ذكر وفاة الملك طغرل وملك مسعود بلد الجبل
ص 277
قد ذكرنا قدوم السلطان مسعود إلى بغداد منهزما من أخيه الملك طغرل وأن الخليفة أكرمه وحمل إليه ما يحتاج إليه مثله وأمره بالمسير إلى همذان وجمع العساكر ومنازعة أخيه طغرل في السلطنة والبلاد ومسعود يعد ويدافع الأيام والخليفة يحثه على ذلك ووعده أن يسير معه بنفسه وأمر أن يبرز خيامه إلى باب الخليفة
وكان قد اتصل الأمير البقش السلاحي وغيره من الأمراء بالخليفة وطلبوا خدمته فأجابهم وصاروا معه واتفق أن إنسانا أخذ معه ملطفات من طغرل إلى هؤلاء الأمراء بالأقطاع لهم فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه غلبك ونهب ماله فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة فهربوا إلى عسكر السلطان مسعود فأرسل الخليفة إليه في إعادتهم إليه فلم يفعل واحتج بأشياء فعظم ذلك على الخليفة وحدث بينهما نفرة ووحشة أوجبت تأخره عن المسير معه وأرسل إليه يلزمه بالمسير معه أمرا جزما فبينما الأمر على هذا إذ جاءه الخبر بوفاة أخيه طغرل وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة وكان مولده سنة ثلاث وخمسمائة في المحرم وكان خيرا عاقلا عادلا قريبا إلى الرعية محسنا إليهم
وكان قبل موته قد خرج مكن داره يريد السفر لقتال أخيه مسعود فدعا له الناس فقال ادعوا بخيرنا للمسلمين ولما توفي ووصل الخبر إلى مسعود سار من ساعته نحو همذان وأقبلت العساكر جميعها إليه واستوزر شرف الدين أنو شروان بن خالد وكان قد خرج صحبته هو وأهله ووصل مسعود إلى همذان واستولى عليها وأطاعته البلاد جميعها وأهلها
ذكر قتل شمس الملوك وملك أخيه
ص 277
في هذه السنة رابع عشر ربيع الآخر قتل شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك بوري بن طغدكين صاحب دمشق وسبب قتله أنه ركب طريقا من الظلم ومصادرات العمال وغيرهم في أعمال البلد وبالغ في العقوبات لاستخراج الأموال وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس بحيث أنه لا يأنف من أخذ الشيء الحقير بالعدوان إلى غير ذلك من الأخلاق الدنيئة وكرهه أهله وأصحابه ورعيته ثم إنه ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكي أنه يسلم إليه دمشق ويحثه على سرعة الوصول وأخلى المدينة من الذخائر والأموال ونقل الجميع إلى صوبه وتابع الرسل إلى زنكي يحثه على الوصول إليه ويقول له إن أهملت المجيء سلمت البلد إلى الفرنج فسار زنكي فظهر الخبر بذلك فامتعض أصحاب أبيه وجده وأقلقهم وذكروا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر
ثم إنها ارتقبت الفرصة في الخلوة من غلمانه فلما رأته على ذلك أمرت غلمانها بقتله فقتل وأمرت بإلقائه على موضع في الدار ليشاهده غلمانه وأصحابه فلما رأوه قتيلا سروا لمصرعه وبالراحة من شره وكان مولده سابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسمائة وقيل كان سبب قتله أن والده كان له صاحب اسمه يوسف بن فيروز وكان متمكنا منه ما ماكنا في دولته في دولة شمس الملوك بعده فاتهم بأم شمس الملوك ووصل الخبر إليه بذلك فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر وتحصن بها وأظهر الطاعة لشمس الملوك فأراد قتل أمه فبلغها الخبر فقتله خوفا منه والله أعلم
ولما قتل ملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك وحلف له الناس واستقر له الملك بعده والله أعلم
ذكر حصر أتابك زنكي دمشق
ص 278
في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق ونازلها أول جمادى الأولى
وسببه ما ذكرنا من إرسال شمس الملوك صاحبها إليه واستدعائه ليسلمها إليه فلما وصلت كتبه ورسله سار إليها فقتل شمس الملوك قبل وصوله ولما عبر الفرات أرسل إليه رسلا في تقرير قواعد التسليم فرأوا الأمر قد فات إلا أنهم أكرموا وأحسن إليهم وأعيدوا بأجمل هيئة وعرفوا زنكي بقتل شمس الملوك وأن القواعد عندهم مستقرة لشهاب الدين والكلمة متفقة على طاعته فلم يحفل زنكي بهذا الجواب وسار إلى دمشق فنازلها وأجفل أهل السواد إليها واجتمعوا فيها على محاربته ونزل أولا شماليها ثم انتقل إلى ميدان الحصى وزحف وقاتل فرأى قوة ظاهرة وشجاعة عظيمة واتفاقا تاما على محاربته وقام معين الدين أنز مملوك جده طغدكين في هذه الحادثة بدمشق قياما مشهودا وظهر من معرفته بأمور الحصار والقتال وكفايته ما لم يرو ما كان سبب تقدمه واستيلائه على الأمور بأسرها على ما نذكر إن شاء الله تعالى فبينما هو يحاصرها وصل رسول الخليفة المسترشد بالله وهو أبو بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر بخلع أتابك زنكي ويأمره بصلح صاحب دمشق الملك ألب أرسلان محمود الذي مع أتابك زنكي فرحل عنها لليلتين مضين من جمادى الأولى من السنة المذكورة
ذكر قتل حسن بن الحافظ
ص 279
قد ذكرنا سنة ست وعشرين وخمسمائة أن الحافظ لدين الله صاحب مصر استوزر ابنه حسنا وخطب له بولاية العهد فبقي إلى هذه السنة ومات مسموما
وسبب ذلك أنه كان جريئا على سفك الدماء وكان في نفس الحافظ على الأمراء الذين أعانوا أبا علي بن الأفضل حقد ويريد الانتقام منهم من غير أن يباشر ذلك بنفسه فاستوزر ابنه وأمره بذلك فتغلب على الأمر جميعه واستبد به ولم يبق لأبيه معه حكم وقتل من الأمراء المصريين ومن أعيان البلاد جمعا حتى قيل إنه قتل في ليلة واحدة أربعين أميرا فلما رأى أبوه تغلبه عليه أخرج له خادما من خدم القصر الأكابر فجمع الجموع وحشد من الرجالة خلقا كثيرا وتقدم إلى القاهرة ليقاتل حسنا ويخرجه منها فأرسل له جماعة من خواصه وأصحابه فقاتلوهم فانهزم الخادم وقتل الرجال الذين معه وعبر الباقون إلى الجيزة فاستكان الحافظ فصبر تحت الحجر
ثم إن الباقين من الأمراء المصريين اجتمعوا واتفقوا على قتل حسن وأرسلوا إلى أبيه الحافظ وقالوا له إما أنك تسلم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعا فاستدعى ولده إليه واحتاط عليه وأرسل إلى الأمراء بذلك فقالوا لا نرضى إلا بقتله فرأى أنه إن سلمه إليهم طمعوا فيه وليس إلى إبقائه سبيل
فأحضر طبيبين كانا له أحدهما مسلم والآخر يهودي فقال لليهودي نريد سما نسقيه لهذا الولد ليموت ونخلص من هذه الحادثة فقال أنا لا أعرف غير النقوع وماء الشعير وما شاكل هذا من الأدوية فقال أنا أريد ما أخلص به من هذه المصيبة فقال له لا أعرف شيئا فأحضر المسلم وأمره بذلك فصنع له شيئا فسقاه الولد فمات لوقته فأرسل الحافظ إلى الجند يقول لهم إنه قد مات فقالوا نريد ننظر إليه فأحضر بعضهم عنده فرأوه وظنوه قد عمل حيلة فجرحوا أسافل رجليه فلم يجر منها دم فعلموا موته ودفن حسن وأحضر الحافظ الطبيب المسلم وقال له أخرج من عندنا من القصر وجميع مالك من الإنعام والجامكية باق عليك وأحضر اليهودي وقال أعلم أنك تعرف ما طلبته منك ولكنك عاقل فتقيم في القصر عندنا وكان حسن سيء السيرة ظالما جريئا على سفك الدماء وأخذ الأموال فهجاه الشعراء فمن ذلك ما قال المعتمد بن الأنصاري صاحب الترسل المشهور
( لم تأت يا حسن بين الورى حسنا % ولم تر الحق في دنيا ولا دين )
( قتل النفوس بلا جرم ولا سبب % والجور في أخذ أموال المساكين )
( لقد جمعت بلا علم ولا أدب % تيه الملوك وأخلاق المجانين )
وقيل إن الحافظ لما رأى ابنه تغلب على الملك وضع عليه من سقاه السم فمات والله أعلم ولما مات حسن استوزر الحافظ الأمير تاج الدولة بهرام وكان نصرانيا فتحكم واستعمل الأرمن على الناس فاستذلوا المسلمين وسنذكر أخباره سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة إن شاء الله تعالى
ذكر مسير المسترشد إلى حرب السلطان مسعود وانهزامه
ص 280
في هذه السنة كان الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان مسعود في شهر رمضان
وسبب ذلك أن السلطان مسعود لما سافر من بغداد إلى همذان بعد موت أخيه طغرل وملكها فارقه جماعة من أعيان الأمراء منهم برتقش بازدار وقزل آخر وسنقر الخمارتكين والي همذان وعبد الرحمن بن طغايرك وغيرهم خائفين منه مستوحشين ومعهم عدد كثير ومعهم دبيس بن صدقة وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه الأمان ليحضروا في خدمته فقيل له إنها مكيدة لأن دبيسا معهم
وساروا نحو خوزستان واتفقوا مع برسق بن برسق فأرسل الخليفة إليهم سديد الدولة ابن الأنباري بتوقيعات إلى الأمراء المذكورين بتطييب نفوسهم والأمر بحضورهم وكان الأمراء المذكورون قد عزموا على قبض دبيس والتقرب إلى الخليفة بحمله إليه فبلغه ذلك فهرب إلى السلطان مسعود وسار الأمراء إلى بغداد في رجب فأكرمهم الخليفة وحمل إليهم الإقامات والخلع وقطعت خطب السلطان مسعود من بغداد وبرز الخليفة في العشرين من رجب على عزم المسير إلى قتال مسعود وأقام في الشفيعي فعصى عليه بكبه صاحب البصرة فهرب إليها فراسله وبذل له الأمان فلم يعد إليه وتريث الخليفة عن المسير وهؤلاء الأمراء يحسنون له الرحيل ويسهلون عليه الأمر ويضعون عنده أمر السلطان مسعود فسير مقدمته إلى حلوان فنهبوا البلاد وأفسدوا ولم ينكر عليهم شيئا ثم سار الخليفة ثامن شعبان ولحق به في الطريق الأمير برسق بن برسق فبلغت عدتهم سبعة آلاف فارس وتخلف بالعراق مع إقبال خادم المسترشد باللع ثلاثة آلاف فارس وكان السلطان مسعود بهمذان في نحو ألف وخمسمائة فارس وكان أكثر أصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة ويبذلون له الطاعة فتريث في طريقه فاستصلح السلطان مسعود أكثرهم حتى عادوا إليه فصاروا نحو خمسة عشر ألف فارس وتسلل جماعة كثيرة من عسكر الخليفة حتى بقي في خمسة آلاف
وأرسل أتابك زنكي نجدة فلم يلحق وأرسل الملك داود ابن السلطان محمود وهو بأذربيجان إلى الخليفة يشير بالميل إلى الدينور ليحضر بنفسه وعسكره فلم يفعل المسترشد وسار حتى بلغ دايمرج وعبى أصحابه فجعل في الميمنة برنقش بازدار ونور الدولة سنقر وقزل آخر وبرسق بن برسق وجعل في المسيرة جاولي وبرسق شراب سلار وأغلبك الذي كان الخليفة قد قبض عليه وأخرجه من محبسه
ولما سمع السلطان مسعود خبرهم سار إليهم مجدا فواقعهم بدايمرج عاشر رمضان وانحازت ميسرة الخليفة إلى السلطان مسعود فصارت معه واقتتلت ميمنة الخليفة وميسرة السلطان قتالا ضعيفا ودارت عساكر السلطان حول عساكر الخليفة وهو ثابت لم يتحرك من مكانه وانهزم عسكره وأخذ هو أسيرا ومعه جمع كثير من أصحابه منهم الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي وقاضي القضاة وصاحب المخزن ابن طلحة وابن الأنباري والخطباء والفقهاء والشهود وغيرهم وأنزل الخليفة في خيمة وغنموا ما في معسكره وكان كثيرا فحمل الوزير وقاضي القضاة وابن الأنباري وصاحب المخزن وغيرهم من الأكابر إلى قلعة سرجهان وباع الباقون نفوسهم بالثمن دون الطفيف ولم يقتل في هذه المعركة أحد وهذه أعجب ما يحكى
وعاد السلطان إلى همذان وأمر فنودي من تبعنا إلى همذان من البغاددة قتلناه فرجع الناس كلهم على أقبح حال لا يعرفون طريقا وليس معهم ما يحملهم
وسير السلطان الأمير بك أبه المحمودي إلى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عبيد فقبضوا جميع أملاك الخليفة وأخذوا غلاتها وثار جماعة من عامة بغداد فكسروا المنبر والشباك ومنعوا من الخطبة وخرجوا من الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويبكون ويصيحون وخرج النساء حاسرات في الأسواق يلطمن واقتتل أصحاب الشحنة وعامة بغداد فقتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين قتيلا وهرب الوالي وحاجب الباب
وأما السلطان فإنه سار في شوال من همذان إلى مرغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود وكان قد عصى عليه فنزل على فرسخين من مراغة والمسترشد معه فترددت الرسل بين الخليفة وبين السلطان في الصلح فاستقرت القاعدة على ما نذكره إن شاء الله و الله الموفق
ذكر قتل المسترشد بالله وخلافة الراشد بالله
ص 282
لما قبض المسترشد بالله أبو منصور بن الفضل بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد على ما ذكرناه جعله السلطان مسعود في خيمة ووكل به من يحفظه وقام بما يجب من خدمته وترددت الرسل بينهما في تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة وأن لا يعود يجمع العساكر وأن لا يخرج من داره فأجاب السلطان إلى ذلك وأركب الخليفة وحمل الغاشية بين يديه ولم يبق إلا أن يعود إلى بغداد فوصل الخبر أن الأمير قزان خوان قد ورد رسولا من السلطان سنجر فتأخر مسير المسترشد لذلك وخرج الناس مع السلطان مسعود إلى لقائه وفارق الخليفة بعض من كان موكلا به وكانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة وعشرون رجلا من الباطنية ودخلوا عليه فقتلوه وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة ومثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وتركوه عريانا وقتل معه نفر من أصحابه منهم أبو عبد الله بن سكينة وكان قتله يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة وبقي حتى دفنه أهل مراغة
وأما الباطنية فقتل منهم عشرة وقيل بل قتلوا جميعهم والله أعلم وكان عمره لما قتل ثلاثا وأربعين سنة وثلاثة أشهر وكانت خلافته سبعة عشر سنة وستة أشهر وعشرين يوما وأمه أم ولد وكان شهما شجاعا كثير الإقدام بعيد الهمة وأخباره المذكورة ترى على ما ذكرناه وكان فصيحا بليغا حسن الخط ولقد رأيت خطه في غاية الجودة ورأيت أجوبته على الرقاع من أحسن ما يكتب وأفصحه ولما قتل المسترشد بالله بويع ابنه الراشد بالله أبو جعفر المنصور ولقب الراشد بالله وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد في حياته وجددت له البيعة بعد قتله يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة وكتب السلطان مسعود إلى بك آبه الشحنة ببغداد يبايع له وحضر الناس البيعة وحضر بيعته أحد وعشرون رجلا من أولاد الخلفاء وبايع له أبو النجيب ووعظه وبالغ في الموعظة وأما جمال الدولة المسترشدي فكأنه كان ببغداد في طائفة من العسكر فلما جرت هذه الحادثة عبر إلى الجانب الغربي وأصعد إلى تكريب وراسل مجاهد الدين بهروز وحلفه وصعد إليه إلى القلعة
ذكر مسير السلطان سنجر إلى غزنة وعوده عنها
ص 283
في هذه السنة في ذي القعدة سار السلطان سنجر من خراسان إلى غرنة وسبب ذلك أنه نقل إليه عن صاحبها بهرام شاه أنه تغير عن طاعته وأنه قد مد يده إلى ظلم الرعايا واغتصاب الأموال وكان السلطان سنجر هو الذي ملك غرنة وقد ذكرناه سنة تسع وخمسمائة فلما سمع هذه الأخبار المزعجة سار إلى غرنة ليأخذها أو يصلحه فلما رأى الطريق أبعد أدركهم شتاء شديد البرد كثير الثلج وتعذرت عليهم الأقوات والعلوفات فشكا العساكر إلى السلطان ذلك وذكروا له ما هم فيه من الضيق وتعذر ما يحتاجون إليه فلم يجب عنه بغير التقدم أمامه
فلما قارب غزنة أرسل بهرام شاه إلى سنجر رسلا يتضرع ويسأل الصفح عن جرمه والعفو عن ذنبه فأرسل إليه سنجر المقرب جوهر الخادم وهو أكبر أمير عنده ومن جملة أقطاعه مدينة الري في جواب رسالته يجيبه عن العفو عنه إن حضر عنده وعاد إلى طاعته فلما وصل إلى بهرام شاه أجابه إلى ما طلب منه من الطاعة وحمل المال والحضور عنده بنفسه وأظهر من الطاعة والانقياد لما يحكم به السلطان سنجر شيئا كثيرا وعاد المقرب جوهر ومعه بهرام شاه إلى سنجر فلما قاربه سبق المقرب إلى السلطان سنجر وأعلمه بوصول بهرام شاه وأنه بكرة غد يكون عنده وعاد المقرب إلى بهرام شاه ليجيء بيد يديه
وركب سنجر من الغد في موكبه لتلقيه وتقدم بهرام شاه ومعه المغرب فلما عاين موكب سنجر والشتر على رأسه نكص على عقبيه عائدا فأمسك المقرب عنانه وقبح فعله وخوفه عاقبة ذلك فلم يرجع وولى هاربا ولم يصدق بنجاته ظنا منه أن سنجرا يأخذه ويملك بلده وتبعه طائفة من أصحابه وخواصه ولم يعرج على غزنة وسار سنجر إلى غزنة فدخلها وملكها واحتوى على جميع ما فيها وجبى أموالها وكتب إلى بهرام شاه يلومه على ما فعله ويحلف له أنه ما أراد به شرا ولا له في بلده مطمع ولا هو ممن تلون صنيعته وتعقب حسنته معه سيئة وإنما قصده لإصلاحه فأعاد بهرام شاه الجواب يعتذر ويتنصل ويقول إن الخوف منعه من الحضور ولا لوم على من خاف من السلطان وتضرع في عوده إلى الإحسان فأجابه سنجر إلى أن يعيد عليه بلده وفارق غزنة عائدا إلى بلاده فوصل إلى بلخ في شوال سنة ثلاثين وخمسمائة واستقر ملك غزنة لبهرام شاه ورجع إليها
ذكر قتل دبيس بن صدقة بالتاريخ
ص 284
في هذه السنة قتل السلطان مسعود دبيس بن صدقة على باب سرادقة بظاهر مدينة خوى أمر غلاما أرمنيا بقتله فوقف على رأسه وهو ينكت الأرض بأصبعه فضرب رقبته وهو لا يشعر وكان ابنه صدقة بالحلة فاجتمع إليه عسكر أبيه ومماليكه وكثر جمعه واستأمن إليه الأمير قغلغ تكين وأمر السلطان مسعود بك آبه أن يأخذ الحلة فسار بعض عسكره إلى المدائن وأقاموا مدة ينتظرون لحاق بك آبه فلم يسر إليهم جنبا وعجزا عن قصد الحلة لكثرة العسكر بها مع صدقة وبقي صدقة بالحلة إلى أن قدم السلطان مسعود إلى بغداد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فقصده وأصلح حاله معه ولزم باب السلطان ومثل هذه الحادثة تقع كثيرا وهو قرب موت المتعاديين فإن دبيسا كان يعادي المسترشد بالله ويكره خلافته ولم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا يبقون عليه ليجعلوه عدة لمقارنة المسترشد فلما زال السبب زال المسبب والله أعلم
ذكر حصر عسكر يحيى المهدية
ص 284
في هذه السنة سير يحيى بن عيد العزيز بن حماد صاحب بجاية عسكرا ليحصروا المهدية وبها صاحبها الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس وكان سبب ذلك أن الحسن أحب ميمون بن زيادة أمير طائفة كبيرة من العرب ومال إليه وأكثر الإنعام عليه فحسده غيره من العرب فساروا إلى يحيى بن العزيز بأولادهم وجعلوهم رهائن عنده وطلبوا منه أن يرسل معهم عسكرا ليملكوا المهدية فأجابهم إلى ذلك وهو متباطئ فاتفق أنه وصله كتب من بعض مشايخ المهدية بمثل ذلك فوثق إلى ما أتاه وسير عسكرا كثيرا واستعمل عليهم قائدا كبيرا من فقهاء الصحابة يقال له مطرف بن حمدون وكان هذا يحيى بن العزيز هو وإياه يحضرون المعز بن باديس وأولاده بعده فسارت العساكر الفارس والراجل ومعهم من العرب جمع كثير حتى نزلوا على المهدية وحصروها برا وبحرا وكان مطرف يظهر التقشف والتورع عن الدماء وقال إنما أتيت الآن لأتسلم البلد بغير قتال فخاب ظنه فبقي أياما لم يقاتل ثم إنهم باشروا فظهروا أهل المهدية عليهم وأثروا فيهم وتتابع القتال وفي كل ذلك الظفر لأهل البلد وقتل من الخارجين الجم الغفير وجمع مطرف عسكره برا وبحرا لما يئس من التسليم وقاتل أشد قتال فملكت شواتيه شاطئ البحر وقاربوا من السور فاشتد الأمر فأمر الحسن بفتح الباب وخرج أول الناس وحمل هو ومن معه عليهم وقال أنا الحسن فلما سمع من يقاتله ذلك سلموا عليه وانهزموا عنه إجلالا له ثم أخرج الحسن شوانيه تلك الساعة من المينا فأخذ من تلك الشواني أربع قطع وهرب الباقون ثم وصلت نجدة من رجار الفرنجي صاحب صقلية في البحر في عشرين قطعة فحصرت شواني صاحب بجاية فأمرهم الحسن بإطلاقها فأطلقوها ثم وصل ميمون بن زيادة في كثير من العرب لنصرة الحسن فلما رأى ذلك مطرف وأن النجدات تأتي الحسن في البر والبحر علم أنه لا طاقة له بهم فرحل عن المهدية خائبا وأقام رجار الفرنجي مظهرا للحسن أنه مهادنه وموافقه وهو مع ذلك يعمر الشواني ويكثر عددها وآلاتها
ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة
ص 285
كانت جزيرة جربة من بلاد أفريقية قد استوت في كثرة عمارتها وخيراتها غير أن أهلها طغوا فلا يدخلون تحت طاعة سلطان ويعرفون بالفساد وقطع الطريق فخرج إليها جمع من الفرنج أهل صقلية في أسطول كثير وجم غفير فيه من مشهوري فرسان الفرنج جماعة فنزلوا بساحتها وأداروا المراكب بجهلتها واجتمع أهلها وقاتلوا قتالا شديدا فوقع بين الفريقين وقعات عظيمة فثبت أهل جربة فقتل منهم بشر كثير فانهزموا وملك الفرنج الجزيرة وغنموا أموالها وسبوا حريمها ونساءها وأطفالها وهلك أكثر رجالها ومن بقي منهم أخذوا لأنفسهم أمانا من صاحب صقلية وافتكوا أسرارهم وسببهم وحريمهم والله أعلم
ذكر ملك الفرنج حصن روطة من بلاد الأندلس
ص 285
في هذه السنة اصطلح المستنصر بالله بن هود والسليطين الفرنجي صاحب طليطلة مدة عشر سنين وكان السليطين قد أدمن غزو بلاد المستنصر وقتالها حتى ضعف صاحبها عن مقاومته لقلة جنوده وكثرة الفرنج فرأى أن يصالح مدة يستريح فيها هو وجنوده ويعتدون للمعاودة فترددت الرسل بينهم فاستقر الصلح على أن يسلم المستنصر إلى السليطين حصن روطة وهو من أمتع الحصون وأحصنها فاستقرت القاعدة واصطلحوا وتسلمت منه الفرنج الحصن وفعل المستنصر فعلة لم يفعلها قبله أحد
ذكر حصر ابن ردمير مدينة أفراغة وهزيمته وموته
ص 286
وفي هذه السنة حصر ابن ردمير الفرنجي لعنه الله مدينة أفراغة من شرق الأندلس وكان الأمير تاشفين بن علي بن يوسف بمدينة قرطبة أميرا على الأندلس لأبيه فجهز الزبير بن عمرو اللمتوني من قرطبة ومعه ألف فارس وسير معه ميرة كثيرة إلى أفراغة وكان يحيى بن غانية الأمير المشهور أمير مرسية وبلنسية من شرق الأندلس وإليه الأمر بها لأمير المسلمين علي بن يوسف فتجهز في خمسمائة فارس وكان عبد الله بن عياض صاحب مدينة لاردة فتجهز في مائتي فارس فاجتمعوا وحملوا الميرة وساروا حتى أشرفوا على مدينة أفراغة وجعل الزبير الميرة أمامه وابن غانية أمام الميرة وابن عياض أمام ابن غانية وكان شجاعا وكذلك جميع من معه وكان ابن ردمير في اثني عشر ألف فارس فاحتقر جميع الواصلين من المسلمين فقال لأصحابه اخرجوا وخذوا هذه الهدية التي ارسلها المسلمون إليكم وأدركه العجب ونفذ قطعة كبيرة من جيشه فلما قربوا من المسلمين حمل عليهم ابن عياض وكسرهم ورد بعضهم على بعض وقتل فيهم والتحم القتال وجاء ابن ردمير بنفسه وعساكره جميعا مدلين بكثرتهم وشجاعتهم فحمل ابن غانية وابن عياض في صدورهم واشتد الأمر بينهم وعظم القتال وكثر القتل في الفرنج وخرج في الحال أهل أفراغة جميعهم ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم إلى خيام الفرنج فاشتعل الرجال بقتل من وجدوا في العسكر واشتغل النساء بالنهب وحملوا جميع ما وجدوه هناك إلى المدينة من قوت وعدد وآلات وسلاح وغير ذلك وبينما المسلمون والفرنج في القتال إذ وصل إليهم الزبير في عسكره فانهزم ابن ردمير وعسكره ولم يسلم منهم إلا القليل ولحق ابن ردمير بمدينة سرقسطة فلما رأى ما قتل من أصحابه مات مفجوعا بعد عشرين يوما من الهزيمة وكان أشد ملوك الفرنج بأسا وأكثرهم تجردا لحرب المسلمين وأعظمهم صبرا كان ينام على طارقته بغير وطاء وقيل له هلا تسريت من بنات أكابر المسلمين اللاتي سبيت منهم فقال الرجل المحارب ينبغي أن يعاشر الرجال لا النساء وأراح الله منه وكفى المسلمين شره
ذكر عدة حوادث
ص 286
في هذه السنة في شعبان زلزلت الأرض بالعراق والموصل وبلاد الجبل وغيرها وكانت الزلزلة شديدة وهلك فيها كثير من الناس والله أعلم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.