الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
62

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة

الجزء التاسع 9 عنصر صفحة 402
ذكر عصيان الجزائر وافريقية على ملك الفرنج بصقلية وما كان منهم ص 402

قد ذكرنا سنة ثمان وأربعين وخمسمائة موت رجار ملك صقلية وملك ولده غليالم وأنه كان فاسد التدبير فخرج عن حكمه عدة من حصون صقلية فلما كان هذه السنة قوي طمع الناس فيه فخرج من طاعته جزيرة جربة وجزيرة فرقنة وأظهروا الخلاف عليه وخالف عليه أهل افريقية فأول من أظهر الخلاف عليه عمر بن أبي الحسين الفريابي بمدينة سفاقس وكان رجار قد استعمل عليها لما فتحها أباه أبا الحسين وكان من العلماء الصالحين فأظهر العجز والضعف وقال استعمل ولدي

فاستعمله وأخذ أباه رهينة إلى صقلية فلما أراد المسير إليها قال لولده عمر إنني كبير السن وقد قارب أجلي فمتى أمكنتك الفرصة في الخلاف على العدو فافعل ولا تراقبهم ولا تنظر في أنني أقتل واحسب أني قدمت

فلما وجد هذه الفرصة دعا أهل المدينة إلى الخلاف وقال يطلع جماعة منكم إلى السور وجماعة يقصدون مساكن الفرنج والنصارى جميعهم ويقتلونهم كلهم فقالوا له إن سيدنا الشيخ والدك نخاف عليه قال هو أمرني بهذا وإذا قتل بالشيخ ألوف من الاعداء فما مات

فلم تطلع الشمس حتى قتلوا الفرنج عن آخرهم وكان ذلك أول سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ثم اتبعه يحيى بن مطروح بطرابلس وبعدهما محمد بن رشيد بقابس وسار عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها وخرج جميع افريقية عن حكم الفرنج ما عدا المهدية وسوسة وأرسل عمر بن أبي الحسين إلى زويلة وهي مدينة بينها وبين المهدية نحو ميدان يحرضهم على الوثوب على من معهم فيها من النصارى فعلوا ذلك وقدم عرب البلاد إلى زويلة فأعانوا أهلها على من بالمهدية من الفرنج وقطعوا الميرة عن المهدية فلما اتصل الخبر بغليالم ملك صقلية أحضر أبا الحسين وعرفه ما عمل ابنه فأمره أن يكتب إليه ينهاه عن ذلك ويأمره بالعود إلى طاعته ويخوفه عاقبة فعله فقال من قدم على هذا يرجع بكتاب فأرسل ملك صقلية إليه رسولا يتهدده ويأمره بترك ما ارتكبه فلم يمكنه عمر من دخول البلد يومه ذلك فلما كان الغد خرج أهل البلد جميعهم ومعهم جنازة والرسول يشاهدهم فدفنوها وعادوا وأرسل عمر إلى الرسول يقول له هذا أبي قد دفنته وقد جلست للعزاء به فاصنعوا به ما اردتم فعاد الرسول يقول له هذا أبي قد دفنته وقد جلست للعزاء به فاصنعوا به ما اردتم فعاد الرسول إلى غليالم فأخبره بما صنع عمر بن أبي الحسين فأخذ أباه وصلبه فلم يزل يذكر الله تعالى حتى مات وأما أهل زويلة فإنهم كثر جمعهم بالعرب وأهل سفاقس وغيرهم فحصروا المهدية وضيقوا عليها وكانت الأقوات بالمهدية قليلة فسير إليهم صاحب صقلية عشرين شينيا فيها الرجال والطعام والسلاح فدخلوا البلد وأرسلوا إلى العرب وبذلوا لهم مالا لينهزموا وخرجوا من الغد فاقتتلوا هم وأهل زويلة فانهزمت العرب وبقي أهل زويلة وأهل سفاقس وركبوا في البحر فنجوا وبقي أهل زويلة فحمل عليهم الفرنج فانهزموا إلى زويلة فوجدوا أبوابها مغلقة فقاتلوا تحت السور وصبروا حتى قتل أكثرهم ولم ينج إلا القليل فتفرقوا ومضى بعضهم إلى عبد المؤمن فلما قتلوا هرب من سلم من الحرم والصبيان والشيوخ في البر ولم يعرجوا على شيء من أموالهم ودخل الفرنج زويلة فقتلوا من وجدوا فيها من النساء والأطفال ونهبوا الأموال واستقر الفرنج بالمهدية إلى أن أخذها منهم عبد المؤمن على ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر القبض على سليمان شاه وحبسه بالموصل ص 403

في هذه السنة قبض زين الدين على كوجك نائب قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل على الملك سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه وكان سليمان شاه عند عمه السلطان سنجر قديما وقد جعله ولي عهده وخطب له على منابر خراسان فلما جرى لسنجر مع الغز ما ذكرناه وتقدم على عسكر خراسان وضعفوا عن الغز مضى إلى خوارزم شاه فزوجه ابنة أخيه أتسيس ثم بلغه عنه ما كرهه فأبعده فجاء إلى أصفهان فمنعه شحنتها من الدخول فمضى إلى قاشان فسير إليه محمد بن شاه ابن أخيه محمود بن محمد عسكرا أبعدوه عنها فسار إلى خوزستان فمنعه ملكشاه عنها فقصد اللحف ونزل البندنيجين وأرسل رسولا إلى الخليفة المقتفي يعلمه بوصوله وترددت الرسل بينهما إلى أن استقر الأمر على أن يرسل زوجته تكون رهينة فأرسلها إلى بغداد ومعها كثير من الجواري والأتباع وقال قد أرسلت هؤلاء رهائن فإن أذن أمير المؤمنين في دخول بغداد فعلت وإلا رجعت فأكرم الخليفة زوجته ومن معها وأذن له في القدوم إليه فقدم ومعه عسكر خفيف يبلغون ثلاثمائة رجل فخرج ولد الوزير ابن هبيرة لتلقيه ومعه قاضي القضاة والنقيبان ولم يترجل له ابن الوزير ودخل بغداد وعلى رأسه الشمسة وخلع عليه الخليفة وأقام ببغداد إلى أن دخل المحرم من سنة إحد وخمسين وخمسمائة فأحضر فيه سليمان شاه إلى دار الخليفة وأحضر قاضي القضاة والشهود وأعيان العباسيين وحلف للخليفة على النصح والموافقة ولزوم الطاعة وأنه لا يتعرض إلى العراق بحال فلما حلف خطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه غياث الدنيا والدين وباقي ألقابه وخلع عليه خلع السلطنة وسير معه من عسكر بغداد ثلاثة آلاف فارس وجعل الأمير قويدان صاحب الحلة أمير حاجب معه وسار نحو بلاد الجبل في ربيع الأول وسار الخليفة إلى حلوان وأرسل إلى ملكشاه ابن السلطان محمود أخي السلطان محمد صاحب همذان وغيرها يدعوه إلى موفقته فقدم في ألفي فارس فحلف كل منها لصاحبه وجعل ملكشاه ولي عهد سليمان شاه وقواهما الخليفة بالمال والأسلحة وغيرها فساروا واجتمعوا هم وايلدكز فصاروا في جمع كبير فلما سمع السلطان محمد خبرهم أرسل إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل ونائبا زين الدين يطلب منهما المساعدة ويبذل لهما البذول الكثيرة إن ظفر فأجاباه إلى ذلك ووافقا فقويت نفسه وسار إلى لقاء سليمان شاه ومن اجتمع معه من عساكره ووقعت الحرب بينهم في جمادى الأولى واشتد القتال بين الفريقين وانهزم سليمان شاه ومن معه وتشتت العسكر ووصل من عسكر الخليفة وكانوا ثلاثة آلاف رجل نحو من خمسين رجلا ولم يقتل منهم أحد وإنما أخذت خيولهم وأموالهم وتشتتوا وجاؤوا متفرقين وفارق سليمات شاه ايلدكز وسار نحو بغداد على شهرزور فخرج إليه زين الدين علي في جماعة من عسكر الموصل وكان بشهرزور الأمير بزان مقطعا لها من جهة زين الدين وسارا فوقفا على طريق سليمان شاه فأخذاه أسيرا وحمله زين الدين إلى قلعة الموصل وحبسه بها مكرما ومحترما إلى أن كان من أمره ما نذكره سنة خمس وخمسين إن شاء الله

فلما قبض سليمان شاه أرسل زين الدين إلى السلطان محمود يعرفه ذلك ووعده المعاضدة على كل ما يريده منه والمساعدة له

والله أعلم

ذكر حصر نور الدين قلعة حارم ص 405

في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى قلعة حارم وهي للفرنج ثم لبيمند صاحب أنطاكية وهي تقارب انطاكية من شرقيها وحصرها وضيق على أهلها وهي قلعة منيعة في نحور المسلمين فاجتمعت الفرنج من قرب منها ومن بعد وساروا نحوه ليرحلوا عنها وكان بالحصن شيطان من شياطينهم يعرفون عقله ويرجعون إلى رأيه فأرسل إليهم يقول إننا نقدر على حفظ القلعة وليس بنا ضعف فلا تخاطروا أنتم باللقاء فإنه إن هزمكم أخذها وغيرها والرأي مطاولته فأرسلوا إليه وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم فاصطلحوا على ذلك ورحل عنهم فقال بعض الشعراء

( ألبست دين محمد يا نوره % عزا له فوق السها آساد )

( ما زلت تشمله بمياد القنا % حتى تثقف عوده المياد )

( لم يبق مذ أرهفت عزمك دونه % عدد يراع به ولا استعداد )

( إن المنابر لو تطيق تكلما % حمدتك عن خطائبها الأعواد )

( ملق بأطراق القريحة كلكلا % طرفاه ضرب صادق وجلاد )

( حاموا فلما عاينوا خوض الردى % حاموا فرائس كيدهم أو كادوا )

( ورأى البرنس وقد تبرنس ذلة % حزما لحارم والمصاد مصاد )

( من منكر أن ينسف الليل الربا % وأبوه ذاك العارض المداد )

( أو أن يعيد الشمس كاسفة السنى % نار لها ذاك الشهاب زناد )

( لا ينفع الآباء ما سمكوا من ال % علياء حتى يرفع الأولاد )

وهي طويلة

ذكر وفاة خوارزم شاه أتسز وغيره من الملوك ص 405

في هذه السنة تاسع جمادى الآخرة توفي خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين وكان قد أصابه فالج فتعالج منه فلم يبرأ فاستعمل أدوية شديدة الحرارة بغير أمر الأطباء فاشتد مرضه وضعفت قوته فتوفي وكان يقول عند الموت

( ما أغنى عني ماليه % هلك عني سلطانيه )

وكانت ولادته في رجب سنة تسعين وأربعمائة ولما توفي ملك بعده ابنه أرسلان فقتل نفرا من أعمامه وسمل أخا له فمات بعد ثلاثة أيام وقيل بل قتل نفسه وأرسل إلى السلطان سنجر وكان قد هرب من أسر الغز على ما نذكره ببذل الطاعة والانقياد فكتب له منشورا بولاية خوارزم وسير الخلع له في رمضان فبقي في ولايته ساكنا آمنا وكان أتسز حسن السيرة كافا عن أموال رعيته منصفا لهم محبوبا لهم مؤثرا للاحسان والخير إليهم وكان الرعية معه بين أمن غامر وعدل شامل

وفي سابع عشر الشهر المذكور توفي أبو الفوارس بن محمد بن ارسلان شاه ملك كرمان وملك بعده ابنه سلجوق شاه

وفيها توفي الملك مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان قتلمش صاحب قونية وما يجاورها من بلاد الروم وملك بعده ابنه قلج أرسلان

ذكر هرب السلطان سنجر من الغز ص 406

في هذه السنة في رمضان هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من أسر الغز وجماعة من الأمراء الذين معه وسار إلى قلعة ترمذ واستظهر بها على الغز وكان خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين والخاقان محمود بن محمد يقصدان الغز فيقاتلانهم فيمن معهما فكانت الحرب بينهم سجالا وغلب كل واحد من الغز والخراسانيين على ناحية من خراسان فهو يأكل دخلها لا رأس لهم يجمعهم وسار السلطان سنجر من ترمذ إلى جيحون يريد العبور إلى خراسان فاتفق أن مقدم الأتراك القارغلية واسمه علي بك توفي وكان أشد شيء على السلطان سنجر وعلى غيره وكذلك غيره كثير الشر والفساد وإثارة الفتن فلما توفي أقبلت القارغلية على السلطان سنجر وكذلك غيرهم من سائر الامم من أقاصي البلاد وأدانيها وعاد إلى دار ملكه بمرو في رمضان فكانت مدة أسره مع الغز من سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة

ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية عهد أبيه ص 406

في هذه السنة أمر عبد المؤمن بالبيعة لولده محمد بولاية عهده وكان الشرط والقاعدة بين عبد المؤمن وبين عمه أن يلي الأمر بعد عبد المؤمن فلما تمكن عبد المؤمن من الملك وكثر أولاده أحب أن ينقل الملك اليهم فأحضر أمراء العرب من هلال وزغب وعدي وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن إليهم ووضع عليهم من يقول لهم ليطلبوا من عبد المؤمن ويقولوا له نريد أن تجعل لنا ولي عهد من ولدك يرجع الناس إليه بعدك ففعلوا ذلك فلم يجبهم إكراما لعمر لعلو منزلته في الموحدين وقال لهم إن الأمر لأبي حفص عمر فلما علم عمر ذلك خاف على نفسه فحضر عند عبد المؤمن وأجاب على خلع نفسه فحينئذ بويع لمحمد بولاية العهد وكتب إلى جميع بلاده بذلك وخطب له فيها جميعها فأخرج عبد المؤمن في ذلك اليوم من الأموال شيئا كثيرا

ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد ص 407

في هذه السنة استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد فاستعمل ولده أبا محمد عبد الله على بجاية وأعمالها واستعمل ابنه أبا الحسن عليا على فاس وأعمالها وولى ابنه أبا سعيد سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة وكذلك غيرهم ولقد سلك في استعمالهم طريقا عجيبا وذلك انه كان قد استعمل على البلاد شيوخ الموحدين المشهورين من اصحاب المهدي محمد بن تومرت وكان يتعذر عليه أن يعزلهم فأخذ اولادهم وتركهم عنده يشتغلون في العلوم فلما تمهروا فيها وصاروا يقتدى بهم قال لآبائهم إني أريد أن تكون عندي استعين بكم على ما أنا بصدده ويكون أولادكم في الأعمال لأنهم علماء فقهاء فأجابوا إلى ذلك وهم فرحون مسرورون فولى أولادهم ثم وضع عليهم بعضهم ممن يعتمد عليه فقال إني أرى أمرا عظيما قد فعلتموه فارقتم فيه الحزم والأدب فقالوا وما هو فقال أولادكم في الأعمال وأولاد أمير المؤمنين ليس لهم منها شيء مع ما فيهم من العلم وحسن السياسة وإني أخاف أن ينظر في هذا فتسقط منزلتكم عنده فعلموا صدق القائل فحضروا عند عبد المؤمن وقالوا نحب أن تستعمل على البلاد السادة أولادك فقال لا أفعل فلم يزالوا حتى فعل ذلك لهم بسؤالهم إياه

ذكر حصر السلطان محمد بغداد ص 407

في هذه السنة في ذي الحجة حصر السلطان محمد بغداد

وسبب ذلك أن السلطان محمد بن محمود كان قد أرسل إلى الخليفة يطلب أن يخطب له ببغداد والعراق فامتنع الخليفة من إجابته إلى ذلك فسار من همذان في عساكر كثيرة نحو العراق ووعده أتابك قطب الدين صاحب الموصل ونائبه زين الدين علي بإرسال العساكر إليه نجدة له على حصر بغداد فقدم العراق في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين واضطرب الناس ببغداد وأرسل الخليفة يجمع العساكر فأقبل خطلوبرس في عسكر واسط ورحل مهلهل إلى الحلة فأخذها واهتم الخليفة وعون الدين ين هبيرة بأمر الحصار وجمع جميع السفن وقطع الجسر وجعل الجميع تحت التاج ونودي منتصف المحرم سنة اتثنتين وخمسين أن لا يقيم أحد بالجانب الغربي فأجفل الناس وأهل السواد ونقلت الأموال إلى حريم دار الخلافة وخرب الخليفة ونهب أصحابه ما وجدوا وخرب أصحاب محمد شاه نهر القلائين والتوثة وشارع ابن رزق الله وباب الميدان وقطفتا

وأما أهل الكرخ وأهل باب البصرة فإنهم خرجوا إلى عسكر محمد وكسبوا معهم أموالا كثيرة وعبر السلطان محمد فوق حراقة إلى الجانب الغربي ونهبت أونا واتصل به زين الدين هناك وساروا فنول محمد شاه عند الرملة وفرق الخليفة السلاح على الجند والعامة ونصب المنجنيقات والعرادات فلما كان في العشرين من المحرم ركب عسكر محمد شاه وزين الدين علي ووقفوا عند الرقة ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج فعبر إليهم عامة بغداد فقاتلوهم ورموهم بالنفط وغيره ثم جرى بينهم عدة حروب وفي ثالث صفر عادوا القتال واشتدت الحرب وعبر كثيير من أهل بغداد سباحة وفي السفن فقتلوا وكان يوما مشهودا ولم تزل الحرب بينهم كل وقت وعمل الجسر على دجلة وعبر عليه أكثر العسكر إلى الجانب الشرقي وصار القتال في الجانبين وبقي زين الدين في الجانب الغربي وأمر الخليفة فنودي كل من جرح فله خمسة دنانير فكان كلما جرح إنسان يحضر عند الوزير فيعطيه خمسة دنانير فاتفق أن بعض العامة جرح جرحا ليس بكبير فحضر إلى الوزير يطلب الدنانير فقال له الوزير ليس هذا الجرح بشيء فعاود القتال فضرب فانشقت جوفه وخرج شيء من شحمها فحمل إلى الوزير فلما رآه قال يا مولانا الوزير أيرضيك هذا فضحك منه وأضعف له ورتب له من يعالج جراحته إلى أن برئ

وتعذرت الأقوات في العسكر إلا أن اللحم والفواكه والخضر كثيرة وكانت الغلات ببغداد كثيرة لأن الوزير كان يفرقها في الجند عوض الدنانير يبيعونها فلم تزل الأسعار عندهم رخيصة إلا أن اللحم والفاكهة والخضر قليل عندهم واشتد الحصار على أهل بغداد لانقطاع المواد عنهم وعدم المعيشة لأهلها وكان زين الدين وعسكر الموصل غير مجدين في القتال لأجل الخليفة والمسلمين وقيل لأن نور الدين محمود ابن زنكي وهو أخو قطب الدين صاحب الموصل الأكبر أرسل إلى زين الدين يلومه على قتال الخليفة ففتر وأقصر ولم تزل الحرب في أكثر الأيام وعمل السلطان محمد شاه أربعمائة سلم ليصعد الرجال فيها إلى السور وزحفوا وقاتلوا ففتح أهل بغداد أبواب البلد وقالوا أي حاجة بكم إلى السلالم هذه الأبواب مفتحة فادخلوا منها فلم يقدروا على أن يقربوها

فبينما الأمر على ذلك إذ وصل الخبر إلى السلطان محمد أن أخاه ملكشاه وايلدكز صاحب بلاد أران ومعه الملك أرسلان ابن الملك طغرل بن محمد وهو ابن امرأة ايلدكز قد دخلوا همذان واستولوا عليها وأخذوا أهل الأمراء الذين مع محمد شاه وأموالهم فلما سمع محمد شاه ذلك جد في القتال لعله يبلغ مناه فلم يقدر على شيء ورحل عتها نحو همذان في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة

وعاد زين الدين إلى الموصل وتفرق ذلك الجمع على عزم العود إذ فرغ محمد شاه من إصلاح بلاده فلم يعودوا يجتمعون وفي كثرة حروبهم لم يقتل بينهم إلا نفر يسير وإنما الجراح كان كثيرا

ولما ساروا نهبوا يعقوبا وغيرها من طريق خراسان

ولما رحل العسكر عن بغداد أصاب أهلها أمراض شديدة حادة وموت كثير للشدة التي مرت بهم

وأما ملكشاه وإيلدكز ومن معهما فإنهم ساروا من همذان إلى الري فخرج إليهم إينانج شحنتها وقاتلهم فهزموه فأرسل الملك محمد الأمير سقمس بن قيماز الحرامي في عسكر نجدة لإينانج فسار سقمس وكان إيلدكز وملكشاه ومن معهما قد عادوا من الري يريدون محاصرة الخليفة فلقيهم سقمس وقاتلهم فهزموه ونهبوا عسكره وأثقالهم فاحتاج الملك محمد إلى الإسراع فسار فلما بلغ حلوان بلغه أن ايلدكز بالدينور وأتاه رسول من نائبه اينانج أنه دخل همذان وأعاد الخطبة له فيها فقويت نفسه وهرب شملة صاحب خوزستان إلى بلاده وتفرق أكثر جمع ايلدكز وملكشاه وبقيا في خمسة آلاف فارس فعادا إلى بلادهما شبه الهارب ولما دخل محمد شاه همذان أراد التجهيز لقصد بلاد ايلدكز فابتدأ به مرض السل وبقي به إلى أن مات

ذكر عدة حوادث ص 410

في هذه السنة في ربيع الأول أطلق أبو الوليد البدر الوزير بن هبيرة من حبس تكريت ولما قدم بغداد خرج أخوه والموكب يتلقونه وكان يوما مشهودا وكان مقامه في الحبس يزيد على ثلاث سنوات

وفيها احترقت بغداد في ربيع الآخرة وكثر الحريق بها واحترق درب فراشا ودرب الدواب ودرب اللبان وخرابة بن حربة والظفرية والخاتونية ودار الخلافة وباب الأزج وسوق السلطان وغير ذلك

وفي في شوال قصد الإسماعيلية طبس بخراسان فأوقعوا بها وقعة عظيمة وأسروا جماعة من أعيان دولة السلطان ونهبوا أولادهم ودوابهم وقتلوا فيهم

وفيها في ذي القعدة توفي شيخ الإسلام أبو المعالي الحسن بن عبيد الله بن أحمد بن محمد المعروف بابن الرزاز بنيسابور وهو من أعيان الأفاضل

وفي هذه السنة توفي مريد الدين بن بيسان رئيس آمد والحاكم فيها على صاحبها وولي ما كان إليه بعده ابنه كمال الدين أبو القاسم

وتوفي أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي الواعظ المشهور ببغداد وكان قدم إليها سنة ست عشرة وخمسمائة وكان له قبول عظيم عند السلاطين والعامة والخلفاء إلا أن المقتفي أعرض عنه بعد موت السلطان مسعود لإقبال السلطان عليه وكان موته في المحرم

وتوفي أبو الحسن بن الخل الفقيه الشافعي شيخ الشافعية ببغداد وكان يؤم بالخليفة في الصلاة

وتوفي ابن الآمد الشاعر وهو من أهل النيل من أعيان الشعراء في طبقة الغزي والأرجاني وكان عمره قد زاد على تسعين سنة

وفيها قتل مظفر بن حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة قتله نفيس بن فضل ابن أبي الخير في الحمام وولي بعده

وفيها توفي الواوا الحلبي الشاعر المشهور

وفيها في رمضان توفي الحكيم أبو جعفر بن محمد البخاري باسفراين وكان عالما بعلوم الحكماء الأوائل

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.