الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
26

ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة

الجزء التاسع 7 عنصر صفحة 206
ذكر إقطاع البرسقي الموصل ص 206

في هذه السنة في صفر أقطع السلطان محمود مدينة الموصل وأعمالها وما ينضاف إليها كالجزيرة وسنجار وغيرها الأمير آقسنقر البرسقي

وسبب ذلك أنه كان في خدمة السلطان محمود ناصحا له ملازما له في حروبه كلها

وكان له الأثر الحسن في الحرب المذكورة بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود وهو الذي أحضر الملك مسعود عند أخيه السلطان محمود فعظم ذلك عند السلطان محمود فعظم ذلك عند السلطان محمود لما حضر جيوش بك عند السلطان محمود وبقيت الموصل بغير أمير ولي عليها البرسقي وتقدم إلى سائر الأمراء بطاعته وأمره بمجاهدة الفرنج وأخذ البلاد منهم فسار إليها في عسكر كثير وملكها وأقام يدبر أمورها ويصلح أحوالها

ذكر وفاة الأمير علي وولاية ابنه الحسن إفريقية ص 206

في هذه السنة توفي الأمير علي بن يحيى بن تميم صاحب أفريقية في العشر الأخير من ربيع الآخر

وكان مولده بالمهدية وقد تقدم من حروبه وأعماله ما يستدل به على علو همته ولما توفي ولي الملك بعده ابنه الحسن بعهد أبيه وقام بأمر دولته صندل الخصي لأنه كان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة لا يستقل بتدبير الملك فقام صندل في الحفظ والاحتياط فلم تطل أيامه حتى توفي فوقع الاختلاف بين أصحابه وقواده كل منهم يقول أنا المقدم على الجميع وبيدي الحل والشد فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى قائد من أصحاب أبيه يقال له أبو عزيز موفق فصلحت الأمور

ذكر قتل أمير الجيوش ص 206

في هذه السنة في الثالث والعشرين من رمضان قتل أمير الجيوش الأفضل بن بدر الجمالي وهو صاحب الأمر والحكم بمصر

وكان ركب إلى خزانة السلام ليفرقه على الأجناد على جاري العادة في الأعياد فسار معه عالم كثير من الرجالة والخيالة فتأذى بالغبار فأمر بالبعد عنه وسار منفردا معه رجلان فصادقه رجلان بسوق الصياقلة فضرباه بالسكاكين فجرحاه وجاء الثالث من ورائه فضربه بسكين في خاصرته فسقط عن دابته ورجع أصحابه فقتلوا الثلاثة وحملوه إلى دار الأفضل فدخل عليه الخليفة وتوجع له وسأله عن الأموال فقال أما الظاهر منها فأبو الحسن بن أسامة الكاتب يعرفه وكان من أهل حلب وتولى أبوه قضاء القاهرة وأما الباطن فابن البطائحي يعرفه

فقالا صدق

فلما توفي الأفضل ثقل من أمواله ما لا يعلمه إلا الله تعالى وبقي الخليفة داره نحو أربعين يوما والكتاب بين يديه والدواب تحمل وتنقل ليلا ونهارا ووجد له من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة القليلة الوجود ما لا يوجد مثله لغيره واعتقل أولاده وكان عمره سبعا وخمسين سنة وكانت ولايته بعد أبيه ثمانية وعشرين سنة منها آخر أيام المستنصر وجميع أيام المستعلي إلى هذه السنة من أيام الآمر

وكان الإسماعيلية يكرهونه لأسباب منها تضييعه على إمامهم وتركه ما يجب عندهم سلوكه معهم ومنها ترك معارضة أهل السنة في اعتقادهم والنهي عن معارضتهم وإذنه للناس في إظهار معتقداتهم والمناظرة عليها فكثر الغرباء ببلاد مصر وكان حسن السيرة عادلا

حكي أنه لما قتل وظهر الظالم بعده اجتمع جماعة واستغاثوا إلى الخليفة وكان من جملة قولهم إنهم لعنوا الأفضل فسألهم عن سبب لعنهم إياه فقالوا إنه عدل وأحسن السيرة ففارقنا بلادنا وأوطاننا وقصدنا بلده لعدله فقد أصابنا بعده هذا الظلم فهو كان سبب ظلمنا فأحسن الخليفة إليهم وأمر بالإحسان إلى الناس

ومنها أن صاحبه الآمر بأحكام الله صاحب مصر وضع عليه

وسبب ذلك ما ذكرناه قبل ففسد الأمر بينهما فأراد الآمر أن يضع عليه من يقتله إذا دخل عليه قصره للسلام أو في أيام الأعياد فمنعه من ذلك ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد وهو الذي ولي الأمر بعده بمصر وقال له في هذا الفعل شناعة وسوء سمعة لأنه قد خدم دولتنا هو وأبوه خمسين سنة لم يعلم الناس منهم إلا النصح لنا والمحبة لدولتنا وقد سار ذلك في أقطار البلاد فلا يجوز أن يظهر منا هذه المكافأة ومع هذا فلا بد وأن نقيم غيره مكانه ونعتمد عليه في منصبه متمكن مثله أو ما يقاربه فيخاف أن نفعل فعلنا بهذا فيحذر من الدخول إلينا خوفا على نفسه وإن دخل علينا كان خائفا مستعدا للامتناع وفي هذا الفعل منهم ما يسقط المنزلة والرأي أن تراسل أبا عبد الله بن البطائحي فإنه الغالب على أمر الأفضل والمطلع على سره وتعده أن توليه منصبه وتطلب منه أن يدير الأمر في قتله لمن يقاتله إذا ركب فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه وأظهرنا الطلب بدمه والحزن عليه فنبلغ غرضنا ويزول عنا قبح الأحدوثة فعلوا ذلك فقتل كما ذكرناه ولما قتل ولي بعده أبو عبد الله بن البطائحي الأمر ولقب المأمون وتحكم في الدولة فبقي كذلك حاكما في البلاد إلى سنة تسع عشرة فصلب كما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر عصيان سليمان بن أيلغازي على أبيه ص 208

في هذه السنة عصا سليمان بن أيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب وقد جاوز عمره عشرين سنة حمله على ذلك جماعة من عنده فسمع والده الخبر فسار مجدا لوقته فلم يشعر به سليمان حتى هجم عليه فخرج إليه معتذرا فأمسك عنه وقبض على من كان أشار عليه بذلك منهم أمير كان قد التقطه أرتق والد أيلغازي ورباه اسمه ناصر فقلع عينيه وقطع لسانه

ومنهم إنسان من أهل حماة من بيت قرناص كان قد قدمه أيلغازي على أهل حلب وجعل إليه الرياسة فجازاه بذلك وقطع يديه ورجليه وسمل عينيه فمات

وأحضر ولده وهو سكران فأراد قتله فمنعه رقة الوالد فاستبقاه فهرب إلى دمشق فأرسل طغتكين يشفع فيه فلم يجبه إلى ذلك واستناب بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار بن أرتق ولقبه بدر الدولة وعاد إلى ماردين

ذكر إقطاع ميافارقين أيلغازي ص 208

في هذه السنة أقطع السلطان محمود مدينة ميافارقين للأمير أيلغازي

وسبب ذلك أنه أرسل ولده حسام الدين تمرتاش وعمره سبع عشرة سنة إلى السلطان ليشفع في دبيس بن صدقة ويبذل عنه الطاعة وحمل الأموال والخيل وغيرها

وأن يضمن الحلة كل يوم بألف دينار وفرس وكان المتحدث عنه القاضي بهاء الدين أبوا لحسن علي بن القاسم بن الشهرزوري

فتردد الخطاب في ذلك ولم ينفصل حال فلما أراد العود أقطع السلطان إياه مدينة ميافارقين وكانت مع الأمير سكمان صاحب خلاط فتسلمها أيلغازي وبقيت في يده ويد أولاده إلى أن ملكها صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة وسنذكر ذلك إن شاء الله

ذكر حصر بلك بن بهرام الرها وأسر صاحبها ص 209

في هذه السنة سار بلك بن بهرام ولد أخي أيلغازي إلى مدينة الرها فحصرها وبها الفرنج وبقي على حصرها مدة فلم يظفر بها فرحل عنها فجاءه إنسان تركماني وأعلمه أن جوسلين صاحب الرها وسروج قد جمع من عنده من الفرنج وهو عازم على كبسه وكان قد تفرق عن بلك أصحابه وبقي في أربعمائة فارس فوقف مستعدا لقتالهم وأقبل الفرنج فمن لطف الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج وصلوا إلى أرض قد نضب عنها الماء فصارت وحلا غاصت خيولهم فيه فلم تتمكن مع ثقل السلاح والفرسان من الإسراع والجري فرماهم أصحاب بلك بالنشاب فلم يفلت منهم أحد وأسر جوسلين وجعل يف جلد جمل وخيط عليه وطلب منه أن يسلم الرها فلم يفعل وبذل في فداء نفسه أموالا جزيلة وأسرى كثيرة فلم يجبه إلى ذلك وحمله إلى قلعة خرتبرت فسجنه بها وأسر معه ابن خالته واسمه كليام وكان من شياطين الكفار وأسر أيضا جماعة من فرسانه المشهورين فسجنهم معه

ذكر عدة حوادث ص 209

في هذه السنة توفيت جدة السلطان محمود لأبيه وهي والدة السلطان سنجر وكانت تركية تعرف بخاتون السفرية وكان موتها بمرو فجلس محمود ببغداد للعزاء فيها وكان عزاء لم يشاهد مثله الناس

وفيها توفي الخطير محمد بن الحسين الميبذي ببلاد فارس وهو في وزارة الملك سلجوق ابن السلطان محمد وكان قديما وزر للسلطانين بركيارق ومحمد وكان جوادا حليما سمع أن الأبيوردي هجاه فلما سمع الهجو مضه فعض على إبهامه وصفح عنه وخلع عليه ووصله

وفيها توفي الشهاب أبو المحاسن عبد الرزاق عبد الله وزير السلطان سنجر وهو ابن أخي نظام الملك وكان يتفقه قديما على إمام الحرمين الجويني فكان يفتي ويوقع ووزر بعده أبو طاهر سعد بن علي بن عيسى القمي وتوفي بعد شهور فوزر بعده عثمان القمي

وفيها في جمادى الأولى أوقع أتابك طغتكين بطائفة من الفرنج فقتل منهم وأسر وأرسل من الأسرى والغنيمة للسلطان وللخليفة

وفيها تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام زاده الله شرفا من زلزلة وانهزم بعضه وتشعث بعض حرم النبي وتشعث غيره من البلاد وكان بالموصل كثير منها

وفيها احترقت دار السلطان كان قد بناها مجاههد الدين بهروز للسلطان محمد ففرغت قبل وفاته بيسير فلما كان الآن احترقت وسبب الحريق أن جارية كانت تختضب ليلا فاسندت شمعة إلى الخيش فاحترق وعلقت النار منه في الدار واحترق فيها من زوجة السلطان محمود بنت السلطان سنجر ما لأحد عليه من الجواهر والحلى والفرش والثياب وأقيم الغسالون يخلصون الذهب وما أمكن تخليصه وكان الجوهر جميعه قد هلك غلا الياقوت الأحمر وترك السلطان الدار لم تجدد عمارتها وتطير منها لأن أباه لم يتمتع بها ثم احترق فيها من أموالهم الشيء العظيم

واحترق قبلها بأسبوع جامع أصبهان وهو من أعظم الجوامع وأحسنها أحرقه قوم من الباطنية ليلا وكان السلطان قد عزم على أخذ حق البيع وتجديد المكوس بالعراق بإشارة الوزير السميرمي عليه بذلك فتجدد من هذين الحريقين ما هاله وأتعظ فاعرض عنه

وفيها في ربيع الآخر انقض كوكب عشاء وصار له نور عظيم وتفرق منه أعمدة عند انقضاضه وسمع عند ذلك صوت هدة عظيمة كالزلزلة

وفيها ظهر بمكة إنسان علوي وأمر بالمعروف فكثر جمعه ونازع أمير مكة ابن أبي هاشم وقوي أمره وعزم على أن يخطب لنفسه فعاد ابن أبي هاشم وظفر به ونفاه على الحجاز إلى البحرين وكان هذا العلوي من فقهاء النظامية ببغداد

وفيها ألزم السلطان أهل الذمة ببغداد بالغيار فجرى فيه مراجعات انتهت إلى أن قرر عليهم السلطان وأخوه الملك مسعود عند الخليفة فخلع عليهما وعلى جماعة من أصحاب السلطان منهم وزيره أبو طالب السميرمي وشمس الملك عثمان بن نظام الملك والوزير أو نصر أحمد بن محمد بن حامد المستوفي وعلى غيرهم من الأمراء

وفيها في ذي القعدة وهو الحادي والعشرون من كانون الثاني سقط بالعراق جميعه من البصرة إلى تكريت ثلج كثير وبقي على الأرض خمسة عشر يوما وسمكه ذراع وهلكت أشجار النارنج والأترج والليمون فقال فيه بعض الشعراء

( يا صدور الزمان ليس بوفر % ما رأيناه في نواحي العراق )

( إنما عم ظلمكم سائر الخلق % فشابت دوائب الآفاق )

وفيها هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام فأهلكت كثيرا من الناس وغيرهم من الحيوانات

وفيها توفي أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري صاحب المقامات المشهورة وهزارسب بن عوض الهروي وكان قد سمع الحديث كثيرا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.