ذكر قتل الظافر وولاية ابنه الفائز
ص 393
في هذه السنة في المحرم قتل الظافر بالله أبو المنصور اسماعيل بن الحافظ لدين الله عبد المجيد العلوي صاحب مصر وكان سبب قتله أن وزيره عباسا كان له ولد اسمه نصر فأحبه الظافر وجعله من ندمائه الذين لا يقدر على فراقهم ساعة واحدة فاتفق أن قدم من الشام مؤيد الدولة الأمير أسامة بن منقذ الكناني في وزارة ابن السلار واتصل بعباس فحسن له قتل العادل بن السلار زوج أمه فقتله وولاه الظافر الوزارة فاستبد بالأمر وتم له ذلك وعلم الأمراء والأجناد أن ذلك من فعل ابن منقذ فعزموا على قتله فخلا بعباس وقال له كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول قال وما ذلك قال الناس يزعمون أن الظافر يفعل بابنك نصر وكان نصر خصيصا بالظافر وكان ملازما له ليله ونهاره وكان من اجمل الناس صورة وكان الظافر يتهم به فانزعج لذلك وعظم عليه وقال كيف الحيلة قال تقتله فيذهب عنا العار
فذكر الحال لولده نصر فاتفقا على قتله وقيل إن الظافر أقطع نصر بن عباس قرية قليوب وهي من أعظم قرى مصر فدخل إليه مؤيد الدولة بن منقذ وهو عند أبيه عباس قال له نصر قد أقطعني مولانا قرية قليوب فقال له مؤيد الدولة ما هي في مهرك بكثير
فعظم عليه وعلى أبيه وأنف من هذه الحال وشرع في قتل الظافر فأمر ابنه فحضر نصر عند الظافر وقال له اشتهي أن تجيء إلى داري لدعوة صنعتها ولا تكثر من الجمع فمشى معه في نفر يسير من الخدم ليلا فلما دخل الدار قتله ومن معه وأفلت خويدم صغير اختبأ فلم يروه ودفن القتلى في داره وأخبر أباه عباسا الخبر فبكر إلى القصر وطلب من الخدم الخصيصين بخدمة الظافر أن يطلبوا له إذنا في الدخول عليه لأمر يريد أن يأخذ رأيه فيه فقالوا إنه ليس في القصر فقال لا بد منه وكان غرضه أن ينفي التهمة عنه بقتله وأن يقتل كل من بالقصر ممن يخاف أن ينازعه فيمن يقيمه في الخلافة فلما ألح عليهم عجزوا عن إحضاره فبينما هم يطلبونه حائرين دهشين لا يدرون ما الخبر إذ وصل إليهم الخويدم الصغير الذي شاهد قتله وقد هرب من دار عباس عند غفلتهم عنه وأخبرهم بقتل الظافر فخرجوا إلى عباس وقالوا له سل ولدك عنه فإنه يعرف أين هو لأنهما خرجا جميعا فلما سمع ذلك منهم قال أريد أن اعترض القصر لئلا يكون قد اغتاله أحد من أهله فاستعرض القصر فقتل أخوين للظافر وهما يوسف وجبريل وأجلس الفائز بنصر الله أبا القاسم عيسى بن الظافر بأمر الله اسماعيل ثاني يوم قتل أبوه وله من العمر خمس سنين فحمله عباس على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايع له الناس وأخذ عباس من القصر من الأموال والجواهر والأعلاق النفيسة ما أراد ولم يترك فيه إلا ما لا خير فيه
ذكر وزارة الملك الصالح بن رزيك
ص 394
كان السبب في وزارة الملك الصالح بن رزيك أن عباسا لما قتل الظافر وأقام الفائز ظن أن الأمر يتم له على ما يريده فكان الحال خلاف ما اعتقده فإن الكلمة اختلفت عليه وثار به الجند والسودان وصار إذا أمر بالأمر لا يلتفت إليه ولا يسمع قوله فأرسل من بالقصر من النساء والخدم إلى الصالح طلائع بن رزيك يستغيثون به وأرسلوا شعورهم على الكتب وكان في منية بني خصيب واليا عليها وليست من الأعمال الجليلة وإنما كانت أقرب الأعمال إليهم وكان يه شهامة فجمع ليقصد عباسا وسار إليه فلما سمع عباس ذلك خرج من مصر نحو الشام بما معه من الأموال التي لا تحصى كثرة والتحف والأشياء التي لا توجد إلا هناك مما كان أخذه من القصر فلما سار وقع به الفرنج فقتلوه وأخذوا جميع ما معه فتقووا به وسار الملك الصالح فدخل القاهرة بأعلام سود وثياب سود حزنا على الظافر والشعور التي أرسلت إليه من القصر على رؤوس الرماح وكان هذا من الفأل العجيب فإن الأعلام السواد العباسية دخلتها وأزالت الأعلام العلوية بعد خمس عشرة سنة ولما دخل الصالح القاهرة خلع عليه خلع الوزارة واستقر في الأمر وأحضر الخادم الذي شاهد قتل الظافر فأراه موضع دفنه فأخرجه ونقله إلى مقابرهم بالقصر ولما قتل الفرنج عباسا أسروا ابنه فأرسل الملك الصالح إلى الفرنج وبذل لهم مالا وأخذه منهم فسار من الشام مع أصحاب الصالح فلم يكلم أحدا كلمة واحدة إلى أن أرى القاهرة فأنشد
( بلى نحن كنا أهلها فأبادنا % صروف الليالي والجدود العواثر )
وأدخل القصر فكان آخر العهد به فإنه قتل وصلب على باب زويلة واستقصى الصالح البيوت الكبار والأعيان
وأدخل القصر فكان آخر العهد به فإنه قتل وصلب على باب زويلة واستقصى الصالح البيوت الكبار والأعيان بالديار المصرية فأمسك أهلها وأبعدهم عن ديارهم وأخذ أموالهم فمنهم من هلك ومنهم تفرق في البلاد والحجاز واليمن وغيرها فعل ذلك خوفا منهم أن يثوروا عليه وينازعوه في الوزارة وكان ابن منقذ قد هرب مع عباس فلما قتل هرب إلى الشام
ذكر حصر تكريت ووقعة بكمزا
ص 395
في هذه السنة أرسل الخليفة المقتفي لأمر الله رسولا إلى والي تكريت بسبب من عندهم من المأمورين وهم ابن الوزير وغيره فقبضوا على الرسول فسير الخليفة عسكرا إليهم فخرج أهل تكريت فقاتلوا العسكر ومنعوه من الدخول إلى البلد فسار الخليفة بنفسخ مستهل صفر فنزل على البلد فهرب أهله فدخل العسكر فشعثوا ونهبوا بعضه ونصب على القلعة ثلاثة عشرة منجنيقا فسقط من أسوارها برج وبقي الحصر كذلك إلى الخامس والعشرين من ربيع الأول وأمر الخليفة بالقتال والزحف فاشتد القتال وكثر القتلى ولم يبلغ منها غرضا فرحل عائدا إلى بغداد فدخلها آخر الشهر ثم أمر الوزير عون الدين بن هبيرة بالعودة إلى محاصرتها والاستعداد والاستكثار من الآلات للحصار فسار إليها سابع ربيع الآخر ونازلها وضيق عليها فول الخبر بأن مسعود بلال وصل إلى شهرابان ومعه البقش كون خروترشك وعسكر كثير ونهبوا البلاد فعاد الوزير إلى بغداد وكان سبب وصول هذا العسكر أنهم حثوا الملك محمد ابن السلطان محمود على قصد العراق فلم يتهيأ له ذلك فسير هذا العسكر وانضاف إليهم خلق كثير من التركمان فخرج الخليفة إليهم فأرسل بلال مسعود إلى تكريت وأخرج منها الملك أرسلان ابن السلطان طغرل بن محمد وكان محبوسا بتكريت وقال إن هذا سلطان نقاتل بين يديه بإزاء الخليفة والتقى العسكران عند بكمزا وبالقرب من يعقوبا ودام بينهم المناوشة والمحاربة ثمانية عشر يوما ثم إنهم التقوا آخر رجب فاقتتلوا فانهزمت ميمنة عسكر الخليفة وبعض القلب حتى بلغت الهزيمة بغداد ونهبت خزائنه وقتل خازنه فحمل الخليفة بنفسه هو وولي عهده وصاح يا آل هاشم كذب الشيطان وقرأ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وحمل باقي العسكر معه فانهزم مسعود والبقش وجميع من معهم وتمت الهزيمة وظفر الخليفة بهم وغنم عسكره جميع مال التركمان من دواب وغنم وغير ذلك فبيع كل كبش بدانق وكانوا قد حضروا بنسائهم وأولادهم وخركاواتهم وجميع مالهم فأخذ جميعه ونودي من أخذ من اولاد التركمان ونسائهم شيئا فليرده فردوه فأخذ البقش كون خر الملك أرسلان وانهزم إلى بلد اللحف وقلعة الماهكين
وفي هذه الحرب غدر بنو عوف من عسكر الخليفة ولحقوا بالعجم ومضى هندي الكردي أيضا معهم وكان الملك محمد قد أرسل عسكرا مع خاص بك بن آقسنقر نجدة لكون خر فلما وصلوا إلى الراذان بلغهم خبر الهزيمة فعاد ورجع الخليفة إلى بغداد فدخلها أوائل شعبان فوصل الخبر أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة واسط فنهبوا وخربوا فسير الخليفة الوزير ابن هبيرة في عسكر خاص عشر شعبان فانهزم العجم فلحقهم عسكر الخليفة ونهب منهم شيئا كثيرا وعاد إلى بغداد فلقب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش وسير الخليفة عسكرا إلى بلد اللحف فأخذه وصار في جملته وأما الملك ألب أرسلان بن طغرل فإن البقش أخذه معه إلى بلده فأرسل إليه الملك محمد يقول له ليحضر عنده وأرسلان معه
فمات البقش كون خر في رمضان في هذه السنة وبقي أرسلان مع ابن البقش وحسن الجاندار فحملاه إلى الجبل فخاف السلطان محمد أن يصل أرسلان إلى زوج أمه أبي بكر فيجعله ذريعة إلى قهر البلاد فلم ينفعه حذره واتصل أرسلان بأبي بكر زوج أمه فصار معه وهو أخو بلهوان بن أيلدكز لأمه وطغرل الذي قتله خوارزم شاه ولد أرسلان هذا وكان طغرل آخر السلجوقية
ذكر ملك نور الدين محمود مدينة دمشق
ص 397
في هذه السنة في صفر ملك نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر مدينة دمشق وأخذها من صاحبها مجير الدين أنز بن محمد بن بوري بن طغدكين أتابك وكان سبب حرصه على ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان لم يكن لنور الدين طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق حتى أنهم استعرضوا كل من بها من مملوك وجارية من النصارى فمن أراد المقام بها تركوه ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهرا شاء صاحبه أم أبى وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة يأخذونها منهم فكان رسلهم يدخلون البلد ويأخذونها منهم فلما رأى نور الدين ذلك خاف أن يملكها الفرنج فلا يبقى حينئذ للمسلمين بالشام مقام فأعمل الحيلة في أخذها حيث علم أنها لا تملك قوة لأن صاحبها متى رأى غلبة ممن يقصده راسل الفرنج واستعان بهم لئلا يملكها من يقوى بها على قتالهم فراسل مجير الدين صاحبها واستماله وواصله بالهدايا وأظهر له المودة حتى وثق إليه فكان نور الدين يقول له في بعض الأوقات إن فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق يعني بعض أمراء مجير الدين فكان يبعد الذي قيل عنه ويأخذ أقطاعه فلما لم يبق عنده من الأمراء أحدا قدم أميرا يقال له عطاء بن حفاظ السلمي الخادم وكان شهما شجاعا وفوض إليه أمر دولته فكان نور الدين لا يتمكن معه من أخذ دمشق فقبض عليه مجير الدين وقتله فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق وكان قد كاتب من بها من الأحداث واستمالهم فوعدوه بالتسليم إليه فلما حضر نور الدين البلد أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم لينجدوه ويرحلوا نور الدين عنه فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم ليرحلوا نور الدين عن البلد فإلى أن اجتمع لهم ما يريدون تسلم نور الدين البلد فعادوا بخفي حنين
أما كيفية تسليم دمشق فإنه لما حصرها ثار الأحداث الذين راسلهم فسلموا إليه البلد من الباب الشرقي وملكه وحصر مجير الدين في القلعة وراسله في تسليمها وبذل له أقطاعا من جملته مدينة حمص فسلمها إليه وسار إلى حمص واعطاه عوضا عنها بالس فلم يرضها وسار منها إلى العراق وأقام ببغداد وابتنى بها دارا بالقرب من النظامية وتوفي بها
ذكر قصد الإسماعيلية
ص 398
في هذه السنة في ربيع الآخر اجتمع جمع كثير من الإسماعيلية من قهستان بلغت عدتهم سبعة آلاف رجل ما بين فارس وراجل وساروا يريدون خراسان لاشتغال عساكرهم بالغز وقصدوا أعمال خواف وما يجاورها فلقيهم الأمير فرخشاه بن محمود الكاساني في جماعة من حشمه وأصحابه فعلم أن لا طاقة له بهم وسار عنهم وأرسل إلى الأمير محمد بن أنز وهو من أكابر امراء خراسان وأشجعهم يعرفه الحال وطلب منه المسير إليهم بعسكره ومن قدر عليه من الأمراء ليجتمعوا عليهم ويقاتلوهم فسار محمد بن أنز في جماعة من الأمراء وكثير من العسكر واجتمعوا هم وفرخشاه ودافعوا الإسماعيلية وقاتلوهم وطال الحرب بينهم ثم نصر الله المسلمين وانهزم الإسماعيلية وكثر القتل فيهم وأخذهم السيف من كل مكان وهلك أعيانهم وساداتهم بعضهم قتل وبعضهم أسر ولم يسلم منهم إلا القليل الشريد وخلت قلاعهم وحصونهم من حام ومانع فلولا اشتغال العساكر بالغز لكانوا ملكوها بغير تعب ولا مشقة وأراحوا المسلمين منهم ولكن لله أمر وهو بالغه
ذكر ملك نور الدين تل باشر
ص 398
في هذه السنة أو التي بعدها ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل باشر وهي شمالي حلب من أمنع القلاع
وسبب ملكها أن الفرنج لما رأوا ملك نور الدين دمشق خافوه وعلموا أنه يقوى عليهم ولا يقدرون على الإنتصاف منه لما كانوا يرون منه قبل ملكها فراسله من بهذه القلعة من الفرنج وبذلوا له تسليمها فسير إليهم الأمير حسان المنبجي وهو من أكابر أمرائه وكان اقطاعه ذلك الوقت مدينة منبج وهي تقارب تل باشر وامره أن يسير اليها وتسلمها منهم وحصنها ورفع إليها من الذخائر ما يكفيها سنين كثيرة
ذكر عدة حوادث
ص 398
في هذه السنة مات أستاذ دار أبو الفتوح عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء وكان له صدقات ومعروف كثير ومجالسه للفقراء ولما مات ولي الخلافة ابنه الأكبر عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله ما كان إلى أبيه
وتوفي عبد الرحمن بن عبد الصمد بن أحمد بن علي أبو القاسم الأكاف النيسابوري كان زاهدا عابدا فقيها مناظرا وكان السلطان سنجر يزوره ويتبرك بدعائه وكان ربما حجبه فلا يمكنه من الدخول إليه
وفيها توفي ثقة الدولة أبو الحسن علي بن محمد الزويني القزويني وكان يخدم أبا نصر محمد بن الفرج الأبري وزوجة ابنته شهدة الكاتبة فقربه المقتفي لأمر الله ووكله فبنى مدرسة بباب الأزج
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.