الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
27

ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة

الجزء التاسع 7 عنصر صفحة 212
ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود ص 212

وفي المحرم من هذه السنة أطاع الملك طغرل أخاه السلطان محمودا وكان قد خرج عن طاعته كما ذكرناه وقصد أذربيجان في السنة الخالية ليتغلب عليها وكان أتابكه كنتغدي يحسن له ذلك يقويه عليه فاتفق أنه مرض وتوفي في شوال سنة خمس عشرة وكان الأمير آقسنقر الأحمديلي صاحب مراغة عند السلطان محمود ببغداد فاستأذنه في المضي إلى أقطاعه فأذن له فلما سار عن السلطان ظن أنه يقوم مقام كنتغدي من الملك طغرل فسار إليه واجتمع به وأشار عليه بالمكاشفة لأخيه السلطان محمود وقال له إذا وصلت إلى مراغة اتصل بك عشرة آلاف فارس وراجل فسار معه فلما وصلوا إلى أردبيل أغلقت أبوابها فساروا عنها إلى قريب تبريز فأتاهم الخبر أن السلطان محمود سير الأمير جيوش بك إلى أذربيجان وأقطعه البلاد وأنه نزل كراغة في عسكر كثيف من عند السلطان فلما تيقنوا ذلك عدلوا إلى خونج وانتقض عليهم ما كانوا فيه

ورواسلوا الأمير شيركر الذي كان أتابك طغرل أيام أبيه يدعونه إلى أنجادهم وقد كان كنتغدي قبض عليه بعد موت السلطان محمد على ما ذكرناه ثم أطلقه السلطان سنجر فعاد إلى أقطاعه أبهر وزنجان وكاتيوه فأجابهم واتصل به وسار معهم إلى أبهر فلم يتم لهم ما أرادوا فراسلوا السلطان بالطاعة فأجابهم إلى ذلك فاستقرت القاعدة أول هذه السنة وتمت

ذكر حال دبيس بن صدقة وما كان منه ص 212

قد ذكرنا سنة أربع عشرة حال دبيس بن صدقة وصلحه على يد يرنقش الزكوي ومقامه بالحلة وعود يرنقش إلى السلطان ومعه منصور بن صدقة أخو دبيس وولده رهينة فلما علم الخليفة بذلك لم يرض به وراسل السلطان محمودا في إبعاد دبيس عن العراق إلى بعض النواحي

وتردد الخطاب في ذلك وعزم السلطان على المسير إلى همذان فأعاد الخليفة الشكوى من دبيس وذكر أنه يطالب الناس بحقوقه منها قتل أبيه وأن يحضر السلطان آقسنقر البرسقي من الموصل ويوليه شحنكية بغداد والعراق ويجعله في وجه دبيس ففعل السلطان ذلك وأحضر البرسقي فملا وصل إليه زوجه والدة الملك مسعود وجعله شحنة بغداد وأمره بقتال دبيس إن تعرض إلى البلاد

وسار السلطان عن بغداد في صفر من هذه السنة وكان مقامه ببغداد سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما فلما فارق بغداد والعراق تظاهر دبيس بأمور تأثر بها المسترشد بالله وتقدم إلى البرسقي بالمسير إليه وإزعاجه عن الحلة فأرسل البرسقي إلى الموصل وأحضر عساكره وسار إلى الحلة وأقبل دبيس نحوه فالتقوا عند نهر بشير شرقي الفرات واقتتلوا فانهزم عسكر البرسقي وكان سبب الهزيمة أنه رأى في مسيرته خللا وبها الأمراء البكجية فأمر بإلقاء خيمته عند الميسرة ليقوى قلوب من بها فلما رأوا الخيمة وقد سقطت ظنوها عن هزيمة فانهزموا وتبعهم الناس والبرسقي

وقيل بل أعطى رقعة فيها إن جماعة من الأمراء منهم إسماعيل البكجي يريدون الفتك به فانهزم وتبعه العسكر ودخل بغداد ثاني ربيع الآخر

وكان في جملة العسكر نصر بن النفيس بن مهذب الدولة أحمد بن أبي الجبر وكان ناظر بالبطيحة لريحان محكويه خادم السلطان لأنها كانت من جملة أقطاعه وحضر أيضا المظفر بن حماد بن أبي الجبر وبينهما عداوة شديدة فالتقيا عند الانهزام بساباط نهر ملك فقتله المظفر ومضى إلى واسط محتفيا وسار منها إلى البطيحة وتغلب عليها وكاتب دبيسا وأطاعه

وأما دبيس فإنه لم يعرض لنهر ملك ولا غيره وأرسل إلى الخليفة أنه على الطاعة ولولا ذلك لأخذ البرسقي وجميع من معه وسأل أن يخرج الناظر إلى القرى التي لخاص الخليفة لقبض دخلها

وكانت الوقعة في حزيران وحمى البلد فأحمد الخليفة فعله وترددت الرسل بينهما فاستقرت القاعدة أن يقبض المسترشد بالله على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة ليعود إلى الطاعة فقبض على الوزير ونهبت داره ودور أصحابه والمنتمين إليه وهرب ابن أخيه جلال الدين أو الرضا إلى الموصل

ولما سمع السلطان خبر الوقعة قبض على منصور بن صدقة أخي دبيس وولده ورفعهما إلى قلعة برحين وهي تجاوز كرج ثم إن دبيسا أمر جماعة من أصحابه بالمسير إلى أقطاعهم بواسط فساروا إليها فمنعهم أتراك واسط فجهز دبيس إليهم عسكرا مقدمهم مهلهل بن أبي العسكر وأرسل إلى المظفر بن أبي الجبر بالبطيحة ليتفق مع مهلهل ويساعده على قتال الواسطيين فاتفقا على أن تكون الوقعة تاسع رجب

وأرسل الواسطيون إلى البرسقي يطلبون منه المد فأمدهم بجيش من عنده وعجل مهلهل في عسكر دبيس ولم ينتظر المظفر ظنا منه أنه بمفرده ينال منهم ما أراد وينفرد بالفتح هو والواسطيون ثامن رجب فانهزم مهلهل وعسكره وظفر الواسطيون وأخذ مهلهل أسيرا وجماعة من أعيان العسكر وقتل ما يزيد على ألف قتيل ولم يقتل من الواسطيين غير رجل واحد

وأما المظفر بن أبي الجبر فإنه أصعد من البطيحة ونهب وأفسد وجرى من أصحابه القبيح فلما قارب واسطا سمع بالهزيمة فعاد منحدرا

وكان في جملة ما أخذ العسكر الواسطي من مهلهل تذكرة بخط دبيس يأمره فيها بقبض المظفر بن أبي الجبر ومطالبته بأموال كثيرة أخذها من البطيحة فأسلوا الخط إلى المظفر وقالوا هذا خط الذي تختاره وقد أسخطت الله تعالى والخلق كلهم لأجله فمال إليهم وصار معهم

فلما جرى على أصحاب دبيس من الواسطيين ما ذكرنا شمر عن ساعده في الشر وبلغه أن السلطان كحل أخاه فجز شعره ولبس السواد ونهب البلاد وأخذ كل ما للخليفة بنهر مالك فأجلى الناس إلى بغداد

وسار عسكر واسط إلى النعمانية فأجلوا عنها عسكر دبيس واستولوا عليها وجرى بينهم هناك وقعة كان الظفر للواسطيين وتقدم الخليفة إلى البرسقي بالتبريز إلى حرب دبيس فبرز في رمضان وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر قتل السميرمي ص 214

وفي هذه السنة قتل الوزير الكمال أبو طالب السميرمي وزير السلطان محمود سلخ صفر وكان قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان فدخل الحمام وخرج بين يديه الرجالة والخيالة وهو في موكب عظيم بسوق المدرسة التي بناها خمارتكين التتشي واجتاز في منفذ ضيق فيه خطائر الشوك فتقدم أصحابه لضيق الموضع فوثب عليه باطني وضربه بسكين فوقعت في البغلة وهرب إلى دجلة وتبعه الغلمان فخلا الموضع فظهر رجل آخر فضربه بسكين في خاصرته وجذبه عن البغلة إلى الأرض وضربه عدة ضربات

وعاد أصحاب الوزير فحمل عليهم رجلان باطنيان فانهزموا منهما ثم عادوا وقد ذبح الوزير مثل الشاة فحمل قتيلا ويه نيف وثلاثون جراحة وقتل قتالوه

ولما كان في الحمام كان المنجمون يأخذون له الطالع ليخرج فقالوا هذا وقت جيد وإن تأخرت يفت طالع السعد فأسرع وركب وأراد أن يأكل طعاما فمنعوه لأجل الطالع فقتل ولم ينفعه قولهم وكان وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وانتهب ماله وأخذ السلطان خزانته ووزر بعده شمس الملك بن نظام الملك وكانت زوجة السميرمي قد خرجت هذا اليوم في موكب كبير معها نحو مائة جارية وجمع من الخدم والجميع بمراكب الذهب فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات وقد تبدلن بالعز هوانا وبالمسرة أحزانا فسبحان من لا يزول ملكه

وكان السميرمي ظالما كثير المصادرة للناس سيء السيرة فلما قتل أطلق السلطان ما كان جدده من المكوس وما مضعه على النجار والباعة

ذكر القبض على ابن صدقة وزير الخليفة ونيابة علي بن طراد ص 215

في جمادى الأولى قبض الخليفة على وزيره جلال الدين بن صدقة وقد تقدم ذكره قبل وأقيم نقيب النقباء شرف الدين علي بن طراد الزنيبي في نيابة الوزارة فأرسل السلطان إلى المسترشد بالله في معنى وزارة نظام الملك وكان أخا شمس الملك عثمان بن نظام الملك وزير السلطان محمود فأجيب إلى ذلك واستوزر في شعبان وكان قد وزر لسلطان محمد سنة خمسمائة ثم عزل ولزم دارا استجدها ببغداد إلى الآن فلما خلع على نظام الملك وجلس في الديوان طلب أن يخرج ابن صدقة ذلك طلب من الخليفة أن يسير إلى حديثة عانة ليكون عند الأمير سليمان بن مهارش فأجيب إلى ما طلب

وسار إلى الحديثة فخرج عليه في الطريق إنسان من مفسدي التركمان يقال له يونس الحرامي فأسره ونهب أصحابه فخاف الوزير أن يعلم دبيس فأرسل إلى يونس وبذل له مالا يأخذه منه للعداوة التي بينهما فقرر أمره مع يونس على ألف دينار يعجل منها ثلاثمائة ويؤخر الباقي إلى أن يرسله من الحديثة

وراسل عامل في بلد الفرات في تخليصه وإنفاذ من يضمن الباقي الذي عليه فأعمل العامل الحيلة في ذلك فأحضر إنسانا فلاحا وألبسه ثيابا فاخرة وطيلسانا وأركبه وسير معه غلمانا وأمره أن يمضي إلى يونس ويدعي أنه قاضي بلد الفرات ويضمن الوزير منه بما بقي من المال فسار السوادي إلى يونس فلما حصر عن الوزير ويونس احترماه وضمن السوادي الوزير منه وقال له أقيم عندك إلى أن يصل المال مع صاحب لك تنفذه مع الوزير فاعتقده يونس صدق ذلك وأطلق الوزير ومعه جماعة من أصحابه فلما وصل الحديثة قبض على من معه منهم فأطلق يونس ذلك السوادي والمال الذي أخذه حتى أطلق الوزير أصحابه وعلم الحيلة التي تمت عليه

ولما سار الوزير من عند يونس لقي أنسانا أنكره فأخذه فرأى معه كتابا من دبيس إلى يونس يبذل ستة آلاف دينار ليسلم الوزير إليه وكان خلاصه من أعجب الأشياء

ذكر قتل جيوش بك ص 216

في هذه السنة قتل الأمير جيوش بك الذي كان صاحب الموصل وقد ذكرنا خروجه على السلطان محمود وعوده إلى خدمته فلما رضي عنه أقطعه أذربيجان وجعله مقدم عسكره فجرى بينه وبين جماعة من الأمراء منافرة ومازعات فأغروا به السلطان فقتله في رمضان على باب تبريز

وكان تركيا من مماليك السلطان محمد عادلا حسن السيرة ولما ولي الموصل والجزيرة كان الأكراد بتلك الأعمال قد انتشروا وكثر فسادهم وكثرت قلاعهم والناس معهم في ضيق والطريق خائفة فقصدهم وحصر قلاعهم وفتح كثيرا منها ببلد الهكارية وبلد الزوزان وبلد البشنوية وخافه الأكراد وولى قصدهم بنفسه فهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق وأمنت الطرق وانتشر الناس واطمأنوا وبقي الأكراد لا يجسرون أن يحملوا السلاح لهيبته

ذكر وفاة أيلغازي وأحوال حلب بعده ص 216

في هذه السنة في شهر رمضان توفي أيلغازي بن أرتق بميافارقين وملك ابنه حسام الدين تمرتاش قلعة ماردين وملك ابنه سليمان ميافارقين وكان بحلب ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق فبقي بها إلى أن أخذها ابن عمه

ذكر عدة حوادث ص 216

في هذه السنة أقطع السلطان محمود الأمير آقسنقر البرسقي مدينة واسط وأعمالها مضافا إلى ولاية الموصل وغيرها مما بيده وشحنكية العراق

فلما أقطعها البرسقي سير إليها عماد الدين زنكي بن ى قسنقر الذي كان والده صاحب حلب وأمره بحمايتها فسار إليها في شعبان ووليها وقد ذكرنا أخبار زنكي في كتاب الباهر في ذكر ملكه وملك أولاده الذين هم ملوكنا الآن فينظر منه

وفيها ظهر معدن نحاس بديار بكر قريبا من قلعة ذي القرنين

وفيها زاد الفرات زيادة عظيمة لم يعهد مثلها فدخل الماء إلى ربض قلعة جعبر وكان الفرات حينئذ بالقرب منها فغرق أكثر دوره ومساكنه وحمل فرسا من الربض وألقاه من فوق السور إلى الفرات وفيها بنيت مدرسة بحلب لأصحاب الشافعي

وفيها توفيت ابنة السلطان سنجر زوج السلطان محمود

ويفها في شعبان قدم إلى بغداد البرهان أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي وعقد مجلس الوعظ في جميع المواضع وورد بعده أبو القاسم علي بن يعلى العلوي ونزل رباط شيخ الشيوخ فوعظ في جامع القصر والتاجية ورباط سعادة وصار له قبول عند الحنابلة وحصل له مال كثير لأنه أظهر موافقتهم

وورد بعده أبو الفتوح الاسفرايني ونزل برباط شيخ الشيوخ أيضا ووعظ في هذه المواضع وفي النظامية وأظهر مذهب الأشعري فصار له قبول كثير عند الشافعية وحضر مجلسه الخليفة المسترشد بالله وسلم إليه رباط الأرجوانية والدة المقتدي بالله بدرب زاخي

وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن عمر أبو محمد السمرقندي أخو أبي القاسم بن السمرقندي ومولده بدمشق سنة أربع وأربعين وأربعمائة ونشأ ببغداد وسمع الصريفيني وابن النقور وغيرهما وسافر الكثير وكان حافظا للحديث عالما به

وفي ذي الحجة توفي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف أبو طالب ومولده سنة ست وثلاثين وأربعمائة وسمع البرمكي والجوهري والعشاري وكان ثقة حافظا للحديث

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.