الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
68

ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة

الجزء التاسع 15 عنصر صفحة 443
ذكر الفتنة ببغداد ص 443

في هذه السنة في ربيع الأول خرج الوزير ابن هبيرة من داره إلى الديوان والغلمان يطرقون له وأرادوا يردون باب المدرسة الكمالية بدار الخليفة فمنعهم الفقهاء وضربوهم بالآجر فشهر أصحاب الوزير السيوف وأرادوا ضربهم فمنعهم الوزير ومضى إلى الديوان فكتب الفقهاء مطالعة يشكون أصحاب الوزير فأمر الخليفة بضرب الفقهاء وتأديبهم ونفيهم من الدار فمضى أستاذ الدار وعاقبهم هناك واختفى مدرسهم الشيخ أبو طالب ثم إن الوزير أعطى كل فقير دينارا واستحل منهم وأعادهم إلى المدينة وظهر مدرسهم

ذكر قتل ترشك ص 443

في هذه الأيام قصد جمع من التركمان إلى البندنيجين فأمر الخليفة بتجهيز عسكر إليهم وأن يكون مقدمهم ترشك وكان في أقطاعه بلد اللحف فأرسل إليه الخليفة يستدعيه فامتنع من المجيء إلى بغداد وقال يحضر العسكر فأنا أقاتل بهم وكان عازما على الغدر فجهز العسكر وساروا إليه وفيهم جماعة من الأمراء فلما اجتمعوا بترشك قتلوه وأرسلوا رأسه إلى بغداد وكان قتل مملوكا للخليفة فدعا أولياء المقتول وقيل لهم إن أمير المؤمنين قد اقتص لأبيكم ممن قتله

ذكر قتل سليمان شاه والخطبة لأرسلان ص 443

في هذه السنة في ربيع الآخر قتل السلطان سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه وسبب ذلك أنه كان فيه تهور وخرق وبلغ به شرب الخمر حتى أنه شربها في رمضان نهارا وكان يجمع المساخر ولا يلتفت إلى الأمراء فأهمل العسكر أمره وصاروا لا يحضرون بابه وكان قد رد جميع الأمور إلى شرف الدين كردباز والخادم وهو من مشايخ الخدم السلجوقية يرجع إلى دين وعقل وحسن وتدبير فكان الأمراء يشكون إليه وهو يسكنهم فاتفق أنه شرب يوما بظاهر همذان في الكشك فحضر عنده كردبازو حتى أن بعضهم كشف له سوأته فخرج مغضبا فلما صحا سليمان أرسل إليه يعتذر فقبل عذره إلا أنه تجنب الحضور عنده فكتب سليمات إلى إينانج صاحب الري يطلب منه أن ينجده على كردبازو فوصل الرسول واينانج مريض فأعاد الجواب يقول إذا أفقت من مرضي حضرت إليك بعسكري فبلغ الخبر كردبازو فازداد استيحاشا فأرسل إليه سليمان يوما يطلبه فقال إذا جاء إينانج حضرت وأحضر الأمراء واستحلفهم على طاعته وكانوا كارهين لسليمان فحلفوا له فأول ما عمل أن قتل المساخرة الذين لسليمان وقال إنما أفعل ذلك لملكك ثم اصطلحا

وعمل كردبازو دعوة عظيمة حضرها السلطان والأمراء فلما صار السلطان سليمان شاه في داره قبض عليه كردبازو وعلى وزيره ابن القاسم محمود بن عبد العزيز الحامدي وعلى أصحابه في شوال سنة خمس وخمسين وخمسمائة فقتل وزيره وخواصه وحبس سليمان شاه في قلعة ثم أرسل إليه من خنقه وقيل بل حبسه في دار مجد الدين العلوي رئيس همذان وفيها قتل وقيل بل سقي سما فمات والله أعلم

وأرسل إلى ايلدكز صاحب أرانية وأكثر بلاد أذربيجان يستدعيه إليه ليخطب للملك أرسلان شاه الذي معه وبلغ الخبر إلى اينانج صاحب الري فسار ينهب البلاد إلى أن وصل إلى همذان فتحصن كردبازو فطلب منه إينانج أن يعطيه مصافا فقال أنا لا أحاربك حتى يصل الأتابك الأعظم ايلدكز

وسار ايلدكز في عساكره جميعها يزيد على عشرين ألف فارس ومعه أرسلان شاه بن طغرل بن محمد ابن ملكشاه فوصل إلى همذان فلقيهم كردبازو وأنزله دار المملكة وخطب لأرسلان شاه بالسلطنة بتلك البلاد وكان أيلدكز أتابكه والبهلوان حاجبه وهو أخوه لأمه وكان أيلدكز هذا هو أحد مماليك السلطان مسعود وأمرائه في أول أمره فلما ملك أقطعه أران وبعض أذربيجان واتفق الحروب والاختلاف فلم يحضر عند أحد من السلاطين السلجوقية وعظم شأنه وقوي أمره وتزوج بأم الملك أرسلان شاه فولدت له أولادا منهم البهلوان محمد وقزل أرسلان عثمان وقد ذكرنا سبب انتقال أرسلان شاه إليه وبقي عنده إلى الآن فلما خطب له بهمذان أرسل ايلدكز إلى بغداد يطلب الخطبة لأرسلان شاه أيضا وأن تعاد القواعد إلى ما كانت عليه أيام السلطان مسعود فأهين رسوله وأعيد إليه على أقبح حالة وأما اينانج صاحب الري فإن ايلدكز راسله ولاطفه فاصطلحا وتحالفا على الاتفاق وتزوج البهلوان بن ايلدكز بابنة اينانج ونقلت إليه بهمذان

ذكر الحرب بين بن آقسنقر وعسكر ايلدكز ص 445

لما استقر الصلح بين ايلدكز واينانج أرسل إلى ابن آقسنقر الأحمد يلي صاحب مراغة يدعوه إلى الحضور في خدمة السلطان أرسلان شاه فامتنع من ذلك وقال إن كففتم عني وإلا فعندي سلطان وكان عنده ولد محمد شاه بن محمود كما ذكرناه وكان الوزير ابن هبيرة قد كاتبه يطمعه في الخطبة لولد محمود شاه فجهز ايلدكز عسكرا مع ولده البهلوان فبلغ الخبر إلى ابن آقسنقر فأرسل إلى شاه أرمن صاحب خلاط وحالفه وصارا يدا واحدة فسير إليه أرمن عسكرا كثيرا

واعتذر عن تأخره بنفسه لأنه في ثغر لا يمكنه مفارقته فقوي بهم ابن آقسنقر وكثر جمعه وسار نحو البهلوان فالتقيا على نهر أسبيرود فاشتد القتال بينهم فانهزم البهلوان أقبح هزيمة ووصل هو وعسكره إلى همذان على أقبح صورة واستأمن أكثر أصحابه إلى ابن آقسنقر وعاد إلى بلده منصورا

ذكر الحرب بين أيلدكز واينانج ص 445

لما مات ملكشاه ابن السلطان محمود كما ذكرناه أخذ طائفة من اصحابه ابنه محمودا وانصرفوا به نحو بلاد فارس فخرج عليهم صاحبها زنكي بن دكلا السلغري فأخذه منهم وتركه في قلعة اصطخر فلما ملك ايلدكز والسلطان أرسلان شاه الذي معه البلاد وأرسل ايلدكز إلى بغداد يطلب الخطبة للسلطان كما ذكرناه شرع الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزير الخليفة في إثارة أصحاب الأطراف عليه وراسل الأحمديلي وكان كما ذكرناه وكاتب زنكي بن دكلا صاحب بلاد فارس يبذل له أن يخطب للملك الذي عنده وهو ابن ملكشاه وعلق الخطبة له بظفره بايلدكز فخطب ابن دكلا للملك الذي عنده وأنزله من القلعة وضرب الطبل على بابه خمس نوب وجمع عساكره وكاتب اينانج صاحب الري يطلب منه الموافقة وسمع ايلدكز الخبر فحشد وجمع وكثر عسكره وجموعه فكانت أربعين ألفا وسار إلى أصفهان يريد بلاد فارس وأرسل إلى زنكي ابن دكلا يطلب منه الموافقة وأن يعود يخطب لأرسلان شاه فلم يفعل وقال إن الخليفة قد أقطعني بلاده وأنا سائر إليه فرحل ايلدكز وبلغه أن جشيرا لأرسلان بوقا وهو أمير من أمراء زنكي وفي إقطاعه أرجان بالقرب منه فأنفذ سرية للغارة عليه فاتفق أن أرسلان بوقا عزم على تغيير الخيل التي معه فأضعفها وأخذ عوضها من ذلك الجشير فسار في عسكره إلى الجشير فصادف العسكر الذي سيره أيلدكز لأخذ دوابه فقاتلهم وأخذهم وقتلهم وأرسل الرؤوس إلى صاحبه فكتب بذلك إلى بغداد وطلب المدد فوعد بذلك وكان الوزير عون الدين بن هبيرة أيضا قد كاتب الأمراء الذين مع ايلدكز يوبخهم على طاعته ويضعف رأيهم ويحرضهم على مساعدة زنكي بن دكلا واينانج

وكان اينانج قد برز زمن الري في عشرة آلاف فارس فأرسل إلي ابن آقسنقر الأحمديلي خمسة آلاف فارس وهرب ابن البازدار صاحب قزوين وابن طغيرك وغيرهما فلحقوا باينانج وهو في صحراء ساوة وأما ايلدكز فإنه استشار نصحاءه فأشاروا بقصد اينانج لأنه أهم فرحل إليه ونهب زنكي إليهم فلقيهم وقاتلهم فانهزم عسكر ايلدكز إليه فتجلد ايلدكز وأرسل يطلب عساكر أذربيجان فجاءته مع ولده قزل أرسلان وسير زنكي بن دكلا عسكرا كثيرا إلى اينانج واعتذر عن الحضور بنفسه عنده لخوفه على بلاده من شملة صاحب خوزستان فسار ايلدكز إلى اينانج وتدانى العسكران فالتقوا تاسع شعبان وجرى بينهم حرب عظيمة أجلت عن هزيمة اينانج فانهزم أقبح هزيمة وقتلت رجاله ونهبت أمواله ودخل الري وتحصن في قلعة طبرك وحصر ايلدكز الري تم الصلح واقترح اينانج اقتراحات فأجابه ايلدكز إليها وأعطاه جرماذقان وغيرها وعاد ايلدكز إلى همذان وكان ينبغي أن تتأخر هذه الحادثة والتي قبلها وإنما قدمت لتتبع أخواتها

ذكر وفاة ملك الغور وملك ابنه محمد ص 446

في هذه السنة في ربيع الآخر توفي الملك علاء الدين الحسين بن الحسين الغوري ملك الغور بعد انصرافه عن غزنة وكان عادلا من احسن الملوك سيرة في رعيته

ولما مات ملك بعده ابنه سيف الدين محمد وأطاعه الناس وأحبوه وكان قد صار في بلادهم جماعة من دعاة الإسماعيلية وكثر أتباعهم فأخرجهم من تلك الديار جميعها

ولم يبق فيها منهم أحد وراسل الملوك وهاداهم واستمال المؤيد أي أبه صاحب نيسابور وطلب موافقته

ذكر الفتنة بنيسابور وتخريبها ص 447

كان أهل العبث والفساد بنيسابور قد طمعوا في نهب الأموال وتخريب البيوت وفعل ما أرادوا فإذا نهبوا لم ينتهوا فلما كان الآن تقدم المؤيد أي أبه بقبض أعيان نيسابور منهم نقيب العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني وغيره وحبسهم في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وقال : أنتم الذين أطمعتم الزنود والمفسدين حتى فعلوا هذه الفعال ولو أردتم منعهم لامتنعوا وقتل من أهل الفساد جماعة فخربت نيسابور بالكلية ومن جملة ما خرب مسجد عقيل وكان مجمعا لأهل العلم وفيه خزائن الكتب الموقوفة وكان من اعظم منافع نيسابور وخرب أيضا من مدارس الحنفية ثمان مدارس ومن مدارس الشافعية سبع عشرة مدرسة وأحرق خمس خزائن للكتب ونهب سبع خزائن كتب وبيعت بأبخس اللأثمان هذا ما أمكن احصاؤه سوى ما لم يذكر

ذكر خلع السلطان محمود ونهب طوس وغيرها من خراسان ص 447

في هذه السنة في جمادى الآخرة قصد السلطان محمود بن محمد الخان وهو ابن أخت السلطان سنجر وقد ذكرنا انه ملك خراسان بعده ففي هذه السنة حصر المؤيد صاحب نيسابور بشاذياج وكان الغز مع السلطان محمود فدامت الحرب إلى آخر شعبان سنة ست وخمسين وخمسمائة ثم إن محمودا اظهر انه يريد دخول الحمام فدخل إلى شهرستان آخر شعبان كالهارب من الغز وأقاموا على نيسابور إلى آخر شوال ثم عادوا راجعين فعاثوا في القرى ونهبوها ونهبوا طوس نهبا فاحشا واحضروا المشهد الذي لعلي بن موسى وقتلوا كثيرا ممن فيه ونهبوهم ولم يعرضوا للقبة التي فيها القبر

فلما دخل السلطان محمود إلى نيسابور أمهله المؤيد إلى أن دخل رمضان من سنة سبع وخمسين وخمسمائة وأخذه وكحله وأعماه وأخذ ما كان معه من الأموال والجواهر والأعلاق النفيسة وكان يخفيها خوفا عليها من الغز لما كان معهم وقطع المؤيد خطبته من نيسابور وغيرها مما هو في تصرفه وخطب لنفسه بعد الخليفة المستنجد بالله وأخذ ابنه جلال الدين محمدا الذي كان قد ملكه الغز أمرهم قبل أبيه وقد ذكرنا ذلك وسمله أيضا وسجنهما ومعهما جواريهما وحشمهما وبقيا فيها فلم تطل أيامها ومات السلطان محمود ثم مات ابنه بعده من شدة وجده لموت أبيه والله أعلم

ذكر عمارة شاذياخ نيسابور ص 448

كانت شاذياخ قد بناها عبد الله بن طاهر بن الحسين لما كان أميرا على خراسان للمأمون وسبب عمارتها أنه رأى امرأة جميلة تقود فرسا تريد سقيه فسألها عن زوجها فأخبرته به فأحضره وقال له خدمة الخيل بالرجال أشبه فلم تقعد أنت في دارك وترسل امرأتك مع فرسك فبكى الرجل وقال له ظلمك يحملنا على ذلك فقال وكيف قال لأنك تنزل الجند معنا في دورنا فإن خرجت أنا وزوجتي بقي البيت فارغا فيأخذ الجندي ما لنا فيه وإن سقيت أنا الفرس فلا آمن على زوجتي من الجندي فرأيت أن أقيم في البيت وتخدم زوجتي الفرس

فعظم الأمر عليه وخرج من البلد لوقته ونزل في الخيام وأمر الجند فخرجوا من دور الناس وبنى شاذياخ دارا له ولجنده وسكنها وهم معه

ثم إنها دثرت بعد ذلك فلما كان أيام السلطان ألب أرسلان ذكرت له هذه القصة فأمر بتجنيدها ثم إنها تشعثت بعد ذلك فلما كان الآن وخرجت نيسابور ولم يمكن حفظها والغز تطرق البلاد وتنهبها أمر المؤيد حينئذ بعمل سورها وسد ثلمه وسكناه ففعل ذلك وسكنها هو والناس معه وخربت حينئذ نيسابور كل خراب ولم يبق فيها اثنان

ذكر قتل الصالح بم رزيك ووزارة ابنه رزيك ص 448

في هذه السنة في شهر رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك الأرمني وزير العاضد العلوي صاحب مصر وكان سبب قتله أنه تحكم في الدولة التحكم العظيم واستبد بالأمر والنهي وجباية الأموال إليه لصغر العاضد ولأنه هو الذي ولاه ووتر الناس فإنه أخرج كثيرا من أيمانهم وفرقهم في البلاد ليأمن وثوبهم عليه ثم إنه زوج ابنته من العاضد فعاداه أيضا الحرم من القصر فأرسلت عمة العاضد الأموال إلى أمراء المصريين ودعتهم إلى قتله وكان أشدهم عليه في ذلك إنسان يقال له ابن الداعي فوقفوا له في دهليز القصر فلما دخل ضربوه بالسكاكين على دهش فجرحوه جراحات مهلكة إلا أنه حمل إلى داره وفيه حياة فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضا بقتله مع أثره في خلافته فأقسم العاضد أنه لا يعلم بذلك ولم يرض به فقال إن كنت بريئا فسلم عمتك إلي حتى انتقم منها فأمر بأخذها فأرسل إليها فأخذها قهرا وأحضرت عنده فقتلها ووصى بالوزارة لابنه رزيك ولقب العادل فانتقل الأمر إليه بعد وفاة أبيه وللصالح أشعار حسنة بليغة تدل على فضل غزير فمنها في الافتخار

( أبى الله إلا أن يدوم لنا الدهر % ويخدمنا في ملكنا العز والنصر )

( علمنا بأن المال تفنى ألوفه % ويبقى لنا من بعده الأجر والذكر )

( خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا % سحاب لديه البرق والرعد والقطر )

( قرانا إذا رحنا إلى الحرب مرة % قرانا ومن أضيافنا الذئب والنسر )

( كما أننا في السلم نبذل جودنا % ويرتع في أنعامنا العبد والحر )

وكان الصالح كريما فيه أدب له شعر جيد وكان لأهل العلم عنده إنفاق ويرسل إليهم العطاء الكثير بلغه أن الشيخ أبا محمد بن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو هذا

( تجنب سمعي ما تقول العواذل % وأصبح لي شغل من الغزو شاغل )

قجهز إليه هدية سنية ليرسلها إليه فقتل قبل إرسالها وبلغه أيضا أن إنسانا من أعيان الموصل قد أثنى عليه بمكة فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هدية وكان الصالح إماميا لم يكن على مذهب العلويين المصريين ولما ولي العاضد الخلافة وركب سمع الصالح ضجة عظيمة فقال ما الخبر فقيل إنهم يفرحون بالخليفة فقال كأني بهؤلاء الجهلة وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم قال عمارة دخلت إلى صالح قبل قتله بثلاثة أيام فناولني قرطاسا فيه بيتان من شعره وهما

( نحن في غفلة ونوم وللموت % عيون يقظانة لا تنام )

( قد رحلنا إلى الحمام سنينا % ليت شعري متى يكون الحمام )

فكان آخر عهدي به

وقال عمارة أيضا ومن عجيب الاتفاق أنني أنشدت ابنه قصيدة أقول فيها

( أبوك الذي تسطو الليالي بحده % وأنت يمين إن سطا وشمال )

( لرتبته العظمى وإن طال عمره % إليك مصير واجب ومنال )

( تخالصك اللحظ المصون ودونها % حجاب شريف لا انقضا وحجال )

فانتقل الأمر إليه بعد ثلاثة أيام

ذكر الحرب بين العرب وعسكر بغداد ص 450

في هذه السنة في شهر رمضان اجتمعت خفاجة إلى الحلة والكوفة وطالبوا برسومهم من الطعام والتمر وغير ذلك فمنعهم أمير الحاج أرغش وهو مقطع الكوفة ووافقه على منعه الأمير قيصر شحنة الحلة وهما من مماليك الخليفة فأفسدت خفاجة ونهبوا سواد الكوفة والحلة فأسرى إليهم الأمير قيصر شحنة الحلة في مائتين وخمسين فارسا وخرج إليه أرغش في عسكر وسلاح فانتزح خفاجة من بين أيديهم وتبعه العسكر إلى رحبة الشام فأرسل خفاجة يعتذرون ويقولون قد قنعنا بلبن الإبل وخبز الشعير وأنت تمنعونا رسومنا وطلبوا الصلح فلم يجبهم أرغش وقيصر وكان قد اجتمع مع خفاجة كثير من العرب فتصافوا واقتتلوا وأرسلت العرب طائفة إلى خيام العسكر ورحالهم فحالوا بينهم وبينها وحمل العرب حملة منكرة فانهزم العسكر وقتل كثير منهم وقتل الأمير قيصر وأسرت جماعة أخرى وجرح أمير الحاج جراحة شديدة ودخل الرجبة فحماه شحنتها وأخذ له الأمان وسيره إلى بغداد ومن نجا مات عطشا في البرية وكان إماء العرب يخرجن بالماء يسقين الجرحى فإذا طلبه منهن أحد من العسكر أجهزن عليه وكثر النوح والبكاء ببغداد على القتلى وتجهز الوزير عون الدين بن هبيرة والعساكر معه فخرج في طلب خفاجة فدخلوا البرية وخرجوا إلى البصرة ولما دخلوا البر عاد الوزير إلى بغداد وأرسل بنو خفاجة يعتذروا ويقولون بغي علينا وفارقنا البلاد فتبعوني واضررنا إلى القتال وسألوا العفو عنهم فأجيبوا إلى ذلك

ذكر حصر المؤيد شارستان ص 451

في هذه السنة حصر المؤيد أي أبه مدينة شارستان قريب نيسابور وقاتله أهلها ونصب المجانيق والعرادات فصبر أهلها خوفا على أنفسهم من المؤيد وكان مع المؤيد جلال الدين الموفقي الفقيه الشافعي فبينما هو راكب إذ وصل إليه حجر منجنيق فقتله خامس جمادى الآخرة من السنة وتعدى الحجر منه إلى شيخ من شيوخ بيهق فقتله فعظمت المصيبة بقتل جلال الدين على أهل العلم خصوصا أهل السنة والجماعة وكان في عنفوان شبابه رحمه الله لما قتل ودام الحصار إلى شعبان سنة سبع وخمسين وخمسمائة فنزل خواجكي صاحبها بعدما كثر القتل ودام الحصر وكان لهذه القلعة ثلاثة رؤساء هم أرباب النهي والأمر وهم الذين حفظوها وقاتلوا عنها أحدهم خواجكي هذا والثاني داعي بن محمد ابن أخي حرب العلوي والثالث الحسين بن أبي طالب العلوي الفارسي فنزلوا كلهم أيضا إلى المؤيد أي أبه فيمن معهم من أشياعهم وأتباعهم فأما خواجكي فإنه أثبت عليه أنه قتل زوجته ظلما وعدوانا وأخذ مالها فقتل بها وملك المؤيد شارستان وصفت له فنهبها عسكره إلا أنهم لم يقتلوا امرأة ولا سبوها

ذكر ملك الكرج مدينة آني ص 451

في هذه السنة في شعبان اجتمعت الكرج مع ملكهم وساروا إلى مدينة آني من بلاد آران وملكوها وقتلوا فيها خلقا كثيرا فانتدب لهم شاه أرمن بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط وجمع العساكر واجتمع معه من المتطوعة خلق كثير وسار إليهم فلقوه وقاتلوه فانهزم المسلمون وقتل أكثرهم وأسر كثير منهم وعاد شاه أرمن مهزوما ولم يرجع معه غير أربعمائة فارس من عسكره

ذكر ولاية عيسى مكة حرسها الله تعالى ص 451

كان أمير مكة هذه السنة قاسم بن فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي الحسيني فلما سمع بقرب الحجاج من مكة صادر المجاورين وأعيان أهل مكة وأخذ كثيرا من أموالهم وهرب من مكة خوفا من أمير الحاج أرغش وكان قد حج هذه السنة زين الدين علي بن بكتكين صاحب جيش الموصل ومعه طائفة صالحة من العسكر فلما وصل أمير الحاج إلى مكة رتب مكان قاسم بن فليتة عمه عيسى بن قاسم بن هاشم فبقي كذلك إلى شهر رمضان ثم إن قاسم بن فليتة جمع جمعا كثيرا من العرب أطمعهم في مال له بمكة فاتبعوه فسار بهم إليها فلما سمع عمه عيسى فارقها ودخلها قاسم فأقام بها أميرا أياما ولم يكن له مال يوصله إلى العرب ثم إنه قتل قائدا كان معه حسن السيرة فتغيرت نيات أصحابه عليه وكاتبوا عمه عيسى فقدم عليهم فهرب وصعد جبل أبي قبيس فسقط عن فرسه فأخذه أصحاب عيسى وقتلوه فعظم عليه قتله فأخذه وغسله ودفنه بالمعلى عند أبيه فليتة واستقر الأمر بعده لعيسى والله أعلم

ذكر عدة حوادث ص 452

في هذه السنة سار عبد المؤمن بن علي إلى جبل طارق وهو على ساحل الخليج بما يلي الأندلس فعبر المجاز إليه وبنى عليه مدينة حصينة وأقام بها عليه عدة شهور وعاد إلى مراكش

وفيها في المحرم ورد نيسابور جمع كثير من تركمان بلاد فارس ومعهم أغنام كثيرة للتجارة فباعوها وأخذوا الثمن ونزلوا على مرحلتين من طابس كنكلي وباتوا هناك فنزل إليهم الإسماعيلية وكبسوهم ليلا ووضعوا السيف فيهم فقتلوا وأكثروا ولم ينج منهم إلا الشريد وغنم الإسماعيلية جميع ما معهم من مال وعروض وعادوا إلى قلاعهم

وفيها كثرت الأمطار في أكثر البلاد ولا سيما خراسان فإن الأمطار توالت فيها من العشرين من المحرم إلى منتصف صفر لم تنقطع ولا رأى الناس فيها شمسا

وفيها كان بين الكرج وبين الملك صلتق بن علي صاحب أرزن الروم قتال وحرب انهزم فيه صلتق وعسكره وأسر هو وكانت أخته شاه بانوار قد تزوجها شاه أرمن بن سكمان بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط فأرسلت إلى ملك الكرج هدية جليلة المقدار وطلبت منه أن يفاديها بأخيها فأطلقه فعاد إلى ملكه

وفيها قصد صاحب صيدا من الفرنج نور الدين محمود صاحب الشام ملتجئا إليه فأمنه وسير معه عسكرا يمنعه من الفرنج أيضا فظفر عليهم في الطريق كمين للفرنج فقتلوا من المسلمين جماعة وانهزم الباقون

وفيها ملك قرا أرسلان صاحب حصن كيفا قلعة شاتان وكانت لطائفة من الأكراد يقال لهم الجونية فلما ملكها خربها وأضاف ولايتها إلى حصن طالب

وفيها توفي الكمال حمزة بن علي بن طلحة صاحب المخزن كان جليل القدر أيام المسترشد بالله وولي المقتفى وبنى مدرسة لأصحاب الشافعي بالقرب من داره ثم حج وعاد وقد لبس الفوط وزي الصوفية وترك الأعمال فقال بعض الشعراء فيه

( يا عضد الإسلام يا من سمت % إلى العلا همته الفاخره )

( كانت لك الدنيا فلم ترضها % ملكا فأخلدت إلى الآخره )

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.