الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة
47

ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة

الجزء التاسع 3 عنصر صفحة 318
ذكر انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا وملكهم ما وراء النهر ص 318

ثم ذكر أصحاب التواريخ في هذه الحادثة أقاويل نحن نذكرها جميعها للخروج من اختلافها وعدتها فنقول في هذه السنة من المحرم وقيل في صفر انهزام السلطان سنجر من الترك الكفار وسبب ذلك أن سنجرا كان قتل ابنا لخوارزم شاه أتسز بن محمد كما ذكرناه قبل فبعث خوارزم شاه إلى الخطا وهم بما وراء النهر يطعمهم في البلاد ويروج عليهم أمرها وحثهم على قصد مملكة السلطان سنجر فساروا في ثلاثمائة ألف فارس وسار إليهم سنجر في عساكره فالتقوا بما وراء النهر واقتتلوا أشد قتال وانهزم سنجر وعساكره وقتل منهم مائة ألف قتيل منهم اثنا عشر ألفا كلهم صاحب عمامة وأربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر وتم السلطان منهزما إلى ترمذ وسار منها إلى بلخ ولما انهزم سنجر قصد خوارزم شاه مدينة مرو فدخلها مراغمة للسلطان سنجر وقتل بها وقبض على أبي الفضل الكرماني الفقيه الحنفي وعلى جماعة من الفقهاء مغيرهم من أعيان البلد ولم يزل السلطان سنجر مسعودا إلى وقتنا هذا لم تنهزم له راية ولما تمت عليه هذه السنة الهزيمة أرسل إلى السلطان مسعود أذن له في التصرف في الري وما يجري معها على قاعدة أبيه السلطان محمد

وأمره أن يكون مقيما فيها بعساكره بحيث إن دعت حاجة استدعاه لأجل هذه الهزيمة فوصل عباس صاحب الري إلى بغداد بعساكره وخدم السلطان مسعودا خدمة عظيمة وسار السلطان إلى الري امتثالا لأمر عمه سنجر وقيل إن بلاد تركستان وهي كاشغر وبلاد بلاساغون وختن وطراز وغيرها مما يجاورها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد الملوك الخانية الأتراك وهم مسلمون من نسل أفراسياب التركي إلا أنهم مختلفون وكان سبب إسلام جده شبق قراخاقان أنه رأى في منامه كأن رجلا نزل من السماء فقال بالتركية ما معناه أسلم تسلم في الدنيا والآخرة فأسلم في منامه وأصبح فأظهر إسلامه

فلما مات قام مقامه ابنه موسى بن شبق ولم يزل الملك بتلك الناحية في أولاده إلى أرسلان بن علي بن موسى بن شبق فخرج على قدرخان فانتزع الملك منه فقتل قدرخان كما ذكرناه سنة أربع وتسعين وأربعمائة وأعاد الملك إلى أرسلان خان وثبت قدمه وخرج خوارج فاستصرخ السلطان سنجر فنصره وأعاده إلى ملكه وكان من جنده نوع من الأتراك يقال لهم القارغلية والأتراك الغزية الذين نهبوا خراسان على ما نذكره إن شاء الله وهم نوعان نوع يقال لهم أجق وأميرهم طوطى بن داديك وقوم يقال برق وأميرهم يقال له قرغوت بن عبد الحميد فحسن الشريف الأشرف بن محمد بن أبي شجاع العلوي السمرقندي لولد أرسلان خان المعروف بنصر خان طلب الملك من أبيه وأطمعه فسمع محمد بن خان الخبر فقتل الابن والشريف الأشرف وجرت بين أرسلان خان وبين جنده القارغلية وحشة دعتهم إلى العصيان عليه وانتزع الملك منه فعاود الاستعانة بالسلطان سنجر فعبر جيحون بعساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة وكان بينهما مصاهرة فوصل إلى سمرقند وهرب القارغلية من بين يديه

واتفق أن السلطان سنجر خرج إلى الصيد فرأى خيالة فقبض عليهم فقررهم فأقروا أن أرسلان خان وضعهم على قتله فعاد إلى سمرقند فحصر أرسلان خان بالقلعة فملكها وأخذه أسيرا وسيره إلى بلخ فمات بها وقيل بل غدر به سنجر واستضعفه فملك البلد منه فأشاع عنه ذلك فلما ملك سمرقند استعمل عليها بعده قلج طمغاج أبا المعالي الحسن بن علي بن عبد المؤمن المعروف بحسن تكين وكان من أعيان بيت الخانية إلى الآن إلا أن أرسلان خان اطرحه فلما ولي سمرقند وكان هذا حسن ابن أخت سنجر لم تطل أيامه فمات عن قليل فأقام سنجر مقامه الملك محمود بن أرسلان خان محمد بن سليمان بن داود بغراخان وهو ابن الذي أخذ منه سنجر سمرقند وكان هذا محمود ابن أخت سنجر وكان قبل ذلك سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة قد وصل الأعور وهو كوخان الصيني إلى حدود كاشغر في عدد كثير لا يعلمهم إلا الله فاستعد له صاحب كاشغر وهو الخان أحمد بن الحسن وجمع جنوده فخرج إليه

والتقوا فاقتتلوا وانهزم الأعور الصيني وقتل كثير من أصحابه ثم إنه مات فقام مقامه كوخان الصيني وكوبلسان الصين لقب لأعظم ملوكهم وخان لقب الملوك الترك فمعناه أعظم الملوك وكان يلبس لبسة ملوكهم من المقنعة والخمار وكان مانويا ولما خرج من الصين إلى تركستان انضاف إليه الأتراك الخطا وكانوا قد خرجوا قبله من الصين وهم في خدمة الخانية أصحاب تركستان وكان أرسلان خان محمد بن سليمان يسير على ستة عشر ألف خركاة ومنزلهم على الدروب التي بينه وبين الصين يمنعون أحدا من الملوك أن يتطرق إلى بلاده وكان لهم على ذلك جرايات واقطاعات فاتفق أنه وجد عليهم في بعض السنين فمنعهم عن نسائهم لئلا يتوالدوا فعظم عليهم ولم يعرفوا وجها يقصدونه وتحيروا فاتفق أن اجتاز بهم قفل عظيم فيه الأموال الكثيرة والأمتعة النفسية فأخذوه وأحضروا التجار وقالوا لهم إن كنتم تريدون أموالكم فعرفونا بلدا كثير المرعى فسيحا يسعنا ويسع أموالنا فاتفق رأي التجار على بلد بلاساغون فوصفوه لهم فأعادوا إليهم أموالهم وأخذوا الموكلين الذين كانوا بهم لمنعهم عن نسائهم وكتفوهم وأخذوا نساءهم وساروا إلى بلاساغون وكان أرسلان خان يغزوهم ويكثر جهادهم فخافوه خوفا عظيما فلما طال ذلك عليهم وخرج كوخان الصيني انضافوا إليه أيضا فعظم شأنهم وتضاعف جمعهم وملكوا بلاد تركستان وكانوا إذا ملكوا المدينة لا يغيرون على أهلها شيئا بل يأخذون من كل بيت دينارا من أهل البلاد وغيرها من القرى وأما المزروعات وغير ذلك فلأهلها وكل من أطاعهم من الملوك شد في وسطه شبه لوح فضة فتلك علامة من أطاعهم ثم ساروا إلى بلاد ما وراء النهر فاستقبلهم الخاقان محمود بن محمد من حدود خجندة في رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة واقتتلوا فانهزم الخاقان محمود بن محمد وعاد إلى سمرقند فعظم الخطب على أهلها واشتد الخوف والحزن وانتظروا البلاء صباحا ومساء وكذلك أهل بخارى وغيرهما من بلاد من وراء النهر وأرسل الخاقان محمود إلى السلطان سنجر يستمده وينهي إليه ما لقي المسلمون ويحثه على نصرتهم فجمع العساكر فاجتمع عنده ملوك خراسان صاحب سجستان والغور وملك غزنة وملك مازندران وغيرهم فاجتمع إليه أكثر من مائة ألف فارس وبقي العرض ستة أشهر وسار سنجر إلى لقاء الترك فعبروا إلى ما وراء النهر في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة فشكا إليه محمود بن محمد خان من الأتراك القارغلية فقصدهم سنجر فالتجؤوا إلى كوخان الصيني ومن معه من الكفار وأقام سنجر بسمرقند فكتب إليه كوخان كتابا يتضمن الشفاعة في الأتراك القارغلية ويطلب منه أن يعفو عنهم فلم يشفعه فيهم وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام ويهدده إن لم يجب إليه ويتوعده بكثرة عساكره ووصفهم وبالغ في قتالهم بأنواع السلاح حتى قال وإنهم يشقون الشعر بسهامهم فلم يرض هذا الكتاب وزير السلطان طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك فلم يصغ إليه وسير الكتاب فلما قرئ الكتاب على كوخان أمر بنتف لحية الرسول وأعطاه إبرة وكلفه شق شعرة من لحيته فلم يقدر أن يفعل ذلك فقال كيف يشق غيرك شعرة بسهم وأنت عاجز عن شقها بإبرة واستعد كوخان للحرب وعنده جنود الترك والصين والخطا وغيرهم وقصد السلطان سنجر فالتقى العسكران وكانا كالبحرين العظيمين بموضع يقال له قطوان وطاف بهم كوخان حتى ألجأهم إلى واد يقال له ديرغم وكان على ميمنة سنجر الأمير قماج وعلى ميسرته ملك سجستان والأبطال وراءهم فاقتتلوا خامس صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة وكانت الأتراك القارغلية الذين هربوا من سنجر من أشد الناس قتالا ولم يكن ذلك اليوم من عسكر السلطان سنجر أحسن قتالا من صاحب سجستان فأجلت الحرب عن هزيمة المسلمين فقتل منهم ما لا يحصى من كثرتهم واشتمل وادي ديرغم على عشرة آلاف من القتلى والجرحى

ومضى السلطان سنجر منهزما وأسر صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان سنجر وهي اينة ارسلان خان فأطلقهم والحسام عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري الفقيه الحنفي المشهور ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه ولا أكثر ممن قتل فيها بخراسان

واستقرت دولة الخطا والترك والكفار بما وراء النهر وبقي كرخان إلى رجب من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فمات فيه وكان جميلا حسن الصورة لا يلبس إلا الحرير الصيني له هيبة عظيمة على أصحابه ولم يسلط أميرا على أقطاع بل كان يعطيهم من عنده ويقول متى أخذوا الأقطاع ظلموا وكان لا يقدم أميرا على أكثر من مائة فارس حتى لا يقدر على العصيان عليه وكان ينهي أصحابه عن الظلم وينهي عن السكر ويعاقب عليه ولا ينهي عن الزنا ولا يقبحه

وملك بعده ابنة له فلم تطل مدتها حتى ماتت فملك بعدها أمها زوجة كوخان وابنه محمد وبقي ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن أخذه منهم علاء الدين محمد خوارزم شاه سنة اثنتي عشرة وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر ما فعله خوارزم شاه بخراسان ص 322

قد ذكرنا قبل قصد السلطان سنجر خوارزم وأخذها من خوارزم شاه أتسن وعوده إليها وقتل ولد خوارزم شاه وأنه هو الذي راسل الخطا وأطمعهم في بلاد الإسلام فلما لقيهم السلطان سنجر وعاد منهزما سار خوارزم شاه إلى خراسان فقصد سرخس في ربيع الأول من السنة فلما وصل إليها لقي الإمام أبا محمد الزيادي وكان قد جمع بين الزهد والعلم فأكرمه خوارزم شاه إكراما عظيما ورحل من هناك إلى مرو الشاهجان فقصده الإمام أحمد الباخرزي وشفع في أهل مرو وسأل أن لا يعترض إليهم أحد من العسكر فأجابه إلى ذلك ونزل بظاهر البلد واستدعى أبا الفضل الكرماني الفقيه وأعيان أهلها فثار عامة مرو وقتلوا بعض أهل خوارزم شاه وأخرجوا أصحابه من البلد وأغلقوا أبوابه واستعدوا للامتناع فقاتلهم خوارزم شاه ودخل مدينة مرو سابع عشر ربيع الأول من السنة وقتل كثيرا من أهلها وممن قتل إبراهيم المروزي الفقيه الشافعي وعلي بن محمد بن أرسلان وكان ذا فنون كثيرة من العلم وقتل الشريف علي بن اسحاق الموسوي وكان رأس فتنة وملقح شر وقتل كثيرا من أعيان أهلها وعاد إلى خوارزم واستصحب معه علماء كثيرا من أهلها ومنهم أبو الفضل الكرماني وأبو منصور العبادي والقاضي الحسين بن محمد الأرسابندي وأبو محمد الخرقي الفيلسوف وغيرهم

ثم سار إلى شوال من السنة إلى نيسابور فخرج إليه جماعة من فقهائها وعلمائها وزهادها وسألوه أن لا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو فأجابهم إلى ذلك لكنه استقصى في البحث عن أموال أصحاب السلطان فأخذها وقطع خطبة السلطان سنجر أول ذي القعدة وخطبوا له فلما ترك الخطيب ذكر السلطان سنجر وذكر خوارزم شاه صاح الناس وثاروا وكادت الفتنة تثور والشر يعود جديدا وإنما منع الناس ذوو الرأي والعقل نظرا في العاقبة فقطعت إلى أول المحرم سنة سبع وثلاثين فأعيدت خطبة السلطان سنجر ثم سير خوارزم شاه جيشا إلى أعمال بيهق فأقاموا بها يقاتلون أهلها خمسة أيام ثم سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد وعملوا بخراسان أعمالا عظيمة ومنع السلطان من مقاتلة أتسز خوارزم شاه لأجل قوة الخطا بما وراء النهر ومجاورتهم وملك خوارزم شه هذه البلاد وغيرها من خراسان

ذكر عدة حوادث ص 323

في هذه السنة ملك أتابك زنكي بن آقسنقر مدينة الحديثة ونقل من كان بها من آل مهراش إلى الموصل ورتب أصحابه فيها

وفيها أيضا خطب لزنكي بمدينة آمد وصار صاحبها في طاعته وكان قبل ذلك موافقا لداود على قتال زنكي فلما رأى قوة زنكي صار معه

وفيها عزل مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد ووليها قزل أمير أخور وهو من مماليك السلطان محمود وكان له بروجرد والبصرة فأضيف إليه شحنكية بغداد ثم وصل السلطان إلى بغداد فرأى من تبسط العيارين وفسادهم ما ساءه فأعاد بهروز إلى الشحنكية فتاب كثير منهم ولم ينتفع الناس بذلك لأن ولد الوزير وأخا امرأة السلطان كانا يقاسمان العيارين فلم يقدر بهروز على منعهم

وفيها تولى عبد الرحمن طغابرك حجبة السلطان واستولى على المملكة وعزل الأمير تبر الطغرلي عنها وآل أمره إلى أن مشى في ركاب عبد الرحمن

وفيها توفي إبراهيم السهاوي مقدم الإسماعيلية فأخرجه ولد عباس صاحب الري في تابوته

وفيها حج كمال الدين بن طلحة صاحب المخزن وعاد وقد لبس ثياب الصوفية وتخلى عن جميع ما كان عليه وأقام في داره مرعي الجانب محروس القاعدة

وفيها وصل السلطان إلى بغداد وكان الوزير الزيني بدار السلطان كما ذكرناه فسأل السلطان أن يشفع فيه ليرده الخليفة إلى داره فأرسل السلطان وزيره إلى دار الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزيني وشفع أن يعود إلى داره فأذن له في ذلك وأعاد أخاه إلى نقابة النقباء فلزم الوزير داره ولم يخرج منها إلا إلى الجامع

وفيها أغار عسكر أتابك زنكي من حلب على بلاد الفرنج فنهبوا وأهرقوا وظفروا بسرية الفرنج فقتلوا فيهم وأكثروا فكان عدد القتلى سبعمائة رجل

وفيها أفسد بنو خفاجة بالعراق فسير السلطان مسعود سرية إليهم من العسكر فنهبوا خلتهم وقتلوا من ظفروا به منهم وعادوا سالمين

وفيها سير رجار الفرنجي صاحب صقلية أسطولا إلى أطراف أفريقية فأخذوا مراكب سيرت من مصر إلى الحسن صاحب أفريقية وغدر بالحسن ثم راسله الحسن وجدد الهدنة لأجل حمل الغلات من صقلية إلى أفريقية لأن الغلاء كان فيها شديدا والموت كثير

وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي الدمشقي وكان عالما

وفيها توفي ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثي وزير أتابك زنكي وكان حسن السيرة في وزارته كريما رئيسا

وفيها توفي أبو محمد بن طاوس إمام الجامع بدمشق في المحرم وكان رجلا صالحا فاضلا

وفيها توفي أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث المعروف بابن السمرقندي ولد بدمشق سنة أربع وخمسين وأربعمائة وكان مكثرا من الحديث عالي الرواية

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.