الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة
58

ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة

الجزء التاسع 15 عنصر صفحة 371
ذكر ملك عبد المؤمن بجاية وملك بني حماد ص 371

في هذه السنة سار عبد المؤمن بن علي إلى بجاية وملكها وملك جميع ممالك بني حماد وكان لما أراد قصدها سار من مراكش إلى سبتة سنة ست وأربعين فأقام بها مدة يعمل الأسطول ويجمع العساكر القريبة منه وأما ما هو على طريقه إلى بجاية من البلاد فكتب إليهم ليتجهزوا ويكونوا على الحركة أي وقت طلبهم والناس يظنون أنه يريد العبور إلى الأندلس فأرسل في قطع السابلة عن بلاد شرق المغرب برا وبحرا وسار من سبتة في صفر سنة سبع وأربعين فأسرع السير وطوى المراحل والعساكر تلقاه في طريقه فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو في أعمالها وكان ملكها يحيى بن العزيز بن حماد آخر ملوك بني حماد وكان مولعا بالصيد واللهو لا ينظر في شيء من أمور مملكته قد حكم فيها بنو حمدون فلما اتصل الخبر بميمون بن حمدون جمع العسكر وسار عن بجاية نحو عبد المؤمن فلقيهم مقدمته وهي تزيد على عشرين ألف فارس فانهزم أهل بجاية من غير قتال ودخلت مقدمة عبد المؤمن بجاية قبل وصول عبد المؤمن بيومين وتفرق جميع عسكر يحيى بن العزيز وهربوا برا وبحرا وتحصن يحيى بقلعة قسطنطينية الهواء وهرب اخواه الحرث وعبد الله إلى صقلية ودخل عبد المؤمن بجاية وملك جميع بلاد ابن العزيز بغير قتال ثم إن يحيى نزل إلى عبد المؤمن بالأمان فأمنه وكان يحيى قد فرح لما أخذت بلاد أفريقية من الحسن بن علي بن فرحا ظهر عليه فكان يذمه ويذكر معايبه فلم تطل المدة حتى أخذت بلاده ووصل الحسن بن علي إلى عبد المؤمن في جزائر بني مزغنان وقد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين سبب مصيره إليها واجتمعا عنده فأرسل عبد المؤمن يحيى بن العزيز إلى بلاد المغرب وأقام بها وأجرى عليه شيئا كثيرا وأما الحسن بن علي فإنه أحسن إليه والزمه صحبته وأعلى مرتبته فلزمه إلى أن فتح عبد المؤمن المهدية فجعله فيها وأمر واليها أن يقتدي برأيه ويرجع إلى قوله ولما فتح عبد المؤمن بجاية لم يتعرض إلى مال أهلها ولا غيره وسبب ذلك أن بني حمدون استأمنوا فوفى لهم بأمانه

ذكر ظفر عبد المؤمن بصنهاجه ص 372

لما ملك عبد المؤمن بجاية تجمعت صنهاجة في أمم لا يحصيها إلا الله تعالى وتقدم عليهم رجل اسمه أبو قصبة واجتمع معهم من كتامة ولواثة وغيرها خلق كثير وقصدوا حرب عبد المؤمن فأرسل إليهم جيشا كثيرا ومقدمهم أبو سعيد يخلف وهو من الخمسين فالتقوا في عرض الجبل شرقي بجاية فانهزم أبو قصبة وقتل أكثر من معه ونهبت أموالهم وسبيت نساؤهم وذراريهم ولما فرغوا من صنهاجة ساروا إلى قلعة بني حماد وهي من أحصن القلاع وأعلاها لا ترام على رأس جبل شاهق لا يكاد الطرف يحققها لعلوها ولكن القدر إذا جاء لا يمنع منه معقل ولا جيوش فلما رأى أهلها عساكر الموحدين هربوا منها في رؤوس الجبال وملكت القلعة وأخذ جميع ما فيها من مال وغيره وحمل إلى عبد المؤمن فقسمه بين أصحابه

ذكر وفاة السلطان مسعود وملك ملكشاه محمد بن محمد ص 372

في هذه السنة أول رجب توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان وكان مرضه حمى حادة نحو اسبوع وكان مولده سنة اثنين وخمسمائة في ذي القعدة ومات معه سعادة البيت السلجوقي فلم يقم له بعده راية يعتمد بها ولا يلتفت إليها

( فما كان قيس هلكه هلك واحد % ولكنه بنيان قوم تهدما )

وكان رحمه الله حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس فمن ذلك أن أتابك زنكي صاحب الموصل أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله ابن القاسم الشهرزوري في رسالة فوصل إليه وأقام معه في العسكر فوقف يوما على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب فعاد إلى خيمته فأذن المغرب وهو في الطريق فرأى إنسانا فقيها في خيمة فنزل إليه فصلى معه المغرب ثم سأله كمال الدين من أين هو فقال أنا قاضي مدينة كذا فقال له كمال الدين القضاة ثلاثة قاضيان في النار وهو أنا وأنت وقاض في الجنة وهو من لم يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم فلما كان الغد أرسل السلطان وأحضر كمال الدين إليه فلما دخل عليه ورآه ضحك

وقال القضاة ثلاثة فقال كمال الدين نعم يا مولانا فقال والله صدقت ما أسعد من لا يرانا ولا نراه ثم أمر أن تقضى حاجته وأعاده من يومه وكان كريما عفيفا عن الأموال التي للرعايا حسن السيرة فيهم من أصلح السلاطين سيرة وألينهم عريكة سهل الأخلاق لطيفا فمن ذلك أنه اجتاز يوما في بعض أطراف بغداد فسمع امرأة تقول لأخرى انظري إلى السلطان فوقف وقال حتى تجيء هذه الست تنظر إلينا

وله فضائل كثيرة ومناقب جمة وكان عهد إلى ملكشاه ابن أخيه السلطان محمود فلما توفي خطب له الأمير خاص بك ورتب الأمور وقررها بين يديه وأذعن له جميع العسكر بالطاعة ولما وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان مسعود هرب الشحنة بها وهو مسعود بلال إلى تكريت واستظهر الخليفة المقتفي لأمر الله على داره ودور أصحاب السلطان ببغداد وأخذ كل ما لهم فيها وكل من كان عنده وديعة لأحد منهم أحضرها بالديوان وجمع الخليفة الرجال والعساكر وأكثر التجنيد وتقدم بإراقة الخمور من مساكن أصحاب السلطان ووجد في دار مسعود بلال شحنة بغداد كثير من الخمر فأريق ولم يكن الناس يظنون أنه شرب الخمر بعد الحج وقبض على المؤيد الأنوسي الشاعر وعلى الحيص بيص الشاعر ثم أطلق الحيص بيص وأعيد عليه ما أخذ منه

ثم إن السلطان ملكشاه سير سلاركرد في عسكر إلى الحلة فدخلها فسار إليه مسعود بلال شحنة بغداد وأظهر له الاتفاق معه فلما اجتمعا قبض عليه مسعود بلال وغرقه واستبد بالحلة فلما علم الخليفة ذلك جهز العساكر إليه مع عون الدين بن هبيرة فسار إليه فلما قاربوا الحلة عبر مسعود بلاد الفرات إليهم وقاتلهم فانهزم من عسكر الخليفة ونادى أهل الحلة بشاعر الخليفة فلم يدخلها وتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه فعاد إلى تكريت وملك عسكر الخليفة الحلة وسير الوزير عسكرا إلى الكوفة وعسكرا إلى واسط فملكوها ثم إن عساكر السلطان وصلت إلى واسط ففارقها عسكر الخليفة فلما سمع الخليفة ذلك تجهز بنفسه وسار عن بغداد إلى واسط ففارقها العسكر السلطاني وملكها الخليفة وسار منها إلى الحلة ثم عاد إلى بغداد فوصلها تاسع عشر ذي القعدة وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما

ثم إن خاص بك بن بلنكري قبض على الملك ملكشاه الذي خطب له بالسلطة بعد مسعود وأرسل إلى أخيه الملك محمد سنة ثمان وأربعين وهو بخوزستان يستدعيه وكان قصده أن يحضر عنده فيقضه ويخطب لنفسه بالسلطنة فسار الملك محمدا إليه فلما وصل أجلسه على تخت السلطنة أوائل صفر وخطب له بالسلطنة وخدمه وبالغ في خدمته وحمل له هدايا عظيمة جليلة المقدار ثم إنه دخل إلى الملك محمد ثاني يوم وصوله فقتله محمد وقتل معه زنكي الجاندار وألقى برأسهما فتفرق أصحابهما ولم ينتطح فيهما عنزان وكان أيدغدي التركماني المعروف بشملة مع خاص بك فنهاه عن الدخول إلى الملك محمد فلم ينتبه فقتل ونجا شملة فنهب جشير الملك محمد ومضى طالبا خوزستان وأخذ محمد من أموال خاص بك شيئا كثيرا واستقر محمد في السلطنة وتمكن وبقي خاص بك ملقى حتى أكلته الكلاب وكان صبيا تركمانيا اتصل بالسلطان مسعود فتقدم على سائر الأمراء ثم كان هذا خاتمة أمره

ذكر الحرب بين نور الدين محمود وبين الفرنج ص 374

في هذه السنة تجمعت الفرنج وحشدت الفارس والراجل وساروا نحو نور الدين وهو ببلاد جولين ليمنعوه عن ملكها

فوصلوا إليه وهو بدلوك فلما قربوا منه رجع إليهم ولقيهم وجرى المصاف بينهم عند دلوك واقتتلوا أشد قتال رآه الناس وصبر الفريقان ثم انهزم الفرنج وقتل منهم وأسر كثير وعاد نور الدين إلى دلوك فملكها واستولى عليها ومما قيل في ذلك

( أعدت بعصرك هذا الأنيق % فتوح النبي وأعصارها )

( فواطأت يا حبذا أحدبها % وأسررت من بدر أبدارها )

( وكان مهاجرها تابعيك % وأنصار رأيك أنصارها )

( فجددت إسلام سلمانها % وعمر جدك عمارها )

( وما يوم أنب إلا كذاك % بل طال بالنوع أشبارها )

( صدمت عزيمتها صدمة % أذابت مع الماء أحجارها )

( وفي تل باشر باشرتهم % بزحف تسور أسوارها )

( وإن دالكتهم دلوك فقد % شددت فصدقت أخبارها )

ذكر الحرب بين سنجر والغورية ص 375

في هذه السنة كان بين السلطان سنجر وبين الغورية حرب وكانت دولتهم أول ما قد ظهرت وأول من ملك منهم رجل اسمه الحسين بن الحسين ملك جبال الغور ومدينة فيروزكوه وهي تقارب أعمال غزنة وقوي أمره وتلقب بعلاء الدين وتعرض إلى أعمال ثم جمع جيشا وقصد هراة محاصرا لها فنهب عسكره ناب وأوبة ومارباد من هراة الرود وسار إلى بلخ وحصرها فقاتله الأمير قماج ومعه جمع من الغز فغدروا به وصاروا مع الغوري فملك بلخ فلما سمع السلطان سنجر بذلك سار إليه ليمنعه فثبت له علاء الدين واقتتلوا فانهزم الغورية وأسر علاء الدين وقتل من الغورية خلق كثير ولا سيما الرجالة وأحضر السلطان سنجر علاء الدين بين يديه وقال له يا حسين لو ظفرت بي ما كنت تفعل فأخرج له قيد فضة وقال كنت أقيدك بهذا وأحملك إلى فيروزكوه فخلع عليه سنجر ورده إلى فيروزكوه فبقي بها مدة ثم إنه قصد غزنة وملكها حينئذ بهرام شاه بن مسعود بن محمود بن سبكتكين فلم يثبت بها بين يدي علاء الدين بل فارقها إلى مدينة كرمان وهي مدينة بين غزنة والهند وسكانها قوم يقال لهم أبغان وليست هذه بالولاية المعروفة بكرمان فلما فارق بهرام شاه غزنة ملكها علاء الدين إلى بلد الغور وأمر أخاه أن يخلع على أعيان البلد خلعا نفيسة ويصلهم بصلات سنية ففعل ذلك وأحسن إليهم فلما جاء الشتاء ووقع الثلج وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع إليهم فكاتبوا بهرام شاه الذي كان صاحبها واستدعوه إليهم فسار نحوهم في عسكره فلما قارب البلد ثار أهله على سيف الدين فأخذوه بغير قتال وكان العلويين هم الذين تولوا أسره وانهزم الذين كانوا معه فمنهم من نجا ومنهم من أخذ ثم إنهم سودوا وجه سيف الدين وأركبوه بقرة وأطافوا به البلد ثم صلبوه وقالوا فيه أشعارا يهجونه وغنوا بها حتى النساء فلما بلغ الخبر إلى أخيه علاء الدين الحسين قال شعرا معناه إن لم أقلع غزنة في مرة واحدة فلست الحسين بن الحسين ثم توفي بهرام شاه وملك بعده ابنه خسروشاه وتجهز علاء الدين الحسين وسار إلى غزنة سنة خمسين وخمسمائة فلما بلغ الخبر إلى خسروشاه سار عنها إلى لهاوور وملكها علاء الدين ونهبها ثلاثة ايام وأخذ العلويين الذين أسروا أخاه فألقاهم من رؤوس الجبال وخرب المحلة التي صلب فيها وأخذ النساء اللواتي قيل عنهن أنهن كن يغنين بهجاء أخيه والغورية فأدخلهن حماما ومنعهن من الخروج حتى متن فيه وأقام بغزنة حتى أصلحها ثم عاد إلى فيروزكوه ونقل معه من أهل غزنة خلقا كثيرا وحملهم المخالي مملوءة ترابا فبنى به قلعة فلي فيروزكوه وهي موجودة إلى الآن وتلقب بالسلطان المعظم وحمل الخبر على عادة السلاطين السلجوقية

وقد تقدم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من أخبارهم وفيه مخالفة لهذا في بعض الأمر وكلا سمعناه ورأيناه في مصنفاتهم فلهذا ذكرنا الأمرين وأقام الحسين على ذلك مدة واستعمل ابني أخيه وهما غياث الدين وشهاب الدين

ذكر ملك غياث الدين وشهاب الدين الغوريين ص 376

لما قوي أمر عمهما علاء الدين الحسين بن الحسين استعمل العمال والأمراء على البلاد وكان ابنا أخيه وهما غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام وشهاب الدين أبو المظفر محمد بن سام فيمن استعمل على بلد من بلاد الغور اسمه سنجة وكان غياث الدين يلقب حينئذ شمس الدين ويلقب الآخر شهاب الدين فلما استعملهما أحسنا السيرة في عملهما وعدلا وبذلا الأموال فمال الناس إليهما وانتشر ذكرهما فسعى بهما من يحسدهما إلى عمهما علاء الدين وقال إنهما يريدان الوثوب بك وقتلك والاستيلاء على الملك فأرسل عمهما يستدعيهما إليه فامتنعا وكانا قد علما الخبر فلما امتنعا جهز اليهما عسكرا مع قائد يسمى خروش الغوري فلما التقوا انهزم خروش ومن معه وأسر هو وأبقيا عليه وأحسنا إليه وخلعا عليه وأظهرا عصيان عمهما وقطعا خطبته فتوجه إليهما علاء الدين وسارا هما أيضا إليه فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم علاء الدين وأخذ أسيرا وانهزم عسكره فنادى فيهم ابنا أخيه بالأمان فأحضرا عمهما وأجلساه على التخت ووقفا في خدمته فبكى علاء الدين وقال هذان صبيان قد فعلا ما لو قدرت عليه منهما لم أفعله وأحضر القاضي في الحال وزوج غياث الدين بنتا له وجعله ولي عهده وبقي كذلك إلى أن مات

فلما توفي ملك غياث الدين بعده وخطب لنفسه في الغور وغزنة بالملك وبقي كذلك إلى أن ملك الغز غزنة بعد موت علاء الدين طمعوا فيها بموته وبقيت بأيديهم خمس عشر سنة يصبون على أهلها العذاب ويتابعون الظلم كعادتهم في كل بلدة ملكوها ولو أنهم لما ملكوا أحسنوا السيرة في الرعايا لدام ملكهم فلم يزل الغز بغزنة هذه المدة وغياث الدين يقوي أمره ويحسن السيرة والناس يميلون إليه ويقصدونه محبة له

ذكر ملك غياث الدين غزنة وما جاورها من البلاد ص 377

لما قوي أمر غياث الدين جهز جيشا كثيفا مع اخيه شهاب الدين إلى غزنة فيه أصناف الغورية والخلج والخراسانية فساروا إليها فلقيهم الغز وقاتلوهم فانهزم الغورية وثبت شهاب الدين فيمن ثبت معه على صاحب علمهم فقتله وأخذ العلم وتركه على حاله فتراجع الغز ولم يكونوا علموا بما كان من شهاب الدين فجاؤوا يطلبون عملهم فكلما جاء إليه طائفة قتلهم فأتى على أكثرهم ودخل غزنة وتسلمها وأحسن السيرة في أهلها وأفاض العدل وسار في غزنة إلى كرمان وشنوران فملكها ثم تعدى إلى ماء السند وعمل على العبور إلى بلد الهند وقصد لها وورد بها يومئذ خسروشاه بن بهرام شاه المقدم ذكر والده فلما سمع خسروشاه بذلك سار فيمن معه إلى ماء السند فمنعه من العبور فرجع عنه وقصد خرشابور فملكها وما يليها من جبال الهند وأعمال الابغان والله أعلم

ذكر ملك شهاب الدين لهاوور ص 377

لما ملك شهاب الدين جبال الهند قوي أمره وجنانه وعظمت هيبته في قلوب الناس وأحبوه لحسن سيرته فلما خرج الشتاء وأقبل الربيع من سنة تسع وسبعين وخمسمائة سار نحو لهاوور في جمع عظيم وحشد كثير من خراسان والغور وغيرها فعبر إلى لهاوور وحصرها وأرسل صاحبها خسروشاه إلى أهلها يتهددهم إن منعوه وأعلمهم أنه لا يزول حتى يملك البلد وبذل لخسروشاه الأمان على نفسه وأهله وماله ومن الأقطاع ما أراد وأن يزوج ابنته بابن خسروشاه على أن يطأ بساطه ويخطب لأخيه فامتنع عليه وأقام شهاب الدين محاصرا له مضيقا عليه فلما رأى أهل البلد والعسكر ذلك ضعفت نياتهم في نصرة صاحبهم فخذلوه فأرسل لما رأى ذلك قاضي البلد والخطيب يطلبون له الأمان فأجابه شهاب الدين إلى ذلك وحلف له وخرج إليه ودخل الغورية إلى المدينة وبقي كذلك شهرين مكرما عند شهاب الدين فورد رسول من غياث الدين إلى شهاب الدين يأمره بإنفاذ خسروشاه إليه

ذكر انقراض دولة سبكتكين ص 378

لما أنفذ غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين يطلب إنفاذ خسروشاه إليه أمره شهاب الدين بالتجهز والمسير فقال أنا لا أعرف أخاك ولا لي حديث إلا معك ولا يمين إلا في عنقك فمناه وطيب قلبه وجهزه وسيره وسير معه ولده وأصحبهما جيشا يحفظونهما فسارا كارهين فلما بلغا فرشابور خرج أهلها إليهما يبكون ويدعون لهما فزجرهم الموكلون بهما وقالوا سلطان يزور سلطانا آخر لأي شيء تبكون وضربوهم فعادوا وخرج ولد خطيبها إلى خسروشاه متوجعا له قال فلما دخلت عليه أعلمته رسالة أبي وقلت إنه قد اعتزل الخطابة ولا حاجة بي إلى خدمة غيركم فقال لي سلم عليه وأعطاني فرجة فوطا ومصلى من عمل الصوفية وقال هذه تذكرة أبيك عند أبي فسلمها إليه وقل له در مع الدهر كيفما دار أنشد بلسان فصيح

( وليس كعهد الدار يا أم مالك % ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل )

قال فانصرفت إلى أبي وعرفته الحال فبكى وقال قد أيقن الرجل بالهلاك ثم رحلوا فلما بلغوا بلد الغور لم يجتمع بهما غياث الدين بل أمر بهما فرفعا إلى بعض القلاع فكان آخر العهد بهما وهو آخر ملوك آل سبكتكين وكان ابتداء دولتهم سنة ست وستين وثلاثمائة فتكون مدة ولايتهم مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبا وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة ولا سيما جدهم محمود فإن آثاره في الجهاد معروفة وأعماله للآخرة مشهورة

( لو كان يقعد فوق الشمس من كرم % قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا )

فتبارك الذي لا يزول ملكه ولا تغيره الدهور فأف لهذه الدهور وأف لهذه الدنيا الدنية تفعل هذا بأبنائها نسأل الله تعالى أن يكشف عن قلوبنا حتى نراها بعين الحقيقة وأن يقبل بنا إليه وأن يشغلنا به عما سواه إنه على كل شيء قديير هكذا ذكر بعض فضلاء خراسان أن خسروشاه آخر ملوك آل سبكتكين وقد ذكر غيره أنه توفي في الملك وملك بعده ابنه ملكشاه وسنذكر في سنة تسع وخمسين وخمسمائة وبالجملة فابتداء دولة الغورية عندي فيها خلف ولو ينكشف الحق فأصلحه إن شاء الله تعالى

ذكر الخطبة لغياث الدين بالسلطنة ص 379

لما استقر ملكهم بلهاوور واتسعت مملكتهم وكثرت عساكرهم وأموالهم كتب غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين بإقامة الخطبة به بالسلطنة وتلقب بألقاب السلاطين كان لقبه شمس الدين فتلقب غياث الدين والدنيا معين الإسلام قسيم أمير المؤمنين ولقب أخاه بعز الدين ففعل شهاب الدين ذلك وخطب له بالسلطنة

ذكر ملك غياث الدين وغيرها من خراسان ص 379

لما فرغ شهاب الدين من إصلاح أمر لهاوور وتقرير قواعدها سار إلى أخيه غياث الدين فلما اجتمع به استقر رأيهما على المسير إلى خراسان وقصد مدينة هراة ومحاصرتها فسارا في العساكر الكثيرة اليها وكان بها جماعة من الأتراك السنجرية فنازلا البلد وحصراه وضيقا على من به فاستسلموا اليهما وأرسلوا يطلبون الأمان منهما فأجاباهم إلى ذلك وأمناهم فتسلما البلد وأخرجا من فيه من الأمراء السنجرية واستناب فيه غياث الدين خزنك الغوري وسار غياث الدين وأخوه إلى فوشنج فملكاها ثم إلى باذغيس وكالين وبيوار فملكاها أيضا وتسلم ذلك جميعه غياث الدين وأحسن السيرة في أهل البلاد ورجع إلى فيروزكوه ورجع شهاب الدين إلى غزنة وكان ينبغي أن حوادث الغورية تذكر في السنين وإنما جمعناها ليتلو بعضها بعضا ولأن فيه ما لم يعرف تاريخه فتركناه بحاله

ذكر مالك شهاب الدين مدينة آجرة من بلد الهند ص 379

لما رجع شهاب الدين من خراسان إلى غزنة أقام بها حتى أراح واستراح هو وعساكره ثم سار إلى بلد الهند فحاصر مدينة آجرة وبها ملك من ملوك الهند فلم يظفر منه بطائل وكان للهندي زوجة غالبة على أمره فراسلها شهاب الدين أنه يتزوجها فأعادت الجواب أنها لا تصلح له وانها لها ابنة جميلة تزوحه إياها فأرسل إليها يجيبها إلى التزويج بابنتها فسقت زوجها سما فمات وسلمت البلد إليه فلما تسلمه أخذ الصبية فأسلمت وتزوجها وحملها إلى غزنة وأجرى عليها الجرايات الوافرة ووكل بها من علمها القرآن وتشاغل عنها فتوفيت والدتها ثم توفيت هي بعد عشر سنين ولم يرها ولم يقربها فبنى لها مشهدا ودفنها فيه وأهل غزنة يزورون قبرها ثم عاد إلى بلد الهند فذل له صعابها وتيسر له فتح الكثير من بلادهم ودوخ ملوكهم وبلغ منهم ما لم يبلغه أحد قبله من ملوك المسلمين

ذكر ظفر الهند على المسلمين ص 380

لما اشتدت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند وإثخانه في أهلها واستيلاؤه عليهم اجتمع ملوكهم وتآمروا بينهم ووبخ بعضهم بعضا فاتفق رأيهم على الاجتماع والتعاضد على حربه فجمعوا عساكرهم وحشدوا وأقبل إليهم الهنود من كل فج عميق على الصعب والذلول وجاؤوا بحدهم وحديدهم وكان الحاكم على جميع الملوك المجتمعين امرأة هي من أكبر ملوكهم فلما سمع باجماعهم ومسيرهم إليه تقدم هو أيضا إليهم في عسكر عظيم منن الغورية والخلج والخراسانية فالتقوا واقتتلوا فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم المسلمون وركبهم الهند يقتلون ويأسرون وأثخنوا فيهم وأصاب شهاب الدين ضربة بطلت منها يده اليسرى وضربة أخرى على رأسه سقط منها إلى الأرض وحجز الليل بين الفريقين فأحس شهاب الدين بجماعة من غلمانه الأتراك في ظلمة الليل وهم يطلبونه في القتلى ويبكون وقد رجع الهنود إلى ورائهم فكلمهم وهو على ما به من الجهد فجاؤوا إليه مسرعين وحملوه على رؤوسهم رجالة يتناوبون حمله حتى بلغوا مدينة آجرة مع الصباح وشاع خبر سلامته في الناس فجاؤوا إليه يهنئونه من أقطار البلاد فأول ما عمل أنه أخذ امراء الغورية الذين انهزموا عنه وأسلموه فملأ مخالي خيلهم شعيرا وحلف لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم فأكلوه ضرورة وبلغ الخبر إلى أخيه غياث الدين فأرسل إليه يلومه على عجلته وإقدامه وأنفذ إليه جيشا عظيما

ذكر ظفر المسلمين بالهند ص 380

لما سلم شهاب الدين وعاد إلى آجرة وأتاه المدد من أخيه غياث الدين وعاد الهنود جددوا سلاحهم ووفروا جمعهم وأقاموا عوض من قتل منهم وسارت ملكتهم وهم معها في عدد يضيق عنه الفضاء فراسلها شهاب الدين يخدعها بأنه يتزوجها فلم تجبه إلى ذلك وقالت إما الحرب وإما أن تسلم بلاد الهند وتعود إلى غزنة فأجابها إلى العود إلى غزنة وأنه يستأذن أخاه غياث الدين

فعل ذلك مكرا وخديعة

وكان بين العسكرين نهر وقد حفظ الهنود المخاضات فلا يقدر أحد من المسلمين أن يجوزه وأقاموا ينتظرون ما يكون جواب غياث الدين بزعمهم فبينما هم كذلك إذ وصل إنسان هندي إلى شهاب الدين وأعلمه أنه يعرف مخاضا قريب من عسكر الهنود وطلب أن يرسل معه جيشا يعبرهم المخاض ويكسبون الهنود وهم غارون آمنون فخاف شهاب الدين أن تكون خديعة ومكرا فأقام له ضمناء من أهل آجرة والمولتان فأرسل معه جيشا كثيفا وجعل عليهم الأمير الحسين ابن خرميل الغوري وهو الذي صار بعد صاحب هراة وكان من الشجاعة والرأي بالمنزلة المشهورة فسار الجيش مع الهندي فعبروا النهر فلم يشعر الهنود إلا وقد خالطهم المسلمون ووضعوا السيف فيهم فاشتغل الموكلون بحفظ المخاضات فعبر شهاب الدين بعد هذه الوقعة من بلاد الهند وأمن معرة فسادهم والتزموا له بالأموال وسلموا إليه الرهائن وصالحوه وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي وهي كرسي الممالك التي فتحها من الهند فأرسل عسكرا من الخلج مع محمد بن بختيار فملكوا من بلاد الهند مواضع ما وصل اليها مسلم قبله حتى قاربوا حدود الصين من جهة المشرق وقد حدثني صديق لي من التجار بوقعتين تشبه هاتين الوقعتين المذكورتين وبينهما بعض الخلاف وقد ذكرناهما سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة

ذكر عدة حوادث ص 381

في هذه السنة توفي يعقوب الكاتب ببغداد وكان يسكن بالمدرسة النظامية وحضر متولي التركات وختم على الغرفة التي كان يسكنها بالمدرسة فثار الفقهاء وضربوا المتولي وهذه عادتهم فيمن يموت بها وليس له وارث فقبض حاجب الباب على رجلين من الفقهاء وعاقبهما وحبسهما فأغلق الفقهاء المدرسة وألقوا كرسي الوعاظ في الطريق وصعدوا سطح المدرسة ليلا واستغاثوا وتركوا الأدب وكان حينئذ مدرسهم الشيخ أبا النجيب فجاء وألقى نفسه تحت التاج يعتذر فعفي عنه

وفيها توفي حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين وميافارقين وكانت ولايته نيفا وثلاثين سنة وتولى بعده ابنه نجم الدين ألبي

وفيها مات أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي الشافعي المحدث ومولده سنة تسع وخمسين وأربعمائة

وفيها توفي أبو الأسعد عبد الرحمن القشيري في شوال وهو شيخ شيوخ خراسان

وفيها في المحرم باض ديك ببغداد بيضة وباض بازي بيضتين وباضت نعامة لا ذكر معها بيضة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.