اعلم أن في كتاب الله عز وجل آيات كثيرة مفعمة بجميل ذكر المصطفى وعد محاسنه وتعظيم أمره وتنويه قدره اعتمدنا منها على ما ظهر معناه وبان فحواه وجمعنا ذلك في:
عشرة فصول
اعلم أن في كتاب الله عز وجل آيات كثيرة مفعمة بجميل ذكر المصطفى وعد محاسنه وتعظيم أمره وتنويه قدره اعتمدنا منها على ما ظهر معناه وبان فحواه وجمعنا ذلك في:
عشرة فصول
كقوله تعالى «لقد جاءكم رسول من أنفسكم «1» » الآية ... قال السمرقندي «2» : وقرأ بعضهم «من أنفسكم «3» » بفتح الفاء، وقراءة الجمهور بالضم..
قال القاضي أبو الفضل: «4» أعلم الله تعالى المؤمنين، أو العرب أو أهل مكة، أو جميع الناس على اختلاف المفسرين، من المواجه بهذا الخطاب، أنه بعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه،
ويتحققون مكانه، ويعلمون صدقه وأمانته، فلا يتهمونه بالكذب وترك النصيحة لهم لكونه منهم، وأنه لم تكن قبيلة في العرب «1» إلا ولها على «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم ولادة «3» ، أو قرابة «4» ..
وهو «5» عند ابن عباس «6» وغيره: معنى قوله تعالى
«إلا المودة في القربى» «1» وكونه من أشرفهم، وأرفعهم، وأفضلهم على قراءة الفتح ... وهذه نهاية المدح.
ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على هدايتهم ورشدهم وإسلامهم. وشدة ما يعنتهم «2» ويضر بهم في دنياهم وأخراهم، وعزته»
عليه ورأفته ورحمته بمؤمنهم «4» .
قال بعضهم «5» : أعطاه اسمين من أسمائه رؤوف رحيم. ومثله في الآية الأخرى «6» «لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم «7» » الآية.
وقوله تعالى «1» : «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم «2» » الآية.
وقوله تعالى: «كما أرسلنا فيكم رسولا منكم «3» » الآية..
وروي عن علي «4» عنه صلى الله عليه وسلم «5» في قوله تعالى من أنفسكم قال: «نسبا وصهرا وحسبا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلها نكاح «6» » .
قال ابن الكلبي «7» : كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة «8» أم فما وجدت
فيهن سفاحا ولا شيئا مما كانت عليه الجاهلية «1» .
عن ابن عباس «2» رضي الله عنهما في قوله تعالى: «وتقلبك في الساجدين» «3» قال: (من نبي إلى نبي حتى أخرجتك «4» نبيا) «5»
وقال جعفر «6» بن محمد: علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته، فأقام بينه وبينهم «7» مخلوقا من جنسهم في الصورة، ألبسه من نعته الرأفة والرحمة وأخرجه إلى الخلق سفيرا صادقا، وجعل طاعته طاعته، وموافقته موافقته، فقال تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع الله» «8» .
وقال تعالى «1» : «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» «2» .
قال أبو بكر محمد «3» بن طاهر «4» : زين الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب.
ألا ترى أن الله تعالى يقول: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» فكانت حياته رحمة ومماته رحمة.
كما قال عليه الصلاة والسلام «5» : «حياتي خير لكم، وموتي خير لكم» .
وكما قال «6» عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله رحمة بأمة «7»
قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا «1» وسلفا» .
وقال السمرقندي «2» : «رحمة للعالمين» يعني للجن والإنس.
وقيل: لجميع الخلق. للمؤمن رحمة بالهداية ورحمة للمنافق بالأمان من القتل ورحمة للكافر بتأخير العذاب.
قال ابن عباس «3» رضي الله عنهما «4» : هو رحمة للمؤمنين والكافرين إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة
وحكي»
: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: «هل أصابك من هذه الرحمة شيء قال: «نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله «ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين» «6» .
وروي عن جعفر «7» بن محمد الصادق في قوله تعالى: «فسلام
لك من أصحاب اليمين» «1»
أي بك
.....
إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال الله تعالى: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة» «2» الآية.
قال كعب «3» الأحبار وابن جبير «4» : المراد بالنور الثاني هنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى «مثل نوره» أي نور محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال «5» سهل بن «6» عبد الله: المعنى:
الله هادي أهل السماوات والأرض «1» .
ثم قال «2» : مثل نور محمد إذ كان مستودعا في الأصلاب «كمشكاة «3» » صفتها «4» كذا ...
وأراد ب «المصباح» قلبه، و «الزجاجة» صدره ... أي كأنه كوكب «5» دري «6» لما فيه من الإيمان والحكمة «يوقد من شجرة مباركة» أي من نور ابراهيم عليه السلام «7» .
وضرب المثل بالشجرة المباركة.
وقوله: «يكاد زيتها يضيء» أي تكاد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تبين للناس قبل كلامه كهذا الزيت.
وقد قيل «8» في هذه الآية غير هذا والله أعلم.
وقد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا الموضع نورا وسراجا منيرا، فقال تعالى: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين» «1»
وقال تعالى: «إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا» «2» .
ومن هذا قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك» «3» إلى آخر السورة «شرح» وسع. والمراد «بالصدر» هنا القلب.
قال ابن عباس «4» رضي الله عنهما «5» : شرحه «بنور «6» الإسلام» .
وقال سهل «7» : «بنور الرسالة» .
وقال الحسن «8» : «ملأه حكما وعلما» .
وقيل معناه: «ألم يطهر قلبك حتى لا يقبل «1» الوسواس» «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك» «2» .
قيل: «ما سلف من ذنبك- يعني قبل النبوة» -.
وقيل: «أراد ثقل أيام الجاهلية» .
وقيل: «أراد ما أثقل ظهره من الرسالة حتى بلغها» .
حكاه الماوردي «3» والسلمي «4» .
وقيل: «عصمناك، ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك» .
حكاه السمرقندي. «5» :
«ورفعنا لك ذكرك» «6» قال يحيى «7» بن آدم: «بالنبوة» .
وقيل: «إذا ذكرت ذكرت معي»
في قول لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقيل: في الأذان «2» .
قال القاضي الفقيه أبو الفضل: هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه صلى الله عليه وسلم على عظيم نعمه لديه، وشريف منزلته عنده، وكرامته عليه، بأن شرح قلبه للإيمان والهداية، ووسعه لوعي العلم وحمل الحكمة، ورفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه، وبغضه لسيرها وما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله، وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم، وتنويهه بعظيم مكانه، وجليل رتبته، ورفعة ذكره وقرانه مع اسمه اسمه ...
قال قتادة «3» : «رفع الله تعالى ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» .
وروى أبو سعيد «1» الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «2» : «أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربي وربك يقول:
تدري «3» كيف رفعت ذكرك؟ .. قلت «4» : الله ورسوله «5» أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي..»
قال ابن عطاء «6» : جعلت تمام الإيمان بذكرك معي. «7» » .
وقال «8» أيضا: «جعلتك ذكرا من ذكري، فمن ذكرك ذكرني» .
وقال جعفر «9» بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا
ذكرني بالربوبية. وأشار بعضهم «1» في ذلك إلى مقام الشفاعة ...
ومن ذكره معه تعالى أن قرن طاعته بطاعته واسمه باسمه.
فقال تعالى: «وأطيعوا الله والرسول» «2» ... و «آمنوا بالله ورسوله» «3» ... فجمع بينهما بواو العطف المشركة..
ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه صلى الله عليه وسلم..
عن حذيفة «4» رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «5» : «لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن، ما شاء الله ثم شاء فلان..»
قال الخطابي «6» : أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة من سواه، واختارها ب «ثم» التي هي للنسق والتراخي بخلاف «الواو» التي هي للاشتراك..
ومثله الحديث الآخر: «أن خطيبا «1» خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما «2» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بئس خطيب القوم أنت. قم «3» . أو قال: اذهب» قال أبو سليمان «4» : كره منه الجمع بين الاسمين بحرف الكناية «5» لما فيه من التسوية..
وذهب غيره إلى أنه إنما كره له الوقوف على «يعصهما» وقول أبي سليمان أصح.. لما روي في الحديث الصحيح أنه قال:
«ومن يعصهما فقد غوى» ولم يذكر الوقوف على يعصهما.
وقد اختلف المفسرون وأصحاب المعاني «6» في قوله تعالى: «إن الله وملائكته يصلون على النبي» «7» هل «يصلون» راجعة على الله تعالى والملائكة!! أم لا..
فأجازه بعضهم.
ومنعه آخرون لعلة التشريك.. وخصوا الضمير بالملائكة.
وقدروا الآية «إن الله» يصلي «وملائكته يصلون» .
روي «1» عن عمر «2» رضي الله عنه أنه قال: «من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته «3» ، فقال تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع الله «4» .» وقد قال تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم «5» الله» «6» .
وروي «7» أنه لما نزلت هذه الآية قالوا»
: «إن محمدا يريد أن نتخذه حنانا «9» كما اتخذت النصارى عيسى» .. فأنزل
الله تعالى «قل أطيعوا الله والرسول «1» » .. فقرن طاعته بطاعته رغما لهم.
وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى في أم الكتاب:
«اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم «2» » فقال أبو العالية «3» والحسن «4» البصري: «الصراط المستقيم» هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيار أهل بيته وأصحابه حكاه عنهما «5» أبو الحسن الماوردي «6» .
وحكى مكي «7» عنهما نحوه «8» ، وقال: «هو رسول
الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما» .
وحكى أبو الليث السمرقندي «1» مثله عن أبي العالية في قوله تعالى: «صراط الذين أنعمت عليهم «2» » .
فبلغ ذلك الحسن «3» فقال: «صدق والله ونصح» .
وحكى الماوردي «4» ذلك في تفسير «صراط الذين أنعمت عليهم» عن عبد الرحمن «5» بن زيد.
وحكى أبو عبد الرحمن «6» السلمي عن بعضهم في تفسير قوله تعالى: «فقد استمسك بالعروة الوثقى «7» » إنه محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: «الاسلام»
وقيل: «شهادة التوحيد»
وقال سهل «1» في قوله تعالى: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» «2» قال: نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: «والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون» «3» الآيتين.
أكثر المفسرين على أن «الذي جاء بالصدق» هو محمد صلى الله عليه وسلم.
قال بعضهم: وهو الذي «صدق به» .
وقرىء: «صدق به» بالتخفيف.
وقال غيرهم «4» : الذي «صدق به» المؤمنون.
وقيل: أبو بكر «5» .
وقيل: علي.
وقيل غير هذا من الأقوال.
وعن مجاهد «1» في قوله تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» «2» قال: بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه «3» .
قال الله تعالى: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا «1» » .. الآية.
جمع الله تعالى له في هذه الآية ضروبا من رتب الأثرة «2» ، وجملة أوصاف من المدحة فجعله «شاهدا» على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة.. وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم..
«ومبشرا» لأهل طاعته ...
«ونذيرا» لأهل معصيته ...
«وداعيا» إلى توحيده وعبادته ...
«وسراجا منيرا» يهتدى به للحق ...
عن عطاء بن يسار «1» قال: لقيت عبد الله بن عمرو «2» بن العاص «3» فقلت «4» : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل «5» ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا»
للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ «7» ولا غليظ، ولا صخاب «8» في الأسواق، ولا يدافع بالسيئة «9»
السيئة «1» ، ولكن يعفوا ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء. بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا ...
وذكر مثله «2» عن عبد الله بن سلام «3» وكعب الأحبار «4» :
وفي بعض طرقه «5» عن ابن «6» إسحاق «7» : ولا صخب في الأسواق ولا متزين «8» بالفحش، ولا قوال للخنا «9» ، أسدده لكل جميل،
وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره «1» والتقوى ضميره «2» ، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه «3» والإسلام ملته، وأحمد اسمه.
أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة «4» وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتة، وأمم متفرقة، واجعل أمته خير أمة أخرجت للناس.
وفي حديث آخر «5» : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفته في
التوراة «عبدي أحمد المختار. مولده بمكة، ومهاجره بالمدينة- أو قال طيبة- أمته الحمادون لله على كل حال» .
وقال تعالى: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي» «1» الآيتين.
وقد قال تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم «2» » الآية.
قال السمرقندي «3» : ذكرهم «4» الله تعالى منته أنه «5» جعل رسوله صلى الله عليه وسلم رحيما بالمؤمنين، رؤوفا لين الجانب؛ ولو كان فظا خشنا في القول لتفرقوا من حوله. ولكن جعله الله تعالى سمحا سهلا طلقا برا لطيفا.
هكذا قاله الضحاك «6» .
وقال تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء
على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» «1» .
قال أبو الحسن القابسي «2» : أبان الله تعالى فضل نبينا صلى الله عليه وسلم وفضل أمته بهذه الآية.
وفي قوله في الآية الأخرى: «وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس» «3» .
وكذلك قوله تعالى: «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد «4» » الآية.
وقوله تعالى: «وسطا» أي عدولا «5» خيارا ومعنى هذه الآية: «6» وكما هديناكم فكذلك خصصناكم وفضلناكم بأن جعلناكم أمة خيارا عدولا، لتشهدوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أممهم، ويشهد لكم الرسول بالصدق.
قيل: «1» إن الله جل جلاله إذا سأل الأنبياء هل بلغتم؟! فيقولون نعم. فتقول أممهم: «ما جاءنا من بشير ولا نذير» «2» فتشهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء، ويزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل معنى الآية:
إنكم حجة على كل من خالفكم والرسول صلى الله عليه وسلم حجة عليكم..
حكاه السمرقندي» .
وقال تعالى: «وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم» «4» .
قال قتادة «5» والحسن «6» وزيد بن أسلم «7» : «قدم صدق» هو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم «8» .
وعن الحسن أيضا «1» هي مصيبتهم بنبيهم.
وعن أبي سعيد «2» الخدري رضي الله عنه: هي شفاعة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم «3» . هو شفيع صدق عند ربهم.
وقال سهل بن عبد الله «4» التستري: هي سابقة رحمة أودعها في محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال محمد «5» بن علي الترمذي: هو إمام الصادقين والصديقين الشفيع المطاع والسائل المجاب محمد صلى الله عليه وسلم.. حكاه عنه السلمي «6» .
فمن ذلك قوله تعالى: «عفا الله عنك لم أذنت لهم «1» » .
قال أبو «2» محمد مكي «3» : قيل: هذا افتتاح كلام بمنزلة:
أصلحك الله، وأعزك الله.
وقال عون «4» بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب.
حكى السمرقندي «5» عن بعضهم أن معناه: عافاك الله يا سليم القلب، لم أذنت لهم.
قال «1» : ولو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «لم أذنت لهم» لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام. لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن «2» قلبه.
ثم قال: «لم أذنت لهم» بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب.
وفي هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب. ومن إكرامه إياه، وبره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط «3» القلب.
قال نفطويه «4» : ذهب ناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك بل كان مخيرا، فلما أذن «5» لهم أعلمه الله تعالى أنه «6» لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم.
قال الفقيه القاضي «1» : يجب على المسلم المجاهد نفسه، الرائض «2» بزمام الشريعة خلقه، أن يتأدب بآداب القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ومحاوراته، فهو عنصر «3» المعارف الحقيقية، وروضة الآداب الدينية والدنيوية، وليتأمل هذه الملاطفة العجيبة في السؤال من رب الأرباب المنعم على الكل، المستغني عن الجميع، ويستثير «4» ما فيها من الفوائد، وكيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب، وآنس بالعفو قبل ذكر الذنب- إن كان ثم ذنب-
وقال تعالى: «ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا «5» » .
قال بعض المتكلمين «6» : عاتب الله الأنبياء صلوات الله عليهم بعد الزلات وعاتب نبينا صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط «7» المحبة. وهذه غاية العناية.
ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه. ففي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته.
ومثله قوله تعالى: «قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك «1» » الآية
قال علي «2» رضي الله عنه»
: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به ... فأنزل «4» الله تعالى «فإنهم لا يكذبونك» الآية.
وروي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبه «5» قومه حزن فجاءه جبريل عليه السلام فقال: ما يحزنك؟! قال: كذبني قومي. فقال: إنهم يعلمون أنك صادق. فأنزل الله تعالى الآية» «6»
ففي هذه الآية منزع «1» لطيف المأخذ من تسليته تعالى له صلى الله عليه وسلم، وإلطافه في القول بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، وأنهم غير مكذبين له، معترفون بصدقه قولا واعتقادا. وقد كانوا يسمونه قبل النبوة «الأمين» .
فدفع بهذا التقرير «2» ارتماض «3» نفسه بسمة الكذب ثم جعل الذم لهم بتسميتهم «جاحدين» «ظالمين» .
فقال تعالى: «ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون» «4» وحاشاه «5» من الوصم. وطوقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم.
إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشيء ثم أنكره.
كقوله تعالى: «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا» «6» ثم عزاه وآنسه بما ذكره عمن قبله ووعده بالنصر.
بقوله تعالى: «ولقد كذبت رسل من قبلك» «1» الآية فمن قرأ «2» «لا يكذبونك» بالتخفيف. فمعناه لا يجدونك كاذبا..
وقال الفراء «3» والكسائي «4» : لا يقولون إنك كاذب.
وقيل: لا يحتجون على كذبك ولا يثبتونه.
ومن قرأ «5» بالتشديد. فمعناه لا ينسبونك إلى الكذب.
وقيل: لا يعتقدون كذبك.
ومما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به. أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم.
فقال: يا آدم «1» - يا نوح «2» - يا إبراهيم «3» - يا موسى «4» - يا داوود «5» - يا عيسى «6» - يا زكريا «7» - يا يحيى «8» .
ولم يخاطب هو إلا: يا أيها الرسول «9» يا أيها النبي «10» يا أيها المزمل «11» يا أيها المدثر «12» .
قال تعالى: «لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون «1» »
اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأصله، ضم العين من العمر ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال.
ومعناه «2» : وبقائك يا محمد
وقيل «3» : وعيشك
وقيل: وحياتك
وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف.
قال «1» ابن عباس «2» : ما خلق الله تعالى وما ذرأ»
وما برأ «4» نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره.
وقال أبو الجوزاء «5» : ما أقسم الله تعالى بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده.
وقال تعالى: «يس والقرآن الحكيم» «6» الآيات.
اختلف المفسرون: في معنى «يس» على أقوال.
فحكى أبو محمد مكي «7» : أنه روي «8» عن النبي صلى الله عليه وسلم:
أنه قال: «لي عند ربي عشرة أسماء «1» » ذكر «2» منها أن «طه» و «يس» اسمان له «3» .
وحكى أبو عبد الرحمن السلمي «4» عن جعفر الصادق «5» : أنه أراد يا سيد مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس «6» : «يس» يا إنسان.. أراد محمدا صلى الله عليه وسلم.
وقال «7» : هو قسم.. وهو من أسماء الله تعالى.
وقال الزجاج «8» : قيل: معناه: يا محمد.
وقيل: يا رجل «9»
وقيل: يا إنسان «1»
وعن ابن الحنفية «2» : «يس» يا محمد «3»
وعن كعب «4» : «يس» قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام «5» ... يا محمد إنك لمن المرسلين
ثم قال تعالى: «والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين» «6»
- فإن قدر «7» أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم وصح فيه أنه قسم كان فيه من
التعظيم ما تقدم ويؤكد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه.
- وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته أقسم الله تعالى باسمه وكتابه إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه، ولا عدول عن الحق.
قال النقاش «1» : لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له.
وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال: إنه يا سيد، ما فيه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» «2» .
وقال تعالى: «لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد» . «1»
«لا أقسم» به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكي «2» .
وقيل: «لا» زائدة. أي أقسم به وأنت به يا محمد «حلال» أو «حل» لك ما فعلت فيه. على التفسيرين.
والمراد ب «البلد» عند هؤلاء مكة «3» .
وقال الواسطي «4» : أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا وببركتك ميتا، يعني المدينة.
والأول أصح، لأن السورة مكية وما بعده يصححه قوله تعالى «حل بهذا البلد» .
ونحوه قول ابن عطاء «5» في تفسير قوله تعالى: «وهذا البلد الأمين» «6» .
قال: أمنها الله تعالى بمقامه فيها وكونه بها. فإن كونه أمان حيث كان.
ثم قال تعالى: «ووالد وما ولد» «1» .
من قال «2» : أراد آدم، فهو عام.
ومن قال: هو إبراهيم. «وما ولد» فهي- إن شاء الله تعالى- إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فتتضمن السورة القسم به صلى الله عليه وسلم في موضعين.
وقال تعالى: «الم ذلك الكتاب لا ريب فيه» .»
قال «4» ابن عباس «5» : هذه الحروف أقسام أقسم الله تعالى بها «6» وعنه «7» وعن غيره: فيها غير ذلك.
وقال سهل «8» بن عبد الله التستري: «الألف» هو الله تعالى «9»
«واللام» جبريل.
«والميم» محمد صلى الله عليه وسلم.
وحكى هذا القول السمرقندي «1» : ولم ينسبه إلى سهل، وجعل «2» معناه: الله أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لا ريب فيه.
- وعلى الوجه الأول «3» يحتمل القسم أن هذا الكتاب حق لا ريب فيه، ثم فيه من فضيلة قران اسمه باسمه نحو ما تقدم.
وقال ابن عطاء «4» : في قوله تعالى «ق والقرآن المجيد «5» » .
أقسم بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله.
وقيل: هو اسم للقرآن.
وقيل: هو اسم لله تعالى.
وقيل «6» : جبل محيط بالأرض.
وقيل: غير هذا.
وقال جعفر بن محمد «1» في تفسير «والنجم إذا هوى» : إنه محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال: «النجم» قلب محمد صلى الله عليه وسلم.
«هوى» انشرح من الأنوار.
وقال: انقطع عن غير الله.
وقال ابن عطاء «2» في قوله تعالى: «والفجر وليال عشر» : الفجر: محمد صلى الله عليه وسلم لأن منه تفجر الإيمان.
قال تعالى: «والضحى والليل إذا سجى» «1» - السورة- اختلف في سبب نزول هذه السورة.
فقيل: كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل لعذر نزل به، فتكلمت امرأة في ذلك بكلام «2» .
وقيل «3» : بل تكلم به المشركون عند فترة الوحي. فنزلت السورة «4» .
قال الفقيه القاضي «5» : تضمنت هذه السورة من كرامة الله
تعالى له، وتنويهه «1» به، وتعظيمه إياه ستة وجوه:
الأول: القسم له عما أخبره به من حاله بقوله تعالى: «والضحى والليل إذا سجى» أي ورب الضحى. وهذا من أعظم درجات المبرة.
الثاني: بيان مكانته عنده وحظوته لديه بقوله تعالى: «ما ودعك ربك وما قلى» «2» أي ما تركك وما أبغضك.
وقيل: ما أهملك بعد أن اصطفاك.
الثالث: قوله تعالى: «وللآخرة خير لك من الأولى» «3»
قال ابن اسحق «4» : أي مآلك «5» في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا.
وقال سهل «6» : أي ما ادخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير لك مما أعطيتك في الدنيا.
الرابع قوله تعالى: «ولسوف يعطيك ربك فترضى» «1» وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة، وأنواع السعادة، وشتات الإنعام في الدارين والزيادة.
قال ابن اسحق «2» : يرضيه بالفلج «3» في الدنيا والثواب في الآخرة.
وقيل «4» : يعطيه الحوض والشفاعة.
وروي عن بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس في القرآن أرجى منها، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من أمته النار «5» .
الخامس: ما عد تعالى عليه من نعمه، وقرره من آلائه، «6» قبله في بقية السورة من هدايته إلى ما هداه له، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير، ولا مال له، فأغناه بما آتاه، أو بما جعله في قلبه من القناعة والغنى، ويتيما فحدب»
عليه عمه وآواه إليه.
وقيل: آواه إلى الله «1» .
وقيل: «يتيما» لا مثال لك فآواك إليه.
وقيل: المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالا، وأغنى بك عائلا، وآوى بك يتيما، ذكره بهذه المنن، وأنه على المعلوم من التفاسير لم يهمله في حال صغره، وعيلته، ويتمه، وقبل معرفته به، ولا ودعه ولا قلاه، فكيف بعد اختصاصه واصطفائه.
السادس: أمره بإظهار نعمته عليه، وشكر ما شرفه به بنشره، وإشادة ذكره بقوله تعالى: «وأما بنعمة ربك فحدث» «2» ،
فإن من شكر النعمة التحدث بها «3» .
وهذا خاص له، عام لأمته.
وقال تعالى: «والنجم إذا هوى» «4» إلى قوله تعالى:
«لقد رأى من آيات ربه الكبرى» «5» .
اختلف المفسرون في قوله تعالى: «والنجم» بأقاويل معروفة.
منها: النجم على ظاهره.
ومنها: القرآن.
وعن جعفر بن محمد «1» : أنه محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال: هو قلب محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل في قوله تعالى: «والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق، النجم الثاقب» «2» .
إن «النجم» هنا أيضا محمد صلى الله عليه وسلم حكاه السلمي «3» .
تضمنت هذه الآيات من فضله، وشرفه، العد ما يقف دونه العد «4» .
وأقسم جل اسمه على هداية المصطفى، وتنزيهه عن الهوى، وصدقه فيما تلا، وأنه وحي يوحى، أو صله إليه عن الله جبريل، وهو الشديد القوى، ثم أخبر تعالى عن فضيلته بقصة الإسراء، وانتهائه إلى سدرة المنتهى، وتصديق بصره فيما رأى، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى.
وقد نبه على مثل هذا في أول سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه صلى الله عليه وسلم من ذلك الجبروت «1» ، وشاهد من عجائب الملكوت «2» ، لا تحيط به العبارات، ولا تستقل «3» بحمل سماع أدناه العقول، رمز عنه تعالى بالإيماء، والكناية الدالة على التعظيم.
فقال تعالى: «فأوحى إلى عبده ما أوحى»
«4» .
وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة «بالوحي والإشارة» ، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز.
وقال: «لقد رأى من آيات ربه الكبرى» «5» .
انحسرات الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى.
قال القاضي أبو الفضل: «6» اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته صلى الله عليه وسلم، وعصمتها من الآفات في هذا المسرى.
فزكى فؤاده، ولسانه، وجوارحه.
- فقلبه بقوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى» «1» .
- ولسانه بقوله: «وما ينطق عن الهوى» «2» .
- وبصره بقوله: «ما زاغ البصر وما طغى» «3» .
وقال تعالى: فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس» «4» إلى قوله: «وما هو بقول شيطان رجيم» «5» .
«لا أقسم» أي أقسم.
«إنه لقول رسول كريم» «6» أي كريم عند مرسله.
«ذي قوة» على تبليغ ما حمله من الوحي.
«مكين» أي متمكن المنزلة عند ربه «7» ، رفيع المحل عنده.
«مطاع ثم» «1» أي في السماء.
«أمين» على الوحي.
قال علي بن عيسى وغيره «2» : الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم فجمع الأوصاف بعد- على هذا- له.
وقال غيره «3» : هو جبريل، فترجع الأوصاف إليه.
«ولقد رآه» يعني محمدا صلى الله عليه وسلم.
قيل «4» : رأى ربه.
وقيل: رأى جبريل في صورته.
«وما هو على الغيب بضنين» «5» أي بمتهم.
ومن قرأها «6» بالضاد فمعناه: ما هو ببخيل بالدعاء به والتذكير
بحكمه وبعلمه، وهذه لمحمد صلى الله عليه وسلم باتفاق.
وقال تعالى: «ن والقلم وما يسطرون» «1» الآيات
أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه، من تنزيه المصطفى مما غمصته «2» الكفرة، به وتكذيبهم له، وأنسه وبسط أمله بقوله محسنا خطابه: «ما أنت بنعمة ربك بمجنون» «3» .
وهذه نهاية المبرة في المخاطبة، وأعلى درجات الآداب في المحاورة.
ثم أعلمه بماله عنده من نعيم دائم، وثواب غير منقطع، لا يأخذه عد، ولا يمن به عليه.
فقال: «وإن لك لأجرا غير ممنون» » .
ثم أثنى عليه بما منحه من هباته، وهداه إليه وأكد ذلك تتميما للتمجيد بحرفي التأكيد.
فقال تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» «5» .
قيل: القرآن «1» .
وقيل: الإسلام «2» .
وقيل: الطبع الكريم «3» .
وقيل: ليس لك همة إلا الله «4» .
قال الواسطي «5» : أثنى عليه بحسن قبوله، لما أسداه إليه من نعمه وفضله بذلك على غيره، لأنه جبله على ذلك «6» الخلق.
فسبحان اللطيف المحسن، الجواد الحميد، الذي يسر للخير وهدى إليه، ثم أثنى على فاعله، وجازاه عليه.
سبحانه ما أغمر «7» نواله، وأوسع إفضاله.
- ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما وعده به من عقابهم وتوعدهم.
بقوله: «فستبصر ويبصرون» «1» الآيات الثلاث.
- ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه «2» ، وذكر سوء خلقه، وعد معايبه، متوليا ذلك بفضله، ومنتصرا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه.
بقوله تعالى: «فلا تطع المكذبين» «3» إلى قوله: «أساطير الأولين» «4» ..
- ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه، وخاتمة بواره «5» .
بقوله تعالى: «سنسمه على الخرطوم» «6» .
فكانت نصرة الله تعالى له أتم من نصرته لنفسه، ورده تعالى على عدوه أبلغ من رده، وأثبت في ديوان مجده.
قال تعالى: «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» «1» .
قيل: «طه» اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم «2» .
وقيل: هو اسم لله «3» .
وقيل: معناه يا رجل «4» .
وقيل: يا إنسان.
وقيل: هى حروف مقطعة لمعان.
قال الواسطي «5» : أراد يا طاهر يا هادي.
وقيل: هو أمر من الوطء، والهاء كناية عن الأرض أي اعتمد على الأرض بقدميك، ولا تتعب نفسك بالاعتماد على قدم واحدة.
وهو قوله تعالى: «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» «1»
نزلت الآية فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلفه من السهر والتعب وقيام الليل.
عن الربيع بن أنس «2» قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى طه، يعني طأ الأرض يا محمد: «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» الآية «3» ولا خفاء بما في هذا كله من الإكرام، وحسن المعاملة.
- وإن جعلنا «طه» من أسمائه صلى الله عليه وسلم كما قيل أو جعلت قسما لحق الفصل بما قبله، ومثل هذا من نمط «4» الشفقة والمبرة.
قوله تعالى: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» «1» .
أي قاتل نفسك لذلك غضبا، أو غيظا، أو جزعا.
ومثله قوله تعالى: «لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين «2» »
ثم قال تعالى: «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين» «3» .
ومن هذا الباب قوله تعالى: «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين «4» » إلى قوله تعالى: «ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون «5» » إلى آخر السورة.
وقوله: «ولقد استهزئ برسل من قبلك «6» » الآية.
قال مكي «7» : سلاه تعالى بما ذكر، وهون عليه ما يلقاه «8»
من المشركين، وأعلمه أن»
من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله، ومثل هذه التسلية، قوله تعالى: «وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك» «2» ومن هذا، قوله تعالى:
«كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون» «3» .
- عزاه الله تعالى بما أخبر به عن الأمم السالفة، ومقالتها «4» لأنبيائهم قبله، ومحنتهم بهم.
- وسلاه بذلك عن محنته بمثله من كفار مكة، وأنه ليس أول من لقي ذلك.
- ثم طيب نفسه، وأبان عذره، بقوله تعالى: «فتول عنهم» «5» أي أعرض عنهم «فما أنت بملوم» «6» أي في أداء ما بلغت،
وإبلاغ ما حملت:
ومثله قوله تعالى: «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا» «1» أي: اصبر على أذاهم، فإنك بحيث نراك ونحفظك، سلاه الله تعالى بهذا في آي كثيرة من هذا المعنى..
قال الله تعالى «1» : «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة» إلى قوله «من الشاهدين» «2» .
قال أبو الحسن القابسي «3» : استخص الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بفضل لم يؤته غيره، أبانه «4» به، وهو ما ذكره في هذه الآية.
قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث، نبيا إلا
ذكر له محمدا ونعته، وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به.
وقيل: أن يبينه لقومه، ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم.
وقوله: «ثم جاءكم» ، الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم.
قال «1» علي بن «2» أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبيا من آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم، لئن بعث وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه.
وعن السدي «3» وقتادة «4» : نحوه في آي تضمنت فضله من غير وجه واحد.
قال تعالى: «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح» «5» الآية.
وقال تعالى: «إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ... » «1»
إلى قوله «شهيدا» «2» .
روي «3» عن عمر بن الخطاب «4» أنه قال في كلام بكى «5» به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله. أن بعثك آخر الأنبياء، وذكرك في أو لهم، فقال:
«وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح» «6» الآية.
- بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك، وهم بين أطباقها يعذبون، يقولون: «يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا» «1» .
قال «2» قتادة «3» : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث» ، فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل نوح وغيره.
قال السمرقندي «4» : في هذا تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم لتخصيصه بالذكر قبلهم، وهو آخرهم بعثا «5» .
المعنى: أخذ الله تعالى عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر «6» .
وقال تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» .. الآية.
قال أهل التفسير: أراد بقوله «ورفع بعضهم درجات «1» »
محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث إلى الأحمر «2» والأسود «3» ، وأحلت له الغنائم، وظهرت على يديه المعجزات، وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة، أو كرامة إلا وقد أعطي محمد صلى الله عليه وسلم مثلها.
قال بعضهم: ومن فضله أن الله تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم وخاطبه بالنبوة والرسالة في كتابه، فقال: «يا أيها النبي» «4» و «يا أيها الرسول» » .
وحكى السمرقندي «6» عن الكلبي «7» في قوله تعالى: «وإن من شيعته لإبراهيم» «8» ، إن الهاء عائدة على محمد صلى الله عليه وسلم ... أي:
إن من شيعة محمد لإبراهيم، أي على دينه ومنهاجه.
وأجازه «1» الفراء «2» ، وحكاه عنه مكي «3» .
وقيل «4» : المراد نوح عليه السلام.
قال الله تعالى: «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم» «1» :
أي ما كنت بمكة، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وبقي فيها من بقي من المؤمنين نزل:
«وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون» «2» وهذا مثل قوله: «لو تزيلوا لعذبنا» «3» الآية.
وقوله تعالى: «ولولا رجال مؤمنون» «4» الآية.
فلما هاجر المؤمنون نزلت: «وما لهم ألا يعذبهم الله» «1» .
وهذا من أبين ما يظهر مكانته صلى الله عليه وسلم، ودرأته «2» العذاب عن أهل مكة بسبب كونه ثم كون أصحابه بعده بين أظهرهم، فلما خلت مكة منهم عذبهم الله «3» بتسليط المؤمنين عليهم، وغلبتهم إياهم، وحكم فيهم سيوفهم، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم. وفي الآية أيضا تأويل آخر:
عن أبي موسى «4» قال «5» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أنزل الله علي أمانين لأمتي: «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون» .. فاذا مضيت تركت فيكم الاستغفار» .
ونحو منه قوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» «1» .
قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أمان لأصحابي» «2» ..
قيل: من البدع.
وقيل: من الاختلاف والفتن.
قال بعضهم: الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش. وما دامت سنته باقية فهو باق، فإذا أميتت سنته فانتظروا البلاء والفتن.
وقال الله تعالى: «إن الله وملائكته يصلون على النبي» «3» الآية.
أبان الله تعالى فضل نبيه صلى الله عليه وسلم بصلاته عليه، ثم بصلاة ملائكته. وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه.
وحكى أبو بكر «4» بن فورك: أن بعض العلماء تأول قوله
قوله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» على هذا، أي: في صلاة الله تعالى علي، وملائكته، وأمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة. «1» «والصلاة» من الملائكة ومنا له دعاء، ومن الله عز وجل رحمة.
وقيل: «يصلون» يباركون، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم حين علم الصلاة عليه بين لفظ «الصلاة» و «البركة» . وسنذكر حكم الصلاة عليه.
وذكر بعض المتكلمين «2» في تفسير حروف «كهيعص» «3» أن «الكاف» من كاف، أي كفاية الله لنبيه قال تعالى:
«أليس الله بكاف عبده» «4» ..
«والهاء» هدايته له، قال: «ويهديك صراطا مستقيما» «5» .
«والياء» تأييده، قال: «أيدك بنصره» «1» .
«والعين» عصمته له، قال: «والله يعصمك من الناس» «2» .
«والصاد» صلاته عليه، قال: «إن الله وملائكته يصلون على النبي» «3» .
وقال تعالى: «وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه» «4» أي وليه.
«وصالح المؤمنين» .
قيل: الأنبياء.
وقيل: الملائكة.
وقيل: أبو بكر وعمر.
وقيل: علي، رضي الله عنهم أجمعين.
وقيل: المؤمنون ... على ظاهره.
قال الله تعالى: «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» «1» إلى قوله تعالى: «يد الله فوق أيديهم» «2» .
تضمنت هذه الآيات من فضله، والثناء عليه، وكريم منزلته عند الله تعالى، ونعمته لديه، ما يقصد الوصف عن الانتهاء إليه.
- فابتدأ جل جلاله بإعلامه بما قضاه له من القضاء البين، بظهوره وغلبته على عدوه، وعلو كلمته وشريعته، وأنه مغفور له، غير مؤاخذ بما كان، وما يكون.
قال بعضهم: أراد غفران ما وقع، وما لم يقع.. أي أنك مغفور لك..
وقال مكي»
: جعل الله المنة سببا للمغفرة، وكل من عنده لا إله غيره، منة بعد منة، وفضلا بعد فضل..
ثم قال تعالى: «ويتم نعمته عليك» «2» .
قيل: بخضوع من تكبر لك «3» .
وقيل: بفتح مكة والطائف.
وقيل: يرفع ذكرك في الدنيا، وينصرك، ويغفر لك، فأعلمه بتمام نعمته عليه، بخضوع متكبري عدوه له، وفتح أهم «4» البلاد عليه، وأحبها له. ورفع ذكره، وهدايته الصراط المستقيم، المبلغ الجنة والسعادة، ونصره النصر العزيز، ومنته على أمته المؤمنين بالسكينة والطمأنينة، التي جعلها في قلوبهم، وبشارتهم بما لهم عند ربهم «5» بعد، وفوزهم العظيم، والعفو عنهم، والستر
لذنوبهم، وهلاك عدوه في الدنيا والآخرة، ولعنهم وبعدهم من رحمته، وسوء منقلبهم.
ثم قال: «إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا» الآية. فعد محاسنه وخصائصه، من شهادته على أمته لنفسه بتبليغه الرسالة لهم.
وقيل: شاهدا لهم بالتوحيد.
«ومبشرا» لأمته بالثواب.
وقيل: بالمغفرة.
«ونذيرا» منذرا عدوه بالعذاب.
وقيل: محذرا من الضلالات، ليؤمن بالله، ثم به، من سبقت له من الله الحسنى.
«ويعزروه» «1» أي يجلونه.
وقيل: ينصرونه.
وقيل: يبالغون في تعظيمه.
«ويوقروه» «2» أي يعظمونه.
وقرأه بعضهم «1» «ويعززوه» «2» بزائين من العز.
والأكثر والأظهر أن هذا في حق محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال «وتسبحوه» فهذا راجع إلى الله تعالى.
قال ابن عطاء «3» : جمع للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة نعم مختلفة:
- من الفتح المبين: وهو من أعلام «4» الإجابة.
- والمغفرة: وهي من أعلام المحبة.
- وتمام النعمة: وهي من أعلام الاختصاص.
- والهداية: وهي من أعلام الولاية.
فالمغفرة تبرئة «5» من العيوب.
وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة.
والهداية وهي الدعوة إلى المشاهدة.
وقال جعفر بن محمد «6» : من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه،
وأقسم بحياته، ونسخ به شرائع غيره، وعرج به إلى المحل الأعلى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وبعثه إلى الأحمر والأسود، وأحل له ولأمته الغنائم، وجعله شفيعا مشفعا وسيد ولد آدم، وقرن ذكره بذكره ورضاه برضاه، وجعله أحد ركني التوحيد.
ثم قال تعالى: «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله» «1» يعني بيعة الرضوان «2» .
أي إنما يبايعون الله ببيعتهم إياك.
«يد الله فوق أيديهم» يريد عند البيعة.
قيل: قوة الله.
وقيل: ثوابه.
وقيل: منته.
وقيل: عقده «1» .
وهذه استعارات وتجنيس «2» في الكلام. وتأكيد لعقد بيعتهم إياه، وعظم شأن المبايع صلى الله عليه وسلم.
وقد يكون من هذا قوله تعالى: «فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» «3» .
وإن كان الأول «4» في باب المجاز، وهذا «5» في باب الحقيقة.
لأن القاتل والرامي بالحقيقة هو الله، وهو خالق فعله، ورميه، وقدرته عليه، ومشيئته «6» ، ولأنه ليس في قدرة البشر توصيل تلك الرمية حيث وصلت، حتى لم يبق منهم من لم تملأ عينه، وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة.
وقد قيل في هذه الآية الأخرى «1» : إنها على المجاز العربي «2» ، ومقابلة اللفظ ومناسبته.
أي ما قتلتموهم، وما رميتهم أنت إذ رميت وجوههم بالحصباء، والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع، أي: أن منفعة الرمي كانت من فعل الله، فهو القاتل، والرامي، بالمعنى، وأنت بالاسم.
- من ذلك ما قصه «1» تعالى، من قصة الإسراء، في سورة «سبحان» «2» و «النجم» «3» ، وما انطوت عليه القصة، من عظيم منزلته، وقربه، ومشاهدته ما شاهد من العبائب..
- ومن ذلك، عصمته من الناس» .
«والله يعصمك من الناس» «4» .
وقوله تعالى: «وإذ يمكر بك الذين كفروا» «1» الآية.
وقوله: «إلا تنصروه فقد نصره الله» «2» .
- وما دفع الله به عنه في هذه القصة، من أذاهم بعد تحريهم «3» لهلكه، وخلوصهم نجيا «4» في أمره، والأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم، وذهو لهم عن طلبه في الغار، وما ظهر في ذلك من الآيات، ونزول السكينة عليه، وقصة «سراقة بن مالك» «5» ، حسبما ذكره أهل الحديث والسير»
، في قصة الغار، وحديث الهجرة «7» .
ومنه قوله تعالى: «إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر» «1» .
أعلمه الله تعالى بما أعطاه.
و «الكوثر» حوضه
وقيل: نهر في الجنة
وقيل: الخير الكثير «2»
وقيل: الشفاعة
وقيل: المعجزات الكثيرة
وقيل: النبوة
وقيل: المعرفة.
ثم أجاب عنه عدوه، ورد عليه قوله.
فقال تعالى: «إن شانئك هو الأبتر» «3» .
أي عدوك، ومبغضك.
و «الأبتر» : الحقير الذليل، أو المفرد الوحيد أو الذي لا خير فيه.
وقال تعالى: «ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم» «1» .
قيل «2» : «السبع المثاني» السور الطوال الأول.
«والقرآن العظيم» أم القرآن.
وقيل «3» : «السبع المثاني» أم القرآن.
«والقرآن العظيم» سائره.
وقيل: «السبع المثاني» ما في القرآن من أمر ونهي، وبشرى وإنذار، وضرب، وإعداد نعم.
وآتيناك نبأ القرآن العظيم.
وقيل: سميت أم القرآن «مثاني» لأنها تثنى في كل ركعة «4» .
وقيل: بل الله تعالى استثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم وذخرها له، دون الأنبياء.
وسمي القرآن «مثاني» لأن القصص تثنى فيه.
وقيل «1» : «السبع المثاني» أكرمناك بسبع كرامات، الهدي، والنبوة، والرحمة، والشفاعة، والولاية، والتعظيم، والسكينة.
وقال تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر» «2» الآية.
وقال تعالى: «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا» «3» .
وقال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا» «4» الآية.
قال القاضي «5» : فهذه من خصائصه.
وقال تعالى: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» «6» .
فخصهم بقومهم، وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» «1» .
وقال تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم» «2» .
قال أهل التفسير: «أولى بالمؤمنين من أنفسهم» أي:
ما أنفذه فيهم من أمر، فهو ماض عليهم، كما يمضي حكم السيد على عبده.
وقيل: اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس. «وأزواجه أمهاتهم» أي: هن في الحرمة كالأمهات، حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية، ولأنهن له أزواج في الجنة «3» ...
وقد قرىء «4» : «وهو أب لهم» ولا يقرأ به الآن «5» ،
لمخالفته المصحف «1» ..
وقال الله تعالى: «وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة»
الآية «2» . «وكان فضل الله عليك عظيما»
«3» .
قيل: «فضله العظيم» بالنبوة.
وقيل: بما سبق له في الأزل.
وأشار الواسطي «4» إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التي لم يحتملها موسى عليه السلام.
النص من طبعة دار الفيحاء بعمّان لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.