ذكر أسر دبيس بن صدقة وتسليمه إلى عماد الدين زنكي
ص 257
في هذه السنة في شعبان أسر تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق الأمير دبيس بن صدقة صاحب الحلة وسلمه إلى أتابك الشهيد زنكي بن آقسنقر
وسبب ذلك أنه لما فارق البصرة على ما ذكرناه جاءه قاصد من الشام صرخد يستدعيه إليها لأن صاحبها كان خصيا فتوفي هذه السنة وخلف جارية سرية له فاستولت على القلعة وما فيها وعلمت أنها لا يتم لها ذلك إلا بأن تتصل برجل له قوة ونجدة فوصف لها دبيس بن صدقة وكثرة عشيرته وذكر لها حاله وما هو عليه بالعراق فأرسلت تدعوه إلى صرخد لتتزوج به وتسلم القلعة وما فيها من مال وغيره إليه فأخذ الأدلاء معه وسار من أرض العراق إلى الشام فضل به الأدلاء بنواحي دمشق فنزل بناس من كلب كانوا شرقي الغوطة فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق فحبسه عنده
وسمع أتابك عماد الدين زنكي الخبر وكان دبيس يقع فيه وينال منه فأرسل إلى تاج يطلب منه دبيسا ليسلمه إليه ويطلق ولده ومن معه من الأمراء المأسورين وإن امتنع من تسليمه سار إلى دمشق وحصرها وخربها ونهب بلدها فأجاب تاج الملك إلى ذلك وأرسل أتابك سونج بن تاج الملوك والأمراء الذي معه وأرسل تاج الملوك دبيسا فأيقن دبيس بالهلاك ففعل زنكي معه خلاف ما ظن وأحسن إليه وحمل له الأقوات والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن وقدمه حتى على نفسه وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك ولما سمع المسترشد بالله بقبضه بدمشق أرسل سديد الدولة بن الأنباري وأبا بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر إلى تاج الملوك يطلب منه أن يسلم إليه لما كان متحققا به من عداوة الخليفة فسمع سديد الدولة بن الأنباري بتسليمه إلى عماد الدين وهو في الطريق فسار إلى دمشق ولم يرجع وذم أتابك زنكي بدمشق واستخف به وبلغ الخبر عماد الدين فأرسل إلى طريقه من يأخذه إذا عاد فلما رجع من دمشق قبضوا عليه وعلى ابن بشر وحملوهما إليه فأما ابن بشر فأهانه وجرى في حقه مكروه وأما ابن الأنباري فسجنه ثم إن المسترشد بالله شفع فيه فأطلق ولم يزل دبيس مع زنكي حتى انحدر معه إلى العراق على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود
ص 258
في هذه السنة في شوال توفي السلطان محمود بن السلطان محمد بهمذان
وكان قبل مرضه قد خاف وزيره أبو القاسم الأنساباذي من جماعة من الأمراء وأعيان الدولة منهم عزيز الدين أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي والأمير أنوشتكين المعروف بشيركير وولده عمر وهو أمير حاجب السلطان وغيرهم
فأما عزيز الدين فأرسله مقبوضا عليه إلى مجاهد الدين بهروز بتكريت ثم قتل بها وأما شيركير وولده فقتلا في جمادى الآخرة
ثم إن السلطان مرض وتوفي في شوال وأقعد ولده الملك داود في السلطنة باتفاق من الوزير أبي القاسم وأتابكه آقسنقر الأحمديلي وخطب له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل ثم سكنت فلما اطمأن الناس وكنوا سار الوزير بأمواله إلى الري فأمن فيها حيث هي للسلطان سنجر وكان عمر السلطان محمود لما توفي نحو سبع وعشرين سنة
وكانت ولايته للسلطنة اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما وكان حليما كريما عاقلا يسمع ما يكره ولا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفا عنها كافا لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها
ذكر عدة حوادث
ص 258
في هذه السنة ثار الباطنية بتاج الملوك بوري طغتكين صاحب دمشق فجرحوه جرحين فبرأ أحدهما وتنسر الآخر وبقي فيه ألمه إلا أنه يجلس للناس ويركب معهم على ضعف فيه
وفيها توفي الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله أخو المسترشد بالله في رجب
وفيها في شوال توفي الحسن بن سلمان بن عبد الله أبو علي الفقيه الشافعي الواعظ مدرس النظامية ببغداد وأصله من الزوزان والخطيب أبو نصر أحمد بن عبد القاهر المعروف بابن الطوسي خطيب الموصل توفي في ربيع الأول وحماد بن مسلم الدباس الرحبي الزاهد المشهور وصاحبا الكرامات وسمع الحديث وله أصحاب وتلامذة كثيرون ساروا ورأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قد ذمه وثلبه ولهذا الشيخ أسوة بغيره من الصالحين فإن ابن الجوزي قد صنف كتابا سماه تلبيس لم يبق فيه على أحد من سادة المسلمين وصالحيهم وهبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني الكاتب ومولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة سمع أبا علي بن المهذب وأبا طالب بن غيلان وغيرهما وهو راوي مسند أحمد بن حنبل والغيلانيات وغيرا ومحمد بن الحسن بن علي بن الحسن أو غالب الماوردي ولد سنة خمسين وأربعمائة بالبصرة وسمع الحديث الكثير وروى سنن أبي داود السجستاني وكان صالحا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.