الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الشفا بتعريف حقوق المصطفى / الجزء الأول / الباب الرابع فيما أظهره الله على يديه منه المعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات وفيه ثلاثون فصلا
8

الباب الرابع فيما أظهره الله على يديه منه المعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات وفيه ثلاثون فصلا

الجزء الأول 30 عنصر صفحة 477
الفصل الأول مقدمة ص 479

قال القاضي أبو الفضل: حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا لطاعن في معجزاته، فنحتاج إلى نصب البراهين عليها، وتحصين حوزتها «1» حتى لا يتوصل المطاعن إليها، ونذكر شروط المعجز، والتحدي وحده، وفساد قول من أبطل نسخ الشرائع ورده.

بل ألفناه لأهل ملته الملبين لدعوته، المصدقين لنبوته ليكون تأكيدا في محبتهم له، ومنماة لأعمالهم، و «ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم «2» » .

ونيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته، ومشاهير آياته، لتدل على عظيم قدره عند ربه. وأتينا منها بالمحقق والصحيح الإسناد، وأكثره مما بلغ القطع أو كاد، وأضفنا إليها بعض ما وقع في مشاهير كتب الأئمة.

وإذا تأمل المتأمل المنصف ما قدمناه من جميل أثره، وحميد سيره، وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجملة كماله، وجميع خصاله، وشاهد حاله، وصواب مقاله، لم يمتر «1» في صحة نبوته، وصدق دعوته.

وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه، والإيمان به، فروينا عن الترمذي «2» وابن قانع «3» وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام «4» قال «5» : «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب» .

وعن «1» أبي رمثة «2» التيمي: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي فأريته «3» فلما رأيته قلت: هذا نبي الله.. وروى مسلم وغيره:

أن ضمادا «4» لما وفد عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» . قال له: «أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس «5» البحر.. هات يدك أبايعك» .

وقال «6» جامع «7» بن شداد: كان رجل منا يقال له: طارق «8»

فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال «1» : هل معكم شيء تبيعونه؟

قلنا: هذا البعير. قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقا «2» من تمر فأخذ بخطامه «3» وسار إلى المدينة.. فقلنا: بعنا من رجل لا ندري من هو ومعنا ظعينة «4» فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير..

رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر.. لا يخيس «5» بكم.

فأصبحنا فجاء رجل بتمر فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا.

وفي خبر الجلندي «6» ملك عمان لما بلغه «7» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام قال الجلندي: «والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له.. وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا

يضجر، ويفي بالعهد وينجز الموعود.. وأشهد أنه نبي» .

وقال نفطويه في قوله تعالى: «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار «1» » هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول: يكاد منظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواحة «2» :

لو لم تكن فيه آيات مبينة ... لكان منظره ينبيك «3» بالخبر

وقد آن أن نأخذ في ذكر النبوة والوحي والرسالة، وبعده في معجزة القرآن، وما فيه من برهان ودلالة.

الفصل الثاني بين النبوة والرسالة ص 485

اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده، والعلم بذاته وأسمائه وصفاته، وجميع تكليفاته ابتداء دون واسطة لو شاء كما حكي عن سنته في بعض الأنبياء. وذكره بعض أهل التفسير في قوله: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا «1» » .

وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلامه، وتكون تلك الواسطة إما من غير البشر. كالملائكة مع الأنبياء، أو من جنسهم كالأنبياء مع الأمم. ولا مانع لهذا من دليل العقل.

- وإذا جاز هذا ولم يستحل، وجاءت الرسل بما دل على صدقهم من معجزاتهم وجب تصديقهم في جميع ما أتوا به.

- لأن المعجزة مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام قول الله:

«صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه» وشاهد على صدقه فيما يقوله، وهذا كاف.. والتطويل فيه خارج عن الغرض. فمن أراد تتبعه وجده مستوفى في مصنفات أئمتنا رحمهم الله.

فالنبوة: في لغة من همز مأخوذة من النبأ، وهو الخبر وقد لا يهمز على هذا التأويل تسهيلا. والمعنى: أن الله تعالى أطلعه على غيبه، وأعلمه أنه نبيه فيكون نبي (منبأ) فعيل بمعنى (مفعول) أو يكون مخبرا عما بعثه الله تعالى به، ومنبئا بما أطلعه الله عليه. فعيل بمعنى فاعل. ويكون عند من لم يهمزه من النبوة. وهو ما ارتفع من الأرض. ومعناه أن له رتبة شريفة ومكانة نبيهة عند مولاه منيفة «2» .. فالوصفان في حقه مؤتلفان.

وأما الرسول فهو المرسل، ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادرا.. وإرساله أمر الله له بالإبلاغ إلى من أرسله إليه واشتقاقه من التتابع.. ومنه قولهم: جاء الناس أرسالا.. إذا تبع بعضهم بعضا.. فكأنه ألزم تكرير التبليغ.. أو ألزمت

الأمة اتباعه واختلف العلماء: هل النبي والرسول بمعنى أو بمعنيين فقيل: هما سواء وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلوا بقوله تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي «1» » فقد أثبت لهما معا الإرسال قال: ولا يكون النبي إلا رسولا ولا الرسول إلا نبيا. وقيل: هما مفترقان من وجه.. إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها..

- وافترقا في زيادة الرسالة للرسول.. وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئا واحدا لما حسن تكرار هما في الكلام البليغ.

قالوا والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلى أمة، أو نبي وليس بمرسل إلى أحد.

وقد ذهب بعضهم إلى أن الرسول قد جاء بشرع مبتدأ، ومن لم يأت به نبي غير رسول. وإن أمر بالإبلاغ والإنذار.

والصحيح والذي عليه الجماء الغفير «2» : أن كل رسول نبي

وليس كل نبي رسولا وأول الرسل: آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث «1» أبي ذر «2» رضي الله عنه: «إن الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي» وذكر أن الرسل منهم ثلاث مئة وثلاثة عشر أولهم آدم عليه السلام فقد بان لك معنى النبوة والرسالة وليستا عند المحققين ذاتا للنبي «3» .. ولا وصف ذات «4» .. خلافا للكرامية «5» ، في تطويل لهم وتهويل، ليس عليه تعويل..

وأما الوحي: فأصله الإسراع.. فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بعجل سمي وحيا.. وسميت أنواع الإلهامات وحيا تشبيها بالوحي إلى النبي وسمي الخط «وحيا» لسرعة حركة يد

كاتبه «ووحي الحاجب واللحظ «1» » سرعة إشارتهما.

ومنه قوله تعالى: «فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا «2» » أي أومأ ورمز وقيل كتب.. ومنه قولهم الوحا..

الوحا «3» .. أي السرعة.. السرعة وقيل: أصل الوحي السر والإخفاء.. ومنه سمي الإلهام وحيا..

ومنه قوله تعالى: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم «4» » أي يوسوسون في صدورهم.

ومنه قوله: «وأوحينا إلى أم موسى «5» » أي ألقي في قلبها وقد قيل ذلك في قوله تعالى:

«وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا «6» » أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة.

الفصل الثالث معنى المعجزات ص 490

إعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء «معجزة»

- هو أن الخلق عجزوا عن الإثبات بمثلها وهي على ضربين:

- ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه كصرفهم عن تمني الموت «1» وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على رأي بعضهم «2» ونحوه.

- وضرب هو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله كإحياء الموتى «1» ، وقلب العصا «2» حية، وإخراج ناقة من صخرة «3» وكلام شجرة «4» ونبع الماء من الأصابع «5» ، وانشقاق القمر «6» ، مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله فيكون ذلك على يد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل الله تعالى وتحديه من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيز له واعلم

واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا.

- وهو أكثر الرسل معجزة وأبهرهم آية وأظهرهم برهانا كما سنبينه وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط فإن واحدا منها وهو «القرآن» لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر.. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجز عنها أهل العلم.. وأقصر السور «إنا أعطيناك الكوثر «1» » فكل آية منه أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة.. ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفعله فيما انطوى عليه من المعجزات.

ثم معجزاته صلى الله عليه وسلم على قسمين:

- قسم منها علم قطعا ونقل إلينا متواترا كالقرآن فلا مرية ولا خلاف بمجيء النبي به وظهووه من قبله واستدلاله بحجته.. وإن أنكر هذا معاند جاحد فهو كإنكاره وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا..

وإنما جاء اعتراض الجاحدين في الحجة به، فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة، ووجه إعجازه معلوم ضرورة

ونظرا كما سنشرحه.. قال بعض أئمتنا «1» ويجري هذا المجرى على الجملة أنه قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق عادات إن لم يبلغ واحد منها معينا القطع فيبلغها جميعها فلا مرية في جريان معانيها على يديه ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه جرت على يديه عجائب..

وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله.. وقد قدمنا كونها من قبل الله.. وإن ذلك بمثابة قوله «صدقت» فقد علم وقوع مثل هذا أيضا من نبينا ضرورة لاتفاق معانيها، كما يعلم ضرورة جود حاتم «2» وشجاعة عنترة «3» ، وحلم أحنف «4» .. لاتفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم.. على كرم هذا وشجاعة هذا.. وحلم هذا.. وإن كان كل خبر بنفسه لا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته

- والقسم الثاني: ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع.. وهو على نوعين.

- نوع مشتهر منتشر.. رواه العدد وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة ونقلة السير والأخبار.. كنبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام.

- ونوع منه اختص به الواحد والاثنان.. ورواه العدد اليسير ولم يشتهر اشتهار غيره.. لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى واجتمعا على الإتيان بالمعجز كما قدمناه.

قال القاضي أبو الفضل: وأنا أقول- صدعا بالحق- إن كثيرا من هذه الآيات المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم معلومة بالقطع.

أما انشقاق القمر فالقرآن نص بوقوعه، وأخبر عن وجوده، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل.. وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، ولا يوهن عزمنا خلاف أخرق «1» منحل عرى الدين.. ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ضعفاء المؤمنين.. بل نرغم بهذا أنفه وننبذ بالعراء سخفه

وكذلك قصة نبع الماء وتكثير الطعام: رواها الثقات والعدد الكثير عن الجماء الغفير عن العدد الكثير من الصحابة..

ومنها ما رواه الكافة متصلا عمن حدث بها من جملة الصحابة وأخيارهم.. أن ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم في يوم الخندق «1» ، وفي غزوة بواط «2» .. وعمرة الحديبية «3» وغزوة تبوك «4» وأمثالها من محافل «5» المسلمين ومجمع العساكر.. ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه.. ولا إنكار عما

ذكر عنهم أنهم رأوه كما رواه.. فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق.. إذهم المنزهون عن السكوت على باطل.. والمداهنة في كذب.. وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم.. ولو كان ما سمعوه منكرا عندهم وغير معروف لديهم لأنكروه كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها من السنن والسير وحروف «1» القرآن.

وخطأ بعضهم بعضا ووهمه في ذلك مما هو معلوم.

- فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته، لما بيناه.

وأيضا فإن أمثال الأخبار التي لا أصل لها وبنيت على باطل لا بدمع مرور الأزمات وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف ضعفها وخمول ذكرها.. كما يشاهد في كثير من الأخبار الكاذبة والأراجيف «2» الطارئة.. وأعلام «3» نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الواردة من طريق الآحاد.. لا تزداد مع مرور الزمان إلا ظهورا.. ومع

تداول الفرق وكثرة طعن العدو وحرصه على توهينها وتضعيف أصلها وإجهاد الملحد من إطفاء نورها إلا قوة وقبولا ولا للطاعن عليها إلا حسرة وغليلا «1» ..

- وكذلك إخباره عن الغيوب وإنباؤه بما يكون وكان معلوم من آياته على الجملة بالضرورة.. وهذا حق لاغطاء عليه.

وقد قال به من أئمتنا «2» القاضي»

والأستاذ أبو بكر «4» وغيرهما رحمهم الله وما عندي أوجب قول القائل إن هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلا قلة مطالعته للأخبار وروايتها، وشغله بغير ذلك من المعارف. وإلا فمن اعتنى بطرق النقل، وطالع الأحاديث والسير، لم يرتب في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه.. ولا يبعد أن يحصل العلم بالتواتر عند واحد، ولا يحصل عند آخر، فإن أكثر الناس يعلمون بالخبر كون بغداد موجودة وأنها مدينة عظيمة، ودار الإمامة الخلافة،

وآحاد من الناس لا يعلمون اسمها فضلا عن وصفها..

وهكذا يعلم الفقهاء من أصحاب مالك «1» بالضرورة وتواتر النقل عنه أن مذهبه إيجاب قراءة أم القرآن في الصلاة للمنفرد والإمام، وإجزاء النية في أول ليلة من رمضان عما سواه وأن الشافعي «2» يرى تجديد النية كل ليلة. والاقتصار في المسح على بعض الرأس.

وإن مذهبهما «3» القصاص في القتل بالمحدد «4» وغيره «5» وإيجاب النية في الوضوء، واشتراط الولي في النكاح.. وأن أبا حنيفة «6» يخالفهما في هذه المسائل «7» .. وغيرهم ممن لم يشتغل بمذاهبهم ولا روى أقوالهم لا يعرف هذا من مذاهبهم فضلا عمن سواه.

وعند ذكرنا آحاد هذه المعجزات نزيد الكلام فيها بيانا إن شاء الله تعالى.

الفصل الرابع في إعجاز القرآن ص 499

اعلم وفقنا الله وإياك: أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة.

وتحصيلها من جهة صبط أنواعها في أربعة وجوه:

أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته وجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب.

- وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن، وفرسان الكلام..

قد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة «1» اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة

وقوة.. يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب فيخطبون بديها في المقامات، وشديد الخطب ويرتجزون «1» به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر «2» الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط «3» اللآل، فيخدعون الألباب ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحن «4» ويهيجون الدمن «5» ، ويجرئون الجبان، ويبسطون يد الجعد «6» البنان: ويصيرون الناقص كاملا «7»

ويتركون النبيه خاملا منهم البدوي ذو اللفظ الجزل «1» ، والقول الفصل والكلام الفخم، والطبع الجوهري «2» والمنزع «3» القوي.

ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة والألفاظ الناصعة.. والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق، الرقيق الحاشية «4» .. وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدافعه «5» والقدح الفالج «6» والمهيع

الناهج «1» .. لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم.. قد حووا فنونها واستنبطوا عيونها.. ودخلوا من كل باب من أبوابها.. وعلوا صرحا «2» لبلوغ أسبابها. فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث «3» والسمين.. وتقاولوا في القل والكثر «4» وتساجلوا في النظم والنثر.. فما راعهم إلا رسول كريم.. بكتاب «عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد «5» » أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول.. وظهرت فصاحته على كل مقول.. وتظافر «6» إيجازه وإعجازه.. وتظاهرت حقيقته ومجازه.. وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه.. وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه واعتدل مع إيجازه حسن نظمه.. وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه.. وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا.. وأشهر

في الخطابة رجالا.. وأكثر في السجع والشعر سجالا.. وأوسع في الغريب واللغة مقالا بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، صارخا بهم في كل حين ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس الملإ أجمعين..

«أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين «1» » «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله «2» » إلى قوله «ولن تفعلوا» . «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن «3» » الآية «قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات»

» .

وذلك أن المفترى أسهل.. ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب.. واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب.

ولهذا قيل: فلان يكتب كما يقال، وفلان يكتب كما يريد.

وللأول على الثاني فضل.. وبينهما شأو. بعيد

فلم يزل يقرعهم صلى الله عليه وسلم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم.. ويذم آلهتهم وإياهم.. ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم.. وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته.. محجمون عن مماثلته.. يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب. والإغتراء بالافتراء وقولهم «إن هذا إلا قول البشر إن هذا إلا سحر يؤثر «1» » و «سحر مستمر «2» » و «إفك افتراه «3» » و «أساطير الأولين «4» » . والمباهتة والرضى بالدنيئة.

كقولهم: «قلوبنا غلف «5» » و «في أكنة مما تدعونا إليه» «وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب «6» » و «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون «7» » والادعاء مع

العجز بقولهم: «لو نشاء لقلنا مثل هذا «1» » .

وقد قال لهم الله «ولن تفعلوا «2» » فما فعلوا ولا قدروا ومن تعاطى ذلك من سفهائهم كمسيلمة «3» . كشف عواره «4» لجميعهم..

وسلبهم الله ما ألفوه من فضح كلامهم.. وإلا فلم يخف على أهل الميز «5» منهم أنه ليس من نمط فصاحتم، ولا جنس بلاغتهم.. بل ولوا عنه مدبرين وأتوا مذعنين من بين مهتد وبين مفتون ولهذا لما سمع الوليد «6» بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم «7» «إن الله يأمر بالعدل والإحسان «8» » الآية. قال: «والله إن له لحلاوة.. وإن عليه

لطلاوة «1» ، وإن أسفله لمغدق «2» ، وإن أعلاه لمثمر ما يقول هذا بشر» .

وذكر أبو عبيدة «3» : أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ «فاصدع بما تؤمر «4» » فسجد وقال: «سجدت لفصاحته» .

وسمع آخر يقرأ: «فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا «5» » فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام وحكي:

أن عمر بن الخطاب «6» رضي الله عنه كان يوما نائما في المسجد فإذا هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق.. فاستخبره.. فأعلمه أنه من بطارقة «7» الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع فيها ما أنزل الله على عيسى بن مريم من أحوال الدنيا والآخرة.

وهي قوله «ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه

فأولئك هم الفائزون «1» » الآية وحكى الأصمعي «2» : أنه سمع كلام جارية.. فقال لها: «قاتلك «3» الله ما أفصحك» !!.

فقالت: أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه «4» » .. الآية فجمع في آية واحدة بين أمرين «5» ونهيين «6» وخبرين «7» وبشارتين «8» .

فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح من القولين.

- وكون القرآن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أتى به معلوم ضرورة وكونه صلى الله عليه وسلم متحديا به معلوم ضرورة. وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة

للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة.. وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المكرين من أهلها عن معارضته، واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته.

وأنت إذا تأملت قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة «1» » وقوله «ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت.. وأخذوا من مكان قريب»

» وقوله «ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم «3» » وقوله: «وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي «4» » الآية وقوله: «فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا «5» » .. الآية وأشباهها من الآي «6» .. بل أكثر القرآن.. حققت ما بينته من إيجاز ألفاظها وكثرة معانيها، وديباجة عبارتها «7» وحسن تأليف حروفها، وتلاؤم كلمها، وأن تحت كل لفظة منها جملا كثيرة،

وفصولا جمة، وعلوما زواخر «1» . ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها، وكثرت المقالات في المستنبطات عنها.. ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام، ويذهب ماء البيان آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض، والتئام سرده، وتناصف وجوهه.

كقصة يوسف على طولها. ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها.. حتى تكاد كل واحدة تنسي في البيان صاحبتها، وتناصف في الحسن وجه مقابلتها.. ولا نفور للنفوس من ترديدها ولا معاداة لمعادها.

الفصل الخامس إعجاز النظم والأسلوب ص 510

الوجه الثاني من إعجازه.. صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت مقاطع آيه وانتهت فواصل كلماته إليه.. ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له.. ولا استطاع أحد مماثلة شيء فيه منه بل حارت فيه عقولهم.. وتدلهت «1» دونه أحلامهم..

ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم.. من نثر، أو نظم، أو سجع، أو رجز، أو شعر..

ولما سمع كلامه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة «2» . وقرأ عليه القرآن رق فجاءه أبو جهل «3» منكرا عليه قال: «والله ما منكم أحد أعلم

بالأشعار مني والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا» .

وفي خبره الآخر «1» حين جمع قريشا عند حضور الموسم وقال:

«إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا» فقالوا: نقول كاهن. قال: والله ما هو بكاهن.. ما هو بزمزمته «2» ولا سجعه. قالوا: مجنون!! قال: ما هو بمجنون.. ولا بخنقه «3» ولا وسوسته «4» . قالوا: فنقول شاعر!! قال: ما هو بشاعر.. قد عرفنا الشعر كله رجزه «5» وهزجه «6» ، وقريضه «7» ومبسوطه «8» ومقبوضه «9» ما هو بشاعر.

قالوا: فنقول ساحر!! قال: ما هو بساحر، ولا نفثه «10»

ولا عقده «1» . قالوا: فما نقول؟!!. قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل.. وإن أقرب القول أنه ساحر فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس.

فأنزل الله تعالى في الوليد: «ذرني ومن خلقت وحيدا» «2»

وقال عتبة «3» بن ربيعة حين سمع القرآن: «يا قوم.. قد علمتم أني لم أترك شيئا إلا وقد علمته وقرأته وقلته.. والله لقد سمعت قولا.. والله ما سمعت مثله قط.. ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة» .

وقال النضر «4» بن الحارث نحوه..

وفي حديث «5» إسلام أبي ذر «6» ووصف أخاه أنيسا «7» فقال:

والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس.. لقد ناقض اثني عشر شاعرا في الجاهلية، أنا أحدهم.. وإنه انطلق إلى مكة وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي صلى الله عليه وسلم..

قلت: فما يقول الناس؟!. قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهانة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء «1» الشعر فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر وإنه لصادق وإنهم لكاذبون.

والأخبار في هذا صحيحة كثيرة والإعجاز بكل واحد من النوعين الإيجاز والبلاغة بذاتها، والأسلوب الغريب بذاته كل واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما.. إذ كل واحد خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها وكلامها، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين وذهب بعض المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع وتنفر منه القلوب والصحيح: ما قدمناه والعلم بهذا كله ضرورة وقطعا. ومن تفنن في علوم البلاغة،

وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه.

وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه فأكثرهم يقول: إنه مما جمع في قوة جزالته ونصاعة ألفاظه، وحسن نظمه، وإيجازه، وبديع تأليفه، وأسلوبه، لا يصح أن يكون في مقدور البشر..

وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها كإحياء «1» الموتى، وقلب العصا «2» ، وتسبيح الحصا «3» وذهب الشيخ أبو الحسن «4» إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه.. ولكنه لم يكن هذا ولا يكون..

فمنعهم الله هذا وعجزهم عنه وقال به جماعة من أصحابه»

. وعلى الطريقتين.. فعجز العرب عنه ثابت، وإقامة الحجة عليهم بما أن يكون في مقدور البشر وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع.. وهو أبلغ في التعجيز، وأحرى بالتقريع والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم.. وهو أبهر آية، وأقمع دلالة.

وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال بل صبروا على الجلاء، والقتل، وتجرعوا كاسات الصغار «1» والذل، وكانوا من شموخ «2» الأنف «3» وإباءة الضيم بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا، ولا يرضونه إلا اضطرارا.. وإلا فالمعارضة- لو كانت من قدرهم «4» - والشغل بها أهون عليهم، وأسرع بالنجح «5» وقطع العذر، وإفحام الخصم لديهم.. وهم ممن لهم قدرة على الكلام، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام، وما منهم الا من جهد جهده واستنفر «6» ما عنده في إخفاء ظهوره، وإطفاء نوره فما جلوا «7» في ذلك خبيئة «8» من بنات شفاههم «9» ، ولا أتوا بنطفة «10» من

معين «1» مياههم مع طول الأمر، وكثرة العدد، وتظاهر الوالد وما ولد بل أبلسوا «2» فما نبسوا «3» ومنعوا فانقطعوا فهذان النوعان من إعجازه.

الفصل السادس الإخبار عن المغيبات ص 517

الوجه الثالث من الإعجاز، ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر.

كقوله تعالى: «لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين «1» » وقوله تعالى: «وهم من بعد غلبهم سيغلبون «2» » .

وقوله: «ليظهره على الدين كله «3» » .

وقوله: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض «4» » الآية.

وقوله: «إذا جاء نصر الله والفتح «5» » إلى آخرها.

فكان جميع هذا كما قال.. فغلبت الروم فارس في بضع سنين.

ودخل الناس في الإسلام أفواجا فما مات صلى الله عليه وسلم وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام. واستخلف الله المؤمنين في الأرض ومكن دينهم.. وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب.. كما قال صلى الله عليه وسلم «1» «زويت «2» لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» .

وقوله: «إنا نحن نزلنا الذكر «3» وإنا له لحافظون «4» » فكان كذلك، لا يكاد يعد من سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة «5» والمعطلة «6» لا سيما القرامطة «7» ، فأجمعوا كيدهم،

وحولهم وقوتهم اليوم «1» نيفا على خمسمائة عام فما قدروا على إطفاء شيء من نوره، ولا تغير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه والحمد لله.

ومنه قوله: «سيهزم الجمع ويولون الدبر «2» » .

وقوله: «قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم «3» » الآية.

وقوله: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى «4» » الآية.

وقوله: «لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم «5» » الآية.

فكان كل ذلك، وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في حلفهم، وتقريعهم بذلك.

كقوله: «ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول «6» » .

وقوله: «يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك»

» الآية.

وقوله: «ومن الذين هادوا سماعون للكذب «8» الآية.

وقوله: «من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه» إلى قوله «في الدين «1» » .

وقد قال مبديا ما قدره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر «وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم «2» » ومنه قوله تعالى:

«إنا كفيناك المستهزئين «3» » .

ولما نزلت بشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه.. بأن الله كفاه إياهم. وكان المستهزؤون نفرا بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا.. وقوله: «والله يعصمك من الناس «4» » .

فكان كذلك على كثرة من رام ضره وقصد قتله.

والأخبار بذلك معروفة وصحيحة.

الفصل السابع إخباره عن القرون السالفة والأمم البائدة ص 521

الوجه الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الداثرة «1» ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ «2» من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك.

فيورده النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه، ويأتي به على نصه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه وأن مثله لم ينله بتعليم.

وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة «3» ، ولم يغب عنهم، ولا جهل حاله أحد منهم وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه صلى الله عليه وسلم عن هذا فينزل عليه

من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا. كقصص الأنبياء مع قومهم وخبر موسى والخضر «1» ، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف «2» ، وذي القرنين «3» ، ولقمان «4» وابنه، وأشباه ذلك من الأنبياء، وبدء الخلق، وما في التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وموسى مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك. فمن موفق آمن بما سبق له من خير، ومن شقي معاند حاسد..

ومع هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه، وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم، وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم، وكثرة سؤالهم له صلى الله عليه وسلم، وتعينتهم «5» إياه عن أخبار أنبيائهم، وأسرار علومهم،

ومستودعات سيرهم، وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم، ومضمنات كتبهم.. مثل سؤالهم عن الروح.. وذي القرنين.. وأصحاب الكهف.. وعيسى.. وحكم الرجم.. وما حرم إسرائيل على نفسه.. وما حرم عليهم من الأنعام ومن طيبات كانت أحلت لهم فحرمت عليهم ببغيهم.

وقوله: «ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل «1» » وغير ذلك من أمورهم التي نزل فيها القرآن فأجابهم، وعرفهم بما أوحي إليه من ذلك.. فما عرف عن أحد أنه أنكر ذلك أو كذبه.. بل أكثرهم صرح بصحة نبوته.. وصدق مقالته..

واعترف بعناده وحسده إياه. كأهل نجران «2» .. وابن صوريا «3» وابني أخطب «4» .. وغيرهم.

ومن باهت في ذلك بعض المباهتة.. وادعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفة.. دعي إلى إقامة حجته.. وكشف دعوته.

فقيل له: «قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» إلى قوله «الظالمون «1» » .. فقرع ووبخ.. ودعا إلى إحضار ممكن غير ممتنع فمن معترف بما جحده.. ومتواقح يلقي على فضيحته من كتابه يده «2» .. ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه.

قال الله تعالى: «يا أهل الكتاب.. قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب.. ويعفوا عن كثير «3» » الآيتين.

الفصل الثامن التحدي والتعجيز في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها ص 525

هذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها ولا مرية..

ومن الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه الوجوه أي وردت بتعجيز قوم في قضايا.. وإعلامهم أنهم لا يغفلونها.. فما فعلوا، ولا قدروا على ذلك كقوله لليهود: «قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة «1» » الآية.

قال أبو إسحق الزجاج «2» : «في هذه الآية أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحة الرسالة.. لأنه قال لهم «فتمنوا الموت» وأعلمهم أنهم لا يتمنوه أبدا.. فلم يتمنه واحد منهم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم «3» : والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم

إلا غص بريقه- يعني يموت مكانه- فصرفهم الله عن تمنيه..

وجرعهم ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه..

إذ لم يتمنه أحد منهم.. وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا.. ولكن الله يفعل ما يريد.. فظهرت بذلك معجزته.

وبانت حجته..

قال أبو محمد الأصيلي «1» : من أعجب أمرهم أنه لا يوجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله بذلك بنيه يقدم عليه.. ولا يجيب إليه.. وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم..

وكذلك آية المباهلة «2» من هذا المعنى حيث: وفد عليه أساقفة نجران، وأتوا الإسلام فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله: «فمن حاجك فيه «3» ..» الآية. فامتنعوا منها..

ورضوا بأداء الجزية.. وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم:

قد علمتم أنه نبي.. وأنه ما لاعن قوما نبي قط فبقي كبيرهم ولا صغيرهم.. «ومثله قوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا» إلى قوله: «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا «1» » . فأخبرهم أنهم لا يفعلون كما كان وهذه الآية أدخل في باب الإخبار عن الغيب ولكن فيها من التعجيز ما في التي قبلها..

الفصل التاسع روعته في السمع وهيبته في القلوب ص 528

ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإنافة «1» خطره..

وهي على المكذبين به أعظم.. حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورا.. كما قال تعالى «2» .. ويودون انقطاعه لكراهتهم له.. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «إن القرآن صعب مستصعب على من كرهه وهو الحكم» «3» .

وأما المؤمن.. فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابا.. وتكسبه هشاشة «4» لميل قلبه إليه.. وتصديقه به

قال الله تعالى: «تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم،

ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله»

» .

وقال: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل «2» ، الآية ويدخل على أن هذا شيء خص به أنه يعتري من لا يفهم معانيه. ولا يعلم تفاسيره.. كما روي عن نصراني: أنه مر بقارىء فوقف يبكي.

فقيل له- مم بكيت.. قال: للشجا «3» والنظم.. وهذه الروعة قد اعترف جماعة قبل الإسلام وبعده.. فمنهم من أسلم لها لأول وهلة.. وآمن به. ومنهم من كفر..

فحكي في الصحيح «4» .. عن جبير «5» بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية «أم خلقوا من غير شيء!! أم هم الخالقون» إلى قوله «المصيطرون «6»

كاد قلبي أن يطير للإسلام.. وفي رواية: وذلك أول ما وقر الاسلام في قلبي.. وعن «1» عتبة بن ربيعة «2» : أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم «حم فصلت إلى قوله صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود «3» » فأمسك عتبة بيده على في النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم أن يكف.

وفي رواية «4» : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقام عتبة لا يدري بم يراجعه.. ورجع إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم.. وقال: «والله لقد كلمني بكلام والله ما سمعت أذناي بمثله قط.. فما دريت ما أقول له» .

وقد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته. أنه اعترته روعة وهيبة كف بها عن ذلك فحكي: أن ابن المقفع «5» طلب

ذلك ورامه «1» وشرع فيه فمر بصبي يقرأ «وقيل يا أرض ابلعي ماءك «2» » فرجع فمحى ما عمل.. وقال: «أشهد أن هذا لا يعارض.. وما هو من كلام البشر» وكان من أفصح أهل وقته

وكان يحيى بن حكم «3» الغزال بليغ الأندلس في زمنه فحكي:

أنه رام شيئا من هذا.. فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها.. وينسج بزعمه على منوالها.. قال: فاعترتني منه خشية ورقة حملتني على التوبة والإنابة..

الفصل العاشر بقاؤه على الزمن ص 532

ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا.. مع تكفل الله تعالى بحفظه.

فقال: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون «1» » .

وقال: «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه «2» » وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها فلم يبق إلا خبرها.. والقرآن العزيز الباهرة آياته الظاهرة معجزاته على ما كان عليه اليوم مدة خمس مئة عام وخمس وثلاثين سنة «3» لأول نزوله إلى وقتنا هذا حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة، والأعصار كلها طافحة

بأهل البيان وحملة علم اللسان وأئمة البلاغة.. وفرسان الكلام، وجهابذة «1» البراعة.. والملحد فيهم كثير.. والمعادي للشرع عتيد.. فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته.. ولا ألف كلمتين في مناقضته.. ولا قدر فيه على مطعن صحيح.. ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند «2» شحيح..

بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه، والنكوص «3» على عقبيه..

الفصل الحادي عشر وجوه أخرى للإعجاز ص 534

وقد عد جماعة من الأئمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة منها: أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه «1» .. بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة.. وترديده يوجب له محبة.. لا يزال غضا طريا.. وغيره من الكلام.. ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد وكتابنا يستلذ به في الخلوات.. ويؤنس بتلاوته في الأزمات.. وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك.. حتى أحدث لها أصحابها لحونا وطرقا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها.

ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه «1» : «لا يخلق «2» على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره ولا تفنى عجائبه.. هو الفصل «3» ليس بالهزل لا يشبع منه العلماء ولا تزيغ «4» به الأهواء.. ولا تلتبس به الألسنة.. هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا «إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد «5» » .

ومنها: جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد صلى الله عليه وسلم قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها.. ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم.. ولا يشتمل عليها كتاب على كتبهم..

فجمع فيه من بيان علم الشرائع والتنبه على طرق الحجج العقليات.

والرد على فرق الأمم ببراهين قوية وأدلة بينة سهلة الألفاظ موجزة المقاصد.. رام المتحذلقون «6» بعد أن ينصبوا أدلة مثلها فلم

يقدروا عليها ... كقوله تعالى: «أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى «1» » . و «قل يحييها الذي أنشأها أول مرة «2» » و «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا «3» » إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم «4» ، قال الله جل اسمه «ما فرطنا في الكتاب من شيء «5» » و «ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء»

» و «ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل «7» » .

وقال صلى الله عليه وسلم «8» «إن الله أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا وسنة خالية «9» ، ومثلا مضروبا.. فيه نبؤكم وخبر ما كان قبلكم.. ونبأ ما بعدكم.. وحكم ما بينكم.. لا يخلقه طول

الرد.. ولا تنقضي عجائبه.. هو الحق ليس بالهزل.. من قال به صدق.. ومن حكم به عدل.. ومن خاصم به فلج «1» ومن قسم «2» به أقسط «3» .. ومن عمل به أجر.. ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم.. من طلب الهدى من غيره أضله الله..

ومن حكم بغيره قصمه «4» الله.. هو الذكر الحكيم.. والنور المبين.. والصراط المستقيم.. وحبل الله المتين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به.. ونجاة لمن اتبعه.. لا يعوج فيقوم..

ولا يزيع فيستعتب «5» ولا تنقضي عجائبه.. ولا يخلق على كثرة الرد.. ونحوه «6» عن ابن مسعود «7» .. وقال فيه:

ولا يختلف.. ولا يتشان «8» .. فيه فنبأ الأولين والآخرين.

وفي الحديث «1» ، قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «إني منزل عليك توراة حديثة. تفتح بها أعينا عميا.. وآذانا صما..

وقلوبا غلفا.. فيها ينابيع العلم.. وفهم الحكمة.. وربيع القلوب» وعن كعب «2» «عليكم بالقرآن فإنه فهم العقول.

ونور الحكمة» .

وقال تعالى: «إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون «3» » . وقال: «هذا بيان للناس وهدى «4» » الآية. فجمع فيه مع وجازة ألفاظه وجوامع كلمه أضعاف ما في الكتب قبله.. التي ألفاظها على الضعف منه مرات.

ومنها: جمعه فيه بين الدليل «5» ومدلوله «6» .. وذلك أنه احتج بنظم القرآن وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ووعيده.. فالتالي له يفهم موضع الحجة

والتكليف معا من كلام واحد، وسورة منفردة.

ومنها: أن جعله في حيز المنظوم الذي لم يعهد، ولم يكن في المنثور.. لأن المنظوم أسهل على النفوس.. وأوعى للقلوب، وأسمح في الآذان.. وأحلى على الأفهام، فالناس إليه أميل..

والأهواء إليه أسرع.. ومنا: تيسيره تعالى حفظه لمتعلمه..

وتقريبه على متحفظيه..

قال الله تعالى: «ولقد يسرنا القرآن للذكر «1» » وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم فكيف الجماء على مرور السنين عليهم.. والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة.

ومنها: مشاكلة «2» بعض أجزائه بعضا.. وحسن ائتلاف أنواعها.. والتتئام أقسامها.. وحسن التخلص من قصة إلى أخرى.. والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه..

وانقسام السورة الواحدة إلى: أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد وإثبات نبوة وتوحيد وتقرير «3» وترغيب

وترهيب إلى غير ذلك من فوائده.. دون خلل يتخلل فصوله.

والكلام الفصيح إذا اعتوره «1» مثل هذا ضعفت قوته.. ولانت جزالته.. وقل رونقه.. وتقلقلت ألفاظه..

فتأمل أول «ص «2» » وما جمع فيها من أخبار الكفار، وشقاقهم، وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم.. وما ذكر من تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وتعجبهم مما أتى به، والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر.. وما ظهر من الحسد في كلامهم..

وتعجيزهم. وتوهينهم.. ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة..

وتكذيب الأمم قبلهم.. وإهلاك الله لهم.. ووعيد هؤلاء مثل مصابهم.. وتصبير النبي صلى الله عليه وسلم على أذاهم.. وتسليته بكل ما تقدم ذكره. ثم أخذ في ذكر داوود «3» .. وقصص الأنبياء..

كل هذا في أوجز كلام، وأحسن نظام.. ومنها: الجملة الكثيرة التي انطوت عليها الكلمات القليلة.

وهذا كله.. وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن إلى وجوه كثيرة. ذكرها الأئمة لم نذكرها.. إذ أكثرها داخل

في باب بلاغته.. فلا نحب أن يعد فنا منفردا في إعجازه..

إلا في باب تفصيل فنون البلاغة.. وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم.. يعد في خواصه وفضائله.. لا في إعجازه. وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرنا، فليعتمد عليها.

وما بعدها.. من خواص القرآن وعجائبه التي لا تنقضي.

والله ولي التوفيق.

الفصل الثاني عشر في انشقاق القمر وحبس الشمس ص 542

قال الله تعالى: «اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر «1» » «2» أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي. وإعراض الكفرة عن آياته.

وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه عن «3» ابن مسعود «4» رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل «5» ، وفرقة دونه

فقال رسول صلى الله عليه وسلم: اشهدوا وفي رواية «1» مجاهد «2» : ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم..

وفي بعض طرق الأعمش «3» : بمعنى.. ورواه أيضا عن ابن مسعود الأسود»

وقال «5» : حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر القمر. ورواه عنه مسروق «6» أنه كان بمكة «7» .

وزاد: فقال: فقال كفار قريش: «سحركم ابن أبي كبشة «8» » فقال رجل منهم: «إن محمدا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها.. فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر..

هل رأوا هذا؟. فأتوا فسألوهم.. فأخبر وهم أنهم رأوا مثل ذلك»

وحكى السمرقندي «1» عن الضحاك «2» نحوه فقال أبو جهل «3» :

هذا سحر.. فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا.. أرأوا ذلك أم لا!!. فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا.. فقالوا- يعني الكفار- هذا سحر مستمر رواه أيضا عن ابن «4» مسعود علقمة «5» فهؤلاء الأربعة عن عبد الله وقد رواه غير ابن مسعود..

كما رواه ابن مسعود منهم: أنس «6» - وابن عباس «7» - وابن عمر «8» - وحذيفة «9» وعلي «10» - وجبير بن مطعم «11» -

فقال علي من رواية أبي حذيفة الأرحبي «12» «انشق القمر ونحن

مع النبي صلى الله عليه وسلم» . وعن أنس: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين «1» حتى رأوا حراء بينما.. رواه عن أنس قتادة «2» وفي رواية معمر «3» وغيره عن قتادة عنه «4» :

أراهم القمر مرتين انشقاقه «5» .. فنزلت «اقتربت الساعة وانشق القمر «6» » .

ورواه عن جبير «7» بن مطعم ابنه محمد «8» ، وابن ابنه جبير «9» بن محمد ورواه عن ابن عباس «10» عبيد الله «11» بن عبد الله بن عتبة.

ورواه عن ابن عمر «1» مجاهد «2» . ورواه عن حذيفة «3» أبو عبد الرحمن «4» السلمي، ومسلم»

بن أبي عمران الأزدي. وأكثر طرق هذه الأحاديث صحيحة.. والآية مصرحة.. ولا يلتفت إلى اعتراض مخذول بأنه لو كان هذا لم يخف على أهل الأرض إذ هو شيء ظاهر لجميعهم.. إذ لم ينقل لنا عن أهل الأرض أنهم رصدوه تلك الليلة.. فلم يروه انشق.. ولو نقل إلينا عمن لا يجوز تمالؤهم لكثرتهم على الكذب لما كانت علينا به حجة.. إذ ليس القمر في حد واحد لجميع أهل الأرض.. فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على الآخرين.. وقد يكون من قوم بضد ما هو من مقابليهم من أقطار الأرض.. أو يحول بين قوم وبينه سحاب أو جبال.. ولهذا نجد الكسوفات في بعض البلاد دون بعض..

وفي بعضها جزئية.. وفي بعضها كلية.. وفي بعضها لا يعرفها إلا المدعون لعلمها «ذلك تقدير العزيز العليم «6» » وآية القمر

كانت ليلا.. والعادة من الناس بالليل الهدوء والسكون. وإيجاف «1» الأبواب، وقطع التصرف.. ولا يكاد يعرف من أمور السماء شيئا إلا من رصد ذلك، واهتبل «2» به، ولذلك ما يكون الكسوف القمري كثيرا في البلاد.. وأكثرهم لا يعلم به حتى يخبر.. وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهد ونها من أنوار ونجوم طوالع عظام تظهر في الأحيان بالليل في السماء ولا علم عند أحد منها..

وخرج الطحاوي «3» في مشكل الحديث عن أسماء «4» بنت عميس من طريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم «5» : كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي «6» فلم يصل العصر. حتى غربت الشمس.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أصليت يا علي؟ .. قال: لا.. فقال: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس.. قالت أسماء: فرأيتها غربت

ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.. ووقفت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر..

قال: وهذان الحديثان «1» ثابتان، ورواتهما ثقات وحكى الطحاوي أن أحمد «2» بن صالح كان يقول: «لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء، لأنه من علامات النبوة» .

وروى يونس «3» بن بكير في زيادة المغازي، روايته عن ابن اسحق «4» : «لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا: متى تجيء؟ .. قال: يوم الأربعاء.

فلما كان ذلك اليوم.. أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجيء.. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس» .

الفصل الثالث عشر نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته ص 549

أما الأحاديث في هذا فكثيرة جدا.. روى حديث نبع الماء من أصابعه صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة منهم: أنس «1» - وجابر «2» - وابن مسعود «3» عن «4» أنس بن مالك رضي الله عنه:

«رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الوضوء فلم يجدوه.. فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤوا منه.. قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه.. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند

آخرهم.. ورواه أيضا عن أنس قتادة «1» وقال «2» : «بإناء فيه ماء يغمر أصابعه أو لا يكاد يغمر» .. قال: كم كنتم؟ .. قال:

زهاء ثلاث مئة. وفي رواية عنه: «وهم بالزوراء «3» عند السوق»

ورواه أيضا- حميد «4» - وثابت «5» - والحسن «6» عن أنس وفي رواية حميد قلت. كم كانوا؟ .. قال: ثمانين رجلا.

ونحوه عن ثابت عنه. وعنه أيضا وهم نحو من سبعين رجلا وأما ابن مسعود «7» .. ففي الصحيح «8» من رواية علقمة «9» عنه: «بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا ماء.. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا من معه فضل ماء.. فأتي بماء فصبه في إناء.

ثم وضع كفه فيه.. فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وفي الصحيح «1» عن سالم «2» بن أبي الجعد عن جابر «3» رضي الله عنه: «عطش الناس يوم الحديبية «4» .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة «5» . فتوضأ منها.. وأقبل الناس نحوه.. وقالوا:

ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك.. فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفوز من بين أصابعه كأمثال العيون.

وفيه: فقلت: كم كنتم؟ .. قال: «لو كنا مئة ألف لكفانا كنا خمس عشرة «6» مئة..» وري «7» مثله عن أنس»

عن جابر وفيه.

«أنه كان بالحديبية» ..

وفي رواية الوليد «9» بن عبادة بن الصامت عنه في حديث

مسلم «1» الطويل في ذكر غزوة بواط «2» قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

«يا جابر.. ناد الوضوء- وذكر الحديث بطوله وأنه: لم يجد إلا قطرة في عزلاء «3» شجب فأتي به صلى الله عليه وسلم فغمزه «4» وتكلم بشيء لا أدري ما هو..» وقال: «نادبجفنة «5» الركب فأتيت بها فوضعتها بين يديه..» وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط يده في الجفنة، وفرق أصابعه.. وصب جابر عليه وقال: بسم الله قال: «فرأيت الماء يفور من بين أصابعه..» ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا.. فقلت: «هل بقي أحد له حاجة» فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجنفة وهي ملأى «6» وعن «7» الشعبي «8» : أتي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره بإداوة

ماء وقيل: ما معنا يا رسول الله ماء غيرها.. فسكبها في ركوة..

ووضع إصبعه وسطها وغمسها في الماء.. وجعل الناس يجيئون ويتوضؤون ثم يقومون.

قال الترمذي «1» .. وفي الباب عن عمران بن حصين «2» ...

ومثل هذا في هذه المواطن الحفلة والجموع الكثيرة لا تتطرق التهمة إلى المحدث به.. لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذييه لما جبلت عليه النفوس من ذلك، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل..

فهؤلاء قد رووا هذا وأشاعوه.. ونسبوا حضور الجماء الغفير له.. ولم ينكر أحد من الناس عليهم ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه.. فصار كتصديق جميعهم له.

الفصل الرابع عشر تفجير الماء ببركته ص 554

ومما يشبه هذا من معجزاته.. تفجير الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته.

فيما روى مالك «1» في الموطإ «2» عن «3» معاذ «4» بن جبل في قصة غزوة تبوك وأنهم وردوا العين وهي تبض «5» بشيء من ماء مثل

الشراك «1» .. فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء «2» ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء كثير.. فاستقى الناس..

قال في حديث «3» ابن إسحق «4» : «فانخرق «5» من الماء ماله حس كحس الصواعق ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مليء جنانا..»

وفي حديث البراء «6» .. وسلمة «7» بن الأكوع.. وحديثه أتم في قصة الحديبية: وهم أربع عشرة مئة.. وبئرها لا تروي خمسين شاة.. فنزحناها «8» فلم نترك فيها قطرة.. فقعد رسول

الله صلى الله عليه وسلم على جباها «1» قال البراء- وأوتي بدلو منها فبصق..

فدعا وقال سلمة- فإما دعا وإما بصق فيها.. فجاشت «2» ..

فأرووا أنفسهم وركابهم.. وفي غير هاتين الروايتين في هذه القصة من طريق ابن شهاب «3» في الحديبية: فأخرج سهما من كنانته فوضعه في قعر قليب «4» ليس فيه ماء.. فروي الناس حتى ضربوا بعطن «5» وعن «6» أبي قتادة «7» وذكر: أن الناس شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش في بعض أسفاره.. فدعا بالميضأة»

فجعلها في ضبنه «9» ثم التقم فمها.. فالله أعلم.. نفث فيها أم لا..

فشرب الناس حتى رووا وملؤوا كل إناء معهم.. فخيل إلي أنها

كما أخذها مني. وكانوا اثنين وسبعين رجلا.. وروى مثله عمران بن حصين «1» ..

وذكر الطبري «2» حديث أبي قتادة على غير ما ذكره أهل الصحيح:

«أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم ممدا «3» لأهل مؤتة «4» عندما بلغه قتل الأمراء- وذكر حديثا طويلا فيه معجزات وآيات للنبي صلى الله عليه وسلم- وفيه إعلامهم أنهم يفقدون الماء في غد- وذكر حديث الميضأة- قال- والقوم زهاء ثلاث مئة» .

وفي كتاب مسلم «5» . أنه قال لأبي قتادة: «احفظ علي ميضأتك فإنه سيكون لها نبأ- وذكر نحوه..» ومن ذلك حديث «6» عمران بن حصين حين أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عطش في بعض أسفارهم فوجه رجلين من أصحابه وأعلمهما أنهما يجدان امرأة بمكان كذا معها بعير عليه مزادتان «7» الحديث فوجداها وأتيا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. فجعل في إناء من مزادتيها وقال: فيه: ما شاء الله

أن يقول.. ثم أعاد الماء في المزادتين.. ثم فتحت عزاليهما «1» .

وأمر الناس فماؤا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ماؤوه.. قال عمران: ويخيل إلي أنهما لم تزدادا إلا امتلاء.. ثم أمر فجمع المرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها.. وقال: اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا.. ولكن الله سقانا.. الحديث بطوله..

وعن سلمة «2» بن الأكوع.. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل من وضوء؟. فجاء رجل بإداوة «3» فيها نطفة «4» فأفرغها في قدح..

فتوضأنا كلنا ندغفقه «5» دغفقة أربع عشرة مئة.

وفي حديث «6» عمر «7» في جيش العسرة «8» .. وذكر ما أصابهم من العطش: حتى إن الرجل ليخر يعيره فيعصر فرثه «9» فيشربه..

فرغب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء.. فرفع يديه ... فلم يرجعهما حتى قالت «1» السماء فانسكبت «2» .. فملؤوا ما معهم من آنية.. ولم تجاوز العسكر.

وعن عمر «3» بن شعيب: أن أبا طالب «4» قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو رديفه بذي المجاز «5» : عطشت وليس عندي ماء فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال اشرب، والحديث في هذا الباب كثير.. ومنه الإجابة بدعاء الاستسقاء وما جاء به..

الفصل الخامس عشر تكثير الطعام ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام ببركته ودعائه ص 560

عن «1» جابر «2» أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر «3» وسق «4» شعير.. فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله.. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: لو لم تكله لأكلتم منه.. ولقام بكم «5» ..

ومن ذلك حديث «6» أبي طلحة «7» المشهور: وإطعامه صلى الله عليه وسلم

ثمانين «1» أو سبعين رجلا من أقراص من شعير.. جاء بها أنس «2» تحت يده- أي إبطه- فأمر بها ففتت وقال فيها: ما شاء الله أن يقول.. وحديث جابر»

في إطعامه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق «4» وقال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا.. وإن برمتنا «5» لتغط «6» كما هي.. وإن عجيننا ليخبز.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في العجين والبرمة وبارك.. رواه عن «7» جابر سعيد «8» بن ميناء وأيمن «9» .

وعن ثابت «10» : مثله عن رجل من الأنصار وامرأته.. لم يسمهما «11» قال: وجيء بمثل الكف.. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم

يبسطها في الإناء ويقول: ما شاء الله.. فأكل منه من في البيت والحجرة والدار وكان ذلك قد امتلأ ممن قدم معه صلى الله عليه وسلم لذلك..

وبقي بعدما شبعوا مثل ما كان في الإناء.

وحديث «1» أبي أيوب «2» : أنه صنع لرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي «3» بكر من الطعام زهاء ما يكفيهما.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادع ثلاثين من أشراف الأنصار.. فدعاهم.. فأكلوا حتى تركوا.. ثم قال: ادع ستين.. فكان مثل ذلك ثم قال: ادع سبعين.. فأكلوا حتى تركوه وما خرج منهم أحد حتى أسلم وبايع.. قال أبو أيوب: فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا..

وعن «4» سمرة «5» بن جندب: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم، ويقعد آخرون..

ومن ذلك حديث «1» عبد الرحمن «2» بن أبي بكر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة- وذكر في الحديث: أنه عجن صاع من طعام..

وصنعت شاة فشوي سواد «3» بطنها قال: وايم الله ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز «4» له حزة «5» من سواد بطنها.. ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون، وفضل في القصعتين، فحملته على البعير ومن ذلك حديث «6» عبد الرحمن «7» بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه «8» ، ومثله لسلمة بن الأكوع «9» ، وأبي «10» هريرة وعمر بن الخطاب «11» رضي الله عنهم فذكروا مخمصة «12» أصابت الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض

مغازيه.. فدعا ببقية الأزواد.. فجاء الرجل بالحثية «1» من الطعام وفوق ذلك.. وأعلاهم «2» الذي أتى بالصاع من التمر.. فجمعه على نطع «3» .. قال سلمة: فخزرته «4» كربضة «5» العنز ثم دعا الناس بأوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملؤوه.. وبقي منه قدر ما جعل وأكثر.. ولو ورده أهل الأرض لكفاهم.

وعن «6» أبي هريرة.. أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أدعو له أهل الصفة..

فتتبعتهم حتى جمعتهم.. فوضعت بين أيدينا صحفة»

.. فأكلنا ما شئنا وفرغنا وهي مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع.

وعن «8» علي بن أبي طالب «9» رضي الله عنه: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وكانوا أربعين.. منهم قوم يأكلون الجذعة «10»

ويشربون الفرق «1» .. فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا.

وبقي كما هو. ثم دعا بعس «2» فشربوا حتى رووا وبقي كأنه لم يشرب منه..

وقال «3» أنس «4» : إن النبي صلى الله عليه وسلم حين ابتنى بزينب «5» أمره «6» أن يدعو له قوما سماهم، وكل من لقيت «7» حتى امتلأ البيت والحجرة.. وقدم إليهم تورا «8» فيه قدر مد من تمر جعل حيسا «9» .. فوضعه قدامه وغمس ثلاث أصابعه وجعل القوم

يتغدون ويخرجون.. وبقي التور نحوا مما كان.. وكان القوم أحدا أو اثنين وسبعين..

وفي رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها إن القوم كانوا زهاء ثلاث مائة.. وأنهم أكلوا حتى شبعوا.. وقال لي: ارفع..

فلا أدري حين وضعت كانت أكثر أم حين رفعت.

وفي حديث «1» جعفر «2» بن محمد عن أبيه عن علي «3» رضي الله عنه:

أن فاطمة «4» طبخت قدرا لغدائهما ووجهت عليا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتغدى معهما.. فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفة صحفة..

ثم له صلى الله عليه وسلم ولعلي ثم لها.. ثم رفعت القدر وإنها لتفيض..

قالت: فأكلنا منا ما شاء الله.. وأمر عمر بن الخطاب «5» أن يزود أربع مائة راكب من أحمس «6» فقال: يا رسول الله، ما هي

إلا أصوع قال: اذهب.. فذهب فزودهم منه.. وكان قدر الفصيل «1» الرابض من التمر.. وبقي بحاله «2» .. من رواية دكين الأحمسي.. ومن رواية جرير «3» ..

ومثله «4» من رواية النعمان «5» بن مقرن.. الخبر بعينه إلا أنه قال.. أربع مائة راكب من مزينة. ومن ذلك حديث «6» جابر «7» في دين أبيه بعد موته وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم يقبلوه ولم يكن في ثمرها سنتين كفاف دينهم.. فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمره بجذها «8» وجعلها بيادر في أصولها.. فمشى فيها ودعا، فأوفى منه جابر غرماء أبيه وفضل مثل ما كانوا يجدون كل سنة. وفي رواية مثل ما أعطاهم.. قال: وكان الغرماء يهود فعجبوا من ذلك.

وقال «1» أبو هريرة «2» رضي الله عنه: أصاب الناس مخمصة..

فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء؟ قلت: شيء من التمر في المزود «3» .. قال: فأتني به.. فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة.. ثم قال: ادع عشرة.. فأكلوا حتى شبعوا..

ثم عشرة كذلك.. حتى أطعم الجيش كلهم.. وشبعوا.. قال:

خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه.. فقبضت على أكثر مما جئت به.. فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي «4» بكر وعمر «5» إلى أن قتل عثمان»

فانتهب مني فذهب وفي «7» رواية فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله.. وذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك وإن التمر كان بضع عشرة تمرة. ومنه أيضا حديث «8» أبي هريرة حين أصابه الجوع

فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد لبنا في قدح قد أهدي إليه.

وأمره أن يدعو أهل الصفة.. قال: فقلت: ما هذا اللبن فيهم كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها فدعوتهم.. وذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم له أن يسقيهم، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يأخذه الآخر حتى روي جميعهم قال- فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح.. وقال: بقيت أنا وأنت.. اقعد فاشرب.. فشربت ثم قال: اشرب.. وما زال يقولها وأشرب حتى قلت.. لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا.. فأخذ القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة «1» ..

وفي حديث «2» خالد بن عبد العزى «3» أنه أجزر «4» النبي صلى الله عليه وسلم شاة.. وكان عيال خالد كثيرا.. يذبح الشاة فلا تبد «5» عياله عظما عظما.. وإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من هذه الشاة.. وجعل

فضلتها في دلو خالد ودعا له بالبركة.. فنثر ذلك لعياله.. فأكلوا وأفضلوا.. ذكر خبره الدولابي «1» ..

وفي حديث الآجري «2» في إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم لعلي «3» فاطمة «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بقصعة من أربعة أمداد.. أو خمسة ويذبح جزورا لوليمتها.. قال.. فأتيته بذلك.. فطعن في رأسها.. ثم أدخل الناس رفقة «5» رفقة يأكلون منها حتى فرغوا.. وبقيت منها فضلة.. فبرك فيها وأمر بحملها إلى إلى أزواجه.. وقال: «كلن وأطعمن من غشيكن» .

وفي «6» حديث «7» أنس رضي الله عنه تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فصنعت أمي أم سليم «8» حيسا فجعلته في تور.. فذهبت به إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقال: ضعه وادع لي فلانا وفلانا.. ومن لقيت فدعوتهم.. ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته.. وذكر أنهم كانوا زهاء ثلاث مائة.. حتى الصفة والحجرة.. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: تحلقوا عشرة عشرة. ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه وقال ما شاء الله أن يقول.. فأكلوا حتى شبعوا كلهم.. فقال لي ارفع.. فما أدري حين وضعت كانت أكثر أم حين رفعت وأكثر أحاديث هذه الفصول الثلاثة في الصحيح.. وقد اجتمع على معنى حديث هذا الفصل بضعة عشر من الصحابة.. رواه عنهم أضعافهم من التابعين ثم من لا ينعد بعدهم.. وأكثرها في قصص مشهورة ومجامع مشهورة.. ولا يمكن التحدث عنها إلا بالحق.. ولا يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها.

الفصل السادس عشر في كلام الشجر وانقيادها في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته صلى الله عليه وسلم ص 572

عن «1» ابن عمر «2» قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر. فدنا منه أعرابي فقال: يا أعرابي.. أين تريد؟ .. قال: إلى أهلي..

قال: هل لك إلى خير؟ .. قال: وما هو؟؟. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. وأن محمدا عبده ورسوله..

قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة السمرة «3» .

وهي بشاطيء الوادي.. فأقبلت تخد «4» الأرض حتى قامت

بين يديه.. فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال.. ثم رجعت إلى مكانها.

وعن «1» بريدة «2» سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم آية فقال له: قل لتلك الشجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد الأرض تجر عروقها مغبرة حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:

السلام عليك يا رسول الله.. قال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها.. فرجعت فدلت عروقها فاستوت.. فقال الأعرابي ائذن لي أسجد لك.. قال: لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها.. قال فأذن لي أن أقبل يديك ورجليك.. فأذن له.

وفي الصحيح «3» حديث جابر «4» بن عبد الله الطويل ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجة فلم ير شيئا يستتر به.. فإذا بشجرتين

بشاطيء الوادي. فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداها..

فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله.. فانقادت معه كالبعير المخشوش «1» الذي يصانع قائده.. وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك- حتى إذا كان بالمنصف «2» بينهما قال التئما علي بإذن لله فالتأمتا..

وفي رواية أخرى «3» فقال: يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما فزحفت حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما، فخرجت أحضر «4» وجلست أحدث نفسي. فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا والشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا. وروي «5» أسامه «6» بن زيد

نحوه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه هل؟ - يعني مكانا لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن الوادي ما فيه موضع بالناس. فقال: هل ترى من نخل أو حجارة؟. قلت: أرى نخلات متقاربات. قال: انطلق.. وقل لهن.. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج رسول صلى الله عليه وسلم.. وقل للجحا مثل ذلك. فقلت ذلك لهن. فو الذي بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهن.. فلما قضى حاجته قال لي: قل لهن يفترقن..

فو الذي نفسي بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهن وقال «1» يعلى «2» بن سيابة كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وذكر نحوا من هذين الحديثين. وذكر فأمر وديتين «3» فانضمتا..

وفي رواية أشاءتين «4» .. وعن غيلان «5» بن سلمة الثقفي مثله

في شجرتين وعن ابن مسعود «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في غزاة حنين

وعن يعلى بن مرة «2» وهو ابن سيابة أيضا وذكر أشياء رآها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن طلحة أو سمرة جاءت فأطافت به ثم رجعت إلى منبتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها استأذنت أن تسلم علي. وفي حديث «3» عبد الله بن مسعود رضي الله عنه آذنت النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا له شجرة.

وعن مجاهد «4» عن ابن مسعود في هذا الحديث «5» أن الجن قالوا: من يشهد لك؟ .. قال: هذه الشجرة.. تعالي يا شجرة..

فجاءت تجر عروقها.. لها قعاقع «6» .. وذكر مثل الحديث الأول أو نحوه.

قال القاضي أبو الفضل: فهذا ابن عمر «7» وبريدة «8» وجابر «9»

وابن مسعود «1» ويعلى «2» بن مرة وأسامة بن زيد «3» وأنس «4» بن مالك وعلي بن أبي طالب «5» وابن عباس «6» وغيرهم.. قد اتفقوا على هذه القصة نفسها أو معناها.. ورواها عنهم من التابعين أضعافهم، فصارت في انتشارها من القوة حيث هي.

وذكر ابن فورك «7» : أنه صلى الله عليه وسلم سار في غزوة الطائف ليلا وهو وسن «8» ، فاعترضته سدرة فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما..

وبقيت على ساقين إلى وقتنا.. وهي هناك معروفة معظمة..

ومن «9» ذلك حديث أنس رضي الله عنه: أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم ورآه حزينا أتحب أن أريك آية؟ قال نعم فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شجرة من وراء الوادي فقال: أدع تلك الشجرة.. فجاءت تمشي حتى

قامت بين يديه قال: مرها فلترجع.. فعادت إلى مكانها.

وعن «1» علي نحو هذا ولم يذكر فيها جبريل. قال: اللهم أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها فدعا شجرة وذكر مثله..

- وحزنه صلى الله عليه وسلم لتكذيب قومه. وطلبه الآية لهم لا له.

وذكر «2» ابن إسحق «3» أن النبي صلى الله عليه وسلم أرى ركانة «4» مثل هذه الآية في شجرة دعاها فأتت حتى وقفت بين يديه ثم قال: ارجعي فرجعت.. وعن «5» الحسن «6» : أنه صلى الله عليه وسلم شكى إلى ربه من قومه وأنهم يخوفونه، وسأله آية يعلم بها أن لا مخافة عليه، فأوحي إليه:

أن ائت وادي كذا فيه شجرة، فادع غصنا منها يأتك، ففعل فجاء يخط الأرض خطا حتى انتصب بين يديه فحبسه ما شاء الله، ثم قال له: ارجع كما جئت فرجع.. فقال: يا رب علمت أن لا مخافة علي.

ونحو «1» منه عن عمر «2» وقال فيه: أرني آية لا أبالي من كذبتي بعدها، وذكر نحوه. وعن «3» ابن عباس «4» رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي: «أرأيت إن دعوت هذا العذق «5» من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ ... قال: نعم.. فدعاه فجعل ينقز «6» حتى أتاه فقال: ارجع.. فعاد إلى مكانه.. خرجه الترمذي وقال:

هذا حديث صحيح «7» .

الفصل السابع عشر حنين الجذع في قصة حنين الجذع له صلى الله عليه وسلم ص 580

ويعضد هذه الأخبار حديث أنين الجذع.. وهو في نفسه مشهور منتشر.. والخبر به متواتر قد خرجه أهل الصحيح «1» ..

ورواه من الصحابة بضعة عشر منهم: أبي «2» بن كعب «3» وجابر «4» بن عبد الله «5» وأنس «6» بن مالك «7» وعبد «8» الله بن عمر «9»

وعبد «1» الله بن عباس «2» وسهل «3» بن سعد «4» وأبو «5» سعيد الخدري «6» وبريدة «7» وأم «8» سلمة «9» ، والمطلب «10» بن أبي وداعة «11» كلهم يحدث بمعنى هذا الحديث.

قال الترمذي «12» : وحديث أنس صحيح.

قال جابر بن عبد الله: «كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل..

فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها.. فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار «13» » .

وفي رواية أنس «حتى ارتج المسجد بخواره «1» » .

وفي رواية سهل «وكثر بكاء الناس لما رأوا به» .

وفي رواية المطلب وأبي «حتى تصدع وانشق حتى جاءه النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت. زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا بكى لما فقد من الذكر» . وذكر غيره «والذي نفسي بيده..

لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر» . كذا في حديث المطلب وسهل بن سعد واسحق «2» عن أنس.

وفي بعض الروايات عن سهل: «فدفنت تحت منبره.. أو جعلت في السقف، وفي حديث أبي «فكان إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليه فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته الأرض «3»

وعاد رفاتا «1» » .. وذكر الإسفرائني «2» : «أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى نفسه فجاءة يخرق «3» الأرض فالتزمه. ثم أمره فعاد إلى مكانه» .

وفي حديث بريدة: فقال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم «إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص «4» وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك. ثم أصغى له النبي صلى الله عليه وسلم يستمع ما يقول:

فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله.. وأكون في مكان لا أبلى فيه.. فسمعه من يليه.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد فعلت..

ثم قال: «اختار دار البقاء على دار الفناء» .

فكان الحسن «5» إذا حدث بهذا بكى.. وقال: «يا عباد

الله.. الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» ..

رواه عن جابر «1» حفص بن عبيد «2» الله- ويقال. عبد الله بن حفص- وأيمن «3» وأبو نضرة «4» - وابن المسيب «5» - وسعيد «6» بن أبي كرب- وكريب «7» - وأبو صالح «8» .

وراه عن أنس بن مالك «9» الحسن- وثابت «10» - واسحق «11» بن أبي طلحة ورواه عن ابن عمر «12» نافع «13» وأبو حية «14» .

ورواه أبو نضرة وأبو الوداك «1» عن أبي سعيد «2» وعمار بن أبي عمار «3» عن ابن عباس «4» وأبو حازم «5» ، وعباس «6» بن سهل عن سهل بن سعد «7» وكثير بن زيد «8» عن المطلب «9» وعبد الله بن بريدة «10» عن أبيه «11» والطفيل بن أبي «12» عن أبيه «13» .

قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: فهذا حديث كما تراه خرجه

أهل الصحة.. ورواه من الصحابة من ذكرنا وغيرهم من التابعين ضعفهم إلى من لم نذكره.. وبدون هذا العدد يقع العلم لمن اعتنى بهذا الباب..

والله المثبت على الصواب.

الفصل الثامن عشر في سائر الجمادات ومثل هذا في سائر الجمادات ص 587

عن «1» ابن مسعود «2» «لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» وفي غير هذه الرواية عن ابن مسعود «كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحه» «3» .

وقال أنس «4» : «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فسبحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيح، ثم صبهن في يد أبي بكر «5» رضي الله عنه فسبحن ثم في أيدينا فما سبحن.

وروى «1» مثله أبو ذر «2» وذكر أنهن «سبحن في كف عمر «3» وعثمان «4» رضي الله عنهما» وقال «5» علي «6» : «كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله شجرة ولا جبل إلا قال له: السلام عليك يا رسول الله» .

وعن «7» جابر «8» بن سمرة عنه صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي» قيل: «إنه الحجر الأسود» .

وعن «9» عائشة «10» رضي الله عنها: «لما استقبلني جبريل عليه السلام بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» .

وعن «11» جابر «12» بن عبد الله: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر بحجر

ولا شجر إلا سجد «1» له» . وفي حديث «2» العباس «3» : «إذ اشتمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بنيه بملاءة «4» ودعا لهم بالستر من النار كستره إياهم بملاءته فأمنت أسكفة «5» الباب، وحوائط البيت آمين آمين» وعن «6» جعفر «7» بن محمد عن أبيه «8» :

«مرض النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب.. فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فسبح» .. وعن «9» أنس «10» : «صعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر «11» وعمر «12» وعثمان أحدا فرجف بهم.. فقال:

«اثبت أحد.. فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» .

ومثله «1» عن أبي هريرة «2» : «في حراء- وزاد- معه وعلي «3» وطلحة «4» والزبير «5» وقال: «فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد والخبر «6» في حراء أيضا عن عثمان قال: «ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم وزاد- عبد الرحمن «7» وسعدا «8» قال- ونسيت الاثنين..

وفي حديث «9» سعيد «10» بن زيد أيضا مثله وذكر عشرة وزاد نفسه وقد روي: أنه حيز طلبته قريش.. قال له ثبير «11» : اهبط

يا رسول الله.. فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله..

فقال حراء: إلي يا رسول الله..

وروى «1» ابن عمر «2» رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر «وما قدروا الله حق قدره «3» » ثم قال: «يمجد الجبار نفسه.. يقول: أنا الجبار.. أنا الكبير المتعال..

فرجف المنبر «4» حتى قلنا: ليخرن «5» عنه.

وعن «6» ابن عباس «7» : «كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة.. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد عام الفتح جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسها ويقول:

«جاء الحق وزهق الباطل «8» . الآية فما أشار إلى وجه صنم إلا وقع لقفاه.. ولا لقفاه إلا وقع لوجهه.. حتى ما بقي

منها صنم» ومثله «1» في حديث ابن مسعود «2» وقال: «فجعل يطعنها. «3» ويقول: «جاء الحق وما يبدئ «4» الباطل وما يعيد «5» »

ومن ذلك حديثه «6» مع الراهب في ابتداء أمره.. إذ خرج تاجرا مع عمه.. وكان الراهب لا يخرج إلى أحد فخرج وجعل يتخللهم حتى أخذ بيد رسول صلى الله عليه وسلم فقال: «هذا سيد العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين» .. فقال له أشياخ من قريش:

«ما علمك؟» . فقال: «إنه لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا له ولا يسجد إلا لنبي» وذكر القصة ثم قال: «وأقبل صلى الله عليه وسلم وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال الفيء إليه» .

الفصل التاسع عشر في الآيات في ضروب الحيوانات ص 593

عن «1» عائشة «2» رضي الله عنها قالت: كان عندنا داجن «3» .

فإذا كان عندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه فلم يجيء ولم يذهب.. وإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء وذهب» .

وروي «4» عن عمر «5» : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محفل «6» من أصحابه.. إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا فقال من هذا؟ ..

قالوا: نبي الله. فقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب.. وطرحه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «يا ضب.. فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا..

لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة.. قال: من تعبد؟ ..

قال: الذي في السماء عرشه.. وفي الأرض سلطانه.. وفي البحر سبيله.. وفي الجنة رحمته.. وفي النار عقابه.. قال: فمن أنا؟

قال: رسول رب العالمين.. وخاتم النبيين.. وقد أفلح من صدقك.. وخاب من كذبك» .. فأسلم الأعرابي.

ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهور عن «1» أبي سعيد الخدري «2» :

«بينا «3» راع يرعى غنما له عرض الذئب لشاة منها فأخذها منه..

فأقعى «4» الذئب وقال للراعي.. ألا تتقي الله.. حلت بيني وبين رزقي.. قال الراعي: العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس.. فقال الذئب: «ألا اخبرك بأعجب من ذلك؟؟.

رسول الله بين الحرتين «1» يحدث الناس بأنباء ما قد سبق» .

فأتى الراعي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: قم فحدثهم.

ثم قال: صدق.. والحديث فيه قصة وفيه بعض طول..

وري حديث الذئب عن «2» أبي هريرة «3» .. وفي بعض الطرق عن أبي هريرة رضي الله عنه فقال الذئب: «أنت أعجب واقفا على غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله نبيا قط أعظم منه عنده قدرا..

قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف «4» أهلها على أصحابه ينظرون فعالهم.. وما بينك وبينه إلا هذا الشعب «5» .. فتصير في جنود الله.. قال الراعي: من لي بغنمي؟ .. قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع.. فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى.. وذكر قصته وإسلامه ووجوده النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

«عد إلى غنمك تجدها «بوفرها «1» » .. فوجدها كذلك وذبح للذئب شاة منها.

وعن «2» أهبان بن أوس «3» .. وأنه كان صاحب القصة والمحدث بها ومكلم الذئب. وعن «4» سلمة بن عمرو بن الأكوع «5» وأنه كان صاحب هذه القصة أيضا وسبب إسلامه بمثل حديث «6» أبي سعيد «7» . وقد روى ابن وهب «8» مثل هذا أنه جرى لأبي سفيان «9» بن حرب وصفوان «10» بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيا فدخل الظبي الحرم فانصرف الذئب.. فعجبا من ذلك فقال الذئب: «أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار» .. فقال أبو سفيان: «واللات

والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا «1» .

وقد روي قبل هذا الخبر وأنه جرى لأبي «2» جهل وأصحابه.

وعن «3» عباس بن مرداس «4» «لما تعجب من كلام (ضمار) «5» صنمه وإنشاده «6» الشعر الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم.. فإذا طائر سقط.. فقال يا عباس.. أتعجب من كلام ضمار ولا تعجب من نفسك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام وأنت جالس!! فكان سبب إسلامه.

وعن «1» جابر بن عبد الله «2» رضي الله عنهما عن رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وهو على بعض حصون خيبر.. وكان في غنم يرعاها لهم فقال: يا رسول الله.. كيف بالغنم؟ .. قال:

«أحصب «3» وجوهها فإن الله سيؤدي عنك أمانتك ويردها إلى أهلها» . ففعل.. فسارعت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائط أنصاري، وأبو «6» بكر وعمر «7» ورجل من الأنصا رضي الله عنهم وفي الحائط غنم فسجدت له.. فقال أبو بكر «نحن أحق بالسجود لك منها» الحديث «8» ..

وعن «9» أبي هريرة «10» رضي الله عنه: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا فجاء بعير فسجد له» وذكر مثله.

ومثله في الجمل.. عن «1» ثعلبة بن مالك «2» وجابر «3» بن عبد الله «4» ويعلى «5» بن مرة «6» وعبد «7» الله بن جعفر «8» قال: «وكان لا يدخل أحد الحائط إلا شد «9» عليه الجمل فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم دعاه فوضع مشفره «10» على الأرض وبرك «11» بين يديه فخطمه «12» وقال: «ما بين السماء والأرض شيء إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس» ومثله عن «13» عبد الله «14» بن أبي أوفى..

وفي خبر آخر في حديث الجمل: أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن شأنه فأخبروه أنهم أرادوا ذبحه» . وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم:

«أنه شكى كثرة العمل وقلة العلف «1» » وفي رواية «2» «أنه شكى إلي أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره» .. فقالوا: نعم..

وفي «3» قصة العضباء «4» وكلامها للنبي صلى الله عليه وسلم وتعريفها له بنفسها، ومبادرة العشب إليها في الرعي. وتجنب الوحوش عنها، وندائهم لها إنك لمحمد.. وإنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت..

ذكره الإسفرائيني «5» وروى «6» ابن وهب «7» «أن حمام مكة أظلت

النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة» . وروي «1» عن أنس «2» زيد بن أرقم «3» والمغيرة بن شعبة «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمر الله ليلة الغار شجرة فنبتت تجاه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر حمامتين فوقفتا بفم الغار» وفي حديث «5» آخر «أن العنكبوت نسجت على بابه..

فلما أتى الطالبون له ورأوا ذلك قالوا:.. «لو كان فيه أحد لم تكن الحمامتان ببابه والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع كلامهم.. فانصرفوا..

وعن «6» عبد الله بن قرط «7» .. قرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدنات «8» خمس أو ست أو سبع لينحرها يوم عيد فاز دلفن «9» إليه بأيهن يبدأ.

وعن «10» أم سلمة «11» : كان النبي صلى الله عليه وسلم في صحراء فنادته ظبية

يا رسول الله.. قال: «ما حاجتك؟.» قال: صادني هذا الأعرابي ولي خشفان «1» في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع قال: «أو تفعلين؟ ..» قالت: «نعم..» فأطلقها فذهبت ورجعت، فأوثقها، فانتبه الأعرابي وقال: «يا رسول الله ألك حاجة؟ ..» قال: «تطلق هذه الظبية» .. فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء وتقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله..

ومن هذا الباب ما روي «2» من نسخير الأسد لسفينة «3» مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وجهه إلى معاذ «4» باليمن فلقي الأسد فعرفه أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابه فهمهم «5» وتنحى عن الطريق

وذكر في منصرفه مثل ذلك. وفي رواية «1» أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد.. فقلت: «أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فجعل يغمزني «2» بمنكبه حتى أقامني على الأرض» . وأخذ «3» عليه الصلاة والسلام بأذن شاة لقوم من عبد القيس بين أصبعيه.. ثم خلاها فصار لها ميسما «4» وبقي ذلك الأثر فيها وفي نسلها بعد..

وما روي «5» عن إبراهيم بن حماد «6» بسنده من كلام الحمار

الذي أصابه بخيبر وقال له: ما اسمك قال: «اسمي يزيد بن شهاب «1» فسماه النبي صلى الله عليه وسلم يعفورا وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه فيضرب عليهم الباب برأسه ... ويستدعيهم..

وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات تردى في بئر «2» جزعا وحزنا «3» فمات.

وحديث «4» «الناقة التي شهدت عند النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه» .

وفي حديث «5» «العنز التي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره وقد أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء.. وهم زهاء ثلاثمئة فحلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأروى الجند ... ثم قال لرافع «6» املكها وما أراك «7» ... فربطها فوجدها قد انطلقت «8» رواه ابن قانع «9»

وغيره ... وفيه: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي جاء بها هو الذي ذهب بها» .

وقال لفرسه عليه السلام وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره: «لا تبرح بارك الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا» وجعله قبلته.. فما حرك عضوا حتى صلى صلى الله عليه وسلم.

ويلحق بهذا.. ما رواه الواقدي «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجه رسله إلى الملوك ... فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد.. فأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم، والحديث في هذا الباب كثير وقد جئنا منه بالمشهور وما وقع في كتب الأئمة..

الفصل العشرون إحياء الموتى في احياء الموتى وكلامهم وكلام الصبيان والمراضع وشهادتهم له بالنبوة صلى الله عليه وسلم ص 606

عن «1» أبي «2» هريرة رضي الله عنه: «أن يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر شاة مصلية «3» سمتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم ... فقال: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة.. فمات بشر بن البراء «4» .. وقال لليهودية: ما حملك على ما صنعت؟ ..

قالت: إن كنت نبيا لم يضرك الذي صنعت.. وإن كنت ملكا

أرحت الناس منك ... قال: فأمر بها فقتلت ... وقد روى «1» هذا الحديث أنس «2» وفيه:

قالت: أردت قتلك ... فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك..

فقالوا نقتلها قال: لا «3» ...

وكذلك روي عن أبي هريرة من رواية غير وهب «4» قال:

«فما عرض لها» .

ورواه «5» أيضا جابر بن «6» عبد الله وفيه «أخبرتني به هذه الذراع» .. قال: «ولم يعاقبها» .

وفي رواية الحسن «7» .. «أن فخذها تكلمني أنها مسمومة» ..

وفي رواية أبي سلمة «8» بن عبد الرحمن: قالت: «إني مسمومة»

وكذلك ذكر الخبر ابن اسحق «1» وقال فيه: «فتجاوز عنها» .

وفي الحديث «2» الآخر عن أنس «3» انه قال: «فما زلت أعرفها في لهوات «4» رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وفي حديث «5» أبي هريرة «6» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرجعه:

الذي مات فيه: ما زالت أكلة «7» خيبر تعادني «8» .. فالآن أوان قطعت أبهري «9» .

وقال ابن إسحق إن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة..

وقال ابن سحنون «10» أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قتل اليهودية التي سمته «1» .

وقد ذكرنا اختلاف الروايات في ذلك. عن أبي هريرة وأنس وجابر وفي رواية «2» ابن عباس «3» رضي الله عنهما» أنه دفعها لأولياء بشر بن البراء «4» فقتلوها» وكذلك قد اختلف في قتله الذي سحره.

قال الواقدي «5» «وعفوه عنه أثبت عندنا» .. وقد روي عنه «أنه قتله» ..

وروى الحديث البزار «6» عن أبي سعيد «7» فذكر مثله إلا أنه قال في آخره «فبسط يده وقال: كلوا بسم الله ... فأكلنا..

***

وذكر اسم الله- فلم تضر منا أحدا «1» » .

قال القاضي أبو الفضل: وقد خرج حديث الشاة المسمومة أهل الصحيح.. وخرجه الأئمة ... وهو حديث مشهور ... واختلف أئمة أهل النظر في هذا الباب.

- فمن قائل يقول: هو كلام يخلقه الله تعالى في الشاة الميتة، أو الحجر، أو الشجر. وحروف وأصوات يحدثها الله فيها ويسمعها منها دون تغيير اشكالها ونقلها عن هيئتها وهو مذهب أبي الحسن «2» والقاضي أبي بكر «3» رحمهما الله- وآخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها أولا ثم الكلام بعده.

وحكي هذا أيضا عن شيخنا أبي الحسن ... وكل محتمل والله أعلم..

إذ لم نجعل الحياة شرطا لوجود الحروف والأصوات إذ لا يستحيل وجودها مع عدم الحياة بمجردها ... فأما إذا كانت عبارة عن الكلام النفسي.. فلا بد من شرط الحياة لها ... إذ لا يوجد كلام النفس إلا من حي خلافا للجبائي «1» من بيز سائر متكلمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللفظي والحروف والأصوات إلا من حي مركب على تركيب من يصح منه النطق بالحروف والأصوات والتزم ذلك في الحصا والجذع والذراع وقال: إن الله خلق فيها حياة وخرو لها فما ولسانا وآلة أمكنها بها من الكلام.

- وهذا لو كان لكان نقله والتهمم «2» به آكد «3» من التهمم بنقل تسبيحه «4» أو حنينه «5» ...

- ولم ينقل أحد من أهل السير والرواية شيئا من ذلك فدل على سقوط دعواه..

- مع أنه لا ضرورة إليه في النظر «1» ... والموفق الله. وروى «2» وكيع «3» ... رفعه عن فهد بن عطية «4» : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي قد شب لم يتكلم قط ... فقال: من أنا؟ .. فقال: رسول الله.

وروي «5» عن معرض بن «6» معيقيب رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم عجبا ... جيء بصي يوم ولد فذكر مثله. وهو مبارك اليمامة «7» ويعرف بحديث شاصونة «8» اسم راويه وفيه

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت بارك الله فيك.. ثم إن الغلام لم

يتكلم بعدها حتى شب فكان يسمى مبارك «1» اليمامة ... وكانت هذه الفصة بمكة في حجة الوداع.

وعن «2» الحسن «3» أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له أنه طرح بنية له في وادي كذا.. فانطلق معه إلى الوادي.. وناداها باسمها يا فلانة.. أجيبي بإذن الله.. فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك.. فقال لها: إن أبويك قد أسلما.. فإن أحببت أن أردك عليهما.. قالت: لا حاجة لي فيهما ... وجدت الله خيرا لي منهما ...

وعن «1» أنس «2» أن شابا من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء..

فسجيناه «3» وعزيناها.. فقالت: مات ابني؟ .. قلنا: نعم..

قالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى رسولك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن علي هذه المصيبة ... فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا «4» .

وروي «5» عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري «6» كنت فيمن دفن ثابت بن قيس «7» بن شماس. وكان قتل باليمامة.. فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: محمد رسول الله.. أبو بكر الصديق عمر الشهيد، عثمان البر الرحيم «8» .. فنظرنا فإذا هو ميت.

وذكر عن «1» النعمان بن بشير «2» أن زيد بن خارجة «3» خر ميتا في بعض أزقة المدينة فرفع وسجي إذ سمعوه بين العشائين والنساء يصرخن حوله.. يقول: أنصتوا أنصتوا.. فحسر عن وجهه فقال: محمد رسول الله.. النبي الأمي وخاتم النبيين..

كان ذلك في الكتاب الأول «4» ثم قال: صدق صدق وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ... ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ... ثم عاد ميتا كما كان.

الفصل الحادي والعشرون ابراء المرضى وذوي العاهات ص 616

في إبرائه المرضى وذوي العاهات حدثنا «1» ابن شهاب «2» وعاصم «3» بن عمر بن قتادة وجماعة ذكرهم بقضية أحد بطولها قال:

وقالوا: قال سعد بن أبي وقاص «4» : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليناولني السهم لا نصل «5» له فيقول: ارم به.. وقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قوسه حتى اندقت «6» .. وأصيب يومئذ عين

قتادة «1» - يعني ابن النعمان- حتى وقعت على وجنته «2» .. فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فكانت أحسن عينيه..

وروى قصة قتادة عاصم بن عمر بن قتادة، ويزيد «3» بن عياض ابن عمر بن قتادة. ورواها «4» أبو سعيد «5» الخدري عن قتادة «6» وبصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد «7» - قال- فما ضرب علي ولا قاح «8» .

وروى «9» النسائي «10» عن عثمان «11» بن حنيف أن أعمى قال:

يا رسول.. ادع الله أن يكشف لي عن بصري.. قال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني اسألك وأتوجه اليك بنبيي محمد «1» نبي الرحمة.. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري.. اللهم شفعه في قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.

وروي «2» أن ابن ملاعب «3» الأسنة أصابه استسقاء «4» فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. فأخذ بيده حثوة «5» من الأرض فتفل عليها ثم أعطاها رسوله فأخذها متعجبا يرى «6» أن قد هزىء به.. فأتاه بها وهو على شفا «7» فشربها فشفاه الله..

وذكر العقيلي «1» عن «2» حبيب «3» بن فديك- ويقال- فريك أن أباه ابيضت عيناه.. فكان لا يبصر بهما شيئا.. فنفث «4» رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر.. فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين «5» ..

ورمي «6» كلثوم بن «7» الحصين يوم أحد في نحره.. فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فبرأ «8» .. وتفل «9» على شجة «10» عبد الله «11»

ابن أنيس فلم تمد «1» وتفل «2» في عيني علي يوم خيبر وكان رمدا «3» فأصبح بارئا.. ونفث «4» على ضربة بساق سلمة بن «5» الأكوع يوم حيبر فبرئت.. وفي «6» رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب حين قتل ابن «7» الأشرف فبرئت، وعلى «8» ساق علي «9» ابن الحكم يوم الخندق اذ انكسرت فبرىء مكانه.. وما نزل عن فرسه واشتكى علي «10» بن أبي طالب فجعل يدعو فقال النبي

صلى الله عليه وسلم: اللهم اشفه أو عافه.. ثم ضربه برجله.. فما اشتكى ذلك الوجع بعد «1» وقطع أبو جهل «2» يوم بدر يد معوذ بن «3» عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت رواه ابن وهب «4» .

ومن «5» روايته أيضا أن حبيب بن «6» يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربة على عاتقه «7» حتى مال شقه «8» .

فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفث عليه حتى صح وأتته امرأة «9» من خثعم «10» معها صبي به بلاء لا يتكلم فأتي بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إياه وأمرها بسقيه ومسه به فبرأ الغلام وعقل عقلا يفضل عقول الناس «11» ..

وعن ابن عباس «1» جاءت امرأة بابن لها به جنون.. فمسح صدره فثع ثعة «2» فخرج من جوفه مثل الجرو «3» الأسود فشفي.

وانكفأت «4» القدر على ذراع محمد بن «5» حاطب وهو طفل..

فمسح عليها ودعا له.. وتفل فيه فبرأ لحينه «6» .

وكانت في كف شرحبيل «7» الجعفي سلعة «8» تمنعه القبض على السيف وعنان «9» الدابة فشكاها للنبي صلى الله عليه وسلم.. فما زال يطحنها «10» ***

بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر «1» .. وسألته جارية طعاما وهو يأكل فناولها من بين يديه.. وكانت قليلة الحياء فقالت: إنما أريد من الذي في فيك.. فناولها ما في فيه.. ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه.. فلما استقر في جوفها ألقي عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشد حياء منها «2» ..

الفصل الثاني والعشرون إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم وهذا باب واسع جدا ص 624

وإجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة بما دعا لهم وعليهم متواتر على الجملة معلوم بالضرورة وقد جاء في حديث «1» حذيفة «2» :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده.

عن «3» أنس «4» رضي الله عنه قال: «قالت أمي «5» : يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له.. قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته.

ومن رواية «6» عكرمة «7» قال أنس: فو الله إن مالي لكثير

وإن ولدي وولد ولدي ليعادون «1» اليوم على نحو المئة.

وفي رواية «2» فما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت..

ولقد دفنت بيدي هاتين مئة من ولدي.. لا أقول سقطا «3» ولا ولد ولد.

ومنه «4» دعاؤه لعبد الرحمن بن «5» عوف بالبركة.. قال عبد الرحمن فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا وفتح الله عليه ومات فحضر الذهب من تركته بالفؤوس «6» حتى مجلت «7» فيه الأيدي.. وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا وكن أربعا وقيل مئة ألف.. وقيل بل صولحت إحداهن لأنه طلقها في مرضه عن نيف «8» وثمانين ألفا. وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية «9» في حياته وعوارفه العظيمة.

- أعتق يوما ثلاثين عبدا وتصدق مرة بعير «1» فيها سبعمئة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء.. فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها «2» وأحلاسها «3» .

ودعا «4» لمعاوية «5» بالتمكين في البلاد فنال الخلافة ولسعد «6» ابن أبي وقاص رضي الله عنه أن يجيب الله دعوته فما دعا على أحد إلا استجيب له «7» .

ودعا «8» بعز الإسلام بعمر «9» رضي الله عنه، أو بأبي «10» جهل فاستجيب له في عمر.

وقال «1» ابن مسعود «2» رضي الله عنه ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وأصاب الناس في بعض مغازيه عطش فسأله عمر الدعاء فدعا فجاءت سحابة فسقتهم حاجتهم ثم أقلعت.

ودعا في الاستسقاء «3» فسقوا ثم شكوا إليه المطر فدعا فصحوا وقال «4» لأبي قتادة «5» أفلح وجهك.. اللهم بارك له في شعره «6» وبشره فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة.

وقال «7» للنابغة «8» لا يفضض «9» الله فاك «10» .. فما سقطت له

سن وفي رواية فكان أحسن الناس ثغرا «1» .. إذا سقطت له سن نبتت له أخرى وعاش عشرين ومئة وقيل أكثر من هذا.

ودعا «2» لابن عباس «3» «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل..

فسمي بعد الحبر «4» وترجمان «5» القرآن.

ودعا «6» لعبد الله بن «7» جعفر بالبركة في صفقة «8» يمينه فما اشترى شيئا إلا ربح فيه.

ودعا «9» للمقداد «10» بالبركة فكانت عنده غرائر «11» من المال ودعا «12» بمثله لعروة «13» بن أبي الجعد فقال: فلقد كنت

أقوم بالكناسة «1» فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا..

وقال البخاري في حديثه فكان لو اشترى التراب ربح فيه..

وروي «2» مثل هذا لغرقدة «3» أيضا: وندت «4» له ناقة فدعا.. فجاءه بها إعصار «5» ريح حتى ردها عليه.

ودعا «6» لأم «7» أبي هريرة فأسلمت.

ودعا «8» لعلي «9» أن يكفى الحر والقر «10» فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يصيبه حر ولا برد.

ودعا «11» لفاطمة «12» ابنته الله أن لا يجيعها.. قالت: فما جعت بعد

وسأله «1» الطفيل بن عمرو «2» آية «3» لقومه فقال: اللهم نور له فسطع له نور بين عينيه فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: مثلة «4» فتحول إلى سوطه.. فقال يضيء في الليلة المظلمة فسمي ذا النور.

ودعا «5» على مضر «6» فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا.

ودعا «7» على كسرى «8» حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه..

فلم يبق له باقية، ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا..

ودعا «1» على صبي قطع عليه الصلاة أن يقطع الله أثره فأقعد.

وقال «2» لرجل «3» رآه يأكل شماله: كل بيمينك.. فقال لا أستطيع.. فقال لا استطعت.. فلم يرفعها إلى فيه.

وقال «4» لعتبة «5» بن أبي لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله الاسد.

وقال «1» لامرأة «2» أكلك الأسد ... فأكلها..

وحديثه «3» المشهور من رواية عبد الله بن مسعود «4» رضي الله عنه في دعائه على قريش حين وضعوا السلا «5» على رقبته وهو ساجد مع الفرث والدم وسماهم وقال: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر.

ودعا «6» على الحكم بن أبي «7» العاص وكان يختلج بوجهه ويغمز عند النبي صلى الله عليه وسلم «8» أي لا «9» فرآه فقال: كذلك كن.. فلم يزل يختلج إلى أن مات.

ودعا «1» على محلم بن «2» جثامة فمات لسبع فلفظته «3» الأرض ثم وروي فلفظته مرات فألقوه بين صدين «4» ورضموا «5» عليه بالحجارة والصد جانب الوادي.

وجحده «6» رجل بيع فرس وهي التي شهد «7» فيها خزيمة «8» للنبي صلى الله عليه وسلم فرد الفرس بعد «9» النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل وقال اللهم

إن كان كاذبا فلا تبارك له فيها ... فأصبحت شاصية «1» برجلها- أي رافعة.. وهذا الباب أكثر من أن يحاط به.

الفصل الثالث والعشرون في كراماته وبركاته وانقلاب الأعيان له فيما لمسه أو باشره صلى الله عليه وسلم ص 635

عن أنس بن مالك «1» رضي الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة «3» كان يقطف «4» أو به قطوف «5» وقال غيره يبطأ. فلما رجع قال: وجدنا فرسك بحرا «6» ... فكان بعد لا يجارى.

ونخس «7» جمل جابر «8» وكان قد أعيى فنشط حتى كان ما يملك «9» زمامه «10» .

وصنع مثل ذلك بفرس لجعيل الأشجعي «1» خفقها بمخفقة «2» معه وبرك «3» عليها فلم يملك رأسها نشاطا وباع من بطنها باثني عشر ألفا «4» .

وركب حمارا قطوفا لسعد بن عبادة «5» فرده هملاجا «6» لا يساير «7» .

وكانت شعرات من شعره في قلنسوة «8» خالد بن الوليد «9» فلم يشهد بها قتالا إلا رزق النصر «10» .

وفي الصحيح «11» عن أسماء «12» بنت أبي بكر رضي الله عنها:

«أنها أخرجت جبة طيالسة «1» وقالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها» .

وحدثنا القاضي أبو علي «2» عن شيخه أبي القاسم بن المأمون «3»

قال: «كانت عندنا قصعة «4» من قصاع النبي صلى الله عليه وسلم.. فكنا نجعل فيها الماء للمرضى فيستشفون بها ... وأخذ جهجاه الغفاري «5» القضيب «6» من يد عثمان رضي الله عنه ليكسره على ركبته فصاح الناس به فأخذته فيها الآكلة «7» فقطعها ومات قبل الحول «8» » .

وسكب من فضل وضوئه «9» في بئر قباء فما نزفت «10» بعد «11»

وبزق في بئر كانت في دار أنس فلم يكن بالمدينة أعذب منها «1»

ومر على ماء فسأل عنه فقيل له اسمه بيسان «2» وماؤه ملح..

فقال: بل هو نعمان وماؤه طيب فطاب.

وأتي بدلو من ماء زمزم فمج «3» فيه فصار أطيب من المسك «4»

وأعطى الحسن «5» والحسين «6» لسانه فمصاه وكانا يبكيان عطشا فسكتا «7» .

وكان لأم مالك «8» عكة «9» تهدي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تعصرها ثم دفعها إليها. فإذا هي مملوءة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الأدم «10» وليس عندهم شيء فتعمد إليها فتجد فيها سمنا فكانت تقيم أدمها حتى عصرتها «11» .

وكان يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيجزئهم ريقه إلى الليل

ومن ذلك بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان «1» رضي الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلاثمئة ودية «2» يغرسها لهم كلها تعلق «3» وتطعم «4» على أربعين أوقية «5» من ذهب. فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده إلا واحدة غرسها غيره «6» . فأخذت كلها إلا تلك لواحدة فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم وردها فأخذت. وفي كتاب البزار «7» فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة.. فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فأطعمت من عامها. وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن

أدارها على لسانه فوزن منها لمواليه أربعين أوقية وبقي عنده مثل ما أعطاهم.

وفي «1» حديث حنش بن عقيل «2» سقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها فما برحت أجد شبعها إذا جعت وريها إذا عطشت وبردها إذا ظمئت.

وأعطى «3» قتادة بن النعمان «4» - وصلى معه العشاء في ليلة

مظلمة مطيرة «1» - عرجونا «2» ، وقال: انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرا «3» ومن خلفك عشرا.. فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان..

فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد فضربه حتى خرج.

ومنها «4» دفعه لعكاشة «5» جذل «6» حطب وقال: اضرب به حين انكسر سيفه يوم بدر فعاد في يده سيفا صارما طويل القامة أبيض شديد المتن ... فقاتل به ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة وكان هذا السيف يسمى العون «7»

ودفعه «1» لعبد الله بن جحش «2» يوم أحد- وقد ذهب سيفه «3» - عسيب «4» نخل فرجع في يده سيفا. ومنه بركته في درور الشياه الحوائل «5» باللبن الكثير كقصة «6» شاة أم معبد «7» وأعنز «8» معاوية بن ثور «9» وشاة أنس «10» وغنم «11» حليمة «12» مرضعته

وشارفها «1» وشاة «2» عبد الله بن مسعود «3» وكانت له لم ينز «4» عليها فحل وشاة «5» المقداد «6» .

ومن ذلك «7» تزويده أصحابه سقاء «8» ماء بعد أن أوكاه «9» ودعا فيه.. فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبن طيب وزبدة في فمه.

من رواية حماد بن سلمة «10» . ومسح «11» على رأس عمير بن سعد «12» وبرك «13» فمات وهو ابن ثمانين فما شاب.

وروي مثل هذه القصص عن غير واحد منهم السائب بن يزيد «1» ومدلوك «2» .

وكان يوجد لعتبة «3» بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بيديه على بطنه وظهره «4» .

وسلت «5» الدم عن وجه عائذ «6» بن عمرو وكان جرح يوم حنين «7» ودعا له فكانت له غرة «8» كغرة الفرس «9» .

ومسح على رأس قيس «1» بن زيد الجذامي ودعا له فهلك وهو ابن مئة سنة ورأسه أبيض «2» ، وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم وما مرت يده عليه من شعره أسود «3» .. فكان يدعى الأغر «4» .

وروي «5» مثل هذه الحكاية لعمرو بن ثعلبة الجهني «6» ومسح وجه آخر «7» فما زال على وجهه نور.

ومسح «8» وجه قتادة بن ملحان «9» فكان لوجهه بريق حتى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة «10» .

ووضع «1» يده على رأس حنظلة بن «2» حذيم وبرك «3» عليه فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه والشاة قد ورم ضرعها فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم.

و «4» نفح «5» في وجه زينب «6» بنت أم سلمة نضحة من ماء فما يعرف كان في وجه امرأة من الجمال ما بها.

ومسح «7» على رأس صبي به عاهة «8» فبرأ «9» واستوى شعره.

ومثله روي «10» في خبر المهلب بن قبالة «11» وعلى غير واحد من الصبيان والمرضى والمجانين فبرؤوا.

وأتاه «1» رجل به أدرة «2» فأمره أن ينضحها بماء من عين مج «3» فيه ففعل فبرأ..

وعن «4» طاووس «5» لم يؤت النبي صلى الله عليه وسلم بأحد به مس فصك «6» في صدره إلا ذهب (المس الجنون) ومج في دلو من بئر ثم صب فيها ففاح منها ريح المسك.

وأخذ «7» قبضة من تراب يوم حنين ورمى بها في وجوه الكفار وقال: شاهت «8» الوجوه فانصرفوا يمسحون القذى «9» عن أعينهم.

وشكى «10» إليه أبو هريرة «11» رضي الله عنه النسيان فأمره ببسط

ثوبه وغرف «1» بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسي شيئا بعد.

وما يروى عنه في هذا كثير..

وضرب «2» صدر جرير «3» بن عبد الله ودعا له وكان ذكر له أنه لا يثبت على الخيل فصار من أفرس العرب وأثبتهم.

ومسح «4» رأس عبد الرحمن بن «5» زيد بن الخطاب وهو صغير وكان دميما «6» ودعا له بالبركة فضرع «7» الرجال طولا وتماما.

الفصل الرابع والعشرون ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون ص 649

ومن ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره ولا ينزف «1» غمره «2» .. وهذه المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع.. الواصل إلينا خبرها على التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب.

عن «3» حذيفة «4» قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما.. فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه.. قد علمه أصحابي هؤلاء.. وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه ثم قال حذيفة:

ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه ... والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمئة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته.

وقال «1» أبو ذر «2» لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما.

وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه صلى الله عليه وسلم مما وعدهم به من الظهور على أعدائه وفتح مكة «3» ، وبيت المقدس «4» واليمن والشام والعراق «5» وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة «6» إلى مكة لا تخاف إلا الله «7» ..

وأن المدينة ستغزى وتفتح خيبر «8» على يد علي في غد يومه «9» ..

وما يفتح الله على أمته من الدنيا ويؤتون من زهرتها «10» ..

وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر «1» ، وما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف والأهواء «2» ، وسلوك سبيل من قبلهم «3» ..

وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة.. الناجية منها فرقة واحدة «4» ..

وأنها «5» ستكون لهم أنماط «6» ويغدو «7» أحدهم في حلة «8» ويروح «9» في أخرى وتوضع بين يديه صحفة «10» وترفع أخرى ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة «11» ثم قال آخر الحديث وأنتم اليوم خير منكم يومئذ.. وإنهم «12» إذا مشوا المطيطاء «13» وخدمتهم

بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم.. وسلط شرارهم على خيارهم وقتالهم الترك «1» والخزر «2» والروم وذهاب كسرى وفارس..

حتى لا كسرى ولا فارس بعده.. وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده «3» .. وذكر أن الروم ذات قرون «4» إلى آخر الدهر..

وبذهاب الأمثل «5» فالأمثل من الناس «6» .. وتقارب الزمان «7» ..

وقبض العلم «1» .. وظهور الفتن والهرج «2» .. وقال «3» :

«ويل «4» للعرب من شر قد اقترب» . وأنه «5» زويت «6» له الأرض فأري مشارقها ومغاربها. وسيبلغ ملك أمته ما زوي له منها..

ولذلك كان امتدت في المشارق والمغارب ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة «7» حيث لا عمارة «8» وراءه وذلك ما لم تملكه

أمة من الأمم.. ولم تمتد في الجنوب ولا في الشمال مثل ذلك.

وقوله «1» «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» .

ذهب ابن المديني «2» إلى أنهم العرب لأنهم المختصون بالسقي بالغرب «3» وهي الدلو.

وغيره يذهب إلى أنهم أهل المغرب وقد ورد «المغرب» كذا في الحديث بمعناه.

وفي حديث «4» آخر من رواية أبي أمامة «5» لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك

قيل: يا رسول الله.. وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأجيز «6»

بملك بني أمية وولاية معاوية «1» ووصاه «2» . واتخاذ بني أمية مال الله دولا «3» وخروج «4» ولد العباس بالرايات السود «5» وملكهم أضعاف ما ملكوا «6» وخروج «7» المهدي «8» ... وما ينال

أهل بيته «1» وتقتيلهم وتشريدهم وقتل «2» علي «3» .. وأن أشقاها «4» الذي يخضب هذه من هذه- أي لحيته من رأسه- وأنه قسيم «5» النار يدخل أولياؤه الجنة وأعداؤه النار.. فكان فيمن عاداه الخوارج «6» والناصبة «7» .. وطائفة ممن ينسب إليه من

الروافض «1» كفروه «2» ..

وقال «3» بقتل عثمان وهو يقرأ في المصحف وأن «4» الله عسى أن يلبسه قميصا «5» .. وأنهم يريدون خلعه «6» .. وأنه «7» سيقطر دمه على قوله تعالى «فسيكفيكهم الله «8» » .

وأن الفتن لا تظهر ما دام عمر «1» حيا «2» وبمحاربة «3» الزبير «4» لعلي «5» وبنباح كلاب الحوأب «6» على بعض أزواجه «7» وأنه «8» يقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت.. فنبحت على عائشة «9» عند خروجها إلى البصرة.

وأن عمارا «10» تقتله الفئة الباغية «11» - فقتله أصحاب معاوية «12» وقال لعبد الله «13» بن الزبير: «ويل للناس منك وويل لك

من الناس» . وقال «1» في قزمان «2» وقد أبلى مع المسلمين إنه من أهل النار فقتل نفسه..

وقال «3» في جماعة فيهم أبو هريرة «4» وسمرة «5» بن جندب وحذيفة «6» آخركم موتا في النار «7» .. فكان بعضهم يسأل عن بعض فكان سمرة آخرهم موتا هرم وخرف فاصطلى بالنار فاحترق فيها.

وقال «8» في حنظلة «9» الغسيل «10» .. سلوا زوجته عنه فإني

رأيت الملائكة تغسله.. فسألوها فقالت: إنه خرج جنبا وأعجله الحال عن الغسل.

قال أبو سعيد «1» رضي الله عنه ووجدنا رأسه يقطر ماء.

وقال «2» الخلافة في قريش.. ولن «3» يزال هذا لأمر في قريش ما أقاموا الدين. وقال «4» يكون في ثقيف كذاب ومبير «5» فرأوهما «6» الحجاج «7» والمختار «8» .

وأن «1» مسيلمة «2» يعقره «3» الله وأن «4» فاطمة «5» أول أهله لحوقا به وأنذر «6» بالردة وبأن «7» الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا فكانت كذلك بمدة «8» الحسن «9» بن علي.

وقال «10» إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون رحمة

وخلافة ثم يكون ملكا عضوضا «1» .. ثم يكون عتوا «2» وجبروتا «3» وفسادا في الأمة..

وأخبر «4» بشأن أويس «5» القربي وبأمراء «6» يؤخرون الصلاة وفي «7» حديث آخر: ثلاثون دجالا كذابا.. أحدهم الدجال الكذاب «8» كلهم يكذب على الله ورسوله.

وقال «1» يوشك أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم «2» ، ويضربون رقابكم. ولا «3» تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه «4» رجل من قحطان «5» وقال «6» : خيركم قرني.. ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي بعد ذلك قوم يشهدون ولا «7» يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن «8»

وقال «9» : لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه.

وقال «1» : «هلاك أمتي على يد أغيلمة «2» من قريش» .

وقال أبو هريرة «3» رواية «4» : «لو شئت سميتهم لكم بنو فلان وبنو فلان»

وأخبر «5» بظهور القدرية «6» و «7» الرافضة «8» وسب «9» آخر

هذه الأمة أولها وقلة «1» الأنصار «2» حتى يكونوا كالملح في الطعام فلم يزل أمرهم يتبدد حتى لم يبق لهم جماعة.. وأنهم سيلقون بعده أثرة «3» .

وأخبر «4» بشأن الخوارج «5» وصفتهم والمخدج «6» الذي

فيهم وأن سيماهم «1» التحليق «2» ويرى «3» راء الغنم «4» رؤوس الناس والعراة الحفاة يتبارون في البنيان «5» .. وأن «6» تلد الأمة ربتها «7» وأن «8» قريشا والأحزاب لا يغزونه أبدا وأنه هو يغزوهم «9» .

وأخبر «10» بالموتان «11» الذي يكون بعد فتح بيت المقدس

وما «1» وعد من سكنى البصرة «2» وأنهم «3» يغزون في البحر كالملوك على الأسرة «4» وأن «5» الدين لو كان منوطا في الثريا لناله رجال من أبناء فارس. وهاجت «6» ريح في غزاته «7» فقال:

هاجت لموت منافق «8» فلما رجعوا إلى المدينة وجدوا ذلك.

وقال «9» لقوم من جلسائه: ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد «10» قال أبو هريرة فذهت القوم- يعني ماتوا- وبقيت أنا

ورجل فقتل مرتدا «1» يوم اليمامة «2» .

وأعلم «3» بالذي غل «4» خرزا من خرز يهود فوجدت في رحله وبالذي «5» غل الشملة «6» وحيث هي «7» .

وناقته «8» حين ضلت وكيف تعلقت بالشجرة بخطامها «9» وبشأن «10»

كتاب حاطب «1» إلى أهل مكة «2» .

وبقضية «3» عمير «4» مع صفوان «5» حين ساره وشارطه على قتل

النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء عمير النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا لقتله وأطلعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمر والسر أسلم وأخبر «1» بالمال الذي تركه عمه العباس «2» رضي الله عنه عند أم الفضل «3» بعد أن كتمه فقال: ما علمه غيري وغيرها. فأسلم. وأعلم «4» بأنه سيقتل أبي بن خلف «5» .

وفي عتبة بن «6» أبي لهب أنه يأكله كلب من كلاب «7» الله وعن «8» مصارع أهل بدر فكان كما قال.

وقال «9» في الحسن «10» : «إن ابني هذا سيد وسيصلح لله به

بين فئتين» . و «1» لسعد «2» : «لعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويستضر بك آخرون «3» » وأخبر «4» بقتل أهل مؤتة «5» يوم قتلوا «6» وبينهم مسيرة شهر أو أزيد.

وبموت «7» النجاشي «8» يوم مات «9» وهو بأرضه. وأخبر «10» فيروز «11» إذ ورد عليه رسولا من كسرى «12» بموت كسرى ذلك اليوم فلما تحقق فيروز القصة أسلم.

وأخبر «13» أباذر «14» رضي الله عنه بتطريده «15» كما كان ووجده

في المسجد نائما فقال له: كيف بك إذا أخرجت منه قال: أسكن المسجد الحرام قال: فإذا أخرجت منه؟ .. الحديث «1» .

وبعيشه «2» وحده وأخبر «3» أن أسرع أزواجه به لحوقا أطولهن يدا فكانت زينب «4» لطول يدها بالصدقة.

وأخبر «5» بقتل الحسين «6» بالطف «7» وأخرج بيده تربة وقال:

فيها مضجعه «8» . وقال «9» في زيد بن صوحان «10» : «يسبقه

عضو منه إلى الجنة فقطعت يده «1» في الجهاد «2» » .

وقال «3» في الذين كانوا معه على حراء: «اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيد فقتل علي «4» وعمر «5» وعثمان «6» وطلحة «7» والزبير «8» وطعن سعد رضي الله عنهم «9» وقال «10» لسراقة «11» كيف بك إذا لبست سواري «12» كسرى «13» فلما أتي بهما عمر ألبسهما إياه وقال: الحمد لله الذي سلبها كسرى وألبسهما سراقة «14»

وقال «1» تبنى مدينة بين دجلة «2» ودجيل «3» وقطربل «4» والصراة «5» تجبى إليها خزائن الأرض يخسف بها. - يعني بغداد-

وقال «6» : «سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد «7» هو شر لهذه الأمة من فرعون «8» لقومه» وقال «9» : لا تقوم الساعة

حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة «1» » . وقال «2» لعمر في سهيل بن عمرو «3» : «عسى أن يقوم مقاما يسرك يا عمر» فكان كذلك.. قام بمكة مقام أبي بكر «4» يوم بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم وخطب بنحو خطبته وثبتهم وقوى بصائرهم.

وقال «5» لخالد «6» حين وجهه لأكيدر «7» : إنك تجده يصيد البقر فوجدت هذه الأمور كلها في حياته وبعد موته كما قال صلى الله عليه وسلم.

إلى ما أخبر به جلساءه من أسرارهم وبواطنهم واطلع عليه من أسرار المنافقين وكفرهم وقولهم فيه وفي المؤمنين.. حتى إن

كان بعضهم ليقول لصاحبه اسكت فو الله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء «1» .

وإعلامه «2» بصفة السحر الذي سحره به لبيد «3» بن الأعصم.

وكونه في مشط «4» ومشاقة «5» في جف «6» طلع نخلة ذكر وأنه ألقي في بئر ذروان «7» فكان كما قال ووجد على تلك الصفة.

وإعلامه «8» قريشا بأكل الأرضة «9» ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها على بني هاشم «10» وقطعوا بها رحمهم وأنها أبقت فيها كل اسم لله.

فوجدوها كما قال. ووصفه لكفار قريش بيت المقدس حين

كذبوه في خبر الإسراء ونعته إياه نعت من عرفه وإعلامهم بعيرهم التي مر عليها في طريقه وإنذارهم بوقت وصولها فكان كله كما قال.

إلى ما أخبر «1» به من الحوادث التي تكون ولم تأت بعد منها ما ظهرت مقدماتها كقوله: عمران «2» بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة «3» . وخروج الملحمة فتح القسطنطينية «4» .

ومن «5» أشراط الساعة وآيات حلولها وذكر النشر والحشر «6»

وأخبار الأبرار والفجار والجنة والنار وعرصات القيامة.

وبحسب هذا الفصل أن يكون ديوانا مفردا يشتمل على أجزاء وحده.

وفيما أشرنا إليه من نكت الأحاديث التي ذكرناها كفاية وأكثرها في الصحيح وعند الأئمة والله ولي التوفيق..

الفصل الخامس والعشرون عصمة الله له من الناس وكفايته من أذاهم ص 679

قال الله تعالى: «والله يعصمك من الناس «1» » .

وقال تعالى: «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا «2» » .

وقال: «أليس «3» الله بكاف عبده «4» » .

قيل: بكاف «5» محمدا صلى الله عليه وسلم أعداءه المشركين وقيل: غير هذا وقال: «إنا كفيناك المستهزئين «6» » .

وقال: «وإذ يمكر بك الذين كفروا «7» » الآية.

عن «1» عائشة «2» رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية «والله يعصمك من الناس» فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة «3» . فقال: «يا أيها الناس..

انصرفوا فقد عصمني ربي عز وجل» ..

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة يقيل «4» تحتها.. فأتاه أعرابي فاخترط «5» سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: الله عز وجل فأرعدت يد الأعرابي وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه فنزلت الآية «6» .

وقد رويت هذه القصة في الصحيح وأن غورث «7» بن الحارث صاحب هذه القصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه وقال:

جئتكم من عند خير الناس «8» .

وقد حكيت مثل الحكاية أنها جرت له يوم بدر وقد انفرد من أصحابه لقضاء حاجة فتبعه رجل «1» من المنافقين وذكر مثله «2» .

وقد روي «3» أنه وقع له مثلها في غزوة غطفان «4» بذي أمر «5» مع رجل اسمه دعثور «6» بن الحارث.. وأن الرجل أسلم فلما رجع إلى قومه الذين أغروه «7» به وكان سيدهم وأشجعهم قالوا له: أين ما كنت تقول وقد أمكنك فقال: إني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري وسقط السيف فعرفت أنه ملك وأسلمت.

قيل: وفيه نزلت «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم «8» » الآية.

وفي رواية الخطابي «1» أن غورث بن الحارث المحاربي أراد أن يفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يشعر به إلا وهو قائم على رأسه منتضيا «2» سيفه. فقال: «اللهم اكفينه بما شئت» فانكب من وجهه من زلخة «3» زلخها «4» بين كتفيه وندر «5» سيفه من يده..

و «الزلخة» وجع الظهر.

وقيل في قصته غير هذا.. وذكر أن فيه نزلت «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم «6» » الآية.

وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف قريشا فلما نزلت هذه الآية استلقى ثم قال «من شاء فليخذلني» .

وذكر «7» عبد «8» بن حميد قال: كانت حمالة الحطب «9» تضع

العضاه «1» - وهي حجر «2» - على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما يطؤها كثيبا «3» أهيل «4» .

وذكر «5» ابن اسحق «6» عنها أنها لما بلغها نزول «تبت يدا أبي لهب «7» وتب «8» » وذكرها بما ذكرها الله مع زوجها من الذم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر «9» .

وفي يدها فهر من حجارة.. فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبابكر وأخذ الله تعالى ببصرها على نبيه صلى الله عليه وسلم.. فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني.. والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر «10» فاه.

وعن «11» الحكم بن أبي العاص «12» قال: تواعدنا على النبي صلى الله عليه وسلم

إذا رأيناه حتى سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقي بتهامة أحد فوقعنا مغشيا علينا.. فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله.. ثم تواعدنا ليلة أخرى فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه.

وعن «1» عمر «2» رضي الله عنه تواعدت أنا وأبو جهم «3» بن حذيفة ليلة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فجئنا منزله فسمعنا له فافتتح وقرأ «الحاقة ما الحاقة «4» » .. إلى «فهل ترى لهم من باقية «5» » .

فضرب أبو جهم على عضد عمر وقال: انج.. وفرا هاربين فكانت من مقدمات إسلام عمر رضي الله عنه.

ومنه «6» العبرة المشهورة والكفاية التامة عندما أخافته قريش وأجمعت على قتله وبيتوه فخرج عليهم من بيته فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله تعالى على أبصارهم وذر التراب على رؤوسهم وخلص

منهم.. وحمايته «1» عن رؤيتهم في الغار «2» بما هيأ الله له من الآيات.

ومن العنكبوت الذي نسج عليه حتى قال أمية بن «3» خلف حين قالوا: ندخل الغار.. ما «4» أربكم فيه وعليه من نسج العنكبوت ما أرى «5» إنه قبل أن يولد محمد.. ووقفت حمامتان على فم الغار فقالت قريش: لو كان فيه أحد لما كانت هناك الحمام..

وقصته «6» من سراقة «7» بن مالك بن جعشم حين الهجرة.. وقد جعلت قريش فيه وفي أبي بكر «8» الجعائل «9» .. فأنذر به فركب

فرسه واتبعه حتى إذا قرب منه دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فساخت «1» قوائم فرسه فخر عنها واستقسم بالأزلام «2» فخرج له ما يكره..

ثم ركب ودنا حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر «3» رضي الله عنه يلتفت.. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتينا.

فقال: «لا تحزن إن الله معنا «4» » .. فساخت ثانية إلى ركبتها وخر عنها فزجرها فنهضت ولقوائمها مثل الدخان فناداهم بالأمان فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم أمانا.. كتبه ابن فهيرة «5» وقيل: أبو بكر وأخبرهم بالأخبار وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يترك أحدا يلحق بهم فانصرف يقول للناس.. كفيتم ما هاهنا.

وقيل: بل قال لهما.. أراكما دعوتما علي فادعوا لي فنجا..

ووقع في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي خبر «1» آخر أن راعيا عرف خبرهما فخرج يشتد يعلم قريشا فلما ورد مكة ضرب على قلبه فما يدري ما يصنع وأنسي ما خرج له.. حتى رجع إلى موضعه.

وجاءه «2» - فيما ذكره ابن اسحق «3» وغيره- أبو جهل «4» بصخرة وهو ساجد.. وقريش ينظرون ليطرحها عليه فلزقت بيده ويبست يداه إلى عنقه وأقبل يرجع القهقرى إلى خلفه.. ثم سأله أن يدعو له ففعل فانطلقت يداه.. وكان قد تواعد مع قريش بذلك وحلف لئن رآه ليدفعنه «5» فسألوه عن شأنه.. فذكر أنه عرض لي دونه فحل ما رأيت مثله قط هم بي أن يأكلني.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك جبريل لو دنا لأخذه.

وذكر «6» السمرقندي «7» أن رجلا «8» من بني المغيرة «9»

أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله فطمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم وسمع قوله.. فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه وذكر أن في هاتين القصتين نزلت «إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا «1» » الآيتين.

ومن ذلك ما ذكره ابن اسحق «2» في قصته إذ خرج إلى بني قريظة «3» في أصحابه.. فجلس إلى جدار بعض آطامهم «4» ..

فانبعث عمرو بن جحاش «5» أحدهم ليطرح عليه رحى.. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فانصرف إلى المدينة وأعلمهم بقصتهم.

وقد قيل إن قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم» «6» في هذه القصة نزلت.

وحكى «7» السمرقندي أنه خرج إلى بني النضير «8» يستعين في

عقل «1» الكلابيين «2» اللذين قتلهما عمرو «3» بن أمية.. فقال له حيي «4» بن أخطب اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر «5» وعمر «6» رضي الله عنهما وتوامر «7» حيي معهم على قتله.. فأعلم جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك..

فقام كأنه يريد حاجته حتى دخل المدينة.

وذكر أهل التفسير معنى الحديث «8» عن أبي هريرة «9» رضي الله عنه أن أبا جهل «10» وعد قريشا.. لئن رأى محمدا يصلي ليطأن رقبته.. فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلموه فأقبل.. فلما قرب منه ولى هاربا ناكصا «11» على عقبيه «12» متقيا بيديه.. فسئل فقال: لما دنوت

منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوي فيه.. وأبصرت هولا عظيما وخفق أجنحة قد ملأت الأرض.. فقال صلى الله عليه وسلم: «تلك الملائكة.. لو دنا لاختطفته عضوا عضوا» ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم «كلا إن الإنسان ليطغى «1» ..» إلى آخر السورة.

ويروى «2» أن شيبة «3» بن عثمان الحجبي أدركه يوم حنين «4» وكان حمزة «5» قد قتل أباه وعمه.. فقال: اليوم أدرك ثأري من محمد.. فلما اختلط الناس أتاه من خلفه، ورفع سيفه ليصبه عليه.

قال: فلما دنوت منه ارتفع إلي شواظ «6» من نار أسرع من البرق..

فوليت هاربا.. وأحس بي النبي صلى الله عليه وسلم.. فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إلي.. فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلي وقال لي: اذن فقاتل.. فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسي ولو لقيت أبي تلك الساعة لأوقعت به دونه.

وعن «1» فضالة «2» بن عمرو قال: أردت قتل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو يطوف بالبيت.. فلما دنوت منه قال: أفضالة؟ قلت: نعم.

قال: ما كنت تحدث به نفسك؟ .. قلت. لا شيء.. فضحك واستغفر لي.. ووضع يده على صدري فسكن قلبي.. فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه.

ومن «3» مشهور ذلك خبر عامر بن «4» الطفيل وأربد بن «5» قيس

حين وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم وكان عامر قال له: أنا أشغل عنك وجه محمد فاضربه أنت.. فلم يره فعل شيئا.. فلما كلمه في ذلك قال له:

والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك بيني وبينه أفأضربك؟ ..

ومن «1» عصمته له تعالى أن كثيرا من اليهود والكهنة أنذروا به لقريش وأخبروهم بسطوته بهم وحضوهم على قتله فعصمه الله تعالى حتى بلغ فيه أمره.

ومن ذلك نصره بالرعب أمامه مسيرة شهر كما قال صلى الله عليه وسلم..

الفصل السادس والعشرون معارفه وعلومه صلى الله عليه وسلم ص 693

ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين، ومعرفته بأمور شرائعه وقوانين دينه وسياسة عباده ومصالح أمته، وما كان في الأمم قبله وقصص الأنبياء والرسل والجبابرة والقرون الماضية من لدن آدم إلى زمنه، وحفظ شرائعهم وكتبهم ووعي سيرهم وسرد أنبائهم وأيام الله فيهم وصفات أعيانهم واختلاف آرائهم، والمعرفة بمددهم وأعمارهم وحكم حكمائهم، ومحاجة كل أمة من الكفرة، ومعارضة كل فرقة من الكتابيين بما في كتبهم..

وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها.. وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيروه.. إلى الاحتواء على لغات العرب.. وغريب ألفاظ فرقها.. والإحاطة بضروب فصاحتها.. والحفظ

لأيامها وأمثالها وحكمها ومعاني أشعارها والتخصيص بجوامع كلمها إلى المعرفة بضرب الأمثال الصحيحة والحكم البينة لتقريب التفهيم للغامض والتبيين للمشكل.. إلى تمهيد قواعد الشرع الذي لا تناقض فيه.. ولا تخاذل.. مع اشتمال شريعته على محاسن الأخلاق.. ومحامد الآداب.. وكل شيء مستحسن مفضل «1» ..

لم ينكر منه ملحد ذو عقل سليم شيئا إلا من جهة الخذلان.. بل كل جاحد له وكافر من الجاهلية به إذا سمع ما يدعو اليه صوبه واستحسن دون طلب إقامة برهان عليه.. ثم ما أحل لهم من الطيبات وحرم عليهم من الخبائث، وصان به أنفسهم وأعراضهم وأموالهم من المعاقبات والحدود عاجلا والتخويف بالنار آجلا مما لا يعلم علمه ولا يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على الكتب ومثافنة «2» بعض هذا إلى الاحتواء على ضروب العلم وفنون المعارف كالطب والعبارة «3» والفرائض «4» والحساب

والنسب وغير ذلك من العلوم مما اتخذ أهل المعارف كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة وأصولا في علمهم.

كقوله صلى الله عليه وسلم «1» «الرؤيا لأول عابر «2» وهي «3» على رجل طائر» «4» وقوله «5» «الرؤيا ثلاث: رؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان» .

وقوله «1» : «إذا تقارب «2» الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» وقوله: «3» «أصل كل داء البردة «4» .»

وما روي «5» عنه في حديث أبي هريرة «6» رضي الله عنه: «المعدة حوض البدن «7» والعروق إليها واردة» وإن كان هذا حديثا لا نصححه لضعفه وكونه موضوعا «8» .

تكلم عليه الدارقطني «1» .

وقوله «2» خبر ما تداويتم به السعوط «3» واللدود «4» والحجامة «5» والمشي «6» وخير «7» الحجامة يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين «8» .. وفي «9» العود الهندي سبعة أشفية منها ذات الجنب

وقوله «1» : «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن» .. إلى قوله: فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس..

وقوله «2» وقد سئل عن سبإ «3» أرجل هو أو امرأة أم أرض فقال: «رجل ولد عشرة تيامن «4» منهم ستة وتشأم «5» أربعة» الحديث بطوله.. وكذلك جوابه «6» في نسب قضاعة «7» . وغير ذلك مما اضطرت العرب على شغلها بالنسب إلى سؤاله عما اختلفوا فيه من ذلك وقوله: «8» «حمير «9» رأس العرب ونابها

ومذحج «1» هامتها «2» وغلصمتها «3» والأزد «4» كاهلها «5» وجمجمتها «6» وهمدان غاربها «7» وذروتها» «8» .

وقوله: «9» «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض» وقوله «10» في الحوض «11» : «زواياه سواء» «12» .

وقوله «13» في حديث الذكر: «وإن الحسنة بعشر أمثالها فتلك مئة

وخمسون على اللسان وألف وخمسمئة في الميزان» «1» . وقوله «2» وهو بموضع: «نعم موضع الحمام «3» هذا» .. وقوله: « «4» ما بين المشرق والمغرب قبلة «5» » . وقوله «6» لعيينة «7» أو الأقرع: «8» . «أنا أفرس «9» بالخيل منك» وقوله «10» لكاتبه: «ضع القلم على أذنك فإنه أذكر «11» للممل» «12» ..

هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولكنه أوتي علم كل شيء حتى قد

وردت آثار بمعرفته حروف الخط وحسن تصويرها.

كقوله «1» : «لا تمدوا «2» بسم الله الرحمن الرحيم» رواه ابن شعبان «3» عن طريق ابن عباس «4» وقوله «5» في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية «6» أنه كان يكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال له: «ألق الدواة «7» وحرف القلم «8» وأقم الباء «9» وفرق السين «10» ولا تعور الميم «11» وحسن الله «12» ، ومد الرحمن «13» وجود الرحيم «14»

وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة.

وأما علمه صلى الله عليه وسلم بلغات العرب وحفظه معاني أشعارها فأمر مشهور.. قد نبهنا على بعضه أول الكتاب. وكذلك حفظه لكثير من لغات الأمم.

كقوله في الحديث «1» سنه سنه «2» وهي «حسنة» بالحبشية «3» وقوله «4» ويكثر «الهرج» «5» وهو «القتل» بها «6» .

وقوله «7» في حديث أبي هريرة «8» «أشكنب دردم «9» » أي

«وجع البطن» بالفارسية إلى غير ذلك.. مما لا يعلم بعض هذا ولا يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على الكتب ومثافنة «1» أهلها عمره.. وهو رجل كما قال الله تعالى:

«أمي» لم يكتب ولم يقرأ ولا عرف بصحبة من هذه صفته..

ولا نشأ بين قوم لهم علم ولا قراءة لشيء من هذه الأمور.. ولا عرف هو قبل بشيء منها.

قال الله تعالى: «وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك «2» » الآية إنما كانت غاية معارف العرب النسب وأخبار أوائلها والشعر والبيان.. وإنما حصل ذلك لهم بعد التفرع لعلم ذلك.. واشتغال بطلبه ومباحثة أهله عنه.. وهذا الفن نقطة من بحر علمه صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى جحد الملحد بشيء مما ذكرناه.. ولا وجد الكفرة حيلة في دفع ما نصصناه إلا قولهم

«أساطير الأولين «1» » «إنما يعلمه بشر «2» » فرد الله قولهم بقوله «لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين «3» » ثم ما قالوه مكابرة العيان.. فإن الذي نسبوا تعليمه إليه إما سلمان «4» أو العبد «5» الرومي..

وسلمان إنما عرفه بعد الهجرة ونزول الكثير من القرآن..

وظهور ما لا ينعد من الآيات وأما الرومي فكان أسلم.. وكان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم.

واختلف في اسمه وقيل بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عنده عند المروة

وكلاهما أعجمي اللسان.. وهم الفصحاء اللد «1» ، والخطباء اللسن «2» قد عجزوا عن معارضة ما أتى به.. والإتيان بمثله بل عن فهم وصفه وصورة تأليفه ونظمه فكيف بأعجمي ألكن «3» نعم وقد كان سلمان «4» أو بلعام «5» الرومي أو يعيش «6» أو جبر «7» أو يسار «8» على اختلافهم في اسمه بين أظهرهم يكلمونه مدى أعمارهم فهل حكي عن واحد منهم شيء من مثل ما كان يجيء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهل عرف واحد منهم بمعرفة شيء من ذلك؟ .. وما منع العدو حينئذ على كثرة عدده ودؤوب «9» طلبه وقوة حسده أن يجلس إلى هذا فيأخذ عنه أيضا ما يعارض به.. ويتعلم منه ما يحتج به على شيعته كفعل النضر بن «10» الحارث بما كان يمخرق «11» به من أخبار

كتبه.. ولا غاب النبي صلى الله عليه وسلم عن قومه ولا كثرت اختلافاته إلى بلاد أهل الكتاب فيقال إنه استمد منهم.. بل لم يزل بين أظهرهم يرعى في صغره وشبابه على عادة أنبيائهم ثم لم يخرج عن بلادهم إلا في سفرة أو سفرتين «1» لم يطل فيهما مكثه مدة يحتمل فيها تعليم القليل.. فكيف الكثير!!. بل كان في سفره في صحبة قومه ورفاقة عشيرته لم يغب عنهم.. ولا خالف حاله مدة مقامه بمكة من تعليم واختلاف إلى حبر «2» أو قس «3» أو منجم أو كاهن «4» ..

بل لو كان هذا بعد «5» كله لكان مجيء ما أتى به في معجز القرآن قاطعا لكل عذر ومدحضا لكل حجة ومجليا «6» لكل أمر..

الفصل السابع والعشرون أنباؤه مع الملائكة والجن ص 707

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم وكراماته، وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة والجن، وإمداد الله له بالملائكة، وطاعة الجن له، ورؤية كثير من أصحابه لهم..

قال الله تعالى: «وإن تظاهرا «1» عليه «2» فإن الله هو مولاه «3» وجبريل «4» » الآية.

وقال «5» «إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا» .

وقال: «إذ تستغيثون «1» ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم..» «2» الآيتين.

وقال: «وإذ صرفنا «3» إليك نفرا «4» من الجن يستمعون القرآن» «5» الآية.

عن «6» عبد الله «7» قال: «لقد رأى من آيات ربه الكبرى «8» قال «9» رأى جبريل عليه السلام في صورته له ستمئة جناح.

والخبر «10» في محادثته مع جبريل وإسرافيل «11» وغيرهما من

الملائكة، وما شاهده من كثرتهم وعظم صور بعضهم ليلة الإسراء مشهور.. وقد رآهم بحضرته جماعة من أصحابه في مواطن مختلفة.

فرأى «1» أصحابه جبريل عليه السلام في صورة رجل يسأله عن الإسلام والإيمان. ورأى «2» ابن عباس «3» وأسامة «4» بن زيد وغيرهما عنده جبريل «5» في صورة دحية «6» . ورأى «7» سعد «8» على يمينه ويساره جبريل وميكائيل «9» في صورة رجلين عليهما ثياب بيض. ومثله عن غير واحد وسمع «10» بعضهم زجر «11» الملائكة خيلها

يوم بدر وبعضهم «1» رأى تطاير الرؤوس من الكفار ولا يرون الضارب ورأى «2» أبو سفيان «3» بن الحارث يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق «4» بين السماء والأرض ما يقوم لها شيء وقد كانت «5» الملائكة تصافح عمران «6» بن حصين وأرى «7» النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة «8» جبريل في الكعبة فخر مغشيا عليه..

ورأى «1» عبد الله بن مسعود «2» الجن ليلة «3» الجن وسمع كلامهم وشبههم برجال الزط «4» .

وذكر ابن سعد «5» أن مصعب بن عمير «6» لما قتل يوم أحد أخذ الراية ملك على صورته فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: تقدم يا مصعب..

فقال له الملك: لست بمصعب فعلم أنه ملك «7» .

وقد ذكر غير واحد من المصنفين «8» عن عمر بن الخطاب «9» رضي الله عنه أنه قال: بينا نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل شيخ بيده

عصا.. فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه ... وقال صلى الله عليه وسلم: «نغمة الجن «1» » .

من أنت؟ .. قال: «أنا هامة بن الهيم «2» بن لا قس «3» بن إبليس «4» » .. فذكر أنه لقي نوحا «5» ومن بعده في حديث طويل «6» وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه سورا من القرآن.

وذكر «7» الواقدي «8» قتل خالد «9» عند هدمه للعزى «10» للسوداء «11» التي خرجت له ناشرة شعرها عريانة فجزلها «12» بسيفه وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم

فقال له: تلك العزى.

وقال «1» صلى الله عليه وسلم: (إن شيطانا «2» تفلت «3» البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه.. فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية «4» من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم.. فذكرت دعوة أخي سليمان «5» «رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي «6» » فرده الله خاسئا «7» ) وهذا باب واسع.

الفصل الثامن والعشرون أخباره وصفاته وعلامات رسالته عند أحبار ورهبان وعلماء ذلك الزمان ص 714

ومن دلائل نبوته وعلامات رسالاته ما ترادفت به الأخبار عن الرهبان والأحبار وعلماء أهل الكتب عن صفته وصفة أمته واسمه وعلاماته ... وذكر الخاتم الذي بين كتفيه. وما وجد من ذلك في أشعار الموحدين المتقدمين «1» من شعر تبع «2» والأوس «3»

بن حارثة وكعب بن «1» لؤي وسفيان «2» بن مجاشع. وقس «3» بن ساعدة..

وما ذكر عن سيف بن «1» ذي يزن وغيرهم.

وما عرف به من أمره زيد بن «2» عمرو بن نفيل وورقة «3» ابن نوفل وعثكلان «4» الحميري وعلماء يهود «5» وشامول «6»

عالمهم صاحب تبع من صفته وخبره وما ألفي «1» من ذلك في التوراة والإنجيل مما قد جمعه العلماء وبينوه ونقله عنهما ثقات ممن «2» أسلم منهم مثل: ابن سلام «3» وبني سعية «4» وابن «5» يا مين ومخيريق «6»

وكعب «1» وأشباههم ممن أسلم من علماء يهود وبحيراء «2» ونصطور «3» الحبشة وصاحب «4» بصرى وضغاطر «5» وأسقف «6» الشام والجارود «7»

وسلمان «1» وتميم «2» والنجاشي «3» ونصارى الحبشة «4» وأساقف «5» نجران «6» وغيرهم ممن أسلم من علماء النصارى.

وقد اعترف بذلك هرقل «7» وصاحب «8» رومة «9» عالما

وهم رئيسا النصارى ومقوقس «1» صاحب مصر والشيخ «2» صاحبه وابن صوريا «3» وابن أخطب «4» وأخوه 5، وكعب «6» بن

أسد والزبير «1» بن باطيا وغيرهم من علماء اليهود ممن حمله الحسد «2» والنفاسة «3» على البقاء على الشقاء.

والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر وقد قرع «4» أسماع اليهود والنصارى بما ذكر أنه في كتبهم من صفته وصفة أصحابه.. واحتج عليهم بما انطوت عليه من ذلك صحفهم «5» .. وذمهم بتحريف ذلك وكتمانه وليهم «6» ألسنتهم ببيان أمره.. ودعوتهم إلى

المباهلة «1» على الكاذب فما منهم إلا نفر عن معارضته وإبداء ما ألزمهم من كتبهم إظهاره ولو وجدوا خلاف قوله.. لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والأموال وتخريب الديار ونبذ القتال

وقد قال لهم «قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين «2» » إلى ما أنذر به الكهان «3» مثل شافع «4» بن كليب وشق «5» وسطيح «6» وسواد «7» بن قارب

وخنافر «1» وأفعى «2» نجران وجذل «3» بن جذل الكندي وابن خلصة «4» الدوسي وسعد «5» بن بنت كريز وفاطمة بنت النعمان «6» ومن لا ينعد كثرة.

إلى ما ظهر على ألسنة الأصنام «1» من نبوته وحلول وقت رسالته.. وسمع من هواتف الجان «2» ومن ذبائح «3» النصب «4» وأجواف الصور «5» وما وجد من اسم النبي صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالرسالة مكتوبا في الحجارة والقبور بالخط القديم ما أكثره مشهور «6»

وإسلام من أسلم بسبب ذلك معلوم مذكور.

الفصل التاسع والعشرون ما حدث عند مولده صلى الله عليه وسلم ص 725

ومن ذلك ما ظهر من الآيات عند مولده، وما حكته أمه ومن حضره من العجائب «1» ..

وكونه «2» رافعا رأسه عند ما وضعته شاخصا ببصره الى السماء وما «3»

رأته من النور الذي خرج معه عند ولادته «1» وما «2» رأته إذ ذاك أم عثمان «3» بن أبي العاص من تدلي النجوم وظهور النور عند ولادته حتى ما تنظر إلا النور وقول «4» الشفاء «5» أم عبد الرحمن بن عوف: لما سقط صلى الله عليه وسلم على يدي واستهل «6» سمعت قائلا يقول: رحمك الله «7» ... وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم وما «8» تعرفت به حليمة «9» وزوجها «10»

ظئراه «1» من بركته وورود لبنها له ولبن شارفها «2» وخصب «3» غنمها وسرعة شبابه وحسن نشأته.

وما «4» جرى من العجائب ليلة مولده من ارتجاج إيوان «5» كسرى «6» ، وسقوط شرفاته «7» ، وغيض «8» بحيرة «9»

طبرية «1» وخمود نار فارس، وكان لها ألف عام لم تخمد «2» ، وأنه «3» كان إذا أكل مع عمه أبي طالب «4» وآله وهو صغير شبعوا ورووا «5» فإذا «6» غاب فأكلوا في غيبته لم يشبعوا «7» وكان سائر «8» ولد أبي طالب

يصبحون شعثا «1» ويصبح صلى الله عليه وسلم صقيلا «2» دهينا «3» كحيلا «4» قالت «5» أم أيمن «6» حاضنته «7» : ما رأيته صلى الله عليه وسلم شكى جوعا ولا عطشا صغيرا ولا كبيرا.

ومن «8» ذلك حراسة السماء بالشهب «9» وقطع رصد «10» الشياطين ومنعهم استراق السمع.

وما «11» نشأ عليه من بغض الأصنام، والعفة عن أمور الجاهلية وما خصه الله به من ذلك وحماه حتى في ستره في الخبر المشهور «12» عند بناء الكعبة إذ أخذ إزاره ليجعله على عاتقه «13» ليحمل عليه الحجارة

وتعرى فسقط إلى الأرض حتى رد إزاره عليه.. فقال له عمه:

ما بالك فقال: إني نهيت عن التعري.

ومن ذلك «1» إظلال الله له بالغمام في سفره وفي رواية «2» أن خديجة «3» ونساءها رأينه لما قدم وملكان يظلانه فذكرت ذلك لميسرة «4» فأخبرها أنه رأى ذلك منذ خرج معه في سفره. وقد روي «5» أن حليمة «6» رأت غمامة تظله وهو عندها وروي ذلك عن أخيه من الرضاعة ومن ذلك «7» أنه نزل في بعض أسفاره قبل مبعثه تحت شجرة يابسة فاعشو شب ما حولها وأينعت هي فأشرقت وتدلت عليه أغصانها بمحضر من رآه وميل فيء «8» الشجرة إليه في الخبر الآخر حتى أظلته وما ذكر «9» من أنه كان لاظل لشخصه في شمس ولا قمر لأنه كان نورا..

وأن «1» الذباب كان لا يقع على جسده ولا ثيابه ومن ذلك «2» تحبيب الخلوة إليه حتى أوحي إليه ثم «3» إعلامه بموته ودنو أجله وأن قبره «4» في المدينة وفي «5» بيته وأن بين بيته وبين منبره روضة من رياض الجنة.

وتخيير «6» الله له عند موته وما اشتمل «7» عليه حديث الوفاة من كراماته وتشريفه وصلاة الملائكة على جسده على ما رويناه في بعضها.. واستئذان ملك الموت عليه.. ولم يستأذن على غره قبله وندائهم «8» الذي سمعوه: «لا تنزعوا القميص عنه عند غسله» وما روي «9»

من تعزية الخضر «1» والملائكة أهل بيته عند موته إلى ما ظهر على أصحابه من كرامته وبركته في حياته وموته. كاستسقاء عمر «2» بعمه «3» وتبرك غير واحد بذريته..

الفصل الثلاثون خاتمة وتذييل ص 733

قال القاضي أبو الفضل رحمه قد أتينا في هذا الباب على نكت «1» من معجزاته واضحة، وجمل من علامات نبوته مقنعة، في واحد منها الكفاية والغنية، وتركنا الكثير سوى ما ذكرنا واقتصرنا من الأحاديث الطوال على عين الغرض، وفص «2» المقصد، ومن كثير الأحاديث وغريبها على ما صح واشتهر إلا يسيرا من غريبه مما ذكره مشاهير الأئمة.

وحذفنا الإسناد في جمهورها طلبا للاختصار وبحسب هذا الباب لو تقصي «3» أن يكون ديوانا «4» جامعا يشتمل على مجلدات

عدة. ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين:

أحدهما كثرتها وأنه لم يؤت نبي معجزة إلا وعند نبينا مثلها أو ما هو أبلغ منها..

وقد نبه الناس على ذلك.. فإن أردته فتأمل فصول هذا الباب ومعجزات من تقدم من الأنبياء تقف على ذلك إن شاء الله.

وأما كونها كثيرة فهذا القرآن وكله معجز وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين سورة «1» «إنا أعطيناك الكوثر «2» » أو آية في قدرها.

وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه- كيف كانت- معجزة.

وزاد آخرون أن كل جملة منتظمة منه معجزة- وإن كانت من كلمة أو كلمتين. والحق ما ذكرناه أولا لقوله تعالى: «فأتوا بسورة من مثله «3» » فهو أقل ما تحداهم به مع ما ينصر هذا من نظر وتحقيق يطول بسطه.. وإذا كان هذا ففي القرآن من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم «4» وعدد

كلمات «إنا أعطيناك الكوثر» عشر كلمات فتجزيء القرآن على نسبة عدد «إنا أعطيناك الكوثر» أزيد من سبعة آلاف جزء كل واحد منها معجز في نفسه ثم إعجازه كما تقدم بوجهين:

طريق بلاغته وطريق نظمه فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان فتضاعف العدد من هذا الوجه.

ثم فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار بعلوم الغيب.. فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء من الغيب.. كل خبر منها بنفسه معجز.. فتضاعف العدد كرة أخرى ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب التضعيف..

هذا في حق القرآن.. فلا يكاد يأخذ العد معجزاته.. ولا يحوي الحصر براهينه..

ثم الأحاديث الواردة والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب.. وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحوا من هذا- الوجه الثاني وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم.. فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه.. فلما كان زمن موسى غاية علم أهله السحر بعث إليهم موسى بمعجزة تشبه

ما يدعون قدرتهم عليه. فجاءهم منها ما خرق عادتهم ولم يكن في قدرتهم وأبطل سحرهم.

وكذلك زمن عيسى أغنى ما كان الطب وأوفر ما كان أهله فجاءهم أمر لا يقدرون عليه وأتاهم ما لم يحتسبوه من إحياء الميت وإبراء الأكمه «1» والأبرص دون معالجة ولا طب وهكذا سائر معجزات الأنبياء.

ثم إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وجملة معارف العرب وعلومها أربعة.. البلاغة والشعر والخبر «2» والكهانة «3» .

فأنزل الله عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من الفصاحة والإيجاز والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم.. ومن النظم الغريب والأسلوب العجيب.. الذي لم يهتدوا في المنظوم الى طريفه ولا علموا في أساليب الأوزان منهجه ومن الأخبار عن الكوائن «4» والحوادث والاسرار والمخبئآت والضمائر فتوجد على ما كانت ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك وصدقه، وإن كان أعدى العدو.

فأبطل الكهانة التي تصدق مرة وتكذب عشرا. ثم اجتثها «1» من أصلها برجم الشهب «2» ، ورصد «3» النجوم..

وجاء من الأخبار عن القرون السالفة وأنباء الأنبياء والأمم البائدة، والحوادث الماضية ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على الوجوه التي بسطناها وبينا المعجز فيها ثم بقيت هذه المعجزة الجامعة لهذه الوجوه إلى الفصول الأخرى التي ذكرناها في معجزات القرآن ثابتة إلى يوم القيامة بينة الحجة لكل أمة تأتي لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه وتأمل وجوه إعجازه إلى ما أخبر به من العيوب على هذه السبيل.. فلا يمر عصر ولا زمن إلا ويظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما أخبر فيتجدد الإيمان ويتظاهر البرهان، وليس الخبر كالعيان، للمشاهدة زيادة في اليقين، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين..

وإن كان كل عندها حقا وسائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم وعدمت بعدم ذواتها ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع

وآياته تتجدد ولا تضمحل، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن «1» النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر.. وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي.. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. هذا معنى الحديث عند بعضهم وهو الظاهر والصحيح إن شاء الله.

وذهب غير واحد من العلماء في تأويل هذا الحديث وظهور معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى معنى آخر من ظهورها بكونها وحيا وكلاما لا يمكن التخيل فيه ولا التحيل عليه ولا التشبيه فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام المعاندون لها بأشياء طمعوا في التخييل بها على الضعفاء كإلقاء السحرة حبالهم وعصيهم وشبه هذا مما يخيله الساحر أو يتحيل فيه.

والقرآن كلام ليس للحيلة ولا للسحر ولا للتخييل فيه عمل..

فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات.. كما لا يتم لشاعر ولا خطيب أن يكون شاعرا أو خطيبا بضرب من الحيل والتمويه والتأويل الأول أخلص وأرضى.. وفي هذا التأويل

الثاني ما يغمض عليه الجفن ويغضى. وجه ثالث على من قال بالصرفة «1» . وأن المعارضة كانت في مقدور البشر فصرفوا عنها أو على أحد مذهبي أهل السنة من أن الإتيان بمثله من جنس مقدورهم..

ولكن لم يكن ذلك قبل ولا يكون بعد لأن الله تعالى لم يقدرهم ولا يقدرهم عليه.. وبين المذهبين فرق بين وعليهما جميعا فترك العرب الإتيان بما في مقدورهم أو ما هو من جنس مقدورهم.

ورضاهم بالبلاء والجلاء والسباء والإذلال وتغيير الحال..

وسلب النفوس والأموال.. والتقريع.. والتوبيخ.. والتعجيز..

والتهديد والوعيد.. أبين آية للعجز عن الإتيان بمثله والنكول عن معارضته.. وأنهم منعوا عن شيء هو من جنس مقدورهم..

وإلى هذا ذهب الإمام أبو المعالي الجويني «2» وغيره قال:

وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة بالأفعال البديعة في أنفسها كقلب العصاحية ونحوها فإنه قد يسبق إلى بال الناظر بدارا «3» أن ذلك

من اختصاص صاحب ذلك بمزيد معرفة في ذلك الفن وفضل علم..

إلى أن يرد ذلك صحيح النظر.. وأما التحدي للخلائق المئين من السنين بكلام من جنس كلامهم ليأتوا بمثله فلم يأتوا.. فلم يبق بعد توفر الدواعي على المعارضة ثم عدمها إلا أن منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبي: آيتي أن يمنع الله القيام عن الناس مع مقدرتهم عليه وارتفاع الزمانة عنهم.. فلو كان ذلك وعجزهم الله تعالى عن القيام لكان من أبهر آية وأظهر دلالة.. وبالله التوفيق.

وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء حتى احتاج للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم.. وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم.. وغيرهم من القبط وبني إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل. بل كانوا من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جور عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري «1» ذلك

في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم» »

فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه، ومع هذا فقالوا «2» : «لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة «3» » ولم يصبروا على المن «4» والسلوى «5» ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير «6» .

والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه. ولما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم إيمانا، ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم، وقتلوا آباءهم وأبناءهم في

نصرته وأتي في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج «1» لو احتيج إليه وحقق..

لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغني عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها.

وبالله أستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.

النص من طبعة دار الفيحاء بعمّان لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.