ذكر ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند من محمد خان وملك محمود بن محمد خان
ص 252
في هذه السنة في ربيع الأول ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند
وسبب ذلك أنه كان قد رتب فيها لما ملكها أولا أرسلان خان محمد بن سليمان بت بغراخان داود أنه كان قد رتب فيها لما ملكها أولا أرسلان خان محمد بن سليمان بن بغراخان داود فأصابه فالج فاستناب ابنا له يعرف بنصر خان وكان شهما شجاعا
وكان بسمرقند إنسان علوي فقيه مدرس إليه الحل والعقد والحكم في البلد فاتفق هو ورئيس البلد على قتل نصرخان فقتلاه وكان أبوه محمد خان غائبا فعظم عليه واشتد
وكان له ابن آخر غائب في بلاد تركستان فأرسل إليه واستدعاه فلما قارب سمرقند خرج العلوي ورئيس البلد إلى استقباله فقتل العلوي في الحال وقبض على الرئيس
وكان والده أرسلان خان قد أرسل إلى السلطان سنجر رسولا يستدعيه ظنا منه أن ابنه لا يتم أمره مع العلوي والرئيس فتجهز سنجر وسار يريد سمرقند فلما ظفر ابن أرسلان خان بهما ندم على استدعاء السلطان سنجر فأرسل إليه يعرفه أنه قد ظفر بالعلوي والرئيس وأنه وابنه على الطاعة ويسأله العود إلى خراسان فغضب سنجر من ذلك وأقام أياما
فبينما هو في الصيد إذ رأى اثني عشر رجلا في السلاح التام فقبض عليهم وعاقبهم فأقروا أن محمد خان أرسلهم ليقتلوه ثم سار سمرقند فملكها عنوة ونهب بعضها ومنع من الباقي وتحصن منه محمد خان ببعض تلك الحصون فاستنزله السلطان سنجر بأمان بعد مدة
فلما نزل إليه أكرمه وأرسله إلى ابنته زوجة السلطان سنجر فبقي عندها إلى أن توفي
وأقام سنجر بسمرقند حتى أخذ المال والسلاح والخزائن وسلم البلد إلى الأمير حسن تكين وعاد إلى خراسان فلم يلبث حسن تكين أن مات فملك سنجر بعده عليها محمود بن محمد خان بن سليمان بن داود المقدم ذكره
وقيل إن السبب غير ما ذكرناه وسيرد ذكره سنة ست وثلاثين للحاجة إلى ذكره هناك
ذكر فتح عماد الدين زنكي حصن الأثارب وهزيمة الفرنج
ص 253
لما فرغ عماد الدين زنكي من أمر البلاد الشامية حلب وأعمالها وما ملكته وقرر قواعده عاد إلى الموصل وديار الجزيرة ليستريح عسكره ثم أمره بالتجهز للغزاة فتجهزوا وأعدوا واستعدوا وعاد إلى الشام وقصد حلب فقوي عزمه على قصد حصن الأثارب ومحاصرته لشدة ضرره على المسلمين وهذا الحصن بينه وبين حلب نحو ثلاثة فراسخ بينها وبين أنطاكية
وكان من به من الفرنج يقاسمون حلب على جميع أعمالها الغربية حتى على رحى لأهل حلب بظاهر باب الجنان بينها وبين البلد عرض الطريق وكان أهل البلد معهم في ضر شديد وضيق كل يوم قد أغاروا عليهم ونهبوا أموالهم فلما رأى الشهيد هذه الحال صمم العزم على حصر هذا الحصن فسار إليه ونازله فلما علم الفرنج بذلك جمعوا فارسهم وراجلهم وعلموا أن هذه وقعة لها بعدها فحشدوا وجمعوا ولم وتركوا من طاقتهم شيئا إلا واستنفذوه فلما فرغوا من أمرهم ساروا نحوه فاستشار أصحابه فيما يفعل وكل أشار بالعود عن الحصن فإن لقاء الفرنج في بلادهم خطر لا يدري على أي شيء تكون العاقبة فقال لهم إن الفرنج متى رأونا قد عدنا من أيديهم طمعوا وساروا في أثرنا وخربوا بلادنا ولا بد من لقائهم على كل حال
ثم ترك الحصن وتقدم إليهم فالتقوا واصطفوا للقتال وصبر كل فريق لخصمه واشتد الأمر بينهم ثم إن الله تعالى أنزل نصره على المسلمين فظفروا وانهزم الفرنج أقبح هزيمة ووقع كثير من فرسانهم في الأسر وقتل منهم خلق كثير
وتقدم عماد الدين إلى عسكره بالإنجاز وقال هذا أول مصاف عملناه معهم فلنذقهم من بأسنا ما يبقي رعبه في قلوبهم ففعلوا ما أمرهم ولقد اجتزت بتلك الأرض سنة أربع وثمانين وخمسمائة ليلا فقيل لي إن كثيرا من العظام باق إلى ذلك الوقت
فلما فرغ المسلمون من ظفرهم عادوا إلى الحصن فتسلموه عنوة وقتلوا وأسروا كل من فيه وأخربه عماد الدين وجعله دكا وبقي إلى الآن خرابا ثم سار منه إلى قلعة حارم وهي بالقرب من أنطاكية فحصرها وهي أيضا للفرنج فبذل له أهلها نصف دخل بلد حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك وعاد عنهم وقد استدار المسلمون بتلك الأعمال وضعفت قوى الكافرين وعلموا أن البلاد قد جاءها ما لم يكن لهم في حساب وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك الجميع
ذكر ملك عماد الدين زنكي أيضا مدينة سرجى ودارا
ص 254
لما فرغ من أمر الأثارب وتلك النواحي عاد إلى ديار الجزيرة وكان قد بلغه عن حسان الدين تمرتاش بن أيلغازي صاحب ماردين وابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان صاحب حصن كيفا قوارص فعاد إليهم وحصر مدينة سرجى وهي بين ماردين ونصيبين فاجتمع حسام الدين وركن الدولة وصاحب آمذ وغيرهم وجمعوا خلقا كثيرا من التركمان بلغت عدتهم عشرين ألفا وساروا إيله فتصافوا بتلك النواحي فهزمهم عماد الدين وملك سرجى فحكى لي والدي قال لما انهزم ركن الدولة داود قصد بلد جزيرة ابن عمر ونهبه فبلغ الخبر عماد الدين فسار نحو الجزيرة وأراد دخول بلد داود ثم عاد عنه لضيق مسالكه وخشونة الجبال التي في الطريق وسار إلى دارا فملكها وهي من القلاع في تلك الأعمال
ذكر وفاة الآمر وخلافة الحافظ العلوي
ص 254
في هذه السنة ثاني ذي القعدة قتل الآمر بأحكام الله أبو علي بن المستعلي العلوي صاحب مصر خرج إلى منتزه له فلما عاد وثب عليه الباطنية فقتلوه لأنه كان سيء السيرة في رعيته وكانت ولايته تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعمره أربعا وثلاثين سنة وهو العاشر من ولد المهدي عبيد الله الذي ظهر بسجلماسة وبنى المهدية بإفريقية
وهو أيضا العاشر من الخلفاء العلويين من أولاد المهدي أيضا
فلما قتل لم يكن له ولد بعده ابن عه الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله ولم يبايع بالخلافة وإنما بويع له لينظر في الأمر نيابة حتى يكشف عن حمل إن كان للآمر فتكون الخلافة فيه ويكون هو نائبا عنه ومولد الحافظ بعسقلان لأن أباه خرج من مصر إليها في الشدة فأقام بها فولد ابنه عبد المجيد هناك ولما ولى استوزر أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي واستبد بالأمر وتغلب على الحافظ ومحجر عليه وأودعه في خزانة ولا يدخل إليه إلا من يريده أبو علي وبقي الحافظ له اسم لا معنى تحته ونقل أبو علي كل ما في القصر إلى داره من الأموال وغيرها ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل أبو علي سنة ست وعشرين فاستقامت أمور الحافظ وحكم في دولته وتمكن من ولايته وبلاده
ذكر عدة حوادث
ص 255
في هذه السنة توفيت الخاتون ابنة السلطان سنجر وهي زوجة السلطان محمود
وفيها قتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية
وفيها توفي نصير الدين محمود بن مؤيد الملك نظام الملك في شعبان ببغداد ووقع الحريق في داره بعد وفاته وفي حظائر الحطب والسوق التتشي فذهب من الناس أموال كثيرة
وفيها وزر الرئيس أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الصوفي لصاحب دمشق تاج الملوك
وفيها كان الرصد بالدار السلطانية شرقي بغداد تولاه البديع الاصطرلابي ولم يتم
وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة شوكتين فنال منها خوف شديد وأذى عظيم
وفيها في ذي الحجة خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان وكان عند عمه السلطان سنجر ووصل إلى ساوة ووقع الإرجاف أن عزمه على مخالفة أخيه السلطان محمود قوي وأن عمه سنجر أمره بذلك فاستشعر السلطان محمود وسار عن بغداد إلى همذان فلما وصل إلى كرمانشاهان وصل إليه أخوه الملك مسعود وخدمه ولم يظهر للإرجاف أثر فاقطعه السلطان مدينة كنجة وأعمالها وسيره إليها
وفيها كانت زلزلة عظيمة في ربيع الأول بالعراق وبلد الجبل والموصل والجزيرة فخربت كثيرا
وفيها ملك السلطان محمود قلعة الموت
وفيها توفي إبراهيم بن عثمان بن محمد أبو إسحاق الغزي من أهل غزة مدينة بفلسطين من الشام ومولده سنة إحدى وأربعين وهو من الشعراء المجيدين فمن قوله من قصيدة يصف فيها الأتراك
( في فتية من جيوش الترك ما تركت % للرعد كراتهم صوتا ولا صيتا )
( قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة % حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا )
وله في الزهد
( إنما هذه الحياة متاع % والسفيه الغوي من يصطفيها )
( ما مضى فات والمؤمل غيب % ولك الساعة التي أنت فيها )
وفيها توفي الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد الدباس أبو عبد الله النحوي الشاعر المعروف بالبارع أخو أبي الكرم بن فاخر النحوي لأمه ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة وله شعر مليح فمنه قوله
( ردي على الكرى ثم اهجري بطيف منك في الوسن )
( لا تحسبي النوم قد أوحشت أطلبه % إلا رجاء خيال منك يؤنسني )
( تركتني والهوى فردا أغالبه % ونام ليلك عن هم يؤرقني )
وهي طويلة
وفيها توفي هبة الله بن القاسم بن محمد بن عطاء بن محمد أبو سعد المهرواني النيسابوري ومولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وكان محدثا حافظا صالحا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.