الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة
56

ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة

الجزء التاسع 5 عنصر صفحة 364
ذكر أخذ العرب الحجاج ص 364

في هذه السنة رابع عشر المحرم خرج العرب زعب ومن انضم إليها على الحجاج بالغرابي بين مكة والمدينة فأخذوهم ولم يسلم منهم إلا القليل

وكان سبب ذلك أن نظرا أمير الحاج لما عاد من الحلة على ما ذكرنا وسار على الحاج قايماز الأرجواني وكان حدثا غرا فسار بهم إلى مكة فلما رأى أمير مكة قايماز استصغره وطمع في الحاج وتلطف قايماز الحال معه إلى أن عادوا فلما سار عن مكة سمع باجتماع العرب فقال للحاج من المصلحة ألا نمضي إلى المدينة فضج العجم وهددوه بالشكوى منه إلى السلطان سنجر فقال لهم فأعطوا العرب مالا نستكفي به شرهم فامتنعوا من ذلك فسار بهم إلى الغرابي وهو منزل يخرج إليه من مضيق جبلين فوقفوا على فم مضيق وقاتلهم قايماز ومن معه فلما رأى عجزه أخذ لنفسه أمانا وظفروا بالحجاج وغنموا أموالهم وجميع ما معهم وتفرق الناس في البر وهلك منهم خلق كثير لا يصحون كثرة ولم يسلم إلا القليل فوصل بعضهم إلى المدينة وتحملوا منها إلى البلاد وأقام بعضهم مع العرب حتى وصل إلى البلاد

ثم إن الله تعالى اقتص للحاج من زعب فلم يزالوا في نقص وذلة ولقد رأيت شابا منهم بالمدينة سنة ست وسبعين وخمسمائة وجرى بيني وبينه مفاوضة قلت له فيها إنني والله كنت أميل إليك حتى سمعت أنك من زعب فنفرت وخفت شرك فقال لم فقلت بسبب أخذكم الحاج فقال لي أنا لم أدرك ذلك الوقت وكيف رأيت الله صنع بنا والله ما أفلحنا ولا نجحنا قل العدد وطمع العدو فينا

ذكر فتح حصن فاميا ص 365

في هذه السنة فتح نور الدين محمود بن الشهيد زنكي حصن فاميا من الفرنج وهو مجاور شيزر وحماة على تل عال من أحصن القلاع وأمنعها فسار نور الدين إليه وحصره وبه الفرنج وقاتلهم وضيق على من بها منهم فاجتمع من بالشام من الفرنج وساروا نحوه ليرحلوه عنهم فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه ذخائر وسلاحا ورجالا وجميع ما يحتاج إليه فلما بلغ سير الفرنج إليه رحل عنه وقد فرغ من أمر الحصن وسار إليهم يطلبهم فحين رأوا أن الحصن قد ملك وقوة عزم نور الدين على لقائهم عدلوا عن طريقه ودخلوا بلادهم وراسلوه في المهادنة وعاد سالما مظفرا ومدحه الشعراء وذكروا هذا الفتح فمن ذلك قال ابن الرومي من قصيدة أولها

( أسنى الممالك ما اطلت منارها % وجعلت مرهفة الدسار دسارها )

( وأحق من ملك البلاد وأهلها % رؤوف تكنف عدله أقطارها )

ومنها في وصف الحصن

( أدركت ثأرك في البغاة وكنت يا % مختار امة أحمد مختارها )

( ضاءت نجومك فوقها ولطالما % باتت تنافثها النجوم شرارها )

( عارية الزمن المعير ثمالها % منك المعيرة فاسترد معارها )

( أمست مع الشعرى العبور وأصبحت % شعراء تستفلى الفحول شوارها )

وهي طويلة

ذكر حصن الفرنج قرطبة ورحيلهم عنها ص 365

في هذه السنة سار السليطين وهو الأذفونش وهو ملك طليطلة وأعمالها وهو من ملوك الجلانقة نوع من الفرنج في أربعين ألف فارس إلى مدينة قرطبة فحصرها وهي في ضعف وغلاء فبلغ الخبر إلى عبد المؤمن وهو بمراكش فجهز عسكرا كثيرا وجهز مقدمهم أبا زكريا يحيى بن يرموز ونفذهم إلى قرطبة فلما قاربوا منها لم يقدروا أن يلقوا عسكر السليطين في الوطاء وأرادوا الاجتماع بأهل قرطبة ليمنعوها لخطر العاقبة بعد القتال فسلكوا الجبال الوعرة والمضايق المتشعبة فساروا نحو خمسة وعشرين يوما في الوعر في مسافة أربعة أيام في السهل فوصلوا إلى الجبل المطل على قرطبة فلما رآهم السليطين وتحقق أمرهم رحل عن قرطبة وكان فيها القائد أبو الغمر السائب من ولد القايد بن غلبون وهو من أبطال أهل الأندلس وأمرائها فلما رحل الفرنج خرج منها لوقته وصعد إلى ابن يرموز وقال له انزلوا عاجلا وادخلوا البلد ففعلوا وباتوا فيها فلما أصبحوا من الغد رأوا عسكر السليطين على رأس الجبل الذي كان فيه عسكر عبد المؤمن فقال لهم أبو الغمر هذا الذي خفته عليكم لأني علمت أن السليطين ما أقام إلا طالبا لكم فإن من الموضع الذي كان فيه طريق سهلة ولو لحقكم هناك نال مراده منكم ومن قرطبة فلما رأى السليطين أنهم قد فاتوه علم أنه لم يبق له طمع في قرطبة فرحل عائدا إلى بلاده وكان حصره لقرطبة ثلاثة أشهر والله أعلم

ذكر ملوك الغورية هراة ص 366

في هذه السنة سار ملك الغور الحسن بن الحسين وكان أهلها قد كاتبوه وطلبوا تسليمها إليه هربا من الأتراك لهم وزوال هيبة السلطنة عنهم فامتنع أهل هراة عليه ثلاثة أيام ثم خرجوا إليه وسلموا البلد وأطاعوه فأحسن إليهم وأفاض عليهم النعم وغمرهم بالعدل وأظهر طاعة للسلطان سنجر والقيام على الوفاء له والانقياد إليه

ذكر عدة حوادث ص 366

في هذه السنة أمر علاء الدين محمود بن مسعود الغالب على أمر طريثيث إقامة الخطبة للخليفة ولبس السواد ففعل الخطيب ذلك فثار به عمه وأقاربه ومن وافقهم وقاتلوه وكسروا المنبر وقتلوا الخطيب وكان فعل علاء الدين هذا لأن أباه كان مسلما فلما تغلب الإسماعيلية على طريثيث أظهر موافقتهم وأبطن اعتقاد الشريعة وكان يناظر على مذهب الشافعي وازداد تقدما بطريثيث وجرت أمورها بإرادته فلما حضر الموت أوصى أن يغسله فقيه شافعي وأوصى إلى ابنه علاء الدين إن امكنه أن يعيد فيها إظهار شريعة الإسلام فعل فلما رأى من نفسه قوة فعله فلم يتم له وفيها كثر المرض بالعراق لا سيما ببغداد وكثر الموت أيضا فيها ففارقها السلطان مسعود

وفيها توفي الأمير علي بن دبيس بن صدقة صاحب الحلة بأسد أباد واتهم طبيبه محمد بن صالح بالمواطأة عليه فمات الطبيب بعده بقريب

وفيها استوزر عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب أبا جعفر بن أبي أحمد الأندلسي وكان مأسورا عنده فوصف له بالعقل وجودة الكتابة فأخرجه من الحبس واستوزره وهو أول وزير كان للموحدين

وفي هذه السنة في المحرم جلس يوسف الدمشقي مدرسا في النظامية ببغداد وكان جلوسه بغير أمر الخليفة فمنع يوم الجمعة من دخول الجامع فصلى في جامع السلطان ومنع من التدريس فتقدم السلطان مسعود إلى الشيخ أبي النجيب بأن يدرس فيها فامتنع بغير أمر الخليفة فاستخرج السلطان إذن الخليفة في ذلك فدرس منتصف المحرم من السنة

وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي مهران الفقيه الشافعي تفقه على الهراسي وولي قضاء نصيبين ثم ترك القضاء وتزهد فأقام بجزيرة ابن عمر ثم انتقل إلى جبل ببلد الحصن في زاوية وكان له كرامات ظاهرة

وفيها مات الحسن بن ذي النون بن أبي القاسم بن أبي الحسن المسعري أبو المفاخر النيسابوري

سمع الحديث الكثير وكان فقيها أديبا دائم الاشتغال يعظ الناس وكان مما ينشد

( مات الكرام وولوا وانقضوا ومضوا % ومات من بعدهم تلك الكرامات )

( وخلفوني في قوم ذوي سفه % لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا )

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.