الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة
59

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة

الجزء التاسع 10 عنصر صفحة 383
ذكر انهزام سنجر من الغز ونهبهم خراسان وما كان منهم ص 383

في هذه السنة في المحرم انهزم السلطان من الأتراك الغز وهم طائفة من الترك مسلمون كانوا بما وراء النهر فلما ملك الخطا أخرجوهم منه كما ذكرنا فقصدوا خراسان وكانوا خلقا كثيرا فأقاموا بنواحي بلخ يرعون في مراعيها وكان لهم أمراء إسم أحدهم دينار والآخر بختيار والآخر طوطي والآخر أرسلان والآخر جفز والآخر محمود فأراد الأمير قماج وهو مقطع بلخ إبعادهم فصانعوه بشيء بذلوه له فعاد عنهم فأقاموا على حالة حسنة لا يؤذون أحدا ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ثم إن قماج عاودهم وأمرهم بالانتقال عن ببلده فامتنعوا وانضم بعضهم إلى بعض واجتمع معهم غيرهم من طوائف الترك فسار قماج إليهم في عشرة آلاف فارس فجاء إليه أمراؤهم وسألوه أن يكف عنهم ويتركهم في مراعيهم ويعطونه من كل بيت مائتي درهم فلم يجبهم إلى ذلك وشدد عليهم في الانتزاح عن بلده فعادوا عنه واجتمعوا وقاتلوه فانهزم قماج ونهبوا ماله ومال عسكره وأكثروا القتل في العسكر والرعايا واسترقوا النساء والأطفال وعملوا كل عظيمة وقتلوا الفقهاء وخربوا المدارس وانتهت الهزيمة بقماج إلى مرو وبها السلطان سنجر فأعلمه الحال فراسلهم سنجر يتهددهم فأمرهم بمفارقة بلاده فاعتذروا وبذلوا بذلا كثيرا ليكف عنهم ويتركهم في مراعيهم فلم يجبهم إلى ذلك وجمع عساكره من أطراف البلاد واجتمع معه ما يزيد على مائة ألف فارس وقصدهم ووقع بينهم حرب شديد فانهزمت عساكر سنجر وانهزم هو أيضا وتبعهم الغز قتلا وأسرا فصار قتلى العسكر كالتلال

وقتل علاء الدين قماج وأسر السلطان سنجر وأسر معه جماعة من الأمراء فأما الأمراء فضربوا أعناقهم وأما السلطان سنجر فإن أمراء الغز اجتمعوا وقبلوا الأرض بين يديه وقالوا نحن عبيدك لا نخرج عن طاعتك فقد علمنا أنك لم ترد قتالنا وإنما حملت عليه فأنت السلطان ونحن العبيد فمضى على ذلك شهران أو ثلاثة ودخلوا معه إلى مرو وهي كرسي ملك خراسان وطلبها منه بختيار اقطاعا فقال السلطان هذا دار الملك ولا يجوز أن تكون أقطاعا لأحد فضحكوا منه وحنق له بختيار بغمه فلما رأى ذلك نزل عن سرير الملك ودخل خانكاه مرو وحنق له بختيار بغمه فلما رأى ذلك نزل عن سرير الملك ودخل خانكاه مرو وتاب عن الملك واستولى الغز على البلاد وظهر منهم من الجور ما لم يسمع بمثله وولوا على نيسابور واليا فقسط على الناس كثيرا وعسفهم وضربهم وعلق في الأسواق ثلاثة غرائر وقال أريد ملء هذه ذهبا فثار عليه العامة فقتلوه ومن معه فركب الغز ودخلوا نيسابور ونهبوها نهبا مجحفا وجعلوها قاعا صفصفا وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوا وقتلوا القضاة والعلماء في البلاد كلها فممن قتل الحسين بن محمد الأرسابندي والقاضي علي بن مسعود والشيخ محيي الدين محمد بن يحيى وأكثر الشعراء في مرائي محمد بن يحيى فممن قال فيه علي ابن إبراهيم الكاتب

( مضى الذي كان يجني الدر من فيه % يسيل بالفضل والإفضال واديه )

( مضى ابن يحيى الذي قد كان صوب حيا % لا بر شهر ومصباحا لداجيه )

( خلا خراسان من علم ومن ورع % لما نعاه إلى الآفاق ناعيه )

( لما أماتوه مات الدين واأسفا % من ذا الذي بعد محيي الدين يحييه )

ويتعذر وصف ما جرى منهم بتلك البلاد جميعا ولم يسلم من خراسان شيء لم تنهبه الغز غير هراة ودهستان لأنها كانت حصينة فامتنعت

وقد ذكر بعض مؤرخي خراسان من أخبارهم ما فيه زيادة وضوح وقال إن هؤلاء الغز قوم انتقلوا من نواحي الثغر من اقاصي الترك إلى ما وراء النهر في أيام المهدي وأسلموا واستنصر بهم المقنع صاحب المخاريق الشعبذة حتى تم أمره فلما سارت العساكر إليه خذله هؤلاء الغز وأسلموه وهذه عادتهم في كل دولة كانوا فيها وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخاقانية إلا أن الأتراك القارغلية قمعوهم وطردوهم من أوطانهم فدعاهم الأمير زنكي بن خليفة الشيباني المستولي على حدود طخارستان إليه وأنزلهم بلاده وكانت بينه وبين الأمير قماج عداوة أحكمتها الأيام للمجاورة التي بينهما وكل منهما يريد أن يعلو على الآخر ويحكم عليه فتقوى بهم زنكي وساروا معه إلى بلخ لمحاربة قماج فكاتبهم قماج فمالوا إليه وخذلوا زنكي عند الحرب فأخذ زنكي وابنه أسيرين فقتل قماج ابن زنكي وجعل يطعم أباه لحمه ثم قتل الأب أيضا

وأقطع قماج الغز مواضع وأباحهم مراعي بلاده

فلما قام الحسين بن الحسين الغوري وقصد بلخ خرج إليه قماج وعساكره ومعه الغز ففارقه الغز وانضموا إلى الغوري حتى ملك مدينة بلخ فسار السلطان سنجر إلى بلخ ففارقها الغوري بعد قتال انهزم منه ثم دخل إلى السلطان سنجر لعجره عن مقاومته فرده إلى غزنة وبقي الغز بنواحي طخارستان وفي نفس قماج منهم الغيظ العظيم لما فعلوه معه فأراد صرفهم عن بلاده فتجمعوا وانضم إليهم طوائف من الترك وقدموا عليهم أرسلان موقا التركي فجمع أرسلان قماج عسكره ولقيهم فاقتتلوا يوما كاملا إلى الليل فانهزم قماج وعسكره وأسر هو وابنه أبو بكر فقتلوهما واستولوا على نواحي بلخ وعاثوا فيها وأفسدوا بالنهب والقتل والسلب

وبلغ السلطان سنجر الخبر فجمع عساكره وسار إليهم فراسلوه يعتذرون ويتنصلون فلم يقبل عذرهم ووصل إليهم مقدمة السلطان وفيها محمد بن أبي بكر بن قماج المقتول والمؤيد أي أبه في المحرم من سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ووصل بعدهم السلطان سنجر فالتقاه الغز بعد أن أرسلوا يعتذرون ويبذلون الأموال والطاعة والانقياد إلى كل ما يؤمرون به فلم يقبل سنجر ذلك منهم وسار إليهم فلقوه وقاتلوه وصبروا له ودام قتالهم فانهزم عسكر سنجر وهو معهم فتوجهوا إلى بلخ على أقبح صورة وتبعهم الغز واقتتلوا مرة ثانية فانهزم السلطان سنجر أيضا ومضى منهزما إلى مرو في صفر من السنة فقصد الغز إليها فلما سمع العسكر الخراسني بقربهم منهم أجفلوا من بين أيديهم هاربين لما دخل في قلوبهم من خوفهم والرعب منهم فلما فارقها السلطان والعسكر دخلها الغز ونهبوها أفحش نهب وأقبحه وذلك في جمادى الأولى من السنة وقتل بها كثير من أهلها وأعيانها منهم قاضي القضاة الحسن بن محمد الأرسابندي والقاضي علي بن مسعود وغيرهما من الأئمة العلماء ولما خرج سنجر من مرو قصد بوزابة وأخذه الغز أسيرا وأجلسوه على تخت السلطنة على عادته وقاموا بين يديه وبذلوا له الطاعة ثم عاودوا الغارة على مرو في رجب من السنة فمنعهم أهلها وقاتلوهم قتالا شديدا بذلوا فيه جهدهم وطاقتهم ثم إنهم عجزوا فاستسلموا إليهم فنهبوها أقبح من النهب الأول لم يتركوا بها شيئا وكان قد فارق سنجر جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك ولم يبق عنده غير نفر يسير من خواصه وخدمه فلما وصلوا إلى نيسابور أحضروا الملك سليمان شاه بن السلطان محمود فوصل إلى نيسابور تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة فاجتمعوا عليه وخطبوا له بالسلطنة

وسار في هذا الشهر جماعة من العسكر السلطاني إلى طائفة كثيرة من الغز فوقعوا بهم وقتلوا منهم كثيرا وانهزم الباقون إلى أمرائهم الغزية فاجتمعوا معهم ولما اجتمعت العساكر على الملك سليمان شاه وساروا إلى مرو يطلبون الغز فبرز الغز إليهم فساعة رآهم العسكر الخراساني انهزموا وولوا على أدبارهم وقصدوا نيسابور وتبعهم الغز فمروا بطوس وهي معدن العلماء والزهاد فنهبوها وسبوا نساءها وقتلوا رجالها وخربوا مساجدها ومساكن أهلها ولم يسلم من جميع ولاية طوس إلا البلد الذي فيه مشهد علي بن موسى الرضا ومواضع أخر يسيرة لها أسوار وممن قتل من أعيان أهلها إمامها محمد المارشكي ونقيب العلويين بها علي الموسوي وخطيبها اسماعيل بن المحسن وشيخ شيوخها محمد بن محمد وأفنوا من بها من الشيوخ الصالحين وساروا منها إلى نيسابور فوصلوا إليها في شوال سنة تسع وأربعين ولم يجدوا دونها مانعا ولا مدافعا فنهبوها نهبا ذريعا وقتلوا أهلها فأكثروا حتى ظنوا أنهم لم يبقوا بها أحد حتى أنه أحصي في محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء والصبيان وسبوا نساءها وأطفالها وأخذوا أموالها وبقي القتلى في الدروب كالتلال بعضهم فوق بعض واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنبعي تحصنوا به فحصرهم الغز فعجز أهل نيسابور من منعهم فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم وكانوا يطلبون من الرجال المال فإذا أعطاهم أحد قتلوه وقتلوا كثيرا من أئمة العلماء والصالحين منهم محمد بن يحيى الفقيه الشافعي الذي لم يكن في زمانه مثله كان رحلة الناس من أقصى الغرب والشرق إليه ورثاه جماعة من العلماء منهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي فقال

( يا سافكا دم عالم متبحر % قد طار في أقصى الممالك صيته )

( بالله قل لي يا ظلوم ولا تخف % من كان محيي الدين كيف تميته ) منهم الزاهد عبد الرحمن بن عبد الصمد الأكاف وأحمد بن الحسين الكاتب سبط القشيري وأبو البركات الفراوي والإمام علي الصباغ المتكلم وأحمد بن محمد بن حامد وعبد الوهاب المقاباذي والقاضي صاعد بن عبد الملك بن صاعد والحسن بن عبد الحميد الرازي وخلق كثير من الأئمة والزهاد والصالحين وأحرقوا ما بها من خزائن الكتب ولم يسلم إلا بعضها وحصروا شارستان وهي منيعة فأحاطوا بها وقاتلهم أهلها من فوق سورها وقصدوا جوين وبذلوا نفوسهم لله تعالى وأحموا بيضتهم والباقي أتى النهب والقتل عليه ثم قصدوا اسفراين فنهبوها وخربوها وقتلوا في أهلها فأكثروا وممن قتل عبد الرشيد الأشعثي وكان من أعيان دولة السلطان فتركها وأقبل على الاشتغال بالعلم وطلب الآخرة وأبو الحسن الفندورجي وكان من ذوي الفضائل لا سيما في علم الأدب

لما فرغ الغز من جوين واسفراين عادوا إلى نيسابور فنهبوا ما بقي فيها بعد النهب الأول وكان قد لحق بشهرستان كثير من أهلها فحصرهم الغز واستولوا عليها ونهبوا ما كان فيها لأهلها ولأهل نيسابور وهتكوا الحرم والأطفال وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين وكان العيارون أيضا ينهبون نيسابور أشد من نهب الغز ويفعلون أقبح من فعلهم ثم إن السلطان سليمان شاه ضعف وكان قبيح السيرة سيء التدبير وأن وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك توفي في شوال سنة ثمان وأربعين فضعف أمره واستوزر سليمان شاه بعده ابنه نظام الملك أبا علي الحسن بن ظاهر وانحل أمر دولته بالكلية ففارق خراسان في صفر سنة تسع وأربعين وعاد إلى جرجان

فاجتمع الأمراء وراسلوا الخان محمود بن محمد بن بغراخان وهو ابن أخت السلطان سنجر وخطبوا له على منابر خراسان واستدعوه إليهم فملكوه أمورهم وانقادوا له في شوال سنة تسع وأربعين وخمسمائة وساروا معه إلى الغز وهم يحاصرون هراة وجرت بينهم حروب كان الظفر في أكثرها للغز ورحلوا في جمادى الأولى من سنة خمسين وخمسمائة وسار معهم من على هراة إلى مرو وعاودوا المصادرة لأهلها وسار الخان محمود بن محمد إلى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد على ما نذكره وراسل الغز في الصلح فاصطلحوا في رجب من سنة خمسين وخمسمائة هدنة على دخل وسيرد باقي أخبارهم سنة اثنتين وخمسين

ذكر ملك المؤيد نيسابور وغيرها ص 388

كان للسلطان سنجر مملوك اسمه أي أبه ولقبه المؤيد فلما كانت هذه الفتنة تقدم وعلا شأنه وأطاعه كثير من الأمراء فاستولى على نيسابور وطوس ونسا وابيورد وشهرستان والدامغان وأزاح الغز عن الجميع وقتل منهم خلقا كثيرا وأحسن السيرة وعدل في الرعية واستمال الناس ووفر الخراج على أهله وبالغ في مراعاة أرباب البيوت فاستقرت البلاد له ودانت له الرعية لحسن سيرته وعظم شأنه وكثرت جموعه فراسله خاقان محمود بن محمد في تسليم البلاد والحضور عنده فامتنع وترددت الرسل بينهم حتى استقر على المؤيد مال يحمله إلى الملك محمود فكف عنه محمود وأقام المؤيد بالبلاد هو والسلطان محمود

ذكر ملك ايتاخ الري ص 388

كان ايتاخ أحد مماليك السلطان سنجر فلما كان من فتنة الغز ما ذكرناه هرب من خراسان ووصل إلى الري فاستولى عليها وأقام بها وأرسل السلطان محمد شاه بن محمود صاحب همذان وأصفهان وغيرهما يخدمه وهاداه وأرضاه وأظهر له الطاعة وبقي بها إلى أن مات السلطان محمد فاستولى على عدة بلاد تجاور الري فملكها فعظم أمره وعلا شأنه وصارت عساكره عشرة آلاف فارس فلما ملك سليمان شاه همذان على ما نذكره حضر عنده وأطاعه لأنسه به كان أيام مقام سليمان شاه بخراسان فتقوى أمره بذلك

ذكر قتل ابن السلار وزير الظافر ووزارة عباس ص 388

في هذه السنة في المحرم قتل العادل بن السلار وزير الظافر بالله قتله ربيبه عباس ابن أبي الفتوح بن يحيى الصنهاجي أشار إليه بذلك الأمير أسامة بن منقذ ووافق عليه الخليفة الظافر بالله فأمر ولده نصرا فدخل على العادل وهو عند جدته أم عباس فقتله وولي الوزارة بعده ربيبه عباس وكان بعاس قد قدم من المغرب كما ذكرناه إلى مصر وتعلم الخياطة وكان خياطا حسنا فلما تزوج ابن السلار بأمه أحبه وأحسن تربيته فجازاه بأن قتله وولي بعده وكانت الوزارة في مصر لمن غلب والخلفاء وراء الحجاب والوزارة كالمتملكين وقل أن وليها أحد بعد الأفضل إلا بحرب وقتل وما شاكل ذلك فلذلك ذكرناه في تراجم مفردة

والله أعلم

ذكر الحرب بين العرب وعساكر عبد المؤمن ص 389

في هذه السنة في صفر كانت الحرب بين عسكر عبد المؤمن والعرب عند مدينة سطيف وسبب ذلك أن العرب وهم بنو هلال والأبتج وعدي ورياح وزعب وغيرهم من العرب لما ملك عبد المؤمن بلاد بني حماد اجتمعوا من أرض طرابلس إلى أقصى المغرب وقالوا إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من المغرب وليس الرأي إلا إلقاء الجد معه وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن وتحالفوا على التعاون والتظافر وأن لا يخون بعضهم بعضا وعزموا على لقائه بالرجال والأهل والمال ليقاتلوه قتال الحريم واتصل الخبر بالملك رجار الفرنجي صاحب صقلية فأرسل إلى أمراء العرب وهم محرز بن زياد وجبارة بن كامل وحسن بن ثعلب وعيسى بن حسن وغيرهم يحثهم على لقاء عبد المؤمن ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على شرط أن يرسلوا إليه الرهائن فشكروه وقالوا ما بنا حاجة إلى نجدته ولا نستعين بغير المسلمين وساروا في عدد لا يحصى وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد المغرب فلما بلغه خبرهم جهز من الموحدين ما يزيد على ثلاثين ألف فارس واستعمل عليهم عبد الله بن عمر الهنتاني وسعد الله بن يحيى وكان العرب أضعافهم فاستجرهم الموحدون وتبعهم العرب إلى أن وصلوا إلى أرض شطيف بين جبال فحمل عليهم عسكر عبد المؤمن والعرب على غير أهبة التقى الجمعان وترك العرب جميع ما لهم من أهل ومال وأثاث ونعم فأخذ الموحدون جميع ذلك وعاد الجيش إلى عبد المؤمن بجميعه فقسم جميع الأموال على عسكره وترك النساء والأولاد تحت الاحتياط ووكل بهم من الخدم الخصيان من يخدمهم ويقوم بحوائجهم وأمر بصيانتهم فلما وصلوا معه إلى مراكش أنزلهم في المساكن الفسيحة وأجرى لهم النفقات الواسعة وأمر عبد المؤمن ابنه محمدا أن يكاتب أمراء العرب ويعلمهم أن نساءهم وأولادهم تحت الحفظ والصيانة وأنه قد بذل لهم الأمان والكرامة

فلما وصل كتاب محمد إلى العرب سارعوا إلى المسير إلى مراكش فلما وصلوا إليها أعطاهم عبد المؤمن نساءهم وأولادهم وأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة فاسترق قلوبهم بذلك وأقاموا عنده وكان بهم حفيا واستعان بهم على ولاية ابنه محمد للعهد على ما نذكره سنة إحدى وخمسين

ذكر ملك الفرنج مدينة بونة وموت رجار وملك ابنه غليالم ص 390

في هذه السنة سار أسطول رجار ملك الفرنج بصقلية إلى مدينة بونة وكان المقدم عليهم فتاه فيلب المهدوي فحصرها واستعان بالعرب عليها فأخذها في رجب وسبى أهلها وملك ما فيها غير أنه أغضى عن جماعة من العلماء والصالحين حتى خرجوا بأهليهم وأموالهم إلى القرى فأقام بها عشرة أيام وعاد إلى المهدية وبعض الأسرى معه وعاد إلى صقلية فقبض رجار عليه لما اعتمد من الرفق بالمسلمين في بونة وكان فيلب يقال إنه وجميع فتيانه مسلمون يكتمون ذلك وشهدوا عليه أنه لا يصوم مع الملك وأنه مسلم فجمع رجار الأساقفة والقسوس والرهبان فحكموا بأن يحرق فأحرق في رمضان وهذا أول وهن دخل على المسلمين بصقلية ولم يمهل الله رجار بعده إلا يسيرا حتى مات في العشر الأول من ذي الحجة من السنة وكان مرضه الخوانيق وكان عمره قريب ثمانين سنة وكان ملكه نحو عشرين سنة

ولما مات ملك بعده ابنه غليالم وكان فاسد التدبير سيء التصوير فاستوزر مايو البرصاني فأساء التدبير فاختلفت عليه حصون من جزيرة صقلية وبلاد قلورية وتعدى الأمر إلى أفريقية على ما نذكره

ذكر وفاة بهرام شاخ صاحب غزنة ص 390

في هذه السنة في رجب توفي السلطان بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بها وكانت ولاية بهرام شاه ستا وثلاثين سنة وكان عادلا حسن السيرة جميل الطريقة محبا للعلماء مكرما لهم باذلا لهم الأموال الكثيرة جامعا للكتب تقرأ بين يديه ويفهم مضمونها ولما مات ملك ولده خسروشاه الملك بعده

ذكر ملك الفرنج مدينة عسقلان ص 390

في هذه السنة ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان وكانت من جملة مملكة الظافر بالله العلوي المصري وكان الفرنج كل سنة يقصدونها ويحصرونها فلا يجدون إلى ملكها سبيلا وكان الوزراء بمصر لهم الحكم في البلاد والخلفاء معهم إسم لا معنى تحته وكان الوزراء كل سنة يرسلون إليها من الذخائر والأسلحة والأموال والرجال من يقوم بحفظها فلما كان في هذه السنة قتل ابن السلار على ما ذكرناه واختلفت الأهواء في مصر وولي عباس الوزارة وإلى أن استقرت قاعدة اغتنم الفرنج اشتغالهم عن عسقلان فاجتمعا وحصروها فصبر أهلها وقاتلوهم قتالا شديدا حتى أنهم بعض الأيام قاتلوا خارج السور وردوا الفرنج إلى خيامهم مقهورين وتبعهم أهل البلد إليها فأيس حينئذ من ملكه فبينا هم على عزم الرحيل إذ قد أتاهم الخبر أن البلد قد وقع بين أهله خلاف وقتل منهم قتلى فصبروا وكان سبب هذا الاختلاف أنهم لما عادوا عن قتال الفرنج قاهرين منصورين ادعى كل طائفة منهم أن النصرة من جهتهم كانت وأنهم هم الذين ردوا الفرنج خاسرين فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من إحدى الطائفتين قتيل واشتد الخطب وعظم حينئذ وتفاقم الشر ووقعت الحرب بينهم فقتل بينهم قتلى فطمع الفرنج وزحفوا إليه وقاتلوا عليه فلم يجدوا من يمنعهم فملكوه

ذكر حصر عسكر الخليفة تكريت وعودهم عنها ص 391

في هذه السنة سير الخليفة المقتفي لأمر الله عسكرا إلى تكريت ليحصروها وأرسل معهم مقدما عليهم ابن الوزير عون الدين بن هبيرة وترشك وهو من خواص الخليفة وغيرهما فجرى بين ابن الوزير ترشك فعرف ذلك فأرسل إلى مسعود بلال صاحب تكريت فصالحه وقبض على ابن الوزير ومن معه من المقدمين وسلمهم إلى مسعود بلال فانهزم العسكر وغرق منه كثير وسار مسعود بلال وترشك من تكريت إلى طريق خراسان فنهبا وأفسدا فسار المقتفي عن بغداد لدفعهما فهربا من بين يديه فقصد تكريت فحصرها أياما وجرى له مع أهلها حروب من وراء السور فقتل من العسكر جماعة بالنشاب فعاد الخليفة عنها ولم يملكها

ذكر عدة حوادث ص 392

في هذه السنة وصلت مراكب من صقلية فيها جمع من الفرنج فنهبوا مدينة تنيس بالديار المصري

وفيها كان بين الكرج بأرمينية وبين صلتق صاحب أرزن الروم مصاف وحرب شديد وانهزم صلتق وأسره الكرج ثم أطلقوه

وفيها توفي أبو العباس أحمد بن أبي غالب الوراق المعروف بابن الطلاية الزاهد البغدادي بها وكان من الصالحين وله حديث ورواية

وتوفي عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل أبو الفتح بن أبي القاسم الكروخي الهروي راوي جامع الترمذي ومولده سنة اثنتين ومن طريقه سمعناه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.