الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة
67

ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة

الجزء التاسع 11 عنصر صفحة 436
ذكر مسير سليمان شاه إلى همذان ص 436

في هذه السنة سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان ليتولى السلطنة وقد تقدم سبب قبضه وأخذه إلى الموصل وسبب مسيره إليها أن الملك محمد ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه لما مات أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى أتابك قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل يطلبون منه إرسال الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه إليهم ليولوه السلطنة فاستقرت القاعدة بينهم أن يكون سليمان شاه سلطانا وقطب الدين أتابكه وجمال الدين وزير قطب الدين وزيرا لسليمان شاه وتحالفوا على هذا وجهز سليمان شاه بالأموال الكثيرة والبرك والدواب والآلات وغير ذلك مما يصلح للسلاطين وسار ومعه زين الدين علي وعسكر الموصل إلى همذان فلما قاربوا بلاد الجبل أقبلت العساكر إليهم أرسالا كل يوم يلقاه طائفة وأمير فاجتمع مع سليمان شاه عسكر فخافهم زين الدين على نفسه لأنه رأى من تسلطهم على السلطان واطراحهم للأدب معه ما أوجب الخوف معه فعاد إلى الموصل فحين عاد عنه لم ينتظم أمره ولم يتم له ما أراده وقبض العسكر عليه بباب همذان في شوال سنة ست وخمسين وخطبوا لأرسلان شاه ابن الملك طغرل وهو الذي زوج أيلدكز بأمه وسيذكر مشروحا إن شاء الله

ذكر وفاة الفائز وولاية العاضد العلويين ص 436

في هذه السنة توفي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن اسماعيل الظافر صاحب مصر وكانت خلافته ست سنين ونحو شهرين وكان له لما ولي خمس سنين كما ذكرناه ولما مات دخل الصالح بن رزيك القصر واستدعى خادما كبيرا وقال له من ههنا يصلح للخلافة فقال ههنا جماعة وذكر أسماءهم وذكر له منهم إنسانا كبير السن فأمر بإحضاره فقال له بعض أصحابه سرا لا يكون عباس أحزم منك حيث اختار الصغير وترك الكبار واستبد بالأمر فأعاد الصالح الرجل إلى موضعه وأمر حينئذ بإحضار العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ ولم يكن أبوه خليفة وكان العاضد ذلك الوقت مراهقا قارب البلوغ فبايع له بالخلافة وزوجه الصالح ابنته ونقل معها من الجهاز ما لا يسمع بمثله وعاشت بعد موت العاضد وخروج الأمر من العلويين إلى الأتراك وتزوجت

ذكر وفاة الخليفة المقتفي لأمر الله وشيء من سيرته ص 437

وفي هذه السنة ثاني ربيع الأول توفي أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله رضي الله عنه بعلة التراقي وكان مولده ثاني عشر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وأربعمائة وأمه أم ولد تدعى ياعي وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة عشر يوما ووافق أباه المستظهر بالله في علة التراقي وماتا جميعا في ربيع الأول وكان حليما كريما عادلا حسن السيرة من الرجال ذوي الرأي والعقل الكثير وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون معه من أول أيام الديلم إلى الآن وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء من عهد المستنصر إلى الآن إلا أن يكون المعتضد وكان شجاعا مقداما مباشرا للحروب بنفسه وكان يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى كان لا يفوته منها شيء

ذكر خلافة المستنجد بالله ص 437

وفي هذه السنة بويع المستنجد بالله أمير المؤمنين واسمه يوسف وأمه أم ولد تدعى طاوس بعد موت والده وكان للمقتفي حظية وهي أم ولده أبي علي فلما اشتد مرض المقتفي وأيست منه أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير أبو علي خليفة فقالوا كيف الحيلة مع ولي العهد فقالت إذا دخل على والده قبضت عليه وكان يدخل إلى أبيه كل يوم فقالوا لا بد لنا من أحد من أرباب الدولة فوقع اختيارهم على أبي المعالي ابن الكيا الهراسي فدعوه إلى ذلك فأجابهم على أن يكون وزيرا فبذلوا له ما طلب فلما استقرت القاعدة بينهم وعلمت أم أبي علي أحضرت عدة من الجواري وأعطتهن السكاكين وأمرتهن بقتل ولي العهد المستنجد بالله وكان له خصي صغير يرسله كل وقت يتعرف أخبار والده فرأى الجواري بأيديهن السكاكين ورأى بيد أبي علي وأمه سيفين فعاد إلى المستنجد وأخبره وأرسلته هي إلى المستنجد تقول له إن والده قد حضره الموت ليحضر ويشاهده فاستدعى أستاذ دار عضد الدولة وأخذه معه وجماعة من الفراشين ودخل الدار وقد لبس الدرع وأخذ بيده السيف فلما دخل ثار الجواري فضرب واحدة منهن فجرحها وكذلك أخرى وصاح ودخل أستاذ الدار ومعه الفراشون فهرب الجواري وأخذ أخاه أبا علي وأمه فسجنهما وأخذ الجواري فقتل منهن وغرق منهن ودفع الله عنه فلما توفي المقتفي لأمر الله جلس للبيعة فبايعه أهله وأقاربه وأولهم عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي وكان أكبر من المستنجد ثم بايعه الوزير بن هبيرة وقاضي القضاة وأرباب الدولة والعلماء وخطب له يوم الجمعة ونثرت الدنانير والدراهم

حكى عنه الوزير عون الدين بن هبيرة أنه قال رأيت رسول الله في المنام منذ خمس عشرة سنة وقال لي يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة فكان كما قال قال ثم رأيته قبل موت أبي المقتفي بأربعة اشهر فدخل بي في باب كبير ثم ارتقى إلى رأس جبل وصلى بي ركعتين ثم ألبسني قميصا ثم قال لي قل اللهم اهدني فيمن هديت وذكر دعاء القنوت ولما ولي الخلافة أقر ابن هبيرة على وزارته وأصحاب الولايات على ولاياتهم وأزال المكوس والضرائب وقبض على القاضي ابن المرخم وكان بئس الحاكم وأخذ منه مالا كثيرا وأخذت كتبه فأحرق منها في الرحبة ما كان في علوم الفلاسفة فكان منها كتاب الشفاء لابن سينا وكتاب إخوان الصفا وما يشاكلهما

وقدم عضد الدين ابن رئيس الرؤساء وكان أستاذ الدار ومكنه وتقدم إلى الوزير أن يقوم له وعزل قاضي القضاة أبا الحسن علي بن أحمد الدامغاني ورتب مكانه أبا جعفر عبد الواحد الثقفي وخلع عليه

ذكر الحرب بين عسكر خوارزمشاه والأتراك البرزية ص 439

في هذه السنة في ربيع الأول ثار طائفة من عسكر خوارزمشاه إلى أجنة وهجموا على يغمرخان بن أودك ومن معه من الأتراك البرزية فأوقعوا بهم وأكثروا القتل فانهزم يغمرخان وقصد السلطان محمود بن محمد الخان والأتراك الغزية الذين معه وتوسل إليهم بالقرابة وظن يغمرخان أن اختيار الدين إيثاق هو الذي هيج الخوارزمية عليه فطلب من الغز إنجاده

ذكر أحوال المؤيد بخراسان هذه السنة ص 439

قد ذكرنا سنة ثلاث وخمسين عود المؤيد أي أبه إلى نيسابور وتمكنه منها وأن ذلك كان سنة أربع وخمسين وخمسمائة ورأى المؤيد تحكمه في نيسابور وتمكنه في دولته وكثرة جنده وعسكره

احسن السيرة في الرعية لا سيما أهل نيسابور فإنه جبرهم وبالغ في الإحسان إليهم وشرع في إصلاح أعمالها وإصلاح ولايتها فسير طائفة من عسكره إلى ناحية اسقيل وكان بها جمع قد تمردوا وأكثروا العيث والفساد في البلاد وطال تماديهم في طغيانهم فأرسل إليهم المؤيد يدعوهم إلى ترك الشر والفساد ومعاودة الطاعة والصلاح فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما هم عليه فسير إليهم سرية كثيرة فقاتلوهم وأذاقوهم عاقبة ما صنعوا فأكثروا القتل فيهم وخربوا حصنهم وسار المؤيد من نيسابور إلى بيهق فوصلها رابع عشر ربيع الآخر من السنة وقصد منها حصن خسروجرد وهو حصن منيع بناه كيخسرو الملك قبل فراغه من قتل أفراسياب وفيه رجال شجعان فامتنعوا على المؤيد فحصرهم ونصب عليهم المجانيق وجد في القتال فصبر أهل الحصن حتى نفد صبرهم ثم ملك المؤيد القلعة وأخرج كل من فيها ورتب فيها من يحفظها وعاد منها إلى نيسابور في الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة

ثم سار إلى هراة فلم يبلغ منها غرضا فعاد إلى نيسابور وقصد مدينة كندر وهي من أعمال طربثيث وقد تغلب عليها رجل اسمه أحمد كان خربنده واجتمع معه جماعة من الزنود وقطاع الطريق والمفسدين فخربوا كثيرا من البلاد وقتلوا كثيرا من الخلق وغنموا من الأموال ما لا يحصى وعظمت المصيبة بهم على خراسان وزاد البلاد فقصدهم المؤيد فتحصنوا بالحصن الذي لهم فقوتلوا أشد قتال ونصب عليهم العرادات والمنجنيقات فأذعن هذا الخربنده أحمد إلى طاعة المؤيد والانخراط في سلك أصحابه وأشياعه فقبله أحسن قبول وأحسن إليه وأنعم عليه ثم إنه عصي على المؤيد وتحصن بحصنه فأخذه المؤيد منه قهرا وعنوة وقيده واحتاط عليه ثم قتله وأراح المسلمين منه ومن شره وفساده

وقصد المؤيد في شهر رمضان ناحية بيهق عازما على قتالهم لخروجهم عن طاعته فلما قاربها أتاه زاهد من أهلها ودعاه إلى العفو عنهم والحلم عن ذنوبهم ووعظه وذكره فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم فأرسل السلطان محمود بن محمد الخان وهو مع الغزالي المؤيد بتقرير نيسابور وطوس وأعمالها عليه ورد الحكم فيها إليه فعاد إلى نيسابور رابع ذي القعدة من السنة ففرح الناس بما تقرر بينه وبين الملك محمود وبين الغز من إبقاء نيسابور عليه ليزول الخلف والفتن عن الناس

ذكر الحرب بين شاه مازندان ويغمرخان ص 440

لما قصد يغمرخان الغز وتوسل إليهم لينصروه على إيثاق لظنه أنه هو الذي حسن للخوارزمية قصده فأجابوه إلى ذلك وساروا معه على طريق نسا وأبيورد ووصلوا إلى الأمير إيثاق فلم يجد لنفسه بهم قوة فاستنجد شاه مازندان فجاءه ومعه الأكراد والديلم والأتراك والتركمان الذين يسكنون نواحي أيسكون جمع كثير فاقتتلوا ودامت الحرب بينهم وانهزم الأتراك الغزية والبرزية من شاه مازندان خمس مرات ويعودون وكان على ميمنة شاه مازندان الأمير إيثاق فحملت الأتراك الغزية عليه لما أيسوا من الظفر بقلب شاه مازندان فانهزم إيثاق وتبعه باقي العسكر ووصل شاه مازندان إلى سارية وقتل من عسكره أكثرهم وحكي أن بعض التجار كفن ودفن من هؤلاء القتلى سبعة آلاف رجل وأما إيثاق فإنه قصد في هربه خوارزم وأقام بها وسار الغز من المعركة إلى دهستان وكان الحرب قريبا منها فنقبوا سورها وأوقعوا بأهلها ونهبوهم أوائل سنة ست وخمسين وخمسمائة بعد أن خربوا جرجان وفرقوا أهلها في البلاد وعادوا إلى خراسان

ذكر وفاة خسروشاه صاحب غزنة وملك ابنه بعده ص 440

في هذه السنة في رجب توفي السلطان خسروشاه بن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وكان عادلا حسن السيرة في رعيته محبا للخير وأهله مقربا للعلماء محسنا إليهم راجعا إلى قولهم وكان ملكه تسع سنين وملك بعده ابنه ملك شاه فلما ملك نزل علاء الدين الحسين ملك الغور إلى غزنة فحصرها وكان الشتاء شديدا والثلج كثيرا فلم يمكنه المقام عليها فعاد إلى بلاده في صفر سنة ست وخمسين

ذكر الحرب بين إيثاق وبغراتكين ص 441

في هذه السنة منتصف شعبان كان بين الأمير إيثاق والأمير بغراتكين برغش الجركاني حرب وكان إيثاق قد سار إلى بغراتكين في آخر أعمال جوين فنهب وأخذ أمواله وكل ماله وكان ذا نعمة عظيمة وأموال جسيمة فانهزم بغراتكين عنها وخلاها فافتتحها إيثاق واستغنى بها وقويت نفسه وكثرت جموعه وقصده الناس

وأما بغراتكين فإنه أرسل إلى المؤيد صاحب نيسابور وسار في جملته ومعدودا من أصحابه فتلقاه المؤيد بالقبول

ذكر وفاة ملكشاه بن محمود ص 441

في هذه السنة توفي ملكشاه ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بأصفهان مسموما وكان سبب ذلك أنه لما كثر جمعه بأصفهان أرسل إلى بغداد وطلب أن يقطعوا خطبة عمه سليمان شاه ويخطبوا له ويعيدوا القواعد بالعراق إلى ما كانت أولا وإلا قصدهم فوضع الوزير عون الدين بن هبيرة خصيا كان خصيصا به يقال له أغلبك الكوهراييني فمضى إلى بلاد العجم واشترى جارية من قاضي همذان بألف دينار وباعها من ملكشاه وكان قد وضعها على سمه ووعدها أمورا عظيما على ذلك وسمته في لحم مشوي فأصبح ميتا وجاء الطبيب إلى دكلا وشملة فعرفهما أنه مسموم فعرفوا أن ذلك من فعل الجارية فأخذت وضربت وأقرت وهرب أغلبك ووصل إلى بغداد ووفي له الوزير بجميع ما استقر الحال عليه ولما مات أخرج أهل اصفهان أصحابه من عندهم وخطبوا لسليمان شاه واستقر ملكه بتلك البلاد وعاد شملة إلى خوزستان فأخذ ما كان ملكشاه تغلب عليه منها

ذكر عدة حوادث ص 442

في هذه السنة حج أسد الدين شيركوه بن شاذي مقدم جيوش نور الدين محمود ابن زنكي صاحب الشام وشيركوه هذا هو الذي ملك الديار المصرية وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى

وفيها أرسل زين الدين علي نائب قطب الدين صاحب الموصل رسولا إلى المستنجد يعتذر مما جناه من مساعدة محمد شاه في حصار بغداد ويطلب أن يؤذن له في الحج فأرسل إليه يوسف الدمشقي مدرس النظامية وسليمان بن قتلش يطيبان قلبه عن الخليفة ويعرفانه الإذن في الحج فحج ودخل إلى الخليفة فأكرمه وخلع عليه

وفيها توفي قايماز الأرجواني أمير الحاج سقط عن الفرس وهو يلعب بالأكرة فسال مخه من مناخيره وأذنيه فمات

وفيها في ربيع الآخر توفي محمد بن يحيى بن علي بن مسلم أبو عبد الله الزبيدي من أهل زبيد مدينة باليمن مشهورة وقدم بغداد سنة تسع وأربعين وخمسمائة وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكان نحويا واعظا وصحبه الوزير بن هبيرة مرة وكان موته ببغداد

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.