ذكر وفاة سيف الدين غازي بن أتابك زنكي وبعض سيرته وملك أخيه قطب الدين
ص 358
في هذه السنة توفي سيف الدين غازي بن أتابك زنكي صاحب الموصل بها بمرض حاد ولما اشتد مرضه أرسل إلى بغداد واستدعى أوحد الزمان فحضر عنده فرأى شدة مرضه فعالجه فلم ينجح فيه الدواء وتوفي أواخر جمادى الآخرة
وكانت ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما وكان حسن الصورة والشباب وكانت ولادته سنة خمسمائة ودفن بالمدرسة التي بناها بالموصل وخلف ولدا ذكرا فرباه عمه نور الدين محمود وأحسن تربيته وزوجه ابنة أخيه قطب الدين مودود فلم تطل أيامه وتوفي في عنفوان شبابه فانقرض عقب سيف الدين وكان كريما شجاعا عاقلا وكان يصنع كل يوم لعسكره طعاما كثيرا بكرة وعشية فأما الذي بكرة فيكون مائة رأس غنم جيدة وهو أول من حمل على رأسه السنجق وأمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيف في أوساطهم والدبوس تحت أركبهم فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف وبنى المدرسة الأتابكية العتيقة بالموصل وهي من أحسن المدارس ووقفها على الحنفية والشافعية وبنى رباطا للصوفية بالموصل أيضا على باب المشرعة ولم تطل أيامه ليفعل ما في نفسه من الخير وكان عظيم الهمة ومن جملة كرمه أنه قصده شهاب الدين الحيص بيص وامتدحه بقصيدته التي أولها
( إلام يراك المجد في زي شاعر % وقد نحلت شوقا فروع المنابر )
فوصلت بألف دينار عين سوى الخلع وغيرها
ولما توفي سيف الدين غازي كان أخوه قطب الدين مقيما بالموصل فاتفق جمال الدين الوزير وزين الدين علي أمير الجيش على تمليكه فأحضروه واستحلفوه وحلفوا له وأركبوه إلى دار السلطنة وزين الدين في ركابه وأطاعه جميع بلاد أخيه سيف الدين كالموصل والجزيرة ولما ملك تزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش التي كان قد تزوجها أخوه سيف الدين وتوفي قبل الدخول بها وهي أم أولاد قطب الدين سيف الدين وعز الدين وغيرهما من أولاده
ذكر استيلاء نور الدين على سنجار
ص 359
لما ملك قطب الدين مودود الموصل بعد أخيه سيف الدين غازي كان أخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام وله حلب وحماة فكاتبه جماعة من الأمراء وطلبوه وفيمن كاتبه المقدم عبد الملك والد شمس الدين محمد وكان حينئذ مستحفظا لسنجار فأرسل إليه يستدعيه ليتسلم سنجار فسار جريدة في سبعين فارسا من أمراء دولته فوصل إلى ماكسين في نفر يسير قد سبق من أصحابه وكان يوما شديد المطر فلم يعرفهم الذي يحفظ الباب فأخبر الشحنة أن نفرا من التركمان المتجندين قد دخلوا البلد فلم يستتم كلامه حتى دخل نور الدين الدار على الشحنة فقام إليه وقبل يده ولحق به باقي أصحابه
ثم سار إلى سنجار فوصلها وليس معه غير ركابي وسلاح دار ونزل بظاهر البلد وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله فرآه الرسول وقد سار إلى الموصل وترك ولده شمس الدين محمدا بالقلعة فأعلمه بمسير والده إلى الموصل وأقام من لحق أباه بالطريق فأعلمه بوصول نور الدين فعاد إلى سنجار فسلمها إليه فدخلها نور الدين وأرسل إلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب الحصن يستدعيه إليه لمودة كانت بينهما فوصل إليه في عسكره فلما سمع أتابك قطب الدين وجمال الدين وزين الدين بالموصل بذلك جمعوا عساكرهم وساروا نحو سنجار فقال لهم جمال الدين ليس من الرأي محاقنته وقتاله فإننا نحن قد عظمنا محله عند السلطان وما هو بصدده من الغزاة وجعلنا أنفسنا دونه وهو يظهر للفرنج تعظيما وأنه تبعنا ولا يزال يقول لهم إن كنتم كما يجب وإلا سلمت البلاد لصاحب الموصل وحينئذ يفعل بكم ويصنع فإذا لقيناه فإن هزمناه طمع السلطان فينا ويقول هذا الذي كان يعظمونه ويحتمون به أضعف منهم وقد هزموه وإن هو هزمنا طمع فيه الفرنج ويقولون إن الذين كان يحتمي بهم أضعف منه وقد هزمهم وبالجملة فهو ابن أتابك وأشار بالصلح وسار هو إليه فاصطلح وسلم سنجار إلى أخيه قطب الدين وسلم مدينة حمص والرحبة بأرض الشام إليه وبقي الشام له وديار الجزيرة لأخيه واتفقا وعاد نور الدين إلى حلب وأخذ معه ما كان قد ادخره أبو عماد الدين أتابك فيها من الخزائن وكانت كثيرة جدا
ذكر وفاة الحافظ وولاية الظافر ووزارة ابن السلار
ص 360
في هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المنتصر بالله العلوي صاحب مصر وكانت خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر وعمره نحو من سبع وسبعين سنة ولم يزل في جميعها محكوما عليه يحكم عليه وزراؤه حتى أنه جعل ابنه حسنا وزيرا وولى عهده فحكم عليه واستبد بالأمر دونه وقتل كثيرا من أمراء دولته وصادر كثيرا فلما رأى الحافظ ذلك سقاه سما فمات وقد ذكرناه
ولم يل الأمر من العلويين المصريين من أبوه غير خليفة غير الحافظ والعاضد وسيرد ذكر نسب العاضد وولي الخلافة بعده بمصر ابنه الظاهر بأمر الله أبو منصور اسماعيل بن عبد المجيد الحافظ واستوزر ابن مصال فبقي أربعين يوما يدبر الأمور فقصده العادل بن السلار من ثغر الإسكندرية ونازعه في الوزارة وكان ابن مصال قد خرج من القاهرة في طلب بعض المفسدين من السودان فخالفه العادل بالقاهرة وصار وزيرا وسير عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي في عسكره وهو ربيب العادل إلى ابن مصال فظفر به وقتله وعاد إلى القاهرة واستقر العادل وتمكن ولم يكن للخليفة معه حكم
وأما سبب وصول عباس إلى مصر فإن جده يحيى أخرج أبا الفتوح من المهدية فلما توفي يحيى وولي بعده بلاد إفريقية ابنه علي بن يحيى بن تميم بن يحيى صاحب افريقية أخرج أخاه أبا الفتوح والد عباس من أفريقية سنة تسع وخمسمائة فسار إلى الديار المصرية ومعه زوجته بلارة بالعادل بن السلار وشب العباس وتقدم عند الظافر حتى ولي الوزارة بعد العادل فإن العادل قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين
قيل وضع ربيبه عباس من قتله فلما قتل ولي الوزارة بعده وتمكن منها وكان جلدا حازما ومع هذا ففي أيامه أخذ الفرنج عسقلان واشتد وهن الدولة بذلك
وفي أيامه أخذ نور الدين محمود دمشق من مجير الدين أبق وصار الأمر بعد هذا إلى أن أخذت مصر منهم على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى
ذكر عود جماعة من الأمراء إلى العراق
ص 361
في هذه السنة في رجب عاد البقش كون خر والطرنطاوي وابن دبيس ومعهم ملكشاه ابن السلطان محمود إلى العراق وراسلوا الخليفة في الخطبة لملكشاه فلم يلتفت إليه وجمع العساكر وحصن بغداد وأرسل إلى السلطان مسعود يعرفه بالحال فوعده بالوصول إلى بغداد فلم يحضر وكان سبب ذلك ما ذكرناه من وصول عمه السلطان سنجر إلى الري في معنى خاص بك فلما وصل إلى الري سار إليه السلطان مسعود ولقيه واسترضاه فرضي عنه فلما علم البقش بمراسلة الخليفة إلى مسعود نهب النهروان وقبض على الأمير علي بن دبيس في رمضان فلما علم الطرنطاوي بذلك هرب إلى النعمانية ووصل السلطان مسعود منتصف شوال ورحل البقش كون خر من النهروان وأطلق علي بن دبيس فلما وصل السلطان إلى بغداد قصده علي وألقى بنفسه بين يديه واعتذر فرضي عنه
وذكر بعض المؤرخين هذه الحادثة سنة أربع وأربعين وذكر أيضا مثلها سنة ثلاث وأربعين فظنهما حادثتين وأنا أظنها واحدة ولكنا تبعناه في ذلك ونبهنا عليه
ذكر قتل البرنس صاحب انطاكية وهزيمة الفرنج
ص 361
في هذه السنة غزا نور الدين محمود بن زنكي بلاد الفرنج من ناحية انطاكية وقصد حصن حارم وهو للفرنج فحصره وخرب ربضه ونهب سواده ثم رحل إلى حصن أنب فحصره أيضا
فاجتمعت الفرنج مع البرنس صاحب انطاكية وحارم وتلك الأعمال وساروا إلى نور الدين ليرحلوه عن أنب فلقيهم واقتتلوا قتالا عظيما وباشر نور الدين القتال ذلك اليوم فانهزم الفرنج أقبح هزيمة وقتل منهم جمع كثير وأسروا مثلهم وكان ممن قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند وهو طفل فتزوجت امه ببرنس آخر ليدبر البلد إلى أن يكبر ابنها وأقام معها بأنطاكية ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى فاجتمعوا ولقوه فهزمهم وقتل فيهم وأسر وكان فيمن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند فتمكن حينئذ بيمند بأنطاكية وأكثر الشعراء مديح نور الدين وتهنئته بهذا الظفر فإن قتل البرنس كان عظيما عند الطائفتين وممن قال فيه القيسراني الكاتب في القصيدة المشهورة التي أولها
( هذي العزائم لا ما تدعي القضب % وذي المكارم لا ما قالت الكتب )
( وهذه الهمم اللاتي متى خطبت % تعثرت خلفها الأشعار والخطب )
( صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها % براحة للمساعي دونها تعب )
( ما زال جدك يبني كل شاهقة % حتى بنى قبة أوتادها الشهب )
( أغرت سيوفك بالإفرنج راجفة % فؤاد رومية الكبرى لها يجب )
( ضربت كبشهم منها بقاصمة % أودى بها الصلب وانحطت بها الصلب )
( طهرت أرض الأعادي من دمائهم % طهارة كل سيف عندها جنب )
ذكر الخلف بين صاحب صقلية وملك الروم
ص 362
في هذه السنة اختلف رجار الفرنجي صاحب صقلية وملك القسطنطينية وجرى بينهما حروب كثيرة ودامت عدة سنين فاشتغل بعضهم ببعض عن المسلمين ولولا ذلك لملك رجار جميع بلاد أفريقية وكان القتال بينهم برا وبحرا والظفر في جميع ذلك لصاحب صقلية حتى إن اسطوله في بعض السنين وصل إلى مدينة القسطنطينية ودخل فم المينا وأخذوا عدة شواني من الروم وأسروا جمعا منهم ورمى الفرنج طاقات قصر الملك بالنشاب وكان الذي يفعل هذا بالروم والمسلمين جرجي وزير صاحب صقلية فمرض عدة أمراض منها البواسير والحصا ومات سنة ست وأربعين وخمسمائة فسكنت الفتنة واستراح الناس من شره وفساده ولم يكن عند صاحب صقلية من يقوم مقامه بعده
ذكر عدة حوادث
ص 362
في هذه السنة زلزلت الأرض زلزلة عظيمة فقيل إن جبلا مقابل حلوان ساخ في الأرض
وفيها ولي أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزارة الخليفة المقتفي لأمر الله وكان قبل ذلك صاحب ديوان الزمام وظهر له كفاية عظيمة عند نزول العساكر بظاهر بغداد وحسن قيام في ردهم فرغب الخليفة فيه فاستوزره يوم الأربعاء رابع ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وكان القمر على تربيع زحل فقيل له لو أخرت لبس الخلعة لهذه التربيعات فقال وأي سعادة أكبر من وزارة الخليفة ولبسها ذلك اليوم
وفيها في المحرم توفي قاضي القضاة علي بن الحسين الزيني وولي القضاء عماد الدين أبو الحسن علي بن أحمد الدامغاني
وفيها في المحرم رخصت الأسعار بالعراق وكثرت الخيرات وخرج أهل السواد إلى قراهم
وفيها توفي الأمير نظر أمير الحاج وكان قد سار بالحاج إلى الحلة فمرض واشتد مرضه واستخلف على الحاج قايماز الأرجواني وعاد إلى بغداد مريضا فتوفي في ذي القعدة وكان خصيا عاقلا خيرا له معروف كثير وصدقات وافرة
وفيها توفي أحمد بن نظام الملك الذي كان وزير السلطان محمد والمسترشد بالله
وفيها توفي علي بن رافع بن خليفة الشيباني وهو من أعيان خراسان وله مائة وسبع سنين شمسية
ومات الإمام مسعود الصوابي في المرحم منها
وفيها توفي معين الدين أنز نائب أبق صاحب دمشق وهو كان الحاكم والأمر إليه وكان ابق صورة أمير لا معنى تحتها
وفيها توفي القاضي أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني أبو بكر قاضي تستر وله شعر حسن فمنه قوله
( ولما بلوت الناس أطلب عندهم % أخا ثقة عند اعتراض الشدائد )
( تطلعت في حالي رخاء وشدة % وناديت في الأحياء هل من مساعد )
( فلم أر فيما ساءني غير شامت % ولم أر فيما سرني غير حاسد )
( تمتعتما يا ناظري بنظرة % وأوردتما قلبي أمر الموارد )
( أعيني كفا عن فؤادي فإنه % من البغي سعى اثنين في قتل واحد )
وفيها توفي أبو عبد الله عيسى بن هبة الله بن عيسى البزاز وكان ظريفا وله شعر حسن كتب إليه صديق له رقعة وزاد في خطابه فأجابه
( قد زدتني في الخطاب حتى % خشيت نقصا من الزيادة )
( فاجعل خطابي خطاب مثلي % ولا تغير علي عاده )
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.