ذكر ملك شمس الملوك شقيق تيرون ونهبه بلد الفرنج
ص 272
في هذه السنة في المحرم سار شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق منها إلى شقيف تيرون وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم قد تغلب عليه وامتنع به فتحاماه المسلمون والفرنج يحتمي على كل طائفة بالآخرين فسار شمس الملوك إليه في هذه السنة وأخذه منه في المحرم وعظم أخذه على الفرنج لأن الضحاك كان لا يعترض إلى شيء من بلادهم المجاورة له فخافوا شمس الملوك فجمعوا عساكرهم فلما اجتمعت ساروا إلى بلد حوران فخرجوا أمهات البلد ونهبوا أماكنهم نهبة وكان شمس الملوك لما رآهم يجمعون جمع هو أيضا وحشدوا وحضر عنده جمع كثير من التركمان وغيرهم فنزل بإزاء الفرنج وجرت بينهم مناوشة عدة أيام ثم إن شمس الملوك نهض ببعض عسكره وجعل الباقي قبالة الفرنج وهم لا يشعرون وقصد بلدهم طبرية والناصرة وعكا وما يجاورها من البلاد فنهب وخرب وأحرق وسبى النساء والذرية وامتلأت أيدي من معه من الغنائم واتصل الخبر بالفرنج فانزعجوا ورحلوا في الحال لا يلوي أخ على أخيه وطلبوا بلادهم
وأما شمس الملوك فإنه عاد إلى عسكره على غير الطريق الذي سلكه الفرنج فوصل سالما ورأى الفرنج بلادهم خرابا ففت في أعضادهم وتفرقوا وراسلوا في تجديد الهدنة فهادنهم شمس الملوك في ذي القعدة للسنة
ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل وانهزام الملك مسعود
ص 272
في هذه السنة عاد الملك طغرل بن محمد بن ملكشاه ملك بلاد الجبل جميعها وأجلى عنها أخاه السلطان مسعودا
وسبب ذلك أن مسعودا لما عاد من حرب أخيه طغرل بلغه عصيان داود ابن أخيه السلطان محمود بأذربيجان فسار إليه وحصره بقلعة رونزر وكان قد تحصن بها واشتغل بحصره فجمع الملك طغرل العساكر واستمال بعض قواد مسعود ولم يزل يفتح البلاد فكثرت عساكره وقصد مسعودا فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه فلما تراءى العسكر فارق مسعودا من أمرائه من كان قد استماله طغرل فبقي في قلة من العسكر فولى منهزما أواخر رمضان وأرسل إلى المسترشد بالله في القدوم لبغداد فأذن له وكان نائبه بأصفهان البقش السلاحي ومعه الملك سلجوق شاه فلما سمع بانهزام مسعود قصد بغداد أيضا فنزل سلجوق شاه بدار السلطان فأكرمه الخليفة وأنفذ إليه عشرة آلاف دينار
ثم قدم مسعود بغداد وأكثر أصحابه ركاب جمال لعدم ما يركبونه ولقي في طريقه شدة فأرسل إليه الخليفة الدواب والخيام والآلات وغيرها من الأموال والثياب فدخل الدار السلطانية ببغداد منتصف شوال وقام طغرل بهمذان
ذكر حصر أتابك زنكي آمد وملكه قلعة الصور
ص 273
في هذه السنة اجتمع أتابك زنكي وتمرتاش صاحب ماردين وقصدا مدينة آمد فحصراها فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان صاحب حصن كيفا يستنجده فجمع عساكره وغيرها وسار نحو آمد ليرحلهما عنها فالتقوا على باب آمد وتصافوا في جمادى الآخرة فاقتتلوا فانهزم داود وعاد مفلولا وقتل جماعة من عسكره
واقام زنكي وتمرتاش على آمد محاصرين لها وقطعا الشجر وشعثا البلد ثم عادا عنها من غير بلوغ غرض فقصد زنكي قلعة الصور من ديار بكر وحصرها وضايقها فملكها في رجب من هذه السنة واتصل به ضياء الدين أبو سعيد بن الكفرتوثي فاستوزره زنكي وكان حسن الطريقة عظيم الرياسة والكفاية محبا للخير
ذكر ملك زنكي قلاع الأكراد الحميدية
ص 273
في هذه السنة استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية منها قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما
وكان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير عيسى الحميدي على ولايتها وأعمالها ولم يعترضه على شيء مما هو بيده
فلما حضر المسترشد إلى الموصل حضر عيسى هذا عنده وجميع الأكراد عنده فأكثر فلما رحل المسترشد عن الموصل أمر زنكي أن تحصر قلاعهم فحصرت مدة طويلة وقوتلت قتالا شديدا إلى أن ملكت هذه السنة فاطمأن إذا أهل السواد المجاورون لهؤلاء القوم فإنهم كانوا معهم في ضائقة كبيرة من نهب أموالهم وخراب البلاد
ذكر ملك قلاع الهكارية وكواشي
ص 274
وحكي عن بعض العلماء من الأكراد ممن له معرفة بأحوالهم أن أتابك زنكي لما ملك قلاع الحميدية وأجلاهم عنها
خاف أبو الهيجاء بن عبد الله صاحب قلعة أشب والجزيرة ونوشى فأرسل إلى أتابك زنكي من استحلفه له وحمل إليه مالا وحضر عند زنكي بالموصل
فبقي مدة ثم مات فدفن بتل نوقة ولما سار عن أشب إلى الموصل أخرج ولده أحمد بن أبي الهيجاء منها خوفا أن يتغلب عليها وأعطاه قلعة نوشى وأحمد هذا هو والد علي بن أحمد المعروف بالمشطوب من أكابر أمراء صلاح الدين بن أيوب بالشام ولما أخرجه أبوه من أشب استناب بها كرديا يقال له باو الأرجي فلما مات أبو الهيجاء سار ولده أحمد من نوشى إلى أشب ليملكها فمنعه باو وأراد حفظها لولد صغير لأبي الهيجاء اسمه علي فسار زنكي بعسكره فنزل على أشب وملكها
وسبب ملكها أن أهلها نزلوا كلهم إلى القتال فتركهم زنكي حتى قاربوه واستجرهم حتى أبعدوا عن القلعة ثم عطف عليهم فانهزموا فوضع السيف فيهم فأكثر القتل والأسر
وملك زنكي القلعة في الحال وأحضر جماعة من مقدمي الأكراد فيهم باو فقتلهم وعاد عنها إلى الموصل ثم سار عنها ففي غيبته أرسل نصير الدين جقر نائب زنكي وخرب أشب وخلى كهيجة ونوشى وقلعة الجلاب وهي قلعة العمادية وأرسل إلى قلعة الشعباني وفرح وكوشر والزعفران وألقى وسروة وهي حصون المهرانية فحصرها فملك الجميع واستقام أمر الجبل والزوزان وأمنت الرعايا من الأكراد
وأما باقي الهكارية جبل صور وهرور والملاسي ومابرما وبابوخلو باكزا ونسباس فإن قراجا صاحب العمادية فتحها من مدة طويلة بعد قتل زنكي وهذا قراجا كان أميرا قد أقطعه زين الدين على بلد الهكارية بعد قتل زنكي ولم أعلم تاريخ فتح هذه القلاع فلهذا ذكرته ههنا
وحكى غير هذا بعض فضلاء الأكراد وخالف فيه فقال إن زنكي لما فتح قلعة أشب وخربها وبنى قلعة العمادية ولم يبق في الهكارية إلا صاحب جبل صور وصاحب هرور ولم يكن لهما شوكة يخاف منها عاد إلى الموصل فخافه أصحاب القلاع الجبلية فاتفق أن عبد الله بن عيسى بن إبراهيم صاحب الربية وألقى وفرح وغيرها توفي وملكها بعده ولده علي وكانت والدته خديجة بنت الحسن أخت إبراهيم إبراهيم وعيسى وهما من الأمراء مع زنكي وكانا بالموصل فأرسلها ولدها علي إلى أخويها وطلبا له الأمان من زنكي وحلفاه له ففعل ونزل إلى خدمة زنكي وأقره على قلاعه واشتغل زنكي بفتح قلاع الهكارية وكان الشعباني بيد أمير من المهرانية اسمه الحسن بن عمر فأخذه منه وقربه منه لكبره وقلة أعماله
وكان نصير الدين يكره صاحب الربية وغيرها فحسن لزنكي القبض عليه فأذن له في ذلك فقبض عليه ثم ندم زنكي على قبضه فأرسل إلى نصير الدين أن يطلقه فرآه قد مات قيل إن نصير الدين قتله ثم أرسل العسكر إلى قلعة الربية فنازلوها بغتة فملكوها في ساعة وأسروا كل من بها من ولد علي وإخوته وأخواته وكانت والدة علي خديجة غائبة فلم توجد فلما سمع زنكي الخبر بفتح الربية سرة وأمر أن تسير العساكر إلى باقي القلاع التي لعلي فسارت العساكر فحصروها فرأوها منيعة فراسلهم زنكي ووعدهم الإحسان فأجابوه إلى التسليم على شرط أن يطلق كل من في السجن منهم فلم يجبهم إلى ذلك إلا أن يسلموا أيضا قلعة كواشي فمضت خديجة والدة علي إلى صاحب كواشي واسمه خول وهارون وهو من المهرانية فسألته النزول عن كواشي فأجابها إلى ذلك وتسلم زنكي القلاع وأطلق الأسرى فلم يسمع بمثل هذا فقال ينزل عن مثل كواشي لقول امرأة فإما أن يكون أعظم الناس مروءة لا يرد من دخل بيته و إما أن يكون أقل الناس عقلا واستقامت ولاية الجبال
ذكر عدة حوادث
ص 275
في هذه السنة أوقع الدانشمد صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام فقتل كثيرا منهم وفيها اصطلح الخليفة وأتابك زنكي
وفيها في ربيع الأول عزل أنو شروان بن خالد عن وزارة الخليفة
وفيها توفيت أم المسترشد بالله
وفيها سير المسترشد عسكر إلى تكريت فحصروا مجاهد الدين بهروز فصانع عنها بمال فعادوا عنه
وفيها اجتمع جمع من العساكر السنجرية مع الأمير أرغش وحصروا قلعة كردكوه بخراسان وهي للاسماعيلية وضيقوا على أهلها وطال حصرها وعدمت عندهم الأقوات فأصاب أهلها تشنج وكزاز وعجز كثير منهم عن القيام فضلا عن القتال فلما ظهرت أمارات الفتح رحل الأمير أرغش فقيل إنهم حملوا إليه مالا كثيرا وأعلاقا نفيسة فرحل عنهم
وفيها توفي الأمير سليمان بن مهارش العقيلي أمير بني عقيل وولي الإمارة بعده أولاده مع صغر سنهم وطيف بهم في بغداد رعاية لحق جدهم مهارش فإنه هو الذي كان الخليفة القائم بأمر الله عنده لما فعل به البساسيري ما ذكرنا
وفيها توفي الفقيه أبو علي الحسن بن إبراهيم بن فرهون الشافعي الفارقي ومولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وتفقه على أبي عبد الله الكازروني فلما توفي الكازروني انحدر إلى بغداد وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر الصباغ وولي القضاء بواسط وكان خيرا فاضلا لا يواري ولا يحابي أحدا في الحكم
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن أحمد بن الحسن وأبو محمد بن أبي بكر الفقيه الشافعي تفقه على أبيه وكان يعظ ويكثر في كلامه من التجانس فمن ذلك قوله أين القدود العالية والخدود الوردية مثلت بها والله العافية والوردية وهما مقبرتان بنهر معلى ومن شعره
( الدمع دما يسيل من أجفاني % إن عشت مع البكا فما أجفاني )
( سجني شجني وهمني سماني % العاذل بالملام قد سماني )
( والذكر لهم يزيد في أشجاني % والنوح مع الحمام قد أشجاني )
( ضاقت ببعاد منيتي أعطاني % والبين يد الهموم قد أعطاني )
وفيها توفي ابن أبي الصلت الشاعر ومن شعره يذم ثقيلا
( لي صديق عجبت كيف استطاعت % هذه الأرض والجبال ثقله )
( أنا أرعاه مكرما وبقلبي % منه ما يتلف الجبال أقله )
( هو مثل المشيب أكره رؤياه % ولكن أصونه وأجله ) وله أيضا
( ساد صغار الناس من عصرنا % لا دام من عصر ولا كانا )
( كالدست مهما هم أن ينقضي % صار به البيدق فرزانا )
وفيها توفي محمد بن علي بن عبد الوهاب أبو رشيد الفقيه الشافعي من أهل طبرستان وسمع الحديث أيضا ورواه وكان زاهدا عابدا أقام بالجزيرة وهي جزيرة ابن عمر سنين منفردا يعبد الله سبحانه وتعالى وعاد إلى آمل وقبره بها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.