الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة
38

ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة

الجزء التاسع 7 عنصر صفحة 267
ذكر ملك شمس الملوك بانياس ص 267

في هذه السنة في صفر ملك شمس الملوك صاحب دمشق حصن بانياس من الفرنج

وسبب ذلك أن الفرنج استضعفوه وطمعوا فيه وعزموا على نقض الهدنة التي بينهم فتعرضوا إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت وأخذوها فشكى التجار إلى شمس الملوك فراسل في إعادة ما أخذوه وكرر القول فيه فلم يردوا شيئا فحملته الأنفة من هذه الحالة والغيظ على أن جمع عسكره وتأهب ولا يعلم أحد أين يريد

ثم سار وسبق خبره أواخر المحرم من هذه السنة ونزل على بانياس أول صفر وقاتله لساعته وزحف إليه زحفا متتابعا وكانوا غير متأهبين وليس فيه من المقاتلة من يقوم به وقرب من سور المدينة وترجل بنفسه وتبعه الناس من الفارس والراجل ووصلوا إلى السور فنقبوه ودخلوا البلد عنوة والتجأ من كان من جند الفرنج إلى الحصن وتحصنوا به فقتل من البلد كثيرا من الفرنج وأسر كثيرا ونهبت الأموال

وقاتل القلعة قتالا شديدا ليلا ونهارا فملكها رابع صفر بالأمان وعاد إلى دمشق فوصلها سادسه وأما الفرنج فإنهم لما سمعوا نزوله على بانياس شرعوا يجمعون عسكرا يسيرون إليه فأتاهم خبر فتحها فبطل ما كانوا فيه

ذكر حرب بين المسلمين والفرنج ص 267

في هذه السنة في صفر سار ملك الفرنج صاحب البيت المقدس في خيالته ورجالته إلى أطراف أعمال حلب فتوجه إليه الأمير أسوار النائب بحلب فيمن عنده من العسكر وانضاف إليه كثير من التركمان فاقتتلوا عند قنسرين فقتل من الطائفتين جماعة كثيرة وانهزم المسلمون إلى حلب

وتردد ملك الفرنج في أعمال حلب فعاد أسوار وخرج إليه فيمن معه من العسكر فوقع على طائفة منهم فأوقع بهم وأكثر القتل فيهم والأسر فعاد من سلم منهزما إلى بلادهم وانجبر ذلك المصاب بهذا الظفر

ودخل أسوار حلب ومعه الأسرى ورؤوس القتلى وكان يوما مشهودا ثم إن طائفة من الفرنج من الرها قصدوا أعمال حلب للغارة عليها فسمع بهم أسوار فخرج إليهم هو والأمير حسان البعلبكي فأوقعوا بهم وقتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال وأسروا من لم يقتل ورجعوا إلى حلب سالمين

ذكر عود السلطان مسعود إلى السلطنة وانهزام الملك طغرل ص 268

قد تقدم ذكر انهزام السلطان مسعود من عمه السلطان سنجر وعوده إلى كنجة وولاية الملك طغرل السلطنة وأنه تحارب هو والملك داود ابن أخيه محمود وانهزام داود ودخوله بغداد فلما بلغ السلطان مسعود انهزام داود وقصده بغداد سار هو إلى بغداد أيضا فلما قاربها لقيه داود وترجل له وخدمه ودخلا بغداد ونزل مسعود بدار السلطنة في صفر من هذه السنة وخاطب في الخطبة له فأجيب إلى ذلك وخطب له ولداود بعده وخلع عليهما

ودخلا إلى الخليفة فأكرمهما ووقع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان وأن يرسل الخليفة معهما عسكر فساروا فلما وصلوا إلى مراغة حمل أقسنقر الأحمديلي مالا كثيرا وإقامة عظيمة وملك مسعود سائر بلاد أذربيجان وانهزم من بها من الأمراء مثل قراسنقر وغيره من بين يديه وتحصن منه كثير منهم بمدينة أردبيل فقصدهم وحصرهم بها وقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزم الباقون ثم سار بعد ذلك إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل فلما سمع طغرل بقربه برز إلى لقائه فاقتتلوا إلى الظهر ثم انهزم طغرل وقصد الري واستولى السلطان مسعود على همذان في شعبان

ولما استقر مسعود بهمذان قتل آقسنقر الأحمديلي قتله الباطنية

فقيل إن السلطان مسعودا وضع عليه من قتله

ثم إن طغرل لما بلغ قم عاد إلى أصبهان ودخلها وأراد التحصن بها فسار إليه أخوه مسعود ليحاصره بها فرأى طغرل أن أهل أصبهان لا يطاوعونه على الحصار فرحل عنهم إلى بلاد فارس واستولى مسعود على أصبهان وفرح أهلها به وسار من أصبهان نحو فارس يقتص أثر أخيه طغرل فوصل إلى موضع بقرب البيضاء فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه معه أربعمائة فارس فأمنه فخاف طغرل من عسكره أن ينحازوا إلى أخيه فانهزم من بين يديه وقصد الري في رمضان وقتل وزيره أبا القاسم الأنساباذي في الطريق

وفي شوال قتله غلمان الأمير شيركير الذي سعى في قتله كما تقدم ذكره وسار السلطان مسعود يتبعه فلحقه بموضع يقال له ذكراور فوقع بينهما المصاف هناك فلما اشتبكت الحرب انهزم الملك طغرل فوقع عسكره في أرض قد نضب عنها الماء وهي وحل فأسر منهم جماعة من الأمراء منهم الحاجب تنكر وابن بغرا فأطلقهم السلطان مسعود

ولم يقتل في هذا المصاف إلا نفر يسير ورجع السلطان مسعود إلى همذان

ذكر حصر المسترشد بالله الموصل ص 269

في هذه السنة 527 حصر المسترشد بالله مدينة الموصل في العشرين من شهر رمضان وسبب ذلك ما تقدم من قصة الشهيد زنكي ببغداد على ما ذكرناه قبل فلما كان الآن قصد جماعة من الأمراء السلجقية باب المسترشد بالله وصاروا معه فقوي بهم واشتغل السلاطين السلجقية بالخلف الواقع بينهم فأرسل الخليفة الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الإسفرايني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة زادها أبا الفتوح زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة فقبض عليه عماد الدين زنكي وأهانه ولقيه بما يكره فأرسل المسترشد بالله إلى السلطان مسعود يعرفه الحال الذي جرى من زنكي ويعلمه أنه على قصد الموصل وحصرها وتمادت الأيام إلى شعبان

فسار عن بغداد في النصف منه في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره وترك الباقي بها مع نائبه نصير الدين جقر دزدارها و الحاكم في دولته وأمرهم بحفظها ونازلها الخليفة وقاتلها وضيق على من بها

وأما عماد الدين فإنه سار إلى سنجار وكان يركب كل ليلة ويقطع الميرة عن العسكر ومتى ظفر بأحد من العسكر أخذه ونكل به وضاقت الأمور بالعسكر أيضا وتواطأ جماعة من الخصاصين بالموصل على تسليم البلد فسعى بهم فأخذوا وصلبوا وبقي الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر ولم يظفر منها بشيء ولا بلغه عمن بها وهن ولا قلة ميرة وقوت فرحل عنها عائدا إلى بغداد فقيل إن نصر الخادم وصل إليه من عسكر السلطان وأبلغه عن عسكر السلطان مسعود ما أوجب مسيره وعوده إلى بغداد

وقيل بلغه إن السلطان مسعودا عزم على قصد بغداد فعاد بالجملة وإنه رحل عنها منحدرا في شبارة في دجلة فوصل إلى بغداد يوم عرفة

ذكر ملك شمس الملوك مدينة حماة ص 270

وفي هذه السنة أيضا في شوال ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب دمشق مدينة حماة وقلعتها وهي لأتابك زنكي بن آقنسقر أخذها من تاج الملوك كما ذكرنا ولما ملك شمس الملوك قلعة بانياس أقام بدمشق إلى شهر رمضان من هذه السنة

وسار إلى حماة في العشر الأخير منه وسبب طمعه أنه بلغه أن المسترشد بالله يريد صر الموصل فطمع وكان الوالي بحماة قد سمع الخبر فتحصن واستكثر من الرجال والذخائر ولم يبق أحد من أصحاب شمس الملوك إلا وأشار عليه بترك قصدها لقوة صاحبها فلم يسمع منهم

وسار إليها وحضر المدينة وقاتل من بها يوم العيد وزحف إليها من وقته فتحصنوا منه وقاتلوا فعاد عنهم ذلك اليوم فلما كان الغد بكر إليهم وزحف إلى البلد من جوانبه فملكه قهرا وعنوة وطلب من به الأمان فأمنهم وحصر القلعة ولم تكن في الحصانة والعلو على ما هي اليوم فإن تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين قطع جبلها وعملها هكذا في سنين كثيرة فلما حصرها عجز الوالي بها عن حفظها فسلمها إليه فاستولى عليها وعلى ما بها من ذخائر وسلاح وغير ذلك

وسار منها إلى قلعة شيزر وبها صاحبها من بني منقذ فحصرها ونهب بلدها فراسله صاحبها وصانعه بمال حمله إليه فعاد إلى دمشق فوصل إليها في ذي القعدة من السنة المذكورة

ذكر هزيمة صاحب طرابلس الفرنجي ص 270

وفي هذه السنة عبر إلى الشام جمع كثير من التركمان من بلاد الجزيرة وأغاروا على بلاد طرابلس وغنموا وقتلوا كثيرا فخرج القمص صاحب طرابلس في جموعه فانزاح التركمان من بين يديه فتبعهم فعادوا إليه وقاتلوه فهزموه وأكثروا القتل في عسكره ومضى هو ومن سلم معه إلى قلعة بعرين فتحصنوا فيها وامتنعوا عن التركمان فحصرهم التركمان فيها فلما طال الحصار عليهم نزل صاحب طرابلس ومعه عشرون فارسا من أعيان أصحابه سرا فنجوا وساروا إلى طرابلس وترك الباقين في بعرين يحفظونها

فلما وصل إلى طرابلس كاتب الفرنج فاجتمع عنده منهم خلق كثير وتوجه بهم نحو التركمان ليرحلهم عن بعرين

فلما سمع التركمان بذلك قصدوهم والتقوهم وقتل بينهم خلق كثير وأشرف الفرنج على الهزيمة فجمعوا نفوسهم وعادوا على حمية إلى رفنية فتعذر على التركمان اللحاق بهم إلى وسط بلادهم فعادوا عنهم راجعين

ذكر عدة حوادث ص 271

في هذه السنة اشترى الإسماعيلية بالشام قلعة حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون وصعدوا إليه وقاموا بحرب من يجاورهم من المسلمين والفرنج وكانوا كلهم يكرهون مجاورتهم وفيها وقع الخلف بالشام فقاتل بعضهم بعضا ولم تجر لهم بذلك عادة قبل هذه السنة وقتل بينهم جماعة

وفيها في جمادى الآخرة أغار الأمير سوار مقدم عسكر زنكي بحلب على ولاية تل باشر فغنم الكثير فخرج إليه الفرنج في جموع كثيرة فقاتلوه فظفر بهم وأكثر القتل فيهم وكان عدة القتلى نحو ألف قتيل وعاد سالما

وفيها تاسع ربيع الآخر وثب على شمس الملوك صاحب دمشق بعض مماليك جده طغدكين فضربه بسيف فلم يعمل فيه شيئا وتكاثر عليه مماليك شمس الملوك فأخذوه وقرر ما الذي حمله على ما فعل فقال أردت إراحة المسلمين من شرك وظلمك ولم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه على ذلك فقتلهم شمس الملوك بغير تحقيق وقتل معهم أخاه سونج فعظم ذلك على الناس ونفروا عنه

وفيها توفي الشيخ أبو الوفاء الفارسي وكان له جنازة مشهودة حضرها أعيان بغداد

وفيها في رجب توفي القاضي أبو العباس أحمد بن سلامة بن عبد الله بن مخلد المعروف بابن الرطبي الفقيه الشافعي قاضي الكرخ وتفقه على أبي إسحاق وأبي نصر بن الصباغ وسمع الحديث ورواه وكان قريبا من الخليفة يؤدب أولاده

وتوفي أبو الحسين علي بن عبد الله بن نصر المعروف بابن الزاغوني الفقيه الحنبلي الواعظ وكلن ذا فنون توفي في المحرم

وتوفي علي بن يعلى بن عوض بن القاسم الهروي كان واعظا وله بخراسان قبول كثير وسمع الحديث فأكثر

ومحمد بن أحمد بن علي أبو عبد الله العثماني وهو من أولاد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان

وكان محمد يلقب بالديباج لحسنه وأصله من مكة وهو من أهل نابلس

وكان مغاليا في مذهب الأشعري وكان يعظ توفي في صفر

وفيها توفي أبو فليتة أمير مكة وولي الإمارة بعده ابنه القاسم

وفيها توفي العزيز بن هبة الله بن علي الشريف العلوي الحسيني فجأة بنيسابور وكان جده نقيب النقباء بخراسان وعرض على العزيز هذا نقابة العلويين فامتنع وعرض عليه وزارة السلطان فامتنع ولزم الانقطاع والاشتغال بأمر آخرته وفيها توفي قاضي قضاة خراسان أبو سعيد محمد بن أحمد بن صاعد وكان خيرا صالحا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.