الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة
69

ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة

الجزء التاسع 6 عنصر صفحة 454
ذكر فتح المؤيد طوس وغيرها ص 454

في هذه السنة في السابع والعشرين من صفر نازل المؤيد أي أبه أبا بكر جاندار بقلعة وسكرة خوي من طوس وكان قد تحصن بها وهي حصينة منيعة لا ترام فقاتله وأعانه أهل طوس على أبي بكر لسوء سيرته كانت فيهم وظلمه فلما رأى أبو بكر ملازمة المؤيد ومواصلة القتال عليه خضع وذل ونزل من القلعة بالأمان في العشرين من ربيع الأول من السنة فلما نزل منها حبسه المؤيد وأمر بتقييده ثم سار منها إلى كرستان وصاحبها أبو بكر فاخر فنزل من قلعته وهي من أمنع الحصون على رأس جبل عال وصار في طاعة المؤيد ودان له ووافقه وسير جيشا في جمادى الآخرة منها إلى اسفراين فتحصن رئيسها عبد الرحمن بن محمد ابن علي الحاج بالقلعة وكان أبوه كريم خراسان على الإطلاق ولكن كان عبد الرحمن هذا بئس الخلف فلما تحصن أحاط به العسكر المؤيدي واستنزلوه من الحصن وحملوه مقيدا إلى شاذياخ وحبس بها وقيل في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة

وملك المؤيد أيضا قهندز نيسابور واستدارت مملكة المؤيد حول نيسابور وعادت إلى ما كان عليه قبل إلا أن أهلها انتقلوا إلى شاذياخ وخربت المدينة العتيقة وسير المؤيد جيشا إلى خواف وبها عسكر مع بعض الأمراء اسمه أرغش فكمن أرغش جمعا في تلك المضايق والجبال وتقدم إلى عسكر المؤيد فقاتلهم وطلع الكمين فانهزم عسكر المؤيد وقتل منهم جمع وعاد الباقون إلى المؤيد بنيسابور وسير جيشا إلى بوشنج هراة وهي في طاعة الملك محمد بن الحسين الغوري فحصروها واشتد الحصار عليها وقام القتال والزحف فسير الملك محمد الغوري جيشا إليها ليمنع عنها فلما قاربوا هراة فارقها العسكر الذي يحصرها وعادوا عنها وصفت تلك الولاية للغورية

ذكر أخذ ابن مردنيش غرناطة من عبد المؤمن وعودها إليه ص 455

في هذه السنة أرسل أهل غرناطة من بلاد الأندلس وهي لعبد المؤمن إلى الأمير إبراهيم بن همشك صهر ابن مردنيش فاستدعوه إليهم ليسلموا إليه البلد وكان قد وحد وصار من أصحاب عبد المؤمن وفي طاعته وممن يحرضه على قصد ابن مردنيش فلما وصل إليه رسل أهل غرناطة سار معهم إليها فدخلها وبها جمع من أصحاب عبد المؤمن فامتنعوا بحصنها فبلغ الخبر أبا سعيد عثمان بن عبد المؤمن وهو بمدينة مالقة فجمع الجيش الذي كان عنده وتوجه إلى غرناطة لنصرة من فيها من أصحابهم فعلم بذلك إبراهيم بن همشك فاستنجد ابن مردنيش ملك البلاد بشرق الأندلس فأرسل إليه ألفي فارس من أنجاد أصحابه ومن الفرنج الذين جندهم معه فاجتمعوا بنواحي غرناطة فالتقوا هم ومن بغرناطة من عسكر عبد المؤمن قبل وصول أبي سعيد إليهم فاشتد القتال بينهم فانهزم عسكر عبد المؤمن وقدم أبو سعيد واقتتلوا أيضا فانهزم كثير من أصحابه وثبت معه طائفة من الأعيان والفرسان المشهورين والرجالة والأجلاد حتى قتلوا عن آخرهم وانهزم حينئذ أبو سعيد ولحق بمالقة وسمع عبد المؤمن الخبر وكان قد سار إلى مدينة سلا فسير في الحال ابنه أبا يعقوب يوسف في عشرين ألف مقاتل فيهم جماعة من شيوخ الموحدين فجدوا المسير فبلغ ذلك ابن مردنيش فسار بنفسه وجيشه إلى غرناطة ليعين ابن همشك فاجتمع منهم بغرناطة جمع كثير فنزل ابن مردنيش في الشريعة بظاهرها ونزل العسكر الذي أمر به ابن همشك أولا وهم ألفا فارس بظاهر القلعة الحمراء ونزل ابن همشك بباطن القلعة الحمراء فيمن معه ووصل عسكر عبد المؤمن إلى جبل قريب من غرناطة فأقاموا في سفحه أياما ثم سيروا سرية أربعة آلاف فارس فبيتوا العسكر الذي بظاهر القلعة الحمراء وقاتلوهم من جهاتهم فما لحقوا يركبون فقتلوهم عن آخرهم وأقبل عسكر عبد المؤمن بجملته فنزلوا بضواحي غرناطة فعلم ابن مردنيش وابن همشك أنهم لا طاقة لهم بهم ففروا في الليلة الثانية ولحقوا بلادهم واستولى الموحدون على غرناطة في باقي السنة المذكورة وعاد عبد المؤمن من مدينة سلا إلى مراكش

ذكر حصر نور الدين حارم ص 456

في هذه السنة جمع نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الشام العساكر بحلب وسار إلى قلعة حارم وهي للفرنج غربي حلب فحصرها وجد في قتالها فامتنعت عليه بحصانتها وكثرة من بها من فرسان الفرنج ورجالهم وشجعانهم فلما علم الفرنج ذلك جمعوا فارسهم وراجلهم من سائر البلاد وحشدوا واستعدوا وساروا نحوه ليرحلوا عنها فلما قاربوه طلب منهم المصاف فلم يجيبوه إليه وراسلوه وتلطفوا الحال معه فلما رأى انه لا يمكنه أخذ الحصن ولا يجيبونه إلى المصاف عاد إلى بلاده

وممن كان معه في هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن مرشد ابن منقذ الكناني وكان من الشجاعة في الغاية فلما عاد إلى حلب دخل إلى مسجد شيزر وكان قد دخله في العام الماضي سائرا إلى الحج فلما دخل الآن كتب على حائطه

( لك الحمد يا مولاي كم لك منة % علي وفضل لا يحيط به شكري )

( نزلت بهذا المسجد العام قافلا % من الغزو موفور النصيب من الأجر )

( ومنه رحلت العيس في عامي الذي % مضى نحو بيت الله والركن والحجر )

( فأديت مفروضي وأسقطت ثقل ما % تحملت من وزر الشبيبة عن ظهري )

ذكر ملك الخليفة قلعة الماهكي ص 456

في هذه السنة في رجب ملك الخليفة المستنجد بالله قلعة الماهكي وسبب ذلك أن سنقر الهمذاني صاحبها سلمها إلى أحد مماليكه ومضى إلى همذان فضعف هذا المملوك عن مقاومة ما حولها من التركمان والأكراد فأشير عليه ببيعها من الخليفة فراسل في ذلك فاستقرت على خمسة عشر ألف دينار وسلاح وغير ذلك من الأمتعة وعدة من القرى فسلمها وتسلم ما استقر له وأقام ببغداد وهذه القلعة لم تزل من أيام المقتدر بالله بأيدي التركمان والأكراد إلى الآن

ذكر الحرب بين المسلمين والكرج ص 456

في هذه السنة في شعبان اجتمعت الكرج في خلق كثير يبلغون ثلاثين ألف مقاتل ودخلوا بلاد الإسلام وقصدوا مدينة دوين أذربيجان فملكوها ونهبوها وقتلوا من أهلها وسوادها نحو عشرة آلاف قتيل وأخذوا النساء سبايا وأسروا كثيرا وأعروا النساء وقادوهن حفاة عراة وأحرقوا الجامع والمساجد فلما وصلوا إلى بلادهم أنكر نساء الكرج ما فعلوا بنساء المسلمين وقلن لهم قد احوجتم المسلمين إلى أن يفعلوا بنا مثل ما فعلتم بنسائهم وكسونهن ولما بلغ الخبر إلى شمس الدين ايلدكز صاحب أذربيجان والجبل وأصفهان جمع عساكره وحشدها وانضاف إليه شاه أرمن بن سكمان القطبي صاحب خلاط وابن آقسنقر صاحب مراغة وغيرها فاجتمعوا في عسكر كثير يزيدون على خمسين ألف مقاتل وساروا إلى بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين ونهبوها وسبوا النساء والصبيان وأسروا الرجال ولقيهم الكرج واقتتلوا أشد قتال صبر فيه الفريقان ودامت الحرب بينهم أكثر من شهر وكان الظفر للمسلمين فانهزم الكرج وقتل منهم كثير وأسر كذلك وكان سبب الهزيمة أن بعض الكرج حضر عند ايلدكز فأسلم على يديه وقال له تعطيني عسكرا حتى أسير بهم في طريق أعرفها وأجيء إلى الكرج من ورائهم وهم لا يشعرون فاستوثق منه وسير معه عسكرا وواعده يوما يصل فيه إلى الكرج فلما كان ذلك اليوم قاتل المسلمون الكرج فبينما هم في القتال وصل ذلك الكرجي الذي أسلم ومعه العسكر وكبروا وحملوا على الكرج من ورائهم فانهزموا وكثر القتل فيهم والأسر وغنم المسلمون من أموالهم ما لا يدخل تحت الإحصاء لكثرته فإنهم كانوا متيقنين الظفر لكثرتهم فخيب الله ظنهم وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيام بلياليها وعاد المسلمون منصورين قاهرين

ذكر عدة حوادث ص 457

في هذه السنة وصل الحجاج إلى منى ولم يتم الحج لأكثر الناس لصدهم عن دخول مكة والطواف والسعي فمن دخل يوم النحر مكة طاف وسعى وكمل ومن تأخر عن ذلك منع دخول مكة لفتنة جرت بين أمير الحاج وأمير مكة وكان سببها أن جماعة من عبيد مكة أفسدوا في الحاج بمنى فنفر عليهم بعض أصحاب أمير الحاج فقتلوا منهم جماعة ورجع من سلم إلى مكة وجمعوا جمعا وأغاروا على جمال الحاج وأخذوا منها قريبا من ألف جمل فنادى أمير الحاج في جنده فركبوا بسلاحهم ووقع القتال بينهم فقتل جماعة ونهب جماعة من الحاج وأهل مكة فرجع أمير الحاج ولم يدخل مكة ولم يقم بالزاهر غير يوم واحد وعاد كثير من الناس رجالة لقتل الجمال ولقوا شدة

وممن حج هذه السنة جدتنا أم أبينا ففاتها الطواف والسعي فاستفتى لها الشيخ الإمام أبو القاسم بن البرزي فقال تدوم على ما بقي عليها من إحرامها وإن أحبت تفدي وتحل من إحرامها إلى قابل وتعود إلى مكة فتطوف وتسعى فتكمل الحجة الأولى ثم تحرم إحراما ثانيا وتعود إلى عرفات فتقف وترمي الجمار وتطوف وتسعى فتصير لها حجة ثانية فبقيت على إحرامها إلى قابل وحجت وفعلت كما قال فتم حجها الأول والثاني

وفيها نزل بخراسان برد كثير عظيم المقدار أواخر نيسان وكان أكثره بجوين ونيسابور وما والاهما فأهلك الغلات ثم جاء بعده مطر كثير دام عشرة أيام

وفيها في جمادى الآخرة وقع الحريق ببغداد احترق سوق الطيوريين والدور التي تليه مقابلة إلى سوق الصفرة الجديد والخان الذي في الرحبة ودكاكين البزوريين وغيرها

وفيها توفي الكيا الصباحي صاحب ألموت مقدم الإسماعيلية وقام ابنه مقامه فأظهر التوبة وأعاد هو ومن معه الصلوات وصيام شهر رمضان وأرسلوا إلى قزوين يطلبون من يصلي بهم ويعلمهم حدود الإسلام فأرسلوا إليهم

وفيها في رمضان درس شرف الدين يوسف الدمشقي في المدرسة النظامية ببغداد وكان مدرسا بمدرسة أبي حنيفة وكان موته في ذي القعدة

وفيها توفي صدقة ابن وزير الواعظ

وفيها في المحرم توفي الشيخ عدي بن مسافر الزاهد المقيم ببلد الهكارية من أعمال الموصل وهو من الشام من بلد بعلبك فانتقل إلى الموصل وتبعه أهل السواد والجبال بتلك النواحي وأطاعوه وحسنوا الظن فيه وهو مشهور جدا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.