اسمه صلى الله عليه وسلم «بالصادق المصدوق» .
ومن أسمائه تعالى: «الولي» و «المولى» ومعناهما الناصر.
وقد قال تعالى: «إنما وليكم الله ورسوله «6» » .
وقال صلى الله عليه وسلم «7» : «أنا ولي كل مؤمن» .
وقال الله تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين «1» » .
وقال صلى الله عليه وسلم «2» : «من كنت مولاه فعلي مولاه» .
ومن أسمائه تعالى: «العفو» ومعناه الصفوح..
وقد وصف الله تعالى بهذا نبيه في القرآن والتوراة، وأمره بالعفو فقال: «خذ العفو» «3» وقال: «فاعف عنهم واصفح «4» » .
وقال له جبريل: وقد سأله عن قوله: «خذ العفو» قال: «أن تعفو عمن ظلمك» وقال في التوراة والإنجيل في الحديث المشهور في صفته «5» : «ليس بفظ ولا غليظ، ولكن يعفو ويصفح» .
ومن أسمائه تعالى: «الهادي» وهو بمعنى توفيق الله لمن أراد من عباده وبمعنى الدلالة والدعاء.
قال الله تعالى: «والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم «6» » .
وأصل الجميع من الميل، وقيل من التقديم، وقيل في تفسير طه:
إنه يا طاهر، يا هادي يعني النبي صلى الله عليه وسلم..
وقال تعالى له: «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم «1» » وقال فيه: «وداعيا إلى الله بإذنه «2» » فالله تعالى مختص بالمعنى الأول، قال الله تعالى: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء «3» » وبمعنى الدلالة يطلق على غيره تعالى..
ومن أسمائه تعالى: «المؤمن» «المهيمن» قيل هما بمعنى واحد فمعنى «المؤمن» في حقه تعالى المصدق وعده عباده، والمصدق قوله الحق، والمصدق لعباده المؤمنين ورسله. وقيل: الموحد نفسه وقيل: المؤمن عباده في الدنيا من ظلمه، والمؤمنين في الآخرة من عذابه، وقيل: «المهيمن» بمعنى الأمين مصغر منه «4» فقلبت الهمزة هاء.. وقد قيل: إن قولهم في الدعاء «آمين» إنه اسم
من أسماء الله تعالى «1» ، ومعناه معنى المؤمن وقيل: «المهيمن» بمعنى الشاهد والحافظ. والنبي صلى الله عليه وسلم أمين ومهيمن ومؤمن، وقد سماه الله تعالى أمينا فقال: «مطاع ثم أمين «2» »
وكان صلى الله عليه وسلم يعرف «بالأمين» ، وشهر به قبل النبوة وبعدها.
وسماه العباس «3» فى شعره مهيمنا في قوله:
ثم اغتدى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
قيل المراد: يا أيها المهيمن.. قاله القتيبي «4» ، والإمام أبو القاسم «5» القشيري..
وقال تعالى: «يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين «6» » أي
يصدق وقال صلى الله عليه وسلم «1» «أنا آمنة «2» لأصحابي» فهذا بمعنى المؤمن.
ومن أسمائه تعالى: «القدوس» ومعناه المنزه عن النقائص المطهر عن سمات الحدث، وسمي «بيت المقدس» لأنه يتطهر فيه من الذنوب، ومنه «الوادي المقدس» و «روح القدس»
وقع في كتب الأنبياء في أسمائه صلى الله عليه وسلم «المقدس» أي المطهر من الذنوب. كما قال تعالى: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «3» » أو الذي يتطهر به من الذنوب، ويتنزه باتباعه عنها.. كما قال تعالى: «ويزكيهم «4» .. وقال «ويخرجهم من الظلمات إلى النور «5» » أو يكون مقدسا بمعنى مطهرا من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنية..
ومن أسمائه تعالى «العزيز» ومعناه الممتنع الغالب.. أو الذي
لا نظير له، أو المعز لغيره. وقال تعالى: «ولله العزة ولرسوله «1» »
أي الامتناع وجلالة القدر.
وقد وصف الله تعالى نفسه بالبشارة والنذارة فقال:
«يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان «2» » وقال: «أن الله يبشرك بيحيى «3» » و «بكلمة منه «4» » وسماه الله تعالى مبشرا ونذيرا وبشيرا..- أي مبشرا لأهل طاعته «ونذيرا» لأهل معصيته.
ومن أسمائه تعالى فيما ذكره بعض المفسرين: «طه» «ويسن»
وقد ذكر بعضهم أيضا أنهما من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.
قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى: «وها أنا أذكر نكتة «1» أذيل بها هذا الفصل، وأختم بها هذا القسم، وأزيح الإشكال بها فيما تقدم عن كل ضعيف الوهم، سقيم الفهم، يخلصه من مهاوي «2» التشبيه، وتزحزحه عن شبه التمويه، وهو أن يعتقد أن الله تعالى جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته، وحسنى أسمائه، وعلي صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يشبه به، وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي
إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق..
فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الدوات، كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، إذ صفاتهم لا تنفك عن الأعراض «1» والأغراض «2» وهو تعالى منزه عن ذلك، بل لم يزل بصفاته وأسمائه.
وكفى في هذا قوله: «ليس كمثله شيء «3» ..
ولله در «4» من قال من العلماء العارفين المحققين: «التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات» .
وزاد هذه النكتة الواسطي «5» رحمه الله بيانا وهي مقصودنا فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ اللفظ.
وجلت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة، كما استحال
أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة، وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضي الله عنهم..
وقد فسر الإمام أبو القاسم «1» القشيري رحمه الله قوله هذا ليزيده بيانا فقال: هذه الحكاية تشتمل على جوامع مسائل التوحيد وكيف تشبه ذاته ذات المحدثات وهي بوجودها مستغنية!! ..
وكيف يشبه فعله فعل الخلق، وهو لغير جلب أنس أو دفع نقص حصل، ولا يخواطر وأغراض وجد ولا بمباشرة ومعالجة ظهر، وفعل الخلق لا يخرج عن هذه الوجوه.
وقال آخر «2» من مشايخنا: ما توهمتموه بأوهامكم، أو أدركتموه بعقولكم فهو محدث مثلكم.
وقال الإمام أبو المعالي «3» الجويني: من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره فهو مشبه «4» ومن اطمأن إلى النفي المحض فهو
معطل «1» وإن قطع بموجود اعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد وما أحسن قول ذي «2» النون المصري «حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا علاج «3» ، وصنعه لها بلا مزاج «4» وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه «5» . وما تصور في وهمك فالله بخلافه»
وهذا كلام عجيب نفيس محقق والفصل الآخر «6» تفسير لقوله:
«ليس كمثله شيء «7» .
والثاني «8» تفسير لقوله: «لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون «9» »
والثالث «10» تفسير لقوله: «إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن
نقول له كن فيكون «1» » .
ثبتنا الله وإياك من التوحيد والإثبات والتنزيه وجنبنا طرفي الضلالة والغواية من التعطيل والتشبيه بمنه ورحمته.
النص من طبعة دار الفيحاء بعمّان لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.