ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والحرب بينهما
ص 190
في هذه السنة في ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود حينئذ له الموصل وأذربيجان وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك مسعود بحثه على طلب السلطنة للملك مسعود ويعده المساعدة وكان عرضه أن يختلفوا فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبوه باختلاف السلاطين بركيارق ومحمد ابني ملكشاه على ما ذكرناه وكان قسيم الدولة البرسقي أتابك الملك مسعود قد فارق شحنكية بغداد وقد أقطعه مسعود مراغة مضافة إلى الرحبة وبينه وبين دبيس عداوة محكمة فكاتب دبيس جيوش بك يشير عليه بقبض البرسقي وينسبه إلى الميل إلى السلطان محمود وبذل له مالا كثيرا على قبضه فعلم البرسقي ذلك ففارقهم إلى السلطان محمود فأكرمه وأعلى محله وزاد في تقديمه واتصل الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغرائي بالملك مسعود فكان ولده أبو المؤيد محمد بن أبي إسماعيل يكتب الطغراء مع الملك فلما وصل والده مسعود بعد أن عزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة باب خوى فحسن ما كان دبيس يكاتب به من مخالفة السلطان محمود والخروج عن طاعته وظهر ما هم عليه من ذلك فبلغ السلطان محمود الخبر فكتب إليهم يخوفهم إن خالفوه ويعدهم الإحسان إن أقاموا على طاعته وموافقته فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا عليه وما سيرونه وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له التوب الخمس وكان ذلك على تفرق من عساكر السلطان محمود فقوي طمعهم وأسرعوا السير إليه ليلقوه وهو مخف من العساكر فاجتمع إليه خمسة عشر ألفا فسار أيضا إليهم فالتقوا عند عقبة أسد أباذ منتصف ربيع الأول واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار وكان البرسقي في مقدمة السلطان محمود وأبلى يومئذ بلاء حسنا فانهزم عسكر الملك مسعود آخر النهار وأسر منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ومقدميهم وأسر الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود فأمر السلطان بقتله وقال قد ثبت عندي فساد دينه واعتقاده فكانت وزارته سنة وشهرا وقد جاوز ستين سنة وكان حسن الكتابة والشعر يميل إلى صنعة الكيمياء وله فيها تصانيف قد ضيعت من الناس أموالا لا تحصى
وأما ملك مسعود فإنه لما انهزم أصحابه وتفرقوا قصد جبلا بينه وبين الوقعة اثني عشر فرسخا فاختفى فيه ومعه غلمان صغار فأرسل ركابيه عثمان إلى أخيه يطلب له الأمان فسار إلى السلطان محمود وأعلمه حال أخيه مسعود فرق له وبذل له الأمان وأمر آقسنقر بالمسير إليه وتطبيب قلبه وإعلامه بعفوه وإحضاره فكان مسعود بعد أن أرسل يطلب الأمان قد وصل بعض الأمراء إليه وحسن له اللحاق بالموصل وكانت له ومعها أذربيجان وأشار عليه بمكاتبة دبيس بن صدقة ليجتمع به ويكثر جمعه ويعاود طلب السلطنة فسار معه من مكانه ووصل البرسقي فلم يره فأخبره بمسيره فسار في أثره وعزم على طلبه ولو إلى الموصل وجد في السير فأدركه على ثلاثين رسخا من مكانه ذلك وعرفه عفو أخيه وضمن له ما أراد وأعاده إلى العسكر فأمر السلطان محمود العساكر باستقباله وتعظيمه ففعلوا ذلك وأمر السلطان أن ينزل عند والدته وجلس له وأحضره واعتنقا وبكيا وانعطف عليه محمود ووفى له بما بذله وخلطه بنفسه في كل أفعاله فعد ذلك من مكارم محمود
وكانت الخطبة بالسلطنة لمسعود بأذربيجان وبلد الموصل والجزيرة ثمانية وعشرين يوما
وأما أتابكه جيوش بك فإنه سار إلى عقبة أساد أباذ وانتظر الملك مسعود فلم يره وانتظره بمكان آخر فلم يصل إليه فلما أيس منه سار إلى الموصل ونزل بظاهرها وجمع الغلات من السواد إلأيها واجتمع إليه عسكره فلما سمع بما فعله السلطان مع أخيه وأنه عنده علم أنه لا مقام له على هذا الحال فسار كأنه يريد الصيد فوصل إلى الزاب وقال لمن معه إنني عزمت على قصد السلطان محمود وأخاطر بنفسي فسار إليه فوصل وهو بهمذان ودخل إليه فطيب قلبه وأمنه وأحسن إليه
وأما دبيس فإنه كان بالعراق فلما بلغه خبر انهزام الملك مسعود نهب البلاد وأخربها وفعل فيه الأفاعيل القبيحة إلى أن أتاه رسول السلطان محمود وطيب قلبه فلم يلتفت
ذكر حال دبيس وما كان منه
ص 192
لما كان منه ببغداد وسوادها من النهب والقتل والفساد ما لم يجر مثله أرسل إليه الخليفة المسترشد بالله رسالة ينكر عليه ويأمره بالكف فلم يفعل فأرسل إليه السلطان وطيب قلبه وأمره بمنع أصحابه عن الفساد فلم يقبل وسار بنفسه إلى بغداد وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة وأظهر الضغائن التي في نفسه وكيف طيف برأس أبيه وتهدد الخليفة وقال إنك أرسلت تستدعي السلطان فغن أعدتموه وإلا فعلت وصنعت فأعيد جواب رسالته إن عود السلطان وقد سار عن همذان غير ممكن ولكنا نصلح حالك معه وكان الرسول شيخ الشيوخ إسماعيل فكف على أن تسير الرسل في الاتفاق بينه وبين السلطان وعاد عن بغداد في رجب ووصل السلطان في رجب إلى بغداد فأرسل دبيس زوجته ابنة عميد الدولة بن جهير إليه ومعها مال كثير وهدية نفيسة وسأل الصفح عنه فأجيب إلى ذلك على قاعدة امتنع منها ولزم لجاجه ونهب جشيرا للسلطان فسار السلطان عن بغداد في شوال إلى قصد دبيس بالحلة واستصحب ألف سفينة ليعبر فيها فلما علم دبيس مسير السلطان أرسل يطلب الأمان فأمنه وكان قصده أن يغالطه ليتجهز فأرسل نساءه إلى البطيحة وأخذ أمواله وسار عن الحلة بعد أن نهبها إلى أيلغازي ملتجئا إليه
ووصل السلطان إلى الحلة فلم ير أحدا فبات بها ليلة واحدة وعاد وأقام دبيس عند أيلغازي وتردد معه ثم إنه أرسل أخاه منصورا في جيش من قلعة جعبر إلى العراق فنظر الحلة والكوفة وانحدر إلى البصرة وأرسل إلى يرنقش الزكوي يسأله أن يصلح حاله مع السلطان فلم يتم أمره فأرسل إلى أخيه دبيس يعرفه ذلك ويدعوه إلى العراق فسار من قلعة جعبر إلى الحلة سنة خمس عشرة فدخلها وملكها وأرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر ويعد من نفسه الطاعة فلم يجب إلى ذلك وسيرت إليه العساكر فلما قاربوه فارق الحلة ودخل إلى الأزير وهو نهر سنداد ووصل العسكر إليها وهي فارغة قد أجلى أهلها عنها وليس بها إقامة فكانت الميرة تنقل من بغداد وكان مقدم العسكر سعد الدولة يرنقش الزكوي فترك بالحلة خمسمائة فارس وبالكوفة جماعة أخرى تحفظ الطريق على دبيس وأرسل إلى عسكر واسط يحفظ ففعلوا ذلك وعبر عسكر السلطان إلى دبيس فبقي بين الطائفتين نهر يخاض فيه مواضع فتراسل يرنقش ودبيس واتفقا على أن يرسل دبيس أخاه منصورا رهينة ويلازم الطاعة ففعل وعاد العسكر إلى بغداد سنة ست عشرة
ذكر خروج الكرج إلى بلاد الإسلام وملك تفليس
ص 193
في ذهه السنة خرج الكرج وهم الخزر إلى بلاد الإسلام وكانوا قديما يغيرون فامتنعوا أيام السلطان ملكشاه إلى آخر أيام السلطان محمد
فلما كان هذه السنة خرجوا ومعهم قفجاق وغيرهم من الأمم المجاورة فتكاتب الأمراء المجاورون لبلادهم واجتمعوا منهم الأمير أيلغازي ودبيس بن صدقة
وكان عنده الملك طغرل بن محمد وأتابكه كنتغدي
وكان لطغرل بلداران ونقجوان إلى أرس فاجتمعوا وساروا إلى الكرج فلما قاربوا تفليس
وكان المسلمون في عسكر كثير يبلغون ثلاثين ألفا فالتقوا واصطف الطائفتان للقتال فخرج من القفجاق مائتا رجل فظن المسلمون إنهم مستأمنون فلم يحترزوا منهم ودخلوا بينهم ورموا بالنشاب فاضطرب صف المسلمين فظن من بعد أنها هزيمة فانهزموا وتبع بعضهم بعضا منهزمين ولشدة الزحام صدم بعضهم بعضا فقتل منهم عالم عظيم وتبعهم الكفار عشرة فراسخ يقتلون ويأسرون فقتل أكثرهم وأسروا أربعة آلاف رجل ونجا الملك طغرل ودبيس وعاد الكرج فنهبوا بلاد الإسلام وحصروا مدينة تفليس واشتد قتالهم لمن بها وعظم الأمر وتفاقم الخطب على أهلها ودام الحصار إلى سنة خمس عشر فملكوها عنوة وكان أهلها لما أشرفوا على الهلاك قد أرسلوا قاضيها وخطيبها إلى الكرج في طلب الأمان فلم تصغ الكرج إليهما فأحرقوا بهما ودخلوا البلد قهرا وغلبة واستباحوه ونهبوه ووصل المستنفرون منهم إلى بغداد مستصرخين ومستنصرين سنة ست عشرة فبلغهم أن السلطان محمودا بهمذان فقصدوه واستغاثوا به فسار إلى أذربيجان وأقام بمدينة شهر رمضان وأنفذ عسكرا إلى الكرج وسيرد ذكر ما كان منهم إن شاء الله تعالى
ذكر غزوات أيلغازي هذه السنة
ص 193
في هذه السنة أرسل المسترشد بالله خلعا مع سديد الدولة بن الأنباري لنجم الدين أيلغازي وشكره على ما يفعله من غزو الفرنج ويأمره بإبعاد دبيس عنه
وسار أبو علي بن عمار الذي كان صاحب طرابلس مع ابن الأنباري إلى أيلغازي ليقيم عنده يعبر الأوقات بما ينقم به عليه فاعتذر بإبعاد دبيس ووعد به ثم سار إلى الفرنج وكان قد جمع لهم جمعا فالتفوا بموضع اسمه ذات البقل من أعمال حلب فاقتتلوا واشتد القتال وكان الظفر له ثم اجتمع أيلغازي وأتابك طغتكين صاحب دمشق وحصروا الفرنج في معرفة قنسرين يوما وليلة ثم أشار أتابك طغتكين بالإفراج عنهم كيلا يحملهم الخوف على أن يستقتلوا ويخرجوا إلى المسلمين فربما ظفروا وكان أكثر خوفه من دبر خيل التركمان وجودة خيل الفرنج فأفرج لهم أيلغازي فساروا عن مكانهم وتخلصوا وكان أيلغازي لا يطيل المقام في بلد الفرنج لأنه كان يجمع التركمان للطمع فيحضر أحدهم ومعه جراب فيه دقيق وشاة ويعد الساعات لغنيمة يتعجلها ويعود فإذا طال مقامهم تفرقوا ولم يكن له من الأموال ما يفرقها فيهم
ذكر ابتداء أمر محمد بن تومرت وعبد المؤمن وملكهما
ص 194
في هذه السنة كان ابتداء أمر المهدي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسني وقبيلته من المصامدة تعرف بهرغة في جبل السوس من بلاد المغرب نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن نصير ونذكر أمره وأمر عبده المؤمن هذه السنة إلى أن فرغ من ملك المغرب لنتبع بعض الحادثة بعضا وكان ابن تومرت قد رحل في شبيبته إلى بلاد الشرق في طلب العلم وكان قيها فاضلا عالما بالشريعة حافظا للحديث عارفا بأصولي الدين والفقه متحققا بعلم العربية
وكان ورعا ناسكا ووصل في سفره إلى العراق واجتمع بالغزالي والكيا واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالاسكندرية
وقيل أنه جرى له حديث مع الغزالي فيما فعله بالمغرب من التملك فقال له الغزالي إن هذا لا يتمشى في هذه البلاد ولا يمكن وقوعه لأمثالنا كذا قال بعض مؤرخي المغرب والصحيح أنه لم يجتمع به فحج من هناك وعاد إلى المغرب ولما ركب البحر من الإسكندرية مغربا غير المنكر في المركب وألزم من به بإقامة الصلاة وقراءة القرآن حتى انتهى إلى المهدية وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم سنة خمس وخمسمائة فنزل بمسجد قبلي مسجد السبت وليس له سوى ركوة وعصا وتسامع به أهل البلد فقصدوه يقرأون عليه أنواع العلم وكان إذا مر به منكر وأزاله فلما كثر ذلك منه أحضره الأمير يحيى مع جماعة من الفقهاء فلما رأى سمته وسمع كلامه أكرمه واحترمه وسأله الدعاء ورحل عن المدينة وأقام بالمنستير مع جماعة من الصالحين مدة وسار إلى بجاية ففعل فيها مثل ذلك فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة فلقيه بها عبد المؤمن بن علي فرأى فيه من النجابة والنهضة ما تفرس فيه التقدم والقيام بالأمر فسأله عن اسمه وقبيلته فأخبره أنه من قيس عيلان ثم من بني سليم فقال ابن تومرت هذا الذي بشر به النبي حين قال إن الله ينصر هذا الدين في آخر الزمان برجل من قيس فقيل من أي قيس فقال من بنمي سليم فاستبشر بعبد المؤمن وسر بلقائه
وكان مولد عبد المؤمن في مدينة تاجرة من أعمال تلمسان وهو من عائد قبيل من كومرة نزلوا بذلك الإقليم سنة ثمانين ومائة ولم يزل المهدي ملازما للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في طريقه إلى أن وصل إلى مراكش دار مملكة أمير المسلمين يوسف بن علي بن تاشفين فرأى فيها من المنكرات أكثر ما عاينه في طريقه فزاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فكثر أتباعه وحسنت ظنون الناس فيه فبينما هو في بعض الأيام في طريقه إذ رأى أخت أمير المسلمين في موكبها ومعها من الجواري الحسان عدة كثيرة وهن مسفرات وكانت هذه عادة الملثمين يسفر نساؤهم وجوههم ويتلثم الرجال فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهن وأمرهن بستر وجوههن وضرب هو وأصحابه دوابهن فسقطت أخت أمير المسلمين علي بن يوسف فأحضره وأحضر الفقهاء لناظروه فأخذ يعظه ويخوفه فبكى أمير المسلمين وأمر أن يناظره الفقهاء فلم يكن فيهم من يقوم له لقوة أدلته الذي فعله
وكان عند أمير المسلمين بعض وزرائه يقال له مالك بن وهيب فقال يا أمير المسلمين إن هذا والله لا يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يريد إثارة فتنة والغلبة على بعض النواحي فاقتله وقلدني دمه فلم يفعل ذلك
فقال إذ لم تقتله فأحبسه وخلده في السجن وإلا أثار شرا لا يمكنه تلاقيه فأراد حبسه فمنعه رجل من أكابر الملثمين يسمى بيان بن عثمان فأمر بإخراجه من مراكش فسار إلى أغمات ولحق بالجبل فسار فيه حتى التحق بالسوس الذي فيه قبيلة هرغة وغيرهم من المصامدة سنة أربع عشرة فأتوه واجتمعوا حوله وتسامع به أهل تلك النواحي فوفدوا عليه وحضر أعيانهم بين يديه وجعل يعظهم ويذكرهم بأيام الله ويذكر لهم شرائع الإسلام وما غير منها وما حدث من الظلم والفساد وأنه لا يجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل بل الواجب قتالهم ومنعهم عما هم فيه فأقام على ذلك نحو سنة وتابعه هرغة قبيلته وسمى أتباعه الموحدين وأعلمهم أن النبي بشر بالمهدي الذي يملأ الأرض عدلا وأن مكانه الذي يخرج منه المغرب الأقصى فقام إليه عشرة رجال أحدهم عبد المؤمن فقالوا لا يوجد هذا إلا فيك فأنت المهدي فبايعوه على ذلك
فانتهى خبره إلى أمير المسلمين فجهز جيشا من أصحابه وسيرهم إليه فلما قربوا من الجبل الذي هو فيه قال لأصحابه إن هؤلاء يريدونني وأخاف عليكم منهم فالرأي أن أخرج بنفسي إلى غير هذه البلاد لتسلموا أنتم فقال له ابن توفيان من مشايخ هرغة هل تخاف شيئا من السماء فقال لا بل من السماء تنصرون فقال ابن توفيان فيأتينا كل من في الأرض ووافقه جميع قبيلته فقال المهدي أبشروا بالنصر والظفر بهذه الشرذمة وبعد قليل تستأصلون دولتهم وترثون أرضهم
فنزلوا من الجبل ولقوا جيش أمير المسلمين فهزمهم وأخذوا أسلابهم وقوي ظنهم في صدق المهدي حيث ظفروا كما ذكر لهم
وأقبلت إليه أفواج من الحلل التي حوله شرقا وغربا وبايعوه
وأطاعه قبيلة هنتانة وهي من أقوى القبائل فأقبل عليهم واطمأن إليهم
وأتاه رسل أهل تينملل بطاعتهم وطلبوه إليهم فتوجه إلى جبل تينملل واستوطنه وألف لهم كتابا في التوحيد وكتابا في العقيدة ونهج لهم طريق الأدب بعضهم مع بعض والاقتصار على القصير من الثياب القليل الثمن
وهو يحرضهم على قتال عدوهم وإخراج الأشرار من بين أظهوهم
وأقام بتينملل وبنى له مسجدا خارج المدينة فكان يصلي فيه الصلوات هو وجمع ممن معه عنده ويدخل البلد بعد العشاء الآخرة فلما رأى كثرة أهل الجبل وحصانة المدينة خاف أن يرجعوا عنه فأمرهم أن يحضروا بغير سلاح ففعلوا ذلك عدة أيام ثم إنه أمر أصحابه أن يقتلوهم فخرجوا عليهم وهم غارون فقتلوهم في ذلك المسجد
ثم دخل المدينة فقتل فيها وأكثر وسبى الحريم ونهب الأموال فكان عدة القتلى خمسة عشر ألفا وقسم المساكن والأرض بين أصحابه وبنى على المدينة سورا وقلعة على رأس جبل عال
وفي جبل تينملل أنهار جارية وأشجار وزروع والطريق إليه صعب فلا جبل أحصن منه
وقيل إنه لما خاف أهل تينملل نظر فرأى كثيرا من أولادهم شقرا زرقا والذي يغلب على الآباء السمرة وكان لأمير المسلمين عدة كثيرة من المماليك الفرنج والروم يغلب على ألوانهم الشقرة وكانوا يصعدون الجبل في كل عام مرة ويأخذون ما لهم فيه من الأموال المقررة لهم من جهة السلطان فكانوا يسكنون بيوت أهله ويخرجون أصحابها منها فلما رأى المهدي أولادهم سألهم ما لي أراكم سمر الألوان وأرى أولادكم شقرا زرقا فأخبروه خبرهم مع مماليك أمير المسلمين فقبح الصبر على هذا وأزرى عليهم وعظم الأمر عندهم فقالوا له فكيف الحيلة في الخلاص منهم وليس لنا بهم قوة فقال إذا حضروا عندكم في الوقت المعتاد وتفرقوا في مساكنكم فلقم كل رجل منكم إلى نزيله فليقتله واحفظوا جبلكم فإنه لا يرام ولا يقدر عليه فصبروا حتى حضر أولئك العبيد فقتلوهم على ما قرر لهم المهدي فلما فعلوا ذلك خافوا على نفوسهم من أمير المسلمين فامتنعوا في الجبل وسدوا ما فيه من طريق يسلك إليهم فقويت نفس المهدي بذلك
ثم إن أمير المسلمين أسل إليهم جيشا قويا فحصروهم في الجبل وضيقوا عليهم ومنعوا عنهم الميرة فقتلت عند أصحاب المهدي الأقوات حتى صار الخبز معدوما عندهم وكان يطبخ لهم كل يوم من الحساء ما يكفيهم فكان قوت كل واحد منهم أن يغمس يده في ذلك الحساء ويخرجها فلما علق عليها قنع به ذلك اليوم فاجتمع أعيان أهل تينملل وأرادوا إصلاح الحال مع أمير المسلمين فبلغ الخبر بذلك المهدي بن تومرت وكان معه إنسان يقال له عبد الله الونشريشي يظهر البله وعدم المعرفة بشيء من القرآن والعلم وبزاقه يجري على صدره وهو كأنه معتوه ومع هذا فالمهدي يقربه ويكرمه ويقول إن لله سرا في هذا الرجل سوف يظهر
وكان الونشريشي يلزم الاشتغال بالقرآن والعلم يف السر بحيث لا يعلم أحد ذلك منه
فلما كان سنة تسع عشرة وخاف المهدي من أهل الجبل خرج يوما لصلاة الصبح فرأى إلى جانب محرابه إنسانا حسن الثياب طيب الريح فأظهر أنه لا يعرفه وقال من هذا فقال أنا أبو عبد الله الونشريشي
فقال به المهدي إن أمرك لعجب ثم صلى فلما فرغ من صلاته نادى في الناس فحضروا فقال إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريشي فانظروه وحققوا أمره فلما أضاء النهار عرفوه
فقال له المهدي ما قصتك قال إنني أتاني الليلة ملك من السماء فغسل قلبي وعلمني القرآن والموطأ وغيره من العلوم والأحاديث
فبكى المهدي بحضرة الناس ثم قال له نحن نمتحنك فقال افعل
وابتدأ يقرأ القرآن قراءة حسنة من أي موضع سئل وكذلك الموطأ وغيره من كتب الفقه والأصول فعجب الناس من ذلك واستعظموه ثم قال لهم إن الله تعالى قد أعطاني نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار وآمركم أن تقتلوا أهل النار وتتركوا أهل الجنة وقد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر التي في المكان الفلاني يشهدون بصدقي
فسار المهدي والناس معه وهم يبكون إلى تلك البئر وصلى المهدي عند رأسها وقال يا ملائكة الله إن أبا عبد الله الونشريشي قد زعم كيت وكيت فقال من بها صدق وكان قد وضع فيها رجالا يشهدون بذلك فلما قيل ذلك من البئر قال المهدي إن هذه مطهرة مقدسة قد نزل إليها الملائكة والمصلحة أن تطم لئلا يقع فيها نجاسة أو ما لا يجوز فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمها ثم نادى في أهل الجبل بالحضور إلى ذلك المكان فحضروا للتمييز فكان الونشريشي يعمد إلى الرجل الذي يخاف ناحيته فيقول هذا من أهل النار فيلقى من الجبل مقتولا وإلى الشاب الغر ومن لا يخشى فيقول هذا من أهل الجنة فيترك على يمينه فكان عدة القتلى سبعين ألفا فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه وأصحابه واستقام أمره
هكذا سمعت جماعة من فضلاء المغاربة يذكرون في التمييز وسمعت منهم من يقول إن ابن تومرت لما رأى كثرة أهل الشر والفساد في أهل الجبل أحضر شيوخ القبائل وقال لهم إنكم لا يصح لكم دين ولا يقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخراج المفسد من بينكم فابحثوا عن كل من عندكم من أهل الشر والفساد فانهوهم عن ذلك فإن انتهوا وإلا فاكتبوا أسماءهم وارفعوها إلي لأنظر في أمرهم
ففعلوا ذلك وكتبوا له أسماءهم من كل قبيلة ثم أمرهم بذلك مرة ثانية وثالثة ثم جمع المكتوبات فأخذ منها ما تكرر من الأسماء فأثبتها عنده ثم جمع الناس قاطبة ورفع الأسماء التي كتبها ودفعها إلى الونشريشي المعروف بالبشير وأمره أن يعرض القبائل ويجعل أولئك المفسدين في جهة الشمال ومن عداهم من جهة اليمين ففعل ذلك
وأمر أن يكتف من على شمال الونشريشي فكتفوا وقال إن هؤلاء أشقياء وقد وجب قتلهم
وأمر كل قبيلة أن يقتلوا أشقاءهم فقتلوا عن آخرهم فكان يوم التمييز
ولما فرغ ابن تومرت من التمييز رأى أصحابه الباقين على نيات صادقة وقلوب متفقة على طاعته فجهز منهم جيشا وسيرهم إلى جبال أغمات وبها جمع من المرابطين فقاتلوهم فانهزم أصحاب ابن تومرت وكان أميرهم أبو عبد الله الونشريشي وقتل منهم كثير وجرح عمر الهنتاني وهو أكبر أصحابه وسكن حسن حسه ونبضه
فقالوا مات فقال الونشريشي أما إنه لم يمت ولا يموت حتى يملك البلاد فبعد ساعة فتح عينيه وعادت قوته إليه فافتتنوا به وعادوا منهزمين إلى ابن تومرت فوعظهم وشكرهم على صبرهم
ثم لم يزل بعدها يرسل السرايا في أطراف بلاد المسلمين فإذا رأوا عسكرا تعلقوا بالجبل فأمنوا
وكان المهدي قد رتب أصحابه مراتب فالأولى يسمون أيت عشرة يعني أهل عشرة وأولهم عبد المؤمن ثم أبو حفص الهنتاني وغيرهما وهم أشرف أصحابه وأهل الثقة عنده والسابقون إلى متابعته
والثانية أيت خمسين يعني أهل خمسين وهم دون تلك الطبقة وهم جماعة من رؤساء القبائل
والثالثة أيت سبعين يعني أهل سبعين وهم دون التي قبلها
وسمى عامة أصحابه والداخلين في طاعته موحدين
فإذا ذكر الموحدون في أخبارهم فإنما يعني أصحابه وأصحاب عبد المؤمن بعده ولم يزل أمر ابن تومرت يعلو إلى سنة أربع وعشرين فجهز المهدي جيشا كثيفا يبلغون أربعين ألفا فأكثرهم رجالة وجعل عليهم الونشريشي وسير معهم عبد المؤمن فنزلوا وساروا إلى مراكش فحصروها وضيقوا عليها وبها أمير المسلمين علي بن يوسف فبقي الحصار عليها عشرين يوما
فأرسل أمير المسلمين إلى متولي سجلماسة يأمره أن يحضر معه الجيوش
فجمع جيشا كثيرا وسار فلما قارب عسكر المهدي خرج أهل مراكش من غير الجهة التي أقبل منها فاقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل وأصحاب المهدي فقتل الونشريشي أميرهم فاجتمعوا إلى عبد المؤمن وجعلوه أميرا عليهم
ولم يزل القتال بينهم عامة النهار وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف الظهر والعصر والحرب قائمة ولم تصل بالمغرب قبل ذلك فلما رأى المصامدة كثيرة المرابطين وقوتهم أسندوا ظهورهم إلى بستان يسمى عندهم البحيرة فلهذا قيل وقعة البحيرة وعام البحيرة وصاروا يقاتلون من جهة واحدة إلى أن أدركهم الليل وقد قتل من المصامدة أكثرهم
وحين قتل الونشريشي دفنه عبد المؤمن فطلبه المصامدة فم يروه في القتلى فقالوا رفعته الملائكة ولما جنهم الليل سار عبد المؤمن ومن سلم من القتلى إلى الجبل
ذكر وفاة المهدي وولاية عبد المؤمن
ص 200
لما سير الجيش إلى حصار مراكش مرض مرضا شديدا فلما بلغه خبر الهزيمة اشتد مرضه وسأل عن عبد المؤمن فقيل هو سالم
فقال ما مات أحدا لأمر قائم وهو الذي يفتح البلاد
ووصى أصحابه باتباعه وتقديمه وتسليم الأمر إليه والانقياد له ولقبه أمير المؤمنين ثم مات المهدي وكان عمره إحدى وخمسين سنة وقيل خمسا وخمسين سنة ومدة ولايته عشرين سنة وعاد عبد المؤمن إلى تينملل وأقام بها يتألف القلوب ويحسن إلى الناس
وكان جوادا مقداما في الحروب ثابتا في الهزاهز إلى أن دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فتجهز وسار في جيش كثير وجعل يمشي مع الجبل إلى أن وصل إلى تادلة فمانعه وقاتلوه فقهرهم وفتحها وسائر البلاد التي تليها
ومشى في الجبال يفتح ما امتنع عليه وأطاعه صنهاجة الجبل
وكان أمير المسلمين قد جعل ولي عهده ابنه سير فمات فأحضر أمير المسلمين تاشفين من الأندلس وكان أميرا عليها فلما حضر عنده جعله ولي عهده سنة إحدى وثلاثين وجعل معه جيشا وصار يمشي في الصحراء قبالة عبد المؤمن في الجبال
وفي سنة اثنتين وثلاثين كان عبد المؤمن في النواظر وهو جبل عال مشرف
وتاشفين في الوطأة ويخرج من الطائفتين قوم يتراءون ويتطاردون ولم يكن بينهما لقاء ويسمى عام النواظر
وفي سنة ثلاث وثلاثين توجه عبد المؤمن مع الجبل في الشعراء حتى انتهى إلى جبل كرناطة فنزل في أرض صلبة بين شجر ونزل تاشفين قبالته في الوطأة في أرض لا نبات فيها وكان الفصل شاتيا فتوالت الأمطار أياما كثيرة لا يقلع فصارت الأرض التي فيها تاشفين وأصحابه كثيرة الوحل تسوخ فيها قوائم الخيل إلى صدورها ويعجز الرجل عن المشي فيها وتقطعت الطرق عنها فأوقدوا رماحهم وقرابيس سروجهم وهلكوا جوعا وبردا وسوء حال
وكان عبد المؤمن وأصحابه في أرض خشنة صلبة في الجبل لا يبالون بشيء والميرة متصلة إليهم وفي ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشا إلى وجرة من أعمال تلمسان ومقدمهم أبو عبد الله محمد بن رقو وهو من أيت خمسين
فبلغ خبرهم إلى محمد بن يحيى بن فانو متولي تلمسان فخرج في جيش من الملثمين فالتقوا بموضع يعرف بخندق الخمر فهزمهم جيش عبد المؤمن وقتل محمد بن يحيى وكثير من أصحابه وغنموا ما معهم ورجعوا
فتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى غمارة فأطاعوا قبيلة بعد قبيلة وأقام عندهم مدة وما برح يمشي في الجبال وتاشفين يحاذيه في الصحارى فلم يزل عبد المؤمن كذلك إلى سنة خمس وثلاثين
فتوفي أمير المسلمين علي بن يوسف بمراكش وملك بعده ابنه تاشفين فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد إلا أنه لم ينزل الصحراء
وفي سنة ثمان وثلاثين توجه عبد المؤمن إلى تلمسان فنازلها وضرب خيامه في جبل بأعلاها ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد وكان بينهم مناوشة فبقوا كذلك إلى سنة تسع وثلاثين فرحل عبد المؤمن عنها إلى جبل تاجرة ووجه جيشا مع عمر الهنتاني إلى مدينة وهران فهاجمها بغتة وحصل هو وجيشه فيها
فسمع بذلك تاشفين فسار إليها فخرج منها عمر ونزل تاشفين بظاهر وهران على البحر ف شهر رمضان سنة تسع وثلاثين فجاءت ليلة سبع وعشرين منه وهي ليلة يعظمها أهل المغرب وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر وبأعلاها ثنية يجتمع فيها المتعبدون وهو موضع معظم عندهم فسار إليه تاشفين في نفر يسير من أصحابه متخفيا لم يعلم به إلا النفر الذين معه وقصد التبرك بحضور ذلك الموضع مع أولئك الجماعة الصالحين فبلغ الخبر إلى عمر بن يحيى الهنتاني فسار لوقته بجميع عسكره إلى ذلك المتعبد وأحاطوا به وملكوا الربوة فلما خاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه ركب فرسه وحمل عليه إلى جهة البحر فسقط من جرف عال على الحجارة ورفعت جثته على خشبة وقتل كل من كان معه
وقيل إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية وله فيه بستان كبير فيه كل الثمار فاتفق أن عمر الهنتاني مقدم عسكر عبد المؤمن سير سرية إلى ذلك الحصن يعلمهم بضعف من فيه ولم يعلموا أن تاشفين فيه فألقوا النار في بابه فاحترق فأراد تاشفين الهرب فركب فرسه فوثب الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور فسقط في النار فأخذ تاشفين فاعترف فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن فمات في الحال لأن رقبته كانت قد اندقت فصلب وقتل كل من معه وتفرق عسكره ولم يعد لهم جماعة وملك بعد أخوه إسحاق بن علي بن يوسف
ولما قتل تاشفين أرسل عمر إلى عبد المؤمن بالخبر فجاء من تاجرة في يومه بجميع عسكره وتفرق عسكر أمير المسلمين واحتمى بعضهم بمدينة وهران
فلما وصل عبد المؤمن دخلها بالسيف وقتل فيها ما لا يحصى ثم سار إلى تلمسان وهما مدينتان شوط فرس أحدهما تاجررت فيها وبها عسكر المسلمين والآخر أقادير وهي بناء قديم فامتنعت أقادير وغلقت أبوابها وتأهب أهلها للقتال
وأما تاجررت فكان فيها يحيى بن الصحراوية فهرب منها بعسكره إلى مدينة فاس
وجاء عبد المؤمن إليها فدخلها لما فر منها العسكر ولقيه أهلها بالخضوع والاستكانة فلم يقبل منهم ذلك وقتل أكثرهم ودخلها عسكره ورتب أمرها ورحل عنها وجعل على أقادير جيشا يحصرها وسار إلى مدينة فاس سنة أربعين فنزل على جبل مطل عليها وحصرها تسعة أشهر وفيها يحيى بن الصحراوية وعسكره الذي فروا من تلمسان فلما طال مقام عبد المؤمن عمد إلى نهر يدخل البلد فسكره بالأخشاب والتراب وغير ذلك فمنعه من دخول البلد وصار بحيرة تسير فيها السفن ثم هدم السكر فجاء الماء دفعة واحدة فخرب سور البلد وكل ما يجاور النهر من البلد أراد عبد المؤمن أن يدخل البلد فقاتله أهله خارج السور فتعذر عليه ما قدره من دخوله
وكان بفاس عبد الله بن خيار الجياني عاملا عليها وعلى جميع أعمالها فاتفق هو وجماعة من أعيان البلد وكاتبوا عبد المؤمن في طلب الأمان لأهل فاس فأجابهم إليه فتحوا له بابا من أبوابها فدخله عسكره وهرب يحيى بن الصحراوية وكان فتحها آخر سنة أربعين وخمسمائة وسار إلى طنجة ورتب عبد المؤمن أمر مدينة فاس وأمر فنودي في أهلها من ترك عنده سلاحا وعدة قتال حل دمه فحمل كل من في البلد ما عندهم من سلاح إليه فأخذه منهم ثم رجع إلى مكناسة فعل بأهلها مثل ذلك وقتل من بها من الفرسان والأجناد
وأما العسكر الذي كان على تلمسان فأنهم قاتلوا أهلها ونصبوا المجانيق وأبراج الخشب بالدبابات
وكان المقدم على أهلها الفقيه عثمان فدام الحصار نحو سنة فلما اشتد الأمر على أهل البلد اجتمع جماعة منهم وراسلوا الموحدين أصحاب عبد المؤمن بغير علم الفقيه وعثمان وأدخلوهم البلد فلم يشعر أهله إلا وسيف يأخذهم فقتل أكثر أهله وسبيت الذرية والحريم ونهب من الأموال ما لا يحصى ومن الجواهر ما لا تحد قيمته ومن لم يقتل بيع بأوكس الأثمان
وكان عدة القتلى مائة ألف قتيل
وقيل إن عبد المؤمن هو الذي حصر تلمسان وسار منها إلى فاس واله أعلم وسير عبد المؤمن من فاس إلى مدينة سلا ففتحها وحضر عنده جماعة من أعيان سبتة فدخلوا في طاعته فأجابهم إلى بذل الأمان وكان ذلك سنة إحدى وأربعين
ذكر ملك المؤمن مدينة مراكش
ص 203
لما فرغ عبد المؤمن من فاس وتلك النواحي سار إلى مراكش وهي كرسي مملكة الملثمين وهي من أكبر المدن وأعظمها وكان صاحبها حينئذ إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين وهو صبي فنازلها
وكان نزوله عليها سنة إحدى وأربعين فضرب خيامه في غربيها على جبل صغير وبنى عليه مدينة له ولعسكره وبنى بها جامعا وبنى له بناء عاليا يشرف منه على المدينة ويرى أحوال أهلها وأحوال المقاتلين من أصحابه وقاتلها قتالا كثيرا وأقام عليها أحد عشر شهرا فكان من بها من المرابطين يخرجون يقاتلونهم بظاهر البلد واشتد الجوع على أهله وتعذرت الأقوات عندهم ثم زحف إليهم يوما وجعل لهم كمينا وقال لهم إذا سمعتم صوت الطبل فأخرجوا وجلس هو بأعلى المنظرة التي بناها بشاهد القتال وتقدم عسكره وقاتلوا وصبروا ثم إنهم انهزموا لأهل مراكش ليتبعوهم إلى الكمين الذين لهم فتبعهم الملثمون إلى أن وصلوا إلى مدينة عبد المؤمن فهدموا أكثر سورها وصاحت المصامدة بعبد المؤمن ليأمر بضرب الطبل ليخرج الكمين فقال لهم اصبروا حتى يخرج كل طامع في البلد
فلما خرج أكثر أهله أمر بالطبل فضرب وخرج الكمين عليهم ورجع المصامدة المنهزمون إلى الملثمين فقتلوهم كيف شاؤوا وعادت الهزيمة على الملثمين فمات في زحمة الأبواب ما لا يحصيه إلى الله سبحانه وكان شيوخ الملثمين يدبرون دولة إسحاق بن علي بن يوسف لصغر سنه فاتفق أن إنسانا من جملتهم يقال له عبد الله بن أبي بكر خرج إلى عبد المؤمن مستأمنا وأطلعه على عوراتهم وضعفهم فقوي الطمع فيهم واشتد عليهم البلاء ونصب عليهم المنجنيقات والأبراج وفنيت أقواتهم وأكلوا دوابهم
ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف إنسان فأنتن البلد من ريح الموتى وكان بمراكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم فجاؤوا إليهم نجدة فلما طال عليهم الأمر راسلوا عبد المؤمن يسألون الأمان فأجابهم إليه ففتحوا له بابا من أبواب البلد يقال له أغمات فدخلت عساكره وملكوا المدينة عنوة وقتلوا من وجدوا ووصلوا إلى دار أمير المسلمين فأخرجوا الأمير إسحاق وجميع من معه من أمراء المرابطين فقتلوا وجعل إسحاق يرتعد رغبة في البقاء ويدعو لعبد المؤمن ويبكي فقام إليه الأمير سير بن الحاج وكان إلى جانبه مكتوفا فبزق في وجهه وقال تبكي على أبيك وأمك اصبر صبر الرجال فهذا رجل لا يخاف ولا يدين بدين فقام الموحدون إليه بالخشب فضربوه حتى قتلوه وكان من الشجعان المعروفين بالشجاعة
وقدم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين وهو آخر ملوك المرابطين وبه انقرضت دولتهم وكانت مدة ملكهم سبعين سنة وولي منهم أربعة يوسف وعلي وتاشفين وإسحاق ولما فتح عبد المؤمن مراكش أقام بها واستوطنها واستقر ملكه ولما قتل عبد المؤمن من أهل مراكش فأكثر فيهم القتل اختفى كثير من أهلها
فلما كان بعد سبعة أيام أمر فنودي بأمان من بقي من أهلها فخرجوا فأراد أصحابه المصامدة قتلهم وقال هؤلاء صناع وأهل الأسواق من ننتفع به فتركوا وأمر بإخراج القتلى من البلد فأخرجوهم وبنى بالقصر جامعا كبيرا وزخرفه فأحسن عمله وأمر بهدم الجامع الذي بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين
ولقد أساء يوسف بن تاشفين في فعله بالمعتمد بن عباد وارتكب بسجنه على الحالة المذكورة أقبح مركب فلا جرم سلط الله عليه في عقابه من أربى في الأخذ عليه وزاد فتبارك الحي الدائم الملك الذي لا يزول ملكه وهذه سنة الدنيا فأف لها ثم أف نسأل الله أن يختم أعمالنا بالحسنى ويجعل خير أيامنا يوم نلقاه بمحمد وآله
ذكر ظفر عبد المؤمن بدكالة
ص 204
في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة سار بعض المرابطين من الملثمين إلى دكالة فاجتمع إليه قبائلها وصاروا يغيرون على أعمال مراكش وعبد المؤمن لا يلتفت إليهم فلما كثر ذلك منهم سار إليهم سنة أربع وأربعين فلما سمعت دكالة بذلك انحشروا كلهم إلى ساحل البحر في مائتي ألف راجل وعشرين ألف فارس وكانوا موصوفين بالشجاعة وكان مع عبد المؤمن من الجيوش ما يخرج عن الحصر وكان الموضع الذي فيه دكالة كثير الحجر والحزونة فكمنوا فيه كمناء ليخرجوا على عبد المؤمن إذا سلكه فمن الاتفاق الحسن له أنه قصدهم من غير الجهة التي فيها الكمناء فانحل عليهم ما قدروه وفارقوا ذلك الموضع فأخذهم السيف فدخلوا البحر فقتل أكثرهم وغنمت إبلهم وأغنامهم وأموالهم وسبي نساؤهم وذراريهم فبيعت الجارية الحسناء بدراهم بصيرة
وعاد عبد المؤمن إلى مراكش مظفرا منصورا وثبت ملكه وخافه الناس في جميع المغرب وأذعنوا له بالطاعة
ذكر حصر مدينة كتندة
ص 205
في هذه السنة يعني سنة أربع عشرة وخمسمائة خرج ملك من ملوك الفرنج بالأندلس يقال له ابن ردمير فسار حتى انتهى إلى كتندة وهي بالقرب من مرسية في شرق الأندلس فحصرها وضيق على أهلها
وكان أمير المسلمين علي بن يوسف حينئذ بقرطبة ومعه جيش كثير من المسلمين والأجناد المتطوعة فسيرهم إلى ابن ردمير فالتقوا واقتتلوا أشد القتال وهزمهم ابن ردمير هزيمة منكرة وكثر القتل في المسلمين وكان فيمن قتل أبو عبد الله بن الفراء قاضي المرية وكان من العلماء العاملين والزهاد في الدنيا العادلين في القضاء
ذكر عدة حوادث
ص 205
في هذه السنة كسر بلك بن أرتق عفراس الرومي وقتل من الروم خمسة آلاف رجل على قلعة سرمان من بلد يدكان وأسر عفراس وكثير من عسكر
وفيها أغار جوسلين الفرنجي صاحب الرها على جيوش العرب والتركمان وكانوا نازلين بصفين غربي الفرات وغنم من أموالهم وخيلهم ومواشيهم شيئا كثيرا ولما عاد خرب بزاعة
وفيها تسلم أتابك طغتكين صاحب دمشق مدينة تدمير والشقيف
وفيها أمر السلطان محمود الأمير جيوش بك بالمسير إلى حرب أخيه طغرل فسار إليه فسمع طغرل وأتابكه كنتغدي ذلك فسار إلى كنجة من بين يدي العسكر ولم يجر قتال
وفيها في المحرم توفي خالصة الدولة أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب بن السبي صاحب المخزن ببغداد وولي مكانه الكمال أبو الفتوح حمزة بن طلحة المعروف بابن البقشلام والد علم الدين الكاتب المعروف
وفي جمادى الأولى منها توفي أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الإمام وكان أخذ العلم من قرابته والطريقة أيضا ثم استفاد أيضا من إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وسمع الحديث من جماعة ورواه وكان حسين الوعظ سريع الخاطر ولما توفي جلس الناس في البلاد البعيدة للعزاء به حتى في بغداد برباط شيخ الشيوخ
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.