الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
70

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة

الجزء التاسع 7 عنصر صفحة 459
ذكر وزارة شاور للعاضد بمصر ثم وزارة الضرغام بعده ص 459

في هذه السنة في صفر وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي صاحب مصر وكان ابتداء أمره ووزارته أنه كان يخدم الصالح بن زريك ولزمه فأقبل عليه الصالح وولاه الصعيد وهو أكبر الأعمال بعد الوزارة فلما ولي الصعيد ظهرت منه كفاية عظيمة وتقدم زائد واستمال الرعية والمقدمين من العرب وغيرهم فعسر أمره على الصالح ولم يمكنه عزله فاستدام استعماله لئلا يخرج عن طاعته فلما جرح الصالح كان من جملة وصيته لولده العادل أنه لا يغير على شاور فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت على استعماله ولم يمكني عزله فلا تغيروا ما به فيكون لكم منه ما تكرهون فلما توفي الصالح من جراحته وولي ابنه العادل الوزارة حسن له أهله عزل شاور واستعمل بعضهم مكانه وخوفوه منه إن أقره على عمله فأرسل إليه بالعزل فجمع جموعا كثيرة وسار إلى القاهرة بهم فهرب منه العادل بن الصالح بن رزيك فأخذ وقتل فكانت مدة وزارته ووزارة أبيه قبله تسع سنين وشهرا وأياما وصار شاور وزيرا وتلقب بأمير الجيوش وأخذ أموال بني زيك وودائعهم وذخائرهم وأخذ منه أيضا طي والكامل ابنا شاور شيئا كثيرا وتفرق كثير منها وجحد وظهرت عليهم عند انتقال الدولة عن شاور والمصريين إلى الأتراك ثم إن الضرغام جمع جموعا كثيرة ونازع شاور في الوزارة في شهر رمضان وظهر أمره وانهزم شاور منه إلى الشام على ما نذكره سنة تسع وخمسين وخمسمائة وصار ضرغام وزيرا

كان هذه السنة ثلاثة وزراء العادل بن رزيك وشاور وضرغام فلما تمكن ضرغام من الوزارة قتل كثيرا من الأمراء المصريين لتخلو له البلاد من منازع فضعفت الدولة بهذا السبب حتى خرجت البلاد عن أيديهم

ذكر وفاة عبد المؤمن وولاية ابنه يوسف ص 460

في هذه السنة في العشرين من جمادى الآخرة توفي عبد المؤمن بن علي صاحب بلاد المغرب وأفريقية والأندلس وكان قد سار من مراكش إلى سلا فمرض بها ومات ولما حضره الموت جمع شيوخ الموحدين من أصحابه وقال لهم قد جربت ابني محمدا فلم أره يصلح لهذا الأمر وإنما يصلح له ابن يوسف وهو أولى بها فقدموه ووصاهم به وبايعوه ودعي بأمير المؤمنين وكتموا موت عبد المؤمن وحمل من سلا في محفة بصورة مريض إلى أن وصل إلى مراكش وكان ابنه أبو حفص في تلك المدة حاجبا لأبيه فبقي مع أخيه على مثل حاله مع أبيه يخرج فيقول للناس أمير المؤمنين أمر بكذا ويوسف يقعد مقعد أبيه إلى أن كملت المبايعة له في جميع البلاد واستقرت قواعد الأمور ثم أظهر موت أبيه عبد المؤمن فكانت ولايته ثلاثة وثلاثين سنة وشهورا وكان عاقلا حازما سديد الرأي حسن السياسة للأمور كثير البذل للأموال إلا أنه كان كثير السفك لدماء المسلمين على الذنب الصغير وكان يعظم أمر الدين ويقويه ويلزم الناس في سائر بلاده بالصلاة ومن رآه وقت الصلاة غير مصل قتل

وجمع الناس بالغرب على مذهب مالك في الفروع وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول

وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين المرجع إليهم والكلام معهم ولهم

ذكر ملك المؤيد أعمال قومس والخطبة للسلطان أرسلان بخراسان ص 460

في هذه السنة سار المؤيد أي أبه صاحب نيسابور إلى بلاد قومس فملك بسطام ودامغان واستناب بقومس مملوكه تنكز فأقام تنكز بمدينة بسطام فجرى بين تنكز وبين شاه مازندران اختلاف أدى إلى الحرب فجمع كل منهما عسكره والتقوا أوائل ذي الحجة في هذه السنة واقتتلوا فانهزم عسكر مازندران وأخذت أسلابهم وقتل منهم طائفة كبيرة ولما ملك المؤيد بلاد قومس أرسل إليه السلطان أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه خلعا نفيسة وألوية معقودة وهدية جليلة وأمره أن يهتم بإشعاث بلاد خراسان ويتولى ذلك أجمع وأن يخطب له فلبس المؤيد الخلع فخطب له في البلاد التي هي بيده وكان السبب في هذا أتابك شمس الدين أيلدكز فإنه كان هو الذي يحكم في مملكة أرسلان وليس لأرسلان غير الاسم وكان بين أيلدكز وبين المؤيد مودة ذكرناها عند قتل المؤيد فلما أطاع المؤيد السلطان أرسلان خطب له ببلاد وهي قومس ونيسابور وطوس وأعمال نيسابور جميعها و من نسا إلى طبس كنكلي وكان يخطب لنفسه بعد أرسلان وكانت الخطبة في جرجان ودهستان لخوارزمشاه بن أرسلان بن أتسز وبعده للأمير إيثاق وكانت الخطبة في مرو وبلخ وهراة وسرخس وهذه البلاد بيد الغز إلى هراة فإنها بيد الأمير ايتكين وهو مسالم للغز فكانوا يخطبون للسلطان سنجر فيقولون اللهم اغفر للسلطان السعيد المبارك سنجر وبعده للأمير الذي هو الحاكم في تلك البلاد

ذكر قتل الغز ملك الغور ص 461

في هذه السنة في رجب قتل سيف الدين محمد بن الحسين الغوري ملك الغور قتله الغز وسبب ذلك أنه جمع عساكره وحشد فأكثر وسار من جبال الغور يريد الغز وهو ببلخ واجتمعوا وتقدموا اليه فاتفق أن ملك الغور خرج من معسكره في جماعة من خاصته جريدة فسمع به أمراء الغز فساروا يطلبونه مجدين قبل أن يعود إلى معسكره فأوقعوا به فقاتلهم أشد قتال رآه الناس فقتل ومعه نفر ممن كان معه وأسر طائفة وهربت طائفة فلحقوا بمعسكرهم وعادوا إلى بلادهم منهزمين لا يقف الأب على أبيه ولا الأخ على أخيه وتركوا كل ما معهم بحاله ونجوا بنفوسهم فكان عمر ملك الغور لما قتل نحو عشرين سنة وكان عادلا حسن السيرة فمن عدله وخوفه عاقبة الظلم أنه حاصر أهل هراة فلما ملكها أراد عسكره منها وقال هذا خير من أن تنبهوا أموال المسلمين وتسخطوا الله تعالى فإن الملك يبقي على الكفر ولا يبقي على الظلم ولما قتل عاد الغز إلى بلخ ومرو وقد غنموا شيئا كثيرا من العسكر الغوري لأن أهله تركوه ونجوا

ذكر انهزام نور الدين محمود من الفرنج ص 461

في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج تحت حصن الأكراد وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة تحت حصن الأكراد محاصرا له وعازما على قصد طرابلس ومحاصرتها فبينما الناس يوما في خيامهم وسط النهار لم يرعهم إلا ظهور صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد وذلك أن الفرنج اجتمعوا واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا فإنهم يكونون آمنين فركبوا من وقتهم ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساكرهم وساروا مجدين فلم يشعر بذلك المسلمين إلا وقد قربوا منهم فأرادوا منعهم فلم يطيقوا ذلك فأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال فرهقهم الفرنج بالحملة فلم يثبت المسلمون وعادوا يطلبون معسكر المسلمين والفرنج في ظهورهم فوصلوا معا إلى العسكر النوري فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح إلا وقد خالطوهم فأكثروا القتل والأسر وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي فإنه كان قد خرج من بلاده إلى الساحل في جمع كثير من الروم فقاتلوا محتسبين في زعمهم فلم يبقوا على أحد وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه ولسرعته ركب الفرس والشحبة في رجله فنزل إنسان كردي قطعها فنجا نور الدين وقتل الكردي فأحسن نور الدين إلى مخلفيه ووقف عليهم الوقوف ونزل نور الدين على بحيرة قدس بالقرب من حمص وبينه وبين المعركة أربع فراسخ وتلاحق به من سلم من العسكر وقال له بعضهم ليس من الرأي أن تقيم ههنا فإن الفرنج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا فتؤخذ ونحن على هذا الحال فوبخه واسكته وقال إذا كان معي ألف فارس لقيتهم ولا أبالي بهم ووالله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام ثم أرسل إلى حلب ودمشق وأحضر الأموال والثياب والخيام والسلاح والخيل فأعطى الناس عوض ما أخذ منهم جميعه بقولهم فعاد العسكر كأن لم تصبه هزيمة وكل من قتل أعطى أقطاعه لأولاده وأما الفرنج فإنهم كانوا عازمين على قصد حمص بعد الهزيمة لأنها أقرب البلاد إليهم فلما بلغهم نزول نور الدين بينها وبينهم قالوا لم يفعل هذا إلا وعنده قوة يمنعنا بها ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خرجه قال له بعضهم إن لك في بلادك إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية والقراء فلو استعنت في هذا الوقت لكان أصلح فغضب من ذلك وقال والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطي وأصرفها إلى من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطي وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال كيف يحل لي أن اعطيه غيرهم ثم إن الفرنج راسلوا نور الدين يطلبون منه الصلح فلم يجبهم وتركوا عند حصن الأكراد من يحميه وعادوا إلى بلادهم

ذكر إجلاء بني أسد من العراق ص 463

في هذه السنة أمر الخليفة المستنجد بالله بإهلاك بني أسد أهل الحلة المزيدية لما ظهر من فسادهم ولما كان في نفس الخليفة منهم من مساعدتهم السلطان محمدا لما حصر بغداد فأمر يزدن بن قماج بقتالهم وإجلائهم من البلاد وكانوا منبسطين في البطائح واللوير فلا يقدر عليهم فتوجه يزدن إليهم وجمع عساكر كثيرة من فارس وراجل وأرسل إلى ابن معروف مقدم المتفق وهو بأرض البصرة فجاء في خلق كثير وحصرهم وسكر عنهم الماء وصابرهم مدة فأرسل الخليفة يعتب على يزدن ويعجزه وينسبه إلى موافقته في التشيع وكان يزدن يتشيع فجد هو وابن معروف في قتالهم والتضييق عليهم وسد مسالكهم في الماء فاستسلموا حينئذ فقتل منهم أربعة آلاف قتيل ونودي فيمن بقي من وجد بعد هذا في الحلة المزيدية فقد حل دمه فتفرقوا في البلاد ولم يبق منهم بالعراق من يعرف وسلمت بطائحهم إلى ابن معروف وبلادهم

ذكر عدة حوادث ص 463

في هذه السنة وقع في بغداد حريق في باب درب فراشا إلى مشرعة الصباغين من الجانبين

وفيها في رجب توفي سديد الدولة أبو عبد الله بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم المعروف بابن الأنباري كاتب الإنشا بديوان الخلافة وكان فاضلا أديبا ذا تقدم كثير عند الخلفاء والسلاطين وخدم من سنة ثلاثين وخمسمائة إلى الآن في ديوان الخلافة وعاش حتى قارب تسعين سنة وهو من الشعراء المشهورين إلا أنه كثير الهجو ومن شعره

( يا من هجرت ولا تبالي % هل ترجع دولة الوصال )

( هل أطمع يا عذاب قلبي % أن ينعم في هواك بالي )

( الطرف كما عهدت باك % والجسم كما ترين بال )

( ما ضرك أن تعلليني % في الوصل بموعد المحال )

( أهواك وأنت حظ غيري % يا قاتلتي فما احتيالي )

وهي أكثر من هذا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.