مقدمة الباب الثاني
ص 137
اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم، أن خصال الجمال «1» والكمال في البشر نوعان:
- ضروري دنيوي ... اقتضته الجبلة «2» وضرورة الحياة الدنيا- مكتسب ديني ... وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله زلفى «3»
ثم هي على فنين أيضا:
أ- منها ما يتخلص «4» لأحد الوصفين:
ب- ومنها ما يتمازج ويتداخل.
فأما الضروري المحض: فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله،
وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه.
ويلحق به: ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه، ونومه، وملبسه، ومسكنه، ومنكحه، وماله وجاهه.
وقد تلحق هذه الخصال الآخرة «1» بالأخروية، إذا قصد بها التقوى، ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة، وقواعد «2» الشريعة.
وأما المكتسبة الأخروية: فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية من: الدين- والعلم- والحلم- والصبر- والشكر- والعدل- والزهد- والتواضع- والعفو- والعفة- والجود- والشجاعة- والحياء- والمروءة- والصمت- والتؤدة- والوقار- والرحمة- وحسن الأدب والمعاشرة ... وأخواتها «3» ، وهي التي جماعها (حسن الخلق) .
- وقد يكون من هذه الأخلاق، ما هو في الغريزة «1» ، وأصل الجبلة لبعض الناس؛ وبعضهم لا تكون فيه فيكتسبها، ولكنه لا بد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة ... كما سنبينه- إن شاء الله تعالى-
- وتكون هذه الأخلاق دنيوية، إذا لم يرد بها وجه الله، والدار الآخرة. ولكنها كلها محاسن، وفضائل، باتفاق أصحاب العقول السليمة، وإن اختلفوا في موجب حسنها، وتفضيلها ...
الفصل الأول
ص 141
قال القاضي»
: إذا كانت خصال الكمال، والجلال.
ما ذكرناه- ورأينا «2» الواحد منا يتشرف «3» بواحدة منها، أو اثنتين- إن اتفقت «4» له في كل عصر-، إما من نسب، أو جمال، أو قوة، أو حلم، أو شجاعة، أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثرة «5» عظيمة، وهو منذ عصور خوال «6» ، رمم «7» بوال «8» .
- فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال، إلى مالا
يأخذه عد، ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب، ولا حيلة، إلا بتخصيص الكبير المتعال، من فضيلة النبوة، والخلة، والمحبة، والاصطفاء، والرؤية، والقرب، والدنو، والوحي، والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق، والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء، والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة ثم «1» ، والأمانة، والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضى والسؤل، والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة، والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله تعالى والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم، والقسم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم، وإحياء
الموتى، وإسماع الصم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب والاطلاع على الغيب، وظل الغمام، وتسبيح الحصا، وإبراء الآلام، والعصمة من الناس ...
- إلى ما لا يحويه محتفل «1» ، ولا يحيط بعلمه إلا ما نحه ذلك، ومفضله به لا إله غيره.
- إلى ما أعد له في الدار الآخرة، من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة، والحسنى، والزيادة التي تقف دونها العقول، ويحار دون إدراكها الوهم «2» ...
الفصل الثاني صفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم
ص 144
إن قلت- أكرمك الله-: لا خفاء على القطع بالجملة، أنه صلى الله عليه وسلم أعلى الناس قدرا، وأعظمهم محلا، وأكملهم محاسن وفضلا، وقد ذهبت في تفاصيل خصال الكمال مذهبا جميلا، شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه صلى الله عليه وسلم تفصيلا.
فاعلم- نور الله قلبي وقلبك، وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك-، أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال، التي هي غير مكتسبة-، وفي جبلة الخلقه، وجدته صلى الله عليه وسلم حائزا لجميعها، محيطا بشتات محاسنها، دون خلاف بين نقلة الأخبار «1» لذلك؛ بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع.
أما الصورة وجمالها، وتناسب أعضائه في حسنها، فقد جاءت الآثار الصحيحة، والمشهورة الكثيرة، بذلك من حديث علي «1» ، وأنس «2» بن مالك، وأبي هريرة «3» ، والبراء «4» بن عازب، وعائشة «5» أم المؤمنين، وابن أبي «6» هالة، وأبي «7» جحيفة، وجابر «8» بن سمرة، وأم معبد «9» ، وابن عباس «10» ، ومعرض بن
معيقيب «1» ، وأبي الطفيل «2» ، والعداء بن خالد «3» ، وخريم بن فاتك «4» وحكيم بن حزام «5» ، وغيرهم رضي الله عنهم.
من أنه صلى الله عليه وسلم كان:
أزهر «6» اللون، أدعج «7» ، أنجل «8» ، أشكل «9» ، أهدب الأشفار «10» ، أبلج 1»
، أزج «12» ،
أقنى «1» ، أفلج «2» ، مدور الوجه «3» ، واسع الجبين «4» ، كث اللحية تملأ صدره، سواء البطن والصدر، واسع الصدر «5» ، عظيم المنكبين «6» ، ضخم العظام، عبل «7» العضدين والذراعين والأسافل، رحب «8» الكفين والقدمين، سائل «9» الأطراف، أنور المتجرد «10» ، دقيق المسربة «11» ، ربعة «12» القد، ليس بالطويل البائن «13» ، ولا القصير المتردد، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد، ينسب إلى الطول إلا طاله صلى الله عليه وسلم، رجل «14» الشعر، إذا افتر
ضاحكا افتر «1» عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئي كالنور يخرج من ثناياه، أحسن الناس عنقا، ليس بمطهم «2» ولا مكلثم «3» ، متماسك البدن «4» ، ضرب اللحم «5» .
قال البراء «6» : ما رأيت من ذي لمة «7» ، في حلة حمراء، أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم «8» .
وقال أبو هريرة «9» رضي الله عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر «10» ...
وقال جابر بن سمرة «11» : وقال له رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل
السيف. فقال: لا بل مثل الشمس والقمر، وكان مستديرا «1» .
وقالت «2» أم معبد «3» في بعض ما وصفته به:
أجمل الناس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب.
وفي حديث «4» ابن أبي هالة «5» :
يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، ليلة البدر.
وقال»
علي «7» في آخر وصفه له:
من رآه بديهة «8» هابه، ومن خالطه معرفة أحبه.
يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.
- والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة فلا نطول بسردها.
- وقد اختصرنا في وصفه نكت «1» ما جاء فيها، وجملة مما فيه، كفاية في القصد إلى المطلوب.
- وختمنا هذه الفصول بحديث جامع لذلك تقف عليه هناك- إن شاء الله تعالى-.
***
الفصل الثالث نظافته صلى الله عليه وسلم
ص 151
أما نظافة جسمه، وطيب ريحه وعرقه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد «1» ؛ فكان قد خصه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره، ثم تممها بنظافة الشرع، وخصال الفطرة العشر «2» .
وقال: «بني الدين على النظافة» «3» .
عن أنس «1» قال: «ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم» «2» .
وعن جابر «3» بن سمرة: «أنه صلى الله عليه وسلم مسح خده، قال: فوجدت ليده بردا وريحا، كأنما أخرجها من جونة عطار» «4» .
قال غيره: مسها بطيب أو لم يمسها، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها. ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها
- «ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أنس «5» على نطع «6» . فعرق، فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالت: نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب.» «7» .
وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر «1» :
«لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه، من طيبه» .
وذكر إسحق «2» بن راهويه: أن تلك كانت رائحته بلا طيب صلى الله عليه وسلم.
روى المزني «3» ، والحربي «4» .
عن جابر «5» رضي الله عنه قال: «أردفني النبي صلى الله عليه وسلم خلفه، فالتقمت خاتم النبوة بفمي، فكان ينم «6» علي مسكا» .
وقد حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله: أنه كان إذا أراد أن يتغوط، انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت
لذلك رائحة طيبة، صلى الله عليه وسلم «1» . وأسند محمد بن سعد «2» ، كاتب الواقدي «3» في هذا «4» خبرا، عن عائشة «5» رضي الله عنها:
«أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا من الأذى، فقال: يا عائشة، أو ما علمت أن الأرض تبتلع «6»
ما يخرج من الأنبياء، فلا يرى منه شيء «7» ؟!» .
وهذا الخبر، وإن لم يكن مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين منه صلى الله عليه وسلم.
وهو قول بعض أصحاب الشافعي «8» .
حكاه الإمام أبو نصر بن الصباغ «1» في شامله.
وقد حكى القولين عن العلماء في ذلك أبو بكر بن سابق المالكي «2» في كتابه «البديع» في فروع المالكية، وتخريج ما لم يقع لهم منها على مذهبهم من تفاريع الشافعية.
وشاهد هذا: أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منه شيء يكره ولا غير طيب ...
ومنه حديث «3» علي «4» رضي الله عنه: «غسلت النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أجد شيئا فقلت: طبت حيا وميتا. قال: وسطعت منه ريح طيبة، لم نجد مثلها قط» .
ومثله قال»
أبو بكر «6» رضي الله عنه حين قبل النبي صلى الله عليه وسلم، بعد موته.
- ومنه شرب مالك بن سنان «1» دمه، يوم أحد، ومصه إياه، وتسويغه صلى الله عليه وسلم ذلك له وقوله له: «لن تصيبه النار» «2» ،
- ومثله «3» شرب عبد الله «4» بن الزبير دم حجامته، فقال له عليه السلام: «ويل لك من الناس، وويل لهم منك» ولم ينكر عليه؛ وقد روي نحو من هذا عنه في امرأة شربت بوله، فقال لها: «لن تشتكي وجع بطنك أبدا.» «5»
- ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم، ولا نهاه عن عود.
وحديث هذه المرأة، التي شربت بوله صحيح، ألزم
الدارقطني «1» مسلما «2» ، والبخاري «3» ، إخراجه في الصحيح.
واسم هذه المرأة «بركة» «4» ، واختلف في نسبها، وقيل:
هي أم أيمن «5» ، وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم.
قالت: وكان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان «6» ، يوضع تحت سريره، يبول فيه من الليل، فبال فيه ليلة، ثم افتقده، فلم يجد
فيه شيئا. فسأل بركة عنه، فقالت: قمت، وأنا عطشانة، فشربته وأنا لا أعلم» روى حديثها ابن جريج «1» وغيره «2» .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد مختونا، مقطوع السرة «3» ؛
وروي عن أمه آمنة «4» أنها قالت: ولدته نظيفا، ما به قذر «5» .
وعن «6» عائشة «7» رضي الله عنها: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، وعن علي «8» رضي الله عنه: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم لا يغسله غيري «فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه» «9» وفي حديث
عكرمة «1» عن ابن عباس «2» رضي الله عنهما «أنه صلى الله عليه وسلم، نام حتى سمع له غطيط «3» ، فقام فصلى، ولم يتوضأ» «4» .
قال عكرمة: لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظا.
الفصل الرابع وفور عقله وفصاحة لسانه وقوة حواسه صلى الله عليه وسلم
ص 160
أما وفور عقله، وذكاء لبه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية «1» أنه كان أعقل الناس وأذكاهم.
- ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب «2» فهمه، لأول بديهة.
- وهذا لا يحتاج إلى تقريره لتحققه.
وقد قال وهب «1» بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، أرجح الناس عقلا، وأفضلهم رأيا.
وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها، أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها، من العقل في جنب عقله صلى الله عليه وسلم، إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا.
وقال «2» مجاهد «3» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام في «4» الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه.
وبه فسر قوله تعالى: «وتقلبك في الساجدين» » .
وفي الموطأ «6» عنه عليه الصلاة والسلام: «إني لأراكم من وراء ظهري» «7» .
ونحوه عن أنس «1» في الصحيحين «2» .
وعن عائشة «3» مثله «4» قالت: «زيادة زاده الله إياها في حجته»
وفي بعض الروايات «5» : «إني لأنظر من «6» ورائي كما أنظر من «7» بين يدي» .
وفي أخرى «8» : «إني لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يدي» .
وحكى بقي «9» بن مخلد عن عائشة «10» : «كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء» «11» .
- والأخبار كثيرة صحيحة في رؤيته صلى الله عليه وسلم الملائكة «12»
والشياطين «1» .
- ورفع له النجاشي «2» حتى صلى عليه «3» .
- وبيت المقدس «4» حين وصفه لقريش.
- والكعبة حين «5» بنى مسجده «6» ، وقد حكي عنه «7» صلى الله عليه وسلم أنه: «كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.»
- وهذه كلها محمولة على رؤية العين.
وهو قول أحمد بن «1» حنبل وغيره.
وذهب بعضهم «2» إلى ردها إلى العلم.
- والظواهر تخالفه، ولا إحالة «3» في ذلك، وهي من خواص الأنبياء وخصالهم.
عن أبي هريرة «4» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما تجلى الله عز وجل لموسى عليه السلام، كان يبصر النملة على الصفا، في الليلة الظلماء، مسيرة عشرة فراسخ» «5» .
ولا يبعد على هذا، أن يختص نبينا صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه من هذا الباب، بعد الإسراء والحظوة، بما رأى من آيات ربه الكبرى.
وقد جاءت الأخبار «6» بأنه صرع ركانة «7» ، أشد أهل وقته
وكان دعاه إلى الإسلام «1» .
وصارع أبا ركانة في الجاهلية «2» ، وكان شديدا، وعاوده ثلاث مرات، كل ذلك يصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال «3» أبو هريره»
: ما رأيت أحدا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه، كأنما الأرض تطوى له؛ إنا لنجهد أنفسنا، وهو غير مكترث؛ وفي صفته عليه الصلاة والسلام أن ضحكه كان تبسما، إذا التفت التفت معا، وإذا مشى مشى تقلعا، «5» كأنما ينحط من صبب «6» .
الفصل الخامس فصاحة لسانه وبلاغته صلى الله عليه وسلم
ص 166
وأما فصاحة اللسان، وبلاغة القول، فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف.
- أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله.
- من تأمل حديثه، وسيره، علم ذلك وتحققه.
- وليس كلامه مع قريش والأنصار، وأهل الحجاز، ونجد،
ككلامه مع «ذي المشعار «1» الهمداني» «وطهفة «2» النهدي» و «قطن بن «3» حارثة العليمي» و «الأشعث «4» بن قيس» و «وائل بن حجر «5» الكندي» وغيرهم، من أقيال «6» حضرموت، وملوك اليمن.
- وانظر كتابه إلى همدان: (إن لكم فراعها «7» ، ووهاطها «8»
وعزازها «1» تأكلون علافها «2» ، وترعون عفاءها «3» ، لنا من دفئهم «4» ، وصرامهم «5» ما سلموا «6» بالميثاق «7» والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب «8» والناب «9» ، والفصيل «10» ، والفارض «11» الداجن «12» ، والكبش الحواري «13» ، وعليهم فيها الصالغ «14» والقارح «15» ...
وقوله لنهد «16» : «اللهم بارك لهم في محضها» «17» ،
ومخضها «1» ، ومذقها «2» ، وابعث راعيها في الدثر «3» ، وافجر له الثمد «4» وبارك لهم في المال والولد.
من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا،
لكم يا بني نهد ودائع»
الشريك، ووضائع «6» الملك، لا تلطط «7» في الزكاة، ولا تلحد «8» في الحياة، ولا تتثاقل عن الصلاة.
وكتب لهم: في الوظيفة الفريضة «9» ، ولكم الفارض والفريش «10» ، وذو العنان «11» الركوب، والفلو «12» الضبيس «13» ، لا يمنع
سرحكم «1» ، ولا يعضد «2» طلحكم «3» ، ولا يحبس دركم «4» ، ما لم تضمروا الرماق «5» ، وتأكلوا الرباق «6» .
من أقر فله الوفاء بالعهد، والذمة، ومن أبى فعليه الربوة «7» .
ومن كتابه لوائل بن حجر «8» : «إلى الأقيال العباهلة «9» ، والأرواع «10» المشابيب «11» .
وفيه: في التيعة «12» شاة، لا مقورة «13» الألياط «14» ،
ولا ضناك «1» ، وأنطوا «2» الثبجة «3» .
وفي السيوب «4» الخمس. ومن زنى مم «5» بكر فاصقعوه «6» مائة، واستوفضوه «7» عاما، ومن زنى مم ثيب فضرجوه «8» بالأضاميم «9» ولا توصيم 1»
في الدين، ولا عمة «11» في فرائض الله. وكل مسكر حرام ووائل بن «12» حجر يترفل «13» على الأقيال ...
أين هذا من كتابه لأنس «14» في الصدقة المشهور، لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد، وبلاغتهم على هذا النمط، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ، استعملها معهم، ليبين للناس ما نزل
إليهم، وليحدث الناس بما يعلمون ...
وكقوله في حديث «1» عطية السعدي «2» : «فإن اليد العليا هي المنطية، واليد السفلى هي المنطاة» .
قال: فكلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا.
وقوله «3» في حديث العامري «4» : حين سأله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«سل عنك» أي سل عما شئت. وهي لغة بني عامر ...
- وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فقد ألف الناس فيها الدواوين، وجمعت في ألفاظها، ومعانيها الكتب.
ومنها ما لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة.
كقوله «5» : «المسلمون تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم» .
وقوله «1» : «الناس كأسنان المشط» ،
- «المرء مع من أحب» «2» ،
- «لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له» «3» ،
- «والناس معادن» «4» ،
- «ما هلك امرؤ عرف قدره» «5» ،
- «المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم» «6» ،
- «رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» «7» ،
وقوله: «أسلم تسلم.. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين..» «8»
- «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون.» «1»
وقوله: «لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه» «2»
وقوله: «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» «3»
ونهيه «4» عن «قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات ووأد البنات.»
وقوله: «إتق الله حيث كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.» «5»
- «خير الأمور أوساطها.» «6»
وقوله «7» : «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما» .
وقوله «1» : «الظلم ظلمات يوم القيامة» .
وقوله «2» في بعض دعائه «3» : «اللهم إني أسألك رحمة من عندك، تهدي بها قلبي، تجمع بها أمري، وتلم بها شعثي «4» ، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء؛
اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء ... »
إلى ما روته الكافة «5» عن الكافة، من مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته، ومخاطباته وعهوده، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة «6» لا يقاس بها غيره، وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره؛
- وقد جمعت من كلماته، التي لم يسبق إليها، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه عليها.
كقوله «1» : «حمي الوطيس» ،
«مات حتف أنفه» »
«لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» «3» ،
«السعيد من وعظ بغيره» «4» ،
وفي أخواتها ما يدرك الناظر العجب في مضمنها، ويذهب به الفكر في أواني حكمها.
وقد قال له أصحابه «5» : ما رأينا الذي هو أفصح منك..
فقال: «وما يمنعني؟!! وإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين» .
وقال مرة أخرى «1» : «أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد» .
فجمع له بذلك، صلى الله عليه وسلم قوة عارضة «2» البادية وجزالتها «3» ، ونصاعة «4» ألفاظ الحاضرة ورونق «5» كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري «6» .
وقالت أم معبد «7» في وصفها له:
«حلو المنطق، فصل «8» ، لا نزر «9» ، ولا هذر «10»
كأن منطقه خرزات «1» نظمن. وكان جهير الصوت «2» ، حسن النغمة.
صلى الله عليه وسلم.
الفصل السادس شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه صلى الله عليه وسلم
ص 179
وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشئه فمها لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل، ولا خفي منه.
فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة، من أكرم بلاد الله على الله، وعلى عباده.
عن أبي هريرة «1» رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت في القرن الذي كنت منه» «2» .
وعن العباس «1» رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «2»
«إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ومن خير قرنهم، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم. فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا» .
وعن وائلة «3» بن الأصقع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
قال الترمذي «4» : وهذا حديث صحيح «5» .
وفي حديث عن ابن «1» عمر رضي الله عنهما: رواه الطبراني «2» أنه صلى الله عليه وسلم قال «3» : «إن الله عز وجل اختار خلقه، فاختار منهم بني آدم، ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب، ثم اختار العرب، فاختار منهم بني هاشم، ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم.
فلم أزل خيارا من خيار.
ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم.»
وعن ابن «4» عباس «5» : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كانت روحه نورا بين يدي الله تعالى، قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه.
فقال رسول صلى الله عليه وسلم: «فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم، وجعلني في صلب نوح، وقذف بي في صلب إبراهيم، ثم لم يزل الله تعالى ينقلني من الأصلاب الكريمة، والأرحام الطاهرة، حتى أخرجني من أبوي ... لم يلتقيا على سفاح قط» .
ويشهد بصحة هذا الخبر شعر العباس «1» ، المشهور في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ...
***
الفصل السابع حالته صلى الله عليه وسلم في الضروريات
ص 183
وأما ما تدعو ضرورة الحياة إليه، مما فصلناه فعلى ثلاثة أضرب:
- ضرب الفضل في قلته.
- وضرب الفضل في كثرته.
- وضرب تختلف الأحوال فيه ...
أ- فأما ما التمدح والكمال بقلته، اتفاقا، وعلى كل حال، عادة وشريعة، كالغذاء، والنوم ...
ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص. والشره وغلبة الشهوة مسبب لمضار الدنيا والآخرة، جالب لأدواء الجسد،
وخثارة «1» النفس، وامتلاء الدماغ. وقلته، دليل على القناعة وملك النفس.
وقمع الشهوة مسبب للصحة، وصفاء الخاطر، وحدة الذهن.
كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة «2» والضعف، وعدم الذكاء والفطنة مسبب للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب، وغفلته وموته.
والشاهد على هذا: ما يعلم ضرورة، ويوجد مشاهدة، وينقل متواترا، من كلام الأمم المتقدمة، والحكماء السالفين، وأشعار العرب وأخبارها وصحيح الحديث، وآثار من سلف وخلف مما لا يحتاج إلى الاستشهاد عليه، وإنما تركنا ذكره هنا. اختصارا، واقتصارا على اشتهار العلم به.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذين الفنين بالأقل ... هذا ما لا يدفع من سيرته، وهو الذي أمر به، وحض عليه، لا سيما بارتباط أحدهما بالآخر.
عن المقدام بن «1» معدي كرب رضي الله عنه: أن»
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه. حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه» فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه» .
ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب.
قال سفيان الثوري «3» : بقلة الطعام يملك سهر الليل.
وقال بعض السلف: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فترقدوا كثيرا، فتخسروا كثيرا.
وقد روي «4» عنه صلى الله عليه وسلم أنه: «كان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف» أي كثرة الأيدي.
وعن عائشة «1» رضي الله عنها: لم «2» يمتليء جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط، وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب ...
- ولا يعترض على هذا بحديث بريرة «3» وقوله «4» :
«ألم أر البرمة «5» فيها لحم» .
- إذ لعل سبب سؤاله ظنه صلى الله عليه وسلم اعتقادهم أنه لا يحل له، فأراد بيان سنته، إذ رآهم لم يقدموه إليه مع علمه أنهم لا يستأثرون عليه به، فصدق عليهم ظنه، وبين لهم ما جهلوه من أمره بقوله:
«هو لها صدقة، ولنا هدية» .
وفي حكمة لقمان «6» عليه السلام: يا بني إذا امتلأت المعدة
نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وقال سحنون «1» : لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع.
وفي صحيح الحديث «2» قوله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فلا آكل متكئا»
«والاتكاء» : هو التمكن للأكل، والتقعدد «3» في الجلوس له كالمتربع، وشبهه من تمكن الجلسات، التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته ... والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه.
- والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا «4» ويقول «5» : «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند المحققين.
- وكذلك نومه صلى الله عليه وسلم كان قليلا. شهدت بذلك الآثار الصحيحة.
ومع ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم:
«إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» «1» .
- وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم، لأنه على الجانب الأيسر أهنأ لهدوء القلب، وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة حينئذ لميلها إلى الجانب الأيسر، فيستدعي ذلك الاستثقال فيه والطول. وإذا نام النائم على الأيمن تعلق القلب وقلق، فأسرع الإفاقة، ولم يغمره الاستغراق.
الفصل الثامن زواجه صلى الله عليه وسلم وما يتعلق به
ص 189
أما النكاح. فمتفق فيه شرعا وعادة. فإنه دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية.
وأما في الشرع فسنة مأثورة.
وقد قال ابن «1» عباس «2» رضي الله عنهما: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء ...
مشيرا إليه صلى الله عليه وسلم.
وقد قال صلى الله عليه وسلم «3» : «تناكحوا تناسلوا، فإني مباه بكم
الأمم «1» ، ونهى عن التبتل «2» . مع ما فيه من قمع الشهوة، وغض البصر، اللذين نبه عليهما صلى الله عليه وسلم.
بقوله «3» : «من كان ذا طول فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» .
- حتى لم يره العلماء مما يقدح في الزهد.
قال سهل بن عبد الله «4» : قد حببن إلى سيد المرسلين، فكيف يزهد فيهن؟!!
ولابن عيينه «5» نحوه ...
وقد كان زهاد الصحابة «6» - رضي الله عنهم- كثيري الزوجات والسراري، كثيري النكاح.
وحكي في ذلك عن علي «1» ، والحسن «2» ، وابن عمر «3» ، وغيرهم غير شيء ...
وقد كره غير واحد أن يلقى الله عزبا.
فإن قيل: كيف يكون النكاح، وكثرته من الفضائل، وهذا يحيى بن زكريا «4» - عليه السلام- قد أثنى الله تعالى عليه بالعجز عما تعده فضيلة!!!.
- وهذا عيسى «5» بن مريم- عليه السلام- تبتل من النساء ... ولو كان كما قررته لنكح ...
فاعلم: أن ثناء الله تعالى على يحيى، بأنه حصور، ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوبا «1» ، أو لا ذكر له ... بل قد أنكر هذا حذاق «2» المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا:
هذه نقيصة وعيب، ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام.
- وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها. كأنه حصر عنها.
وقيل: مانعا نفسه من الشهوات.
وقيل: ليست له شهوة في النساء.
- فقد بان لك من هذا، أن عدم القدرة على النكاح نقص.
- وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها، إما بمجاهدة كعيسى «3»
عليه السلام، أو بكفاية من الله تعالى كيحيى»
عليه السلام، فضيلة زائدة لكونها مشغلة في كثير من الأوقات، حاطة إلى الدنيا.
- ثم هي في حق من أقدر عليها وملكها، وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة علياء، وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن، وقيامه بحقوقهن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن.
- بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره.
فقال عليه الصلاة والسلام: «حبب إلي من دنياكم «1» » .
فدل أن حبه لما ذكر من النساء والطيب، اللذين هما من أمر دنيا غيره، واستعماله لذلك ليس لدنياه، بل لآخرته، للفوائد التي ذكرناها في التزويج، وللقاء الملائكة في الطيب، ولأنه أيضا مما يحض على الجماع ويعين عليه، ويحرك أسبابه.
- وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره، وقمع شهوته. وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه، ومناجاته.
ولذلك ميز بين الحبين، وفصل بين الحالين.
فقال: وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
- فقد ساوى يحيى «1» وعيسى «2» في كفاية فتنتهن، وزاد فضيلة بالقيام بهن.
- وكان صلى الله عليه وسلم ممن أقدر على القوة في هذا، وأعطي الكثير منه، ولهذا أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره.
وقد روينا «3» عن أنس «4» رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم: «كان يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار» وهن إحدى عشرة «5» .
قال أنس «6» : وكنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا.
أخرجه النسائي «7»
وروي «1» نحوه، عن أبي رافع «2» .
وعن طاووس «3» : «أعطي عليه الصلاة والسلام قوة أربعين رجلا في الجماع» «4» .
وعن صفوان «5» بن سليم مثله.
وقالت سلمى «6» مولاته: طاف «7» النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على نسائه التسع، وتطهر من كل واحدة، قبل أن يأتي الأخرى وقال:
«هذا أطيب وأطهر» .
وقد قال سليمان «8» عليه السلام: «لأطوفن «9» الليلة على مئة إمرأة،
أو تسع وتسعين «1» » وإنه فعل ذلك.
وقال ابن عباس «2» : كان «3» في ظهر سليمان ماء مئة رجل، وكان له ثلثمائة امرأة، وثلثمائة سرية.
وحكى النقاش «4» وغيره: سبع «5» مئة إمرأة، وثلاث مئة سرية.
- وقد كان لداوود «6» عليه السلام على زهده وأكله من عمل يده تسع وتسعون امرأة، وتمت بزوج أورياء مئة «7» .
- وقد نبه على ذلك في الكتاب العزيز، بقوله تعالى:
«إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة» «8» .
وفي حديث أنس «1» : عنه عليه الصلاة والسلام «2» : «فضلت على الناس بأربع: بالسخاء، والشجاعة، وكثرة الجماع، وقوة البطش» .
- وأما الجاه فمحمود عند العقلاء عادة، وبقدر جاهه عظمه في القلوب.
وقد قال تعالى في صفة عيسى «3» عليه السلام: «وجيها في الدنيا والآخرة «4» » .
لكن آفاته كثيرة، فهو مضر لبعض الناس لعقبى الآخرة، فلذلك ذمه من ذمه، ومدح ضده.
- وورد في الشرع «5» مدح الخمول «6» ، وذم العلو»
في الأرض.
- وكان صلى الله عليه وسلم قد رزق من الحشمة، والمكانة في القلوب، والعظمة قبل النبوة، عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه، ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره، وقضوا حاجته. وأخباره في ذلك معروفة سيأتي بعضها. وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم يره.
كما روي عن قبيلة «1» : أنها لما رأته أرعدت من الفرق «2» ، فقال: «يا مسكينة عليك السكينة» «3» .
وفي حديث أبي مسعود «4» رضي الله عنه: «أن رجلا قام بين يديه فأرعد. فقال له: هون عليك فإني لست بملك ... » «5»
الحديث «6» .
- فأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وإنافة «1» رتبته بالاصطفاء والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ النهاية. ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم «2» . وعلى معنى هذا الفصل نظمنا هذا القسم بأسره.
الفصل التاسع ما يتعلق بالمال والمتاع
ص 200
وأما الضرب الثالث، فهو ما تختلف الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله، ككثرة المال.
- فصاحبه على الجملة معظم عند العامة لاعتقادها توصله به إلى حاجاته، وتمكن أغراضه بسببه، وإلا فليس فضيلة في نفسه.
- فمتى كان المال بهذه الصورة، وصاحبه منفقا له في مهماته، ومهمات من اعتراه وأمله، وتصريفه في مواضعه، مشتريا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة من القلوب، كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا.
- وإذا صرفه في وجوه البر، وأنفقه في سبل الخير، وقصد بذلك الله والدار الآخرة كان فضيلة عند الكل بكل حال.
- ومتى كان صاحبه ممسكا له، غير موجهه وجوهه، حريصا على جمعه، عادت كثرته كالعدم وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جدد «1» السلامة، بل أوقعه في هوة «2» رذيلة البخل، ومذمة النذالة.
- فإذا التمدح بالمال وفضيلته عند مفضله ليست لنفسه، وإنما هو للتوصل به إلى غيره، وتعريفه في متصرفاته ...
- فجامعه إذا لم يضعه مواضعه، ولا وجهه وجوهه غير مليء «3» بالحقيقة، ولا غني بالمعنى ولا ممتدح عند أحد من العقلاء، بل هو فقير أبدا، وغير واصل إلى غرض من أغراضه، إذ ما بيده من المال الموصل لها لم يسلط عليه، فأشبه خازن مال غيره، ولا مال له، فكأنه ليس في يده منه شيء.
- والمنفق مليء غني بتحصيله فوائد المال، وإن لم يبق في يده من المال شيء.
- فانظر سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وخلقه في المال، تجده قد أوتي خزائن
الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لنبي قبله، وفتح عليه في حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجلبت إليه من أخماسها، وجزيتها، وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادته «1» جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه ولا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين.
وقال «2» : «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلا دينار أرصده لدين «3» » وأتته دنانير مرة فقسمها، وبقيت منها ستة، فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها، وقال: «الآن استرحت «4» » ومات، ودرعه مرهونة في نفقة عياله «5» .
واقتصر من ملبسه ومسكنه، على ما تدعوه ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده. فيلبس في الغالب الشملة «1» والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج «2» المخوصة «3» بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر.
- إذ المباهاة في الملابس والتزين بها، ليست من خصال الشرف والجلالة، وهي من سمات النساء.
- والمحمود منها نقاوة الثوب، والتوسط في جنسه، وكونه لبس مثله، غير مسقط لمروءة جنسه، مما لا يؤدي إلى الشهرة في الطرفين.
- وقد ذم الشرع ذلك، وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى الفخر بكثرة الموجود، ووفور الحال.
- وكذلك التباهي بجودة المسكن، وسعة المنزل، وتكثير آلاته، وخدمه، ومركوباته، ومن ملك الأرض، وجي إليه ما فيها، وترك ذلك زهدا وتنزها، فهو حائز لفضيلة المالية،
ومالك للفخر بهذه الخصلة- إن كانت فضيلة- زائد عليها في الفخر ومعرق في المدح بإضرابه عنها، وزهده في فانيها وبذلها في مظانها ...
الفصل العاشر الأخلاق الحميدة
ص 205
وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة، والآداب الشريفة، التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها، وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه، وأثنى الشرع على جميعها وأمر بها، ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها، ووصف بعضها بأنه من أجزاء النبوة. وهي المسماة بحسن الخلق.
- وهو الاعتدال في قوى النفس، وأوصافها والتوسط فيها، دون الميل إلى منحرف أطرافها.
- فجميعها قد كانت خلق نبينا صلى الله عليه وسلم على الانتهاء في كمالها، والاعتدال إلى غايتها، حتى أثنى الله عليه بذلك.
فقال تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» «1» .
قالت عائشة «2» رضي الله عنها: «كان «3» خلقه القرآن، يرضى برضاه، ويسخط بسخطه.
وقال صلى الله عليه وسلم «4» : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .
قال «5» أنس «6» : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا» .
وعن علي «7» بن أبي طالب رضي الله عنه مثله «8» .
وكان فيما ذكره المحققون مجبولا عليها في أصل خلقته، وأول فطرته، لم تحصل له باكتساب ولا رياضة، إلا بجود إلهي، وخصوصية ربانية، وهكذا لسائر الأنبياء.
ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك كما عرف من
حال عيسى «1» ، وموسى «2» ، ويحيى «3» ، وسليمان «4» ، وغيرهم عليهم السلام، بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة، وأودعوا العلم والحكمة في الفطرة.
قال الله تعالى: «وآتيناه الحكم صبيا» » .
قال المفسرون: أعطى الله يحيى «6» عليه السلام العلم بكتاب الله تعالى في حال صباه.
وقال معمر «7» : كان ابن سنتين، أو ثلاث «8» ، فقال له الصبيان لم لا تلعب؟! فقال: أللعب خلقت؟!
وقيل في قوله تعالى: «مصدقا بكلمة من الله» «9» .
صدق يحيى «1» بعيسى «2» ، ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله، وروحه.
وقيل «3» : صدقه وهو في بطن أمه، فكانت أم يحيى «4» تقول لمريم «5» : إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له.
وقد نص الله تعالى على كلام عيسى «6» لأمه، عند ولادتها.
إياه، بقوله لها: «لا تحزني» «7» على قراءة من قرأ «8» «من تحتها» «9» ، وعلى قول من قال «10» : إن المنادي عيسى «11» عليه السلام.
ونص على كلامه في مهده، فقال: «إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا» «12» .
وقال تعالى: «ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما «13» » .
وقد ذكر من حكم سليمان، وهو صبي يلعب في قضية المرجومة «1» ، وفي قصة الصبي «2» ما اقتدى به داوود «3» أبوه.
وقال الطبري «4» : إن عمره حين أوتي الملك إثني عشر عاما.
- وكذلك قصة موسى «1» مع فرعون «2» ، وأخذه بلحيته وهو طفل.
وقال المفسرون في قوله تعالى: «ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل» «3» : أي هديناه صغيرا.
قال مجاهد «4» ، وغيره.
وقال ابن عطاء «5» : اصطفاه قبل خلقه.
وقال بعضهم «6» : لما ولد إبراهيم «7» عليه الصلاة والسلام بعث الله تعالى إليه ملكا، يأمره عن الله أن يعرفه بقلبه، ويذكره بلسانه. فقال: قد فعلت، ولم يقل: أفعل، فذلك رشده.
- وقيل: إن إلقاء إبراهيم «1» عليه السلام، في النار ومحنته كانت وهو ابن ست عشرة سنة.
- وإن ابتلاء إسحق «2» بالذبح كان وهو ابن سبع سنين «3» .
- وإن استدلال إبراهيم»
، بالكواكب والقمر والشمس، كان وهو ابن خمسة عشر شهرا.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى يوسف «5» ، وهو صبي، عندما هم إخوته بإلقائه في الجب.
يقول الله تعالى: «وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون» «6» .
إلى غير ذلك مما ذكر من أخبارهم.
وقد حكى أهل السير: أن آمنة بنت وهب، أخبرت أن
نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض، رافعا رأسه إلى السماء «1» .
وقال في حديثه صلى الله عليه وسلم «2» : «لما نشأت بغضت إلي الأوثان، وبغض إلي الشعر، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، فعصمني الله منهما، ثم لم أعد» .
- ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عليهم، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم، حتى يصلوا إلى الغاية، ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة النهاية، دون ممارسة، ولا رياضة.
قال الله تعالى: «ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما» «3» .
- وقد نجد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاق دون جميعها، ويولد عليها، فيسهل عليه اكتساب تمامها، عناية من الله تعالى.
- كما نشاهد من خلقه بعض الصبيان على حسن السمت،
أو الشهامة، أو صدق اللسان أو السماحة، وكما نجد بعضهم على ضدها.
فبالاكتساب يكمل ناقصها، وبالرياضة والمجاهدة يستجلب معدومها، ويعتدل منحرفها، وباختلاف هذين الحالين يتفادى الناس فيها، وكل ميسر لما خلق له.
- ولهذا قد اختلف السلف فيها، هل هذا الخلق جبلة أو مكتسبة؟
وحكى الطبري «1» عن بعض السلف: أن الخلق الحسن جبلة وغريزة في العبد.
وحكاه عن عبد الله «2» بن مسعود والحسن «3» ، وبه قال هو.
- والصحيح ما أصلناه.
وقد روى سعد «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «2» : «كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب» .
وقال عمر بن الخطاب «3» رضي الله عنه: في حديثه «4» : والجرأة والجبن غرائز يضعهما الله حيث يشاء.
- وهذه الأخلاق المحموده والخصال الجميلة الشريفة كثيرة، ولكننا نذكر أصولها، ونشير إلى جميعها، ونحقق وصفه صلى الله عليه وسلم بها- إن شاء الله-.
الفصل الحادي عشر العقل
ص 215
أما أصل فروعها، وعنصر ينابيعها، ونقطة دائرتها فالعقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة.
ويتفرع من هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل، وتجنب الرذائل.
- وقد أشرنا إلى مكانه منه صلى الله عليه وسلم، وبلوغه منه، ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه.
- وإذ جلالة محله من ذلك، ومما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجاري أحواله، واطراد سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل، والكتب المنزلة، وحكم الحكماء وسير الأمم
الخالية وأيامها، وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفسية «1» ، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة، وإشاراته حجة.
كالعبارة «2» - والطب- والحساب- والفرائض- والنسب- وغير ذلك مما سنبينه في معجزاته- إن شاء الله تعالى-، دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل بني أمي لم يعرف بشيء من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره، وعلمه، وأقرأه.
- يعلم ذلك بالمطالعة، والبحث عن حاله، ضرورة، بالبرهان القاطع على نبوته نظرا ... فلا نطول بسرد الأقاصيص وآحاد القضايا، إذ مجموعها ما لا يأخذه حصر، ولا يحيط به حفظ جامع.
- وبحسب عقله كانت معارفه صلى الله عليه وسلم إلى سائر ما علمه الله تعالى، وأطلعه عليه، من علم ما يكون، وما كان، وعجائب قدرته وعظيم ملكوته.
قال الله تعالى: «وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما»
«1» .
حارت العقول في تقدير فضله، وخرست الألسن دون وصف يحيط بذلك، أو ينتهي إليه.
الفصل الثاني عشر الحلم والاحتمال والعفو
ص 218
وأما الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة، والصبر على ما يكره.
- وبين هذه الألقاب فرق.
- فإن الحلم: حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات.
- والاحتمال: حبس النفس عند الآلام والمؤذيات.
- والصبر: مثلها.
ومعانيها متقاربة.
- وأما العفو: فهو ترك المؤاخذة ...
وهذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم:
فقال تعالى: «خذ العفو وأمر بالعرف» «1» الآية.
روي «1» : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية، سأل جبريل عليه السلام عن تأويلها. فقال له: حتى أسأل العالم، ثم ذهب فأتاه فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ...
وقال له: «واصبر على ما أصابك» الآية. «2»
وقال تعالى: «فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل» «3» .
وقال: وليعفوا وليصفحوا» «4» الآية.
وقال تعالى: «ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور» «5» .
ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، وهو- صلى الله عليه وسلم- لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما.
عن عائشة «1» رضي الله عنها قالت «2» ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمرين قط، إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه؛ وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى، فينتقم لله بها.
وروي «3» : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم:
فقال: «إني لم أبعث لعانا، ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» .
وري «4» عن عمر «5» رضي الله عنه: أنه قال في بعض كلامه:
«بأبي أنت وأمي يا رسول الله. لقد دعا نوح على قومه فقال:
«رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا» «1» ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطيء ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .
قال القاضي أبو الفضل: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم.
- إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم، حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم ورحمهم، ودعا، وسفع لهم، فقال: «اغفر» أو «اهد» . ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله «لقومي» ثم اعتذر عنهم بجهلهم، فقال «فإنهم لا يعلمون» .
ولما قال له الرجل «2» : «اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله» لم يزده في جوابه أن بين له ما جهله، ووعظ نفسه، وذكرها بما قال له.
فقال «1» : «ويحك فمن يعدل إن لم أعدل «2» . خبت «3» وخسرت إن لم أعدل» .
ونهى من أراد من أصحابه قتله» .
- ولما تصدى له غورث «5» بن الحارث ليفتك «6» به صلى الله عليه وسلم، وهو منتبذ تحت شجرة وحده قائلا «7» ، والناس قائلون في غزاة «8» فلم ينته رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم، والسيف صلتا في يده.
فقال: من يمنعك مني.
فقال: «الله»
فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال: «من يمنعك مني» .
قال: كن خير آخذ.
فتركه وعفا عنه،
فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس «1» .
- ومن عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية «2» التي سمته في الشاة بعد اعترافها، على الصحيح من الرواية «3» .
- وأنه لم يؤاخذ لبيد «4» بن الأعظم إذ سحره وقد أعلم به وأوحي إليه بشرح أمره «5» ، ولا عتب عليه فضلا عن معاقبته.
- وكذلك لم يؤاخذ «6» عبد الله «7» بن أبي وأشباهه من
المنافقين «1» ، بعظيم ما نقل عنهم في جهته قولا وفعلا، بل قال «2» لمن أشار بقتل بعضهم: «لا. لئلا يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه» «3»
وعن أنس «4» رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك «5» . فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «المال مال الله. وأنا عبده» ثم قال: «ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي» ، قال: لا، قال: «لم» قال: لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة.
فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر.
قالت عائشة «1» رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط، ما لم تكن حرمة من محارم الله، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادما ولا امرأة «2» ...
- وجيء إليه برجل «3» ، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لن تراع، لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلط علي» .
- وجاءه «4» زيد «5» بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه فجبذ ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه، وأغلظ له، ثم قال:
إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فانتهره عمر «1» ، وشدد له في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يتبسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا، وهو، كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر. تأمرني بحسن القضاء. وتأمره بحسن التقاضي» .
ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث» .
وأمر عمر «2» يقضيه ماله، ويزيده عشرين صاعا لما روعه.
- فكان سبب إسلامه وذلك أنه كان يقول: «ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتهما في وجه محمد إلا اثنتين لم أخبرهما:
- يسبق حلمه جهله،
- ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف ... والحديث عن حلمه صلى الله عليه وسلم وصبره، وعفوه عند المقدرة أكثر من أن نأتي عليه، وحسبك ما ذكرناه، مما في الصحيح والمصنفات الثابتة، إلى ما بلغ متواترا مبلغ اليقين، من صبره على مقاساة قريش، وأذى الجاهلية، ومصابرة الشدائد الصعبة معهم، إلى أن أظفره الله عليهم وحكمه فيهم وهم لا يشكون في استئصال
شأفتهم، وإبادة خضرائهم «1» ، فما زاد على أن عفا وصفح:
وقال: «ما تقولون إني فاعل بكم» ؟
قالوا: خيرا.. أخ كريم، وابن أخ كريم.
فقال: «2» [أقول كما قال أخي يوسف: «لا تثريب عليكم» ] «3» الآية «إذهبوا فأنتم الطلقاء» .
وقال «4» أنس «5» رضي الله عنه: هبط ثمانون رجلا من التنعيم «6» صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأنزل الله تعالى: «وهو الذي كف أيديهم عنكم» «7» الآية.
وقال لأبي سفيان «1» وقد سيق إليه، بعد أن جلب إليه الأحزاب وقتل عمه، وأصحابه، ومثل بهم فعفا عنه ولا طفه في القول:
«ويحك يا أبا سفيان!! ألم يئن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله» ؟! فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأوصلك وأكرمك. «2»
- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضى، صلى الله عليه وسلم.
الفصل الثالث عشر الجود والكرم
ص 229
وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق، فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسموه أيضا جرأة، وهو ضد النذالة.
- والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس، وهو ضد الشكاسة «1» .
- والسخاء: سهولة الإنفاق، وتجنب اكتساب ما لا يحمد، وهو ضد التقتير.
فكان صلى الله عليه وسلم لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة. ولا يبارى «2» .
بهذا وصفه كل من عرفه.
عن ابن المنكدر «1» قال: سمعت جابر «2» بن عبد الله يقول «3» :
«ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فقال لا» .
وعن أنس «4» وسهل «5» بن سعد رضي الله عنهما مثله.
وقال «6» ابن عباس «7» رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما كان في شهر رمضان وكان إذا لقيه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة.
وعن «1» أنس «2» رضي الله عنه: أن رجلا «3» سأله فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، وقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة.
- وأعطى غير واحد «4» مئة من الإبل.
- وأعطى «5» صفوان مئة ثم مئة.
وهذه كانت خلقه صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث.
وقد قال له ورقة «6» بن نوفل: إنك تحمل الكل «7» ، وتكسب المعدوم.
- ورد على هوازن «1» سباياها، وكانت ستة آلاف.
- وأعطى العباس «2» من الذهب ما لم يطق حمله «3» .
- وحمل «4» إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها فقسمها، فما رد سائلا حتى فرغ منها.
- وجاءه «5» رجل فسأله، فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه» .
فقال له عمر «6» رضي الله عنه: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال رجل «7» من الأنصار: يا رسول الله أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالا،
فتبسم صلى الله عليه وسلم، وعرف البشر في وجهه «8» ، وقال: «بهذا أمرت»
ذكره «1» الترمذي «2» وذكر «3» عن معوذ «4» بن عفراء رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب- يريد طبقا-، وأجر زغب «5» - يريد قثاء- فأعطاني ملء كفه حليا وذهبا.
قال «6» أنس «7» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد.
- والخبر بجوده صلى الله عليه وسلم وكرمه كثير.
وعن «8» أبي هريرة رضي الله عنه: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فاستلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف وسق، فجاء يتقاضاه فأعطاه وسقا، وقال: «نصفه قضاء ونصفه نائل» .
الفصل الرابع عشر الشجاعة والنجدة
ص 234
وأما الشجاعة والنجدة.
- فالشجاعة: فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل.
- والنجدة: ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت، حيث يحمد فعلها دون خوف.
وكان صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي لا يجهل، وقد حضر المواقف الصعبة، وفر الكماة «1» والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة، سواه.
عن أبي إسحق «1» : سمع البراء «2» وسأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر «3» .
ثم قال: لقد رأيته على بغلته البيضاء، وأبو «4» سفيان آخذ بلجامها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبي لا كذب» .
وزاد غيره «5» «أنا ابن عبد المطلب» .
قيل: فما رؤي يومئذ أحد كان أشد منه.
وقال غيره: نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته.
وذكر مسلم «6» عن العباس «7» رضي الله عنهما قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم
يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها، أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى «يا للمسلمين» الحديث.
وقيل «1» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب- ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء.
وقال «2» ابن عمر «3» رضي الله عنهما: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال «4» علي «5» رضي الله عنه: إنا كنا إذا حمي البأس- ويروى اشتد البأس- واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه. ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا.
وقيل: كان الشجاع هو الذي يقرب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو لقربه منه.
وعن «1» أنس «2» رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس.
لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا، قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي «3» طلحة عري، والسيف في عنقه وهو يقول:
«لن تراعوا» .
وقال «4» عمران «5» بن حصين: ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب.
- ولما رآه «6» أبي بن «7» خلف يوم أحد، وهو يقول: أين
محمد؟ لا نجوت إن نجا وقد كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا «1» من ذرة أقتلك عليها.
فقال له النبي: صلى الله عليه وسلم «أنا أقتلك إن شاء الله» ، فلما رآه يوم أحد شد أبي على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هكذا» أي خلوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث «2» بن الصمة، فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعراء «3» عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله النبي صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ «4» منها عن فرسه مرارا وقيل: بل كسر ضلعا من أضلاعه.
فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمد.
وهم يقولون: لا بأس عليك.
فقال: لو كان مابي بجميع الناس لقتلهم. أليس قد قال «أنا أقتلك» !! والله لو بصق علي لقتلني.
فمات بسرف «1» ، في قفولهم إلى مكة.
الفصل الخامس عشر الحياء والإغضاء
ص 240
وأما الحياء والإغضاء
- فالحياء: رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهيته، أو ما يكون تركه خيرا من فعله.
- والإغضاء: التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته.
- وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاء.
قال الله تعالى: «إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» «1» الآية..
عن «2» أبي سعيد الخدري «3» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه.
وكان صلى الله عليه وسلم لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافه أحدا بما يكرهه، حياء، وكرم نفس.
وعن «1» عائشة «2» رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل: ما بال فلان يقول كذا ولكن يقول:
«ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا» ينهى عنه، ولا يسمي فاعله.
وروى «3» أنس «4» رضي الله عنه: أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة، فلم يقل له شيئا- وكان لا يواجه أحدا بما يكره- فلما خرج، قال: «لو قلتم له يغسل هذا» ويروى ينزعها.
قالت «5» عائشة رضي الله عنها في الصحيح: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم
فحاشا، ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
وقد حكي مثل هذا الكلام عن التوراة، من رواية ابن سلام «1» وعبد الله بن «2» عمرو بن العاص.
وروي عنه «3» : أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد وأنه كان يكني عما اضطره الكلام إليه مما يكره «4» .
وعن «5» عائشة «6» رضي الله عنها: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ...
الفصل السادس عشر حسن العشرة والأدب وبسط الخلق
ص 243
وأما حسن عشرته. وأدبه، وبسط خلقه صلى الله عليه وسلم مع أصناف الخلق فبحيث انتشرت به الأخبار الصحيحة.
قال «1» علي «2» رضي الله عنه في وصفه عليه الصلاة والسلام:
«كان أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة «3» ، وأكرمهم عشرة.
عن قيس «4» بن سعد رضي الله عنه قال: «زارنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وذكر قصة في آخرها- فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا، وطأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال سعد:
يا قيس، اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال قيس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اركب» فأبيت.
فقال: «إما أن تركب، وإما أن تنصرف» فانصرفت «1» .
وفي رواية أخرى: «اركب أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدمها» .
- وكان «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤلفهم، ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ولا خلقه. يتعهد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه.
- من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه.
- ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، بهذا وصفه ابن أبي «1» هالة قال: وكان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه.
وقال الله تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» «2» وقال تعالى:
«ادفع بالتي هي أحسن» «3» الآية.
- وكان «4» يجيب من دعاه، ويقبل «5» الهدية، ولو كانت كراعا «6» ، ويكافيء عليها.
قال «1» أنس «2» رضي الله عنه: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين «3» فما قال لي: «أف» قط، وما قال لشيء صنعته: لم صنعته:؟!، ولا لشيء تركته: لم تركته؟!.
وعن «4» عائشة «5» رضي الله عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أهل بيته إلا قال: «لبيك» .
وقال «6» جرير «7» بن عبد الله رضي الله عنه: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم قط منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم.
- وكان يمازح «8» أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب
صبيانهم، ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد «1» والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر «2» .
قال «3» أنس «4» رضي الله عنه: ما التقم أحد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي يحني رأسه، وما أخذ أحد بيده، فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له.
وكان «5» يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير «6» قط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكني أصحابه، ويدعوهم
بأحب أسمائهم، تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام- ويروى بانتهاء أو قيام- وروي «1» :
أنه كان لا يجلس إليه أحد، وهو يصلي، إلا خفف صلاته، وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته.
- وكان أكثر الناس تبسما، وأطيبهم نفسا، ما لم ينزل عليه قرآن، أو يعظ، أو يخطب.
وقال «2» عبد الله «3» بن الحارث: ما رأيت أحدا أكثر تبسما، من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه: كان خدم المدينة يأتون رسول
الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلى الغداة، بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بآنية ألا غمس يده فيها، وربما كان ذلك في الغداة الباردة، يريدون «1» به التبرك.
الفصل السابع عشر الشفقة والرحمة
ص 250
وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد قال الله تعالى فيه:
«عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم، بالمؤمنين رؤف رحيم» «1» .
وقال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» «2» .
قال بعضهم: من فضله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أعطاه اسمين من أسمائه، فقال: «بالمؤمنين رؤف رحيم» .
وحكى الإمام «3» أبو بكر بن فورك نحوه.
عن ابن شهاب «4» قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة، وذكر
حنينا، قال: فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان «1» بن أمية مئة من النعم، ثم مئة، ثم مئه،
قال ابن شهاب «2» : حدثنا سعيد «3» بن المسيب أن صفوان «4» قال: والله لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي.
وروي «5» : أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه، ثم قال:
«أحسنت إليك» ؟ قال الأعرابي: لا، ولا أجملت فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام ودخل منزله، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم وزاده شيئا، ثم قال «أحسنت إليك» قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب
ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلما كان الغد، أو العشي، جاء، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي. أكذلك؟» قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل هذا رجل له ناقة شردت عليه، فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها، حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها واستوى عليها.
وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار» .
وروي «1» عنه صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» .
- ومن شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم تخفيفه وتسهله عليهم، وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم.
كقوله «1» عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» «2» .
- وخبر صلاة الليل «3» ، ونهيهم عن الوصال «4» ، وكراهته دخول الكعبة «5» لئلا تتعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم، وأنه «6» كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته.
- ومن شفقته صلى الله عليه وسلم أن دعا ربه وعاهده.
فقال: «أيما رجل سببته، أو لعنته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة، وصلاة وطهورا، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» «7»
- ولما كذبه «1» قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال له: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال، وسلم عليه وقال:
مرني بما شئت، إن شئت أن أطلق عليهم الأخشبين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا» .
وروى «2» ابن المنكدر «3» : أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك فقال: «أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم» .
قالت «4» عائشة «5» رضي الله عنها: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
قال «1» ابن مسعود «2» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
وعن «3» عائشة «4» : أنها ركبت بعيرا وفيه صعوبة فجعلت تردده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك بالرفق» .
الفصل الثامن عشر الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم
ص 256
وأما خلقه صلى الله عليه وسلم في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم:
فعن «1» عبد الله بن الحمساء قال «2» : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع، قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت علي، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» .
وعن «3» أنس «4» رضي الله عنه «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بهدية،
قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب خديجة.
وعن «1» عائشة «2» رضي الله عنها: قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها.
- واستأذنت عليه أختها «3» ، فارتاح إليها «4» .
- ودخلت عليه امرأة، فهش لها، وأحسن السؤال عنها فلما خرجت، قال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان «5» » .
ووصفه بعضهم فقال: كان يصل ذوي رحمه، من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن آل بني فلان ليسوا لي
بأولياء، غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها» «1» .
- وقد «2» صلى عليه الصلاة والسلام بأمامة «3» ابنة ابنته زينب «4» يحملها على عاتقه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
وعن «5» أبي قتادة «6» : جاء وفد للنجاشي «7» فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم فقال له أصحابه: نكفيك.
فقال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أكافئهم» .
- ولما جيء بأخته من الرضاعة الشيماء «8» في سبايا هوازن، وتعرفت له، بسط لها رداءه، وقال لها: «إن احببت أقمت
عندي مكرمة محبة، أو متعتك ورجعت إلى قومك» . فاختارت قومها فمتعها «1» .
وقال «2» أبو الطفيل «3» : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم «4» ، وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعته.
وعن «5» عمرو بن السائب «6» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما، فأقبل أبوه «7» من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ثم أقبل أخوه «8» من الرضاعة، فقام صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه.
- وكان يبعث إلى ثويبة «1» ، مولاة أبي لهب «2» مرضعته بصلة وكسوة، فلما ماتت سأل من بقي من قرابتها، فقيل: لا أحد «3»
وفي حديث «4» خديجة «5» رضي الله عنها: أنها قالت له صلى الله عليه وسلم: أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل «6» ، وتكسب المعدوم وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق.
الفصل التاسع عشر التواضع
ص 261
وأما تواضعه صلى الله عليه وسلم، على علو منصبه ورفعة رتبته، فكان أشد الناس تواضعا وأعدمهم كبرا.
- وحسبك أنه «1» خير بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا، فقال له إسرافيل عند ذلك:
فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة «2» ، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع.
وعن «3» أبي أمامة «4» قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
متوكئا على عصا، فقمنا له، فقال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا» .
وقال: إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
- وكان صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيثما انتهى به المجلس «1» جلس.
وفي «2» حديث عمر «3» رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا:
عبد الله ورسوله» .
وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه: أن امرأة كان في عقلها شيء جاءته، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال اجلسي يا أم فلان، في
أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضي حاجتك» قال:
فجلست، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليها حتى فرغت من حاجتها.
قال «1» أنس «2» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، ويجيب دعوة العبد.
- وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم «3» بحبل من ليف عليه إكاف «4» ، قال: وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة «5» السنخة فيجيب.
قال «6» : وحج صلى الله عليه وسلم على رحل رث، وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه ولا سمعة»
- هذا، وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى «7» في حجه ذلك مئة بدنة
- ولما «1» فتحت عليه مكة، ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كاديمس قادمته تواضعا لله تعالى.
- ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم.
قوله «2» : «لا تفضلوني على يونس «3» بن متى، ولا تفضلوا بين الأنبياء، ولا تخيروني «4» على موسى «5» ونحن «6» أحق بالشك من إبراهيم، ولو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي «7» » .
وقال «8» : للذي قال له: يا خير البرية «ذاك إبراهيم» وسيأتي الكلام على هذه الأحاديث بعد هذا- إن شاء الله تعالى-.
وعن «1» عائشة «2» والحسن «3» وأبي سعيد «4» وغيرهم رضي الله عنهم: في صفته.. وبعضهم يزيد على بعض: كان في بيته في مهنة أهله، يغلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويقم البيت، ويعقل البعير ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق.
وعن «5» أنس «6» رضي الله عنه: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت حتى تقضي حاجتها.
- ودخل عليه رجل، فأصابته من هيبته رعدة.
فقال له: «هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» «7» .
وعن «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه: دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاشترى سراويل «3» ، وقال للوزان: زن وأرجح ...
وذكر القصة. قال «4» : فوثب إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها، فجذب يده، وقال: «هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم،» .
ثم أخذ السراويل ... فذهبت لأحمله فقال: «صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله» .
الفصل العشرون العدل والأمانة والعفة وصدق اللهجة
ص 267
وأما عدله صلى الله عليه وسلم، وأمانته، وعفته وصدق لهجته، فكان صلى الله عليه وسلم آمن الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، وأصدقهم لهجة منذ كان، اعترف له بذلك محادوه «1» وعداه.
- وكان يسمى قبل نبوته «الأمين» .
قال «2» ابن اسحق «3» : كان يسمى الأمين، بما جمع الله فيه من الأخلاق الصالحة.
وقال تعالى: «مطاع ثم أمين» «4» .
أكثر المفسرين: على أنه محمد صلى الله عليه وسلم.
- ولما «5» اختلفت قريش وتحازبت عند بناء الكعبة فيمن
يضع الحجر، حكموا أول داخل عليهم، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم داخل وذلك قبل نبوته، فقالوا: هذا محمد. هذا الأمين، قد رضيناه به.
وعن الربيع «1» بن خثيم: كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الإسلام «2» .
وقال صلى الله عليه وسلم «3» : «والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض» .
وعن «4» علي «5» رضي الله عنه: أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى:
«فإنهم لا يكذبونك «6» » الآية.
وروى غيره «7» : لا نكذبك، وما أنت فينا بمكذب.
وقيل «1» : إن الأخنس «2» بن شريق لقي أبا جهل «3» يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم: ليس هناك غيري وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمد، صادق هو أم كاذب؟
فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق. وما كذب محمد قط.
وسأل هرقل «4» عنه أبا سفيان «5» ، فقال «6» : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟. قال لا ...
وقال «7» النضر بن «8» الحارث لقريش: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى
إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر!! لا والله ما هو بساحر..
وفي الحديث «1» عنه: ما لمست يده يد امرأة قط لا يملك رقها وفي حديث «2» علي رضي الله عنه في وصفه صلى الله عليه وسلم: أصدق الناس لهجة..
وقال في الصحيح «3» : «ويحك «4» فمن يعدل إن لم أعدل.
خبت وخسرت إن لم أعدل» .
قالت «5» عائشة «6» رضي الله عنها: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه.
وقال أبو العباس «7» المبرد:
قسم كسرى «1» أيامه. فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج.
قال ابن خالويه «2» : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، «يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون «3» » .
- ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم جزأ «4» نهاره ثلاثة أجزاء، جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه.
ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول «5» : «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها أمنه الله يوم الفزع الأكبر»
وعن «6» الحسن «7» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ أحدا
بقرف «1» أحد، ولا يصدق أحدا على أحد.
وذكر «2» أبو جعفر «3» الطبري: عن علي «4» رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «5» : «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته.
قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر «6» بها كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست أنظر فضرب على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت ولم أقض شيئا. ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك ثم لم أهم بعد ذلك بسوء» .
الفصل الحادي والعشرون الوقار والصمت والتؤدة والمروءة وحسن الهدي
ص 273
وأما وقاره صلى الله عليه وسلم وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه.
فعن «1» عمر «2» بن عبد العزيز بن وهيب: سمعت خارجة «3» بن زيد يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أو قر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه.
وروى «4» أبو سعيد «5» الخدري رضي الله عنه: كان رسول صلى الله عليه وسلم
إذا جلس في المجلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه صلى الله عليه وسلم محتبيا.
وعن «1» جابر «2» بن سمره وهو «3» في حديث قيلة «4» : أنه تربع، وربما جلس القرفصاء، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة. يعرض عمن تكلم بغير جميل.
وكان «5» ضحكه تبسما، وكلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير.
وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيرا له واقتداء به.
مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن «6» فيه الحرم إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير.
وفي صفته «7» : يخطو تكفؤا «8» ، ويمشي هونا، كأنما ينحط من صبب «9» .
وفي الحديث الآخر: إذا مشى مجتمعا، يعرف في مشيته أنه غير غرض «1» ولا وكل «2» . أي غير ضجر ولا كسلان.
وقال «3» عبد الله «4» بن مسعود: إن أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن «5» جابر «6» بن عبد الله: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيل وترسيل «7» .
قال ابن أبي هالة «8» : كان سكوته على أربع.
على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر.
قالت «9» عائشة «10» رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده العاد أحصاه.
وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة، ويستعملها كثيرا ويحض عليهما ويقول «1» : «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
- ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه «2» عن النفخ في الطعام والشراب، والأمر «3» بالأكل مما يلي، والأمر بالسواك، وإنقاء البراجم «4» والرواجب «5» ، واستعمال خصال الفطرة «6» ..
***
الفصل الثاني والعشرون الزهد في الدنيا
ص 277
وأما زهده في الدنيا، فقد تقدم من الأخبار أثناء هذه السيرة ما يكفي.
وحسبك من تقلله منها، وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه «1» مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، وهو يدعو ويقول «2» : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» .
عن «3» عائشة «4» رضي الله عنها قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله.
وفي رواية أخرى: من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء لأعطاه الله ما لا يخطر ببال.
وفي رواية أخرى «1» : ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر، حتى لقي الله عز وجل.
وقالت «2» عائشة رضي الله عنها: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا، ولا درهما. ولا شاة، ولا بعيرا.
وفي حديث «3» عمرو بن الحارث «4» : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته «5» ، وأرضا جعلها صدقة.
وقالت «6» عائشة «7» رضي الله عنها: ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي.
وقال لي «8» : «إني عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا
فقلت: لا يا رب، أجوع يوما، وأشبع يوما. فأما اليوم الذي أجوع فيه، فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك» .
وفي حديث «1» آخر: أن جبريل نزل عليه فقال له: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك حيثما كنت. فأطرق ساعة، ثم قال:
«يا جبريل. إن الدنيا دار من لا دار له. ومال من لا مال له، قد يجمعها من لا عقل له» .
فقال له جبريل: ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت.
وعن «2» عائشة «3» رضي الله عنها قالت: إن كنا آل محمد لنمكث
شهرا ما نستوقد نارا إن هو إلا التمر والماء «1» .
وعن «2» عبد الرحمن «3» بن عوف رضي الله عنه: هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير.
وعن عائشة وأبي أمامة «4» وابن عباس «5» رضي الله عنهم: نحوه.
قال «6» ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة طاويا، لا يجدون عشاء.
وعن «7» أنس «8» رضي الله عنه قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان «9» ، ولا في سكرجة «10» ، ولا خبز له مرقق ولا رأى
شاة سميطا «1» قط.
وعن «2» عائشة رضي الله عنها: إنما كان فراشه صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه أدما، حشوه ليف.
وعن «3» حفصة «4» رضي الله عنها قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته مسحا «5» نثنيه ثنيتين، فينام عليه فثنيناه له ليلة بأربع، فلما أصبح قال «ما فرشتموا لي الليلة» ؟ فذكرنا ذلك له فقال: «ردوه بحاله. فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي» .
- وكان «6» ينام أحيانا على سرير مرمول «7» بشريط حتى يؤثر في جنبه.
وعن «8» عائشة رضي الله عنها قالت: لم يمتليء جوف النبي
صلى الله عليه وسلم سبعا قط. ولم يبث شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى، وإن كان ليظل جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه. ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها ولقد أبكي له رحمة مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك.
فيقول: «يا عائشة. مالي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم. وما من شيء هو أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي»
قالت: فما أقام بعد إلا شهرا حتى توفي صلى الله عليه وسلم.
الفصل الثالث والعشرون الخوف من الله والطاعة له وشدة العبادة
ص 283
وأما خوفه من ربه، وطاعته له، وشدة عبادته، فعلى قدر علمه بربه.
عن «1» أبي هريرة رضي الله عنه كان يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا» .
زاد «2» في روايتنا عن أبي عيسى «3» الترمذي. رفعه إلى
أبي «1» ذر رضي الله عنه «2» .
«إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت «3» السماوات، وحق لها أن تئط. ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله. والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله. لوددت أني شجرة تعضد» .
روي هذا الكلام «وددت أني شجرة تعضد» من قول أبي ذر نفسه «4» ، وهو أصح.
وفي حديث «5» المغيرة «6» : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه.
وفي رواية «1» : كان يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أتكلف هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!
قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» !!
وعن «2» أبي سلمة «3» وأبي هريرة «4» رضي الله عنهما نحوه.
وقالت «5» عائشة «6» رضي الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة. وأيكم يطيق ما كان يطيق؟
وقالت «7» : كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم.
وعن «8» ابن عباس «9» وأم سلمة «10» وأنس «11» رضي الله عنهم نحوه.
وقال: كنت لا تشاء أن تراه في الليل مصليا إلا رأيته مصليا، ولا نائما إلا رأيته نائما.
وقال «1» عوف بن «2» مالك رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه.
فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول:
«سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرباء والعظمة» ، ثم سجد، وقال قبل ذلك. ثم قرأ آل عمران، ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك.
وعن حذيفة «3» رضي الله عنه: مثله «4» وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين السجدتين نحوا منه، وقال: حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة.
وعن «1» عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة.
وعن «2» عبد الله بن «3» الشخير رضي الله عنه: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل.
قال «4» ابن أبي هالة «5» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة.
وقال صلى الله عليه وسلم «6» «إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة» وروي «7» «سبعين مرة» . وعن «8» علي «9» رضي الله عنه قال: سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته.
فقال: «المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضاء غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة»
وفي حديث آخر «وثمرة فؤادي في ذكره، وغمي لأجل أمتي وشوقي إلى ربي عز وجل.
الفصل الرابع والعشرون صفات الأنبياء
ص 289
اعلم وفقنا الله وإياك أن صفات جميع الأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم، من كمال الخلق، وحسن الصورة، وشرف النسب، وحسن الخلق، وجميع المحاسن هي هذه الصفة، لأنها صفات الكمال.
والكمال والتمام البشري، والفضل، الجميع لهم صلوات الله عليهم، إذ رتبتهم أشرف الرتب ودرجاتهم أرفع الدرجات.
- ولكن فضل الله بعضهم على بعض.
قال الله تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» «1»
وقال «ولقد اخترناهم على علم على العالمين» «2»
وقال صلى الله عليه وسلم «1» «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر» .
ثم قال آخر الحديث «2» «على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم عليه السلام، طوله ستون ذراعا في السماء» .
وفي حديث «3» أبي هريرة «4» رضى الله عنه: رأيت موسى، فإذا هو رجل ضرب «5» ، رجل «6» ، أقنى «7» ، كأنه من رجال شنوءة «8» .
ورأيت عيسى، فإذا هو رجل ربعة «9» ، كثير خيلان «10» الوجه، أحمر كأنما خرج من ديماس «11» .
وفي حديث «1» آخر: مبطن مثل السيف.
قال: «وأنا أشبه ولد إبراهيم به» .
وقال في حديث «2» آخر في صفة موسى: «كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال» .
وفي حديث «3» أبي هريرة «4» : عنه صلى الله عليه وسلم «ما بعث الله تعالى من بعد لوط نبيا إلا في ذروة من قومه» ويروى «في ثروة» أي كثرة ومنعة.
وحكى «5» الترمذي «6» عن «7» قتادة «8» ، ورواه الدارقطني «9» من حديث قتادة «10» عن «11» أنس «12» : ما بعث الله نبيا إلا
حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم صوتا صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث «1» هرقل «2» : وسألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها.
وقال تعالى في أيوب «3» : «إنا وجدناه صابرا. نعم العبد إنه أواب» «4» .
وقال تعالى: «يا يحيى خذ الكتاب بقوة» إلى قوله: «ويوم يبعث حيا»
«5» .
وقال: «أن الله يبشرك بيحيى» إلى «الصالحين» «6» .
وقال: «إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين «7» » الآيتين.
وقال في نوح: «إنه كان عبدا شكورا «1» » .
وقال: «إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح» إلى «الصالحين «2» » .
وقال: «إني عبد الله آتاني الكتاب» إلى «ما دمت حيا «3» »
وقال: «يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى «4» » الآية..
قال النبي صلى الله عليه وسلم «5» : «كان موسى رجلا حييا ستيرا ما يرى من جسده شيء استحياء» الحديث.
وقال تعالى عنه: «فوهب لي ربي حكما «6» » الآية.
وقال في وصف جماعة منهم «إني لكم رسول أمين «7» » .
وقال: «إن خير من استأجرت القوي الأمين «1» » .
وقال: «فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل «2» » .
وقال: «ووهبنا له إسحاق ويعقوب، كلا هدينا» إلى قوله: «فبهداهم اقتده «3» » .
- فوصفهم بأوصاف جمة من الصلاح، والهدى، والاجتباء، والحكم، والنبوة.
وقال: «فبشرناه بغلام عليم «4» » و «حليم «5» » .
وقال: «ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم» إلى «أمين «6» » .
وقال: «ستجدني إن شاء الله من الصابرين «1» » .
وقال في إسماعيل «2» : «إنه كان صادق الوعد «3» » الآيتين.
وفي موسى «4» «إنه كان مخلصا «5» » .
وفي سليمان «6» : «نعم العبد إنه أواب «7» » .
وقال تعالى: «واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار» الى «الأخيار «8» » .
وفي داوود «9» : «إنه أواب «10» » .
ثم قال: «وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب «11» »
وقال عن يوسف «1» : «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم «2» » .
وفي موسى «3» : «ستجدني إن شاء الله صابرا «4» » .
وقال تعالى عن شعيب «5» : «ستجدني إن شاء الله من الصالحين «6» »
وقال «ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت «7» » .
وقال: «ولوطا آتيناه حكما وعلما «8» » .
وقال: «إنهم كانوا يسارعون في الخيرات «9» » الآية.
قال سفيان «10» : هو الحزن الدائم في آي كثيرة ذكر فيها من
خصالهم ومحاسن أخلاقهم الدالة على كمالهم. وجاء من ذلك في الأحاديث كثير.
كقوله «1» صلى الله عليه وسلم: «إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم، نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي» .
وفي حديث «2» أنس «3» : «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم» .
وروي «4» : أن سليمان كان مع ما أعطي من الملك لا يرفع بصره إلى السماء تخشعا وتواضعا لله تعالى، وكان «5» يطعم الناس لذائذ الأطعمة، ويأكل خبز الشعير.
وأوحي إليه: يا رأس العابدين، وابن محجة الزاهدين.
- وكانت العجوز تعترضه، وهو على الريح في جنوده،
فيأمر الريح فتقف فينظر في حاجتها ويمضي.
وقيل ليوسف: مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟!.
قال: أخاف أن أشبع، فأنسى الجائع.
وروى «1» أبو هريرة «2» ، عنه صلى الله عليه وسلم: «خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج، ولا يأكل إلا من عمل يده» .
قال الله تعالى: «وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد «3» » .
- وكان سأل ربه أن يرزقه عملا بيده يغنيه عن بيت المال.
وقال صلى الله عليه وسلم: «4» «أحب الصلاة إلى الله صلاة داوود. وأحب الصيام إلى الله صيام داوود. وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما، وكان يلبس الصوف
ويفترش الشعر، ويأكل خبز الشعير بالملح والرماد «1» ، ويمزج شرابه بالدموع، ولم يرضاحكا بعد الخطيئة، ولا شاخصا ببصره إلى السماء حياء من ربه عز وجل، ولم يزل باكيا حياته كلها» .
وقيل «2» : بكى حتى نبت العشب من دموعه، وحتى اتخذت الدموع في خده أخدودا.
وقيل «3» : كان يخرج متنكرا يتعرف سيرته، فيسمع الثناء عليه فيزداد تواضعا.
وقيل «4» لعيسى «5» عليه السلام: لو اتخذت حمارا؟
قال: أنا أكرم على الله تعالى من أن يشغلني بحمار.
- وكان «6» يلبس الشعر، ويأكل الشجر، ولم يكن له بيت أينما أدركه النوم نام. وكان أحب الأسامي إليه، أن يقال له:
يا «مسكين» .
وقيل «1» : إن موسى «2» عليه السلام لما ورد ماء مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه، من الهزال
وقال صلى الله عليه وسلم «3» : «لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم» «4» .
وقال عيسى عليه السلام لخنزير لقيه: اذهب بسلام.
فقيل له في ذلك، فقال: أكره أن أعود لساني المنطق بسوء.
وقال «5» مجاهد «6» : كان طعام يحيى «7» العشب، وكان يبكي من خشية الله حتى اتخذ الدمع مجرى في خده.
وكان يأكل مع الوحش لئلا يخالط الناس.
وحكى الطبري «1» عن وهب «2» : أن موسى عليه السلام كان يستظل «3» بعريش، وكان يأكل في نقرة «4» من حجر، ويكرع «5» فيها إذا أراد أن يشرب، كما تكرع الدابة تواضعا لله بما أكرمه الله به من كلامه.
- وأخبارهم في هذا كله مسطورة، وصفاتهم في الكمال وجميل الأخلاق، وحسن الصور والشمائل معروفة مشهورة، فلا نطول بها ولا تلتفت إلى ما تجده في كتب بعض جهلة المؤرخين والمفسرين مما يخالف هذا..
الفصل الخامس والعشرون حديث الحسن عن ابن أبي هالة في جمع (الشمائل)
ص 302
قد أتيناك- أكرمك الله- من ذكر الأخلاق الحميدة والفضائل المجيدة، وخصال الكمال العديدة، وأريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم، وجلبنا من الآثار ما فيه مقنع، والأمر أوسع.
- فمجال هذا الباب في حقه صلى الله عليه وسلم ممتد، ينقطع دون نفاده الأدلاء، وبحر علم خصائصه زاخرة لا تكدره الدلاء، ولكنا أتينا فيه بالمعروف مما أكثره في الصحيح، والمشهور من المصنفات واقتصرنا في ذلك بقل من كل، وغيض «1» من فيض «2» . ورأينا أن نختم
هذه الفصول بذكر حديث الحسن «1» عن ابن أبي «2» هالة «3» ، لجمعه من شمائله وأوصافه كثيرا، وإدماجه جملة كافية من سيره وفضائله. ونصله بتنبيه لطيف على غريبه «4» ومشكله «5» .
قال الحسن بن علي: - واللفظ لهذا السند «6» - سألت خالي هند «7» بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئا أتعلق به. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما «8» ، مفخما «9» ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب «10» ، عظيم الهامة.
رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته «1» فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره.
أزهر اللون «2» .
واسع الجبين.
أزج «3» الحواجب، سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدره «4» الغضب.
أقنى «5» العرنين «6» ، له نور يعلوه. ويحسبه من لم يتأمله أشم «7» كث اللحية.
أدعج «8» .
سهل الخدين.
ضليع «1» الفم، أشنب «2» ، مفلج «3» الأسنان.
دقيق المسربة. «4»
كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة.
معتدل الخلق.
بادنا، متماسكا.
سواء البطن والصدر، مشيح «5» الصدر.
بعيد ما بين المنكبين.
ضخم الكراديس «6» .
أنور المتجرد «7» .
موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين ما سوى ذلك.
أشعر الذراعين، والمنكبين، وأعالي الصدر طويل الزندين.
رحب الراحة، شثن «8» الكفين والقدمين.
سائل الأطراف- أو قال سائن الأطراف وسائر الأطراف.
سبط «1» العصب.
خمصان «2» الأخمصين.
مسيح «3» القدمين ينبو عنهما الماء.
إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع «4» المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب.
وإذا التفت التفت جميعا.
خافض الطرف. نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة.
يسوق أصحابه. ويبدأ من لقيه بالسلام.
قلت: صف لي منطقه..
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت،
يفتتح الكلام، ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا «1» ، لا فضول فيه، ولا تقصير.
دمثا «2» ، ليس بالجافي، ولا المهين يعظم النعمة وإن دقت.
لا يذم شيئا.
لم يكن يذم ذواقا «3» ولا يمدحه.
ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها.
إذا أشار أشار بكفه كلها.
وإذا تعجب قلبها.
وإذا تحدث اتصل بها، فضرب بابهامه اليمنى راحه اليسرى.
وإذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفه.
جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
قال الحسن «1» : فكتمتها عن الحسين «2» بن علي زمانا، ثم حدثته فوجدته سبقني إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول صلى الله عليه وسلم، ومخرجه، ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين «3» : سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: كان دخوله لنفسه، مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء- جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه.
ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئا فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمته على قدر فضلهم في الدين. منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج. فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم.
ويقول «4» «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من
لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة» .
لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره.
قال «1» في حديث سفيان «2» بن وكيع: يدخلون روادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة- يعني فقهاء.
قلت: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ ..
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم. ويؤلفهم ولا يفرقهم.
يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم.
ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه.
ويتفقد أصحابه.
ويسأل الناس عما في الناس.
ويحسن الحسن ويصو به.
ويقبح القبيح ويوهنه.
معتدل الأمر غير مختلف.
لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا.
لكل حال عنده عتاد «1» .
لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره.
الذين يلونه من الناس خيارهم.
وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة.
وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة.
فسألته عن مجلسه، عما يصنع فيه؟!
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر.
ولا يوطن «2» الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه.
من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه.
من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع
الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء.
مجلسه مجلس حلم، وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «1» فيه الحرم، ولا تثنى «2» فلتاته- وهذه الكلمة من غير الروايتين-
يتعاطفون بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون «3» ذا الحاجة، ويرحمون الغريب.
فسألته: عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه.
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب «4» ، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح.
يتغافل عما لا يشتهي.
ولا يؤيس منه.
قد ترك نفسه من ثلاث، الرياء، والإكثار وما لا يعنيه.
وترك الناس من ثلاث:
كان لا يذم أحدا- ولا يعيره- ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه.
إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأن على رؤوسهم الطير.
وإذا سكت تكلموا.
لا يتنازعون عنده الحديث.
من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ.
حديثهم حديث أولهم.
يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه.
ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق.
ويقول « «إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه «1» » .
ولا يطلب الثناء إلا من مكافيء.
ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أوقيام.
هنا انتهى سفيان «2» بن وكيع.
وزاد الآخر «3» :
قلت: كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم؟!
قال: كان سكوته على أربع:
على الحلم- والحذر- والتقدير- والتفكير
- فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس.
- وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى.
وجمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر فكان لا يغضبه شيء يستفزه وجمع له في الحذر أربع:
- أخذه بالحسن ليقتدى به.
- وتركه القبيح لينتهى عنه.
- واجتهاد الرأي بما أصلح أمته.
- والقيام لهم بما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة.
انتهى الوصف بحمد الله وعونه.
الفصل السادس والعشرون في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله «1»
ص 314
قوله: المشذب أي البائن الطول في نحافة، وهو مثل قوله في الحديث الآخر ليس بالطويل الممغط.
والشعر الرجل: الذي كأنه مشط فتكسر قليلا ليس بسبط ولا جعد.
والعقيقة: شعر الرأس أراد إن انفرقت من ذات نفسها فرقها وإلا تركها معقوصة ويروى عقيصته.
وأزهر اللون: نيره وقيل أزهر حسن ومنه زهرة الحياة الدنيا أي زينتها وهذا كما قال في الحديث الآخر ليس بالأبيض الأمهق
ولا بالآدم، والأمهق: هو الناصع البياض، والآدم: الأسمر اللون، ومثله في الحديث الآخر أبيض مشرب أي فيه حمرة.
والحاجب الأزج: المقوس الطويل الوافر الشعر.
والأقنى: السائل الأنف المرتفع وسطه.
والأشم: الطويل قصبة الأنف.
والقرن: اتصال شعر الحاجبين، وضده البلج، ووقع في حديث أم معبد وصفه بالقرن.
والأدعج: الشديد سواد الحدقة، وفي الحديث الآخر: أشكل العين، وأسحر العين، وهو الذي في بياضها حمرة.
والضليع: الواسع.
والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل رقتها، وتحزيز فيها كما يوجد في أسنان الشباب.
والفلج: فرق الثنايا.
ودقيق المسربة: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة.
بادن: ذو لحم.
ومتماسك: معتدل الخلق، يمسك بعضه بعضا، مثل قوله في الحديث
الآخر لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، أي ليس بمسترخي اللحم، والمكلثم القصير الذقن.
وسواء البطن والصدر: أي مستويهما.
مشيح الصدر: إن صحت هذه اللفظة فتكون من الإقبال، وهو أحد معاني أشاح، أي أنه كان بادي الصدر، ولم يكن في صدره قعس وهو تطامن فيه وبه يتضح قوله قبل سواء البطن والصدر، أي ليس بمتقاعس الصدر ولا مفاض البطن، ولعل اللفظ مسيح بالسين وفتح الميم بمعنى عريض كما وقع في الرواية الأخرى وحكاه ابن دريد.
الكراديس: رؤوس العظام، وهو مثل قوله في الحديث الآخر جليل المشاش، والكتد والمشاش: رؤوس المناكب والكتد:
مجتمع الكتفين.
وشثن الكفين والقدمين: لحيمهما والزندان عظما الذراعين.
وسائل الأطراف: أي طويل الأصابع وذكر ابن الأنباري أنه روي سائل الأطراف، أو قال سائن بالنون قال: وهما بمعنى تبدل اللام من النون إن صحت الرواية بها وأما على الرواية الأخرى وسائر الأطراف فإشارة إلى فخامة جوارحه كما وقعت مفصلة في الحديث.
ورحب الراحة: أي واسعها وقيل كنى به عن سعة العطاء والجود.
وخمصان الأخمصين: أي متجافي أخمص القدم، وهو الموضع الذي لا تناله الأرض من وسط القدم.
ومسيح القدمين: أي أملسهما ولهذا قال ينبو عنهما الماء وفي حديث أبي هريرة خلاف هذا قال فيه: إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها ليس له أخمص، وهذا يوافق معنى قوله مسيح القدمين، وبه قالوا سمي المسيح بن مريم أي لم يكن له أخمص وقيل: مسيح لا لحم عليهما وهذا أيضا يخالف قوله شثن القدمين.
والتقلع: رفع الرجل بقوة.
والتكفؤ: الميل إلى سنن الممشى وقصده.
والهون: الرفق والوقار.
والذريع: الواسع الخطو أي: إن مشيه كان يرفع فيه رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال ويقصد سمته، وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة كما قال كأنما ينحط من صبب.
وقوله يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه: أي لسعة فمه، والعرب تتمادح بهذا وتذم بصغر الفم.
وأشاح: مال وانقبض.
وحب الغمام: البرد.
وقوله فيرد ذلك بالخاصة على العامة: أي جعل من جزء نفسه ما يوصل الخاصة إليه فتوصل عنه للعامة، وقيل يجعل منه للخاصة ثم يبدلها في جزء آخر بالعامة.
ويدخلون روادا: أي محتاجين إليه وطالبين لما عنده.
ولا ينصرفون إلا عن ذواق: قيل عن علم يتعلمونه ويشبه أن يكون على ظاهره أي في الغالب والأكثر.
والعتاد: العدة والشيء الحاضر المعد.
والموازرة: المعاونة وقوله.
لا يوطن الأماكن: أي لا يتخذ لمصلاه موضعا معلوما وقد ورد نهيه عن هذا مفسرا في غير هذا الحديث.
وصابره: أي حبس نفسه على ما يريد صاحبه.
ولا تؤبن فيه الحرم: أي لا يذكرن فيه بسوء.
ولا تثنى فلتاته: أي لا يتحدث بها أي لم تكن فيه فلتة، وإن كانت من أحد سترت، ويرفدون: يعينون.
والسخاب: الكثير الصياح.
وقوله: ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء: قيل مقتصد في ثنائه ومدحه وقيل إلا من مسلم وقيل إلا من مكافىء على يد سبقت من النبي صلى الله عليه وسلم له.
ويستفزه: يستخفه وفي حديث آخر في وصفه صلى الله عليه وسلم.
منهوس العقب: أي قليل لحمها.
وأهداب الأشفار: أي طويل شعرها.
النص من طبعة دار الفيحاء بعمّان لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.