الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
24

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة

الجزء التاسع 9 عنصر صفحة 180
ذكر عصيان الملك طغرل على أخيه السلطان محمود ص 180

كان الملك طغرل بن محمد لما توفي والده بقلعة سرجهان وكان مولده سنة ثلاث وخمسمائة في المحرم وأقطعه والده سنة أربع ساوة وآوة وزنجان وجعل أتابكه الأمير شيركير الذي تقدم ذكره في حصار قلاع الإسماعيلية فازداد ملك طغرل بما فتحه شيركير من قلاعهم فأرسل إليه السلطان محمود الأمير كنتغدي ليكون أتابكا له ومديرا لأمره ويحمله إليه فلما وصل إليه حسن له مخالفة أخيه وترك المجيء إليه واتفقا على ذلك وسمع السلطان محمود الخبر فأرسل شرف الدين أنوشروان ابن خالد ومعه خلع وتحف وثلاثون ألف دينار ووعد أخاه بإقطاع كثير زيادة على ماله إذا قصده واجتمع به فلم تقع الإجابة إلى الاجتماع وأجاب كنتغدي بأننا في طاعة السلطان وأي جهة أراد قصدناها ومعنا من العساكر ما تقاوم بها من يرسم بقصده فبينما الخوض معهم في ذلك ركب السلطان محمود من باب همذان في عشرة آلاف فارس جريدة في جمادى الأولى وكتم مقصده وعزم على أن يكبس أخاه والأمير كنتغدي فرأى أحد خواصه تركيا من أصحاب الملك طغرل فأعلم السلطان به فقبض عليه فعلم رقيق كان معه الحال فسار عشرين فرسخا في ليلة ووصل إلى الأمير كنتغدي وهو سكران فأيقظه بعد جهد وأعلمه الحال فقصد الملك طغرل فعرفه ذلك وأخذه متخفيا وقصد قلعة سميران فضلا عن الطريق إلى قلعة سرجهان وكانا قد فارقاها وجمعا العساكر وكان ضلالهما هداية لهما إلى السلامة فإن السلطان محمودا جعل طريقه على سميران وقال إنها حصنهما الذي فيه الذخائر والأموال وإذا علما بوصوله إليها سار إليها فربما صادفهما في الطريق فسلما منه بما ظناه عطبا لهما ووصل السلطان إلى العسكر فكبسه ونهبه وأخذ من خزانة أخيه ثلاثمائة ألف دينار وذلك المال الذي أنقذه له وأقام السلطان محمود بزنجان وتوجه منها إلى الري ونزل طغرل من سرجهان ولحق هو وكنتغدي بكنجة وقصده أصحابه فقويت شوكته وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه محمود

ذكر الحرب بين سنجر والسلطان محمود ص 181

في هذه السنة في جمادى الأولى كانت حرب شديدة بين سنجر وابن أخيه السلطان محمود ونحن نذكر سياقة ذلك

قد ذكرنا سنة ثمان وخمسمائة مسير السلطان سنجر إلى غزنة وفتحها وما كان منه فيها ثم عاد عنها إلى خراسان فلما بلغه وفاة أخيه السلطان محمد وجلوس ولده السلطان محمود في السلطنة وهو زوج ابنة سنجر لحقه حزن عظيم لموت أخيه وأظهر من الجزع والحزن ما لم يسمع بمثله وجلس للعزاء على الرماد وأغلق البلد سبعة أيام وتقدم إلى الخطباء بذكر السلطان محمد بمحاسن أعماله من قتال الباطنية وإطلاق المكوس وغير ذلك وكان سنجر يلقب بناصر الدين فلما توفي أخوه محمد تلقب بمعز الدين وهو لقب أبيه ملكشاه وعزم على قصد بلد الجبل والعراق وما بيد محمود ابن أخيه فندم على قتل وزيره أبي جعفر بن فخر الملك أبي المظفر بن نظام الملك وكان سبب قتله أنه وحش الأمراء واستخف بهم فأبغضوه وكرهوه وشكوا منه إلى السلطان وهو بغزنة فأعلمهم أنه يؤثر قتله وليس يمكنه فعل ذلك بغزنة وكان سنجر قد تغير على وزيره لأسباب منها أنه أشار عليه بقصد فلما وصل إلى بست أرسل أرسلانشاه صاحبها إلى الوزير وضمن له خمسمائة ألف دينار ليثني سنجر عن قصده فأشار عليه بمصالحته والعود عنه وفعل مثل ذلك بما وراء النهر ومنها أنه نقل عنه أنه أخذ من غزنة أموالا جليلة عظيمة المقدار ومنها ما ذكر من إيحاشه الأمراء وغير هذه الأسباب

فلما عاد إلى بلخ قبض عليه وقتله وأخذ ماله وكان له من الجواهر والأموال ما لا حد عليه والذي وجد له من العين ألفا ألف دينار فلما قتله استوزر بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق ابن أخي نظام الملك ويعرف بابن الفقيه إلا أنه لم تكن له منزلة ابن فخر الملك عند الناس في علو المنزلة فلما اتصل به وفاة أخيه ندم على قتله لأنه كان يبلغ به من الأغراض والملك ما لا يبلغه بكثرة العساكر لميل الناس إليه ومحله عندهم

ثم إن السلطان محمود أرسل إلى عمه سنجر شرف الدين أنو شروان بن خالد وفخر الدين طغايرك بن اليزن ومعهما الهدايا والتحف وبذل له النزول عن مازندران وحمل مائتي ألف دينار كل سنة فوصلا إليه وأبلغاه الرسالة فتجهز ليسير إلى الري فأشار عليه شرف الدين أنو شروان يترك القتال والحرب فكان جوابه في ذلك أن ولد أخي صبي وقد تحكم وزيره والحاجب علي

فلما سمع السلطان محمود بمسير عمه نحو ووصول الأمير أنر في مقدمته إلى جرجان تقدم إلى الأمير علي بن عمر وهو أمير حاجب السلطان محمد وبعده صار أمير حاجب السلطان محمود بالمسير وضمن له جمعا كثيرا من العساكر والأمراء فاجتمعوا في عشرة آلاف فارس فساروا إلى أن قاربوا مقدمة سنجر التي عليها الأمير علي بن عمر يعرفه وصية السلطان محمد بتعظيم سنجر والرجوع إلى أمره ونهيه والقبول منه وأنه ظن أن سنجر يحفظ السلطنة على ولده السلطان محمود وأخذ عليها بذلك العهود فليس لنا أن نخالفه وحيث جئتم إلى بلادنا لا نحتمل ذلك ولا نقضي عليه وقد علمت أن معك خمسة آلاف فارس فأنا أرسل إليك أقل منهم لتعلم أنكم لا تقاومونا ولا تقومون بنا

فلما سمع الأمير أنر ذلك عاد عن جرجان ولحقه بعض عسكر السلطان محمود فأخذوا قطعة من سواده وأسروا عدة من أصحابه وكان السلطان محمود قد وصل إلى الري وهو بها

وعاد الأمير علي بن عمر إليه فشكره على فعله وأثنى عليه وعلى عسكره الذين وأشير على السلطان محمود بملازمة الري والمقام بها

وقيل إن عساكر خراسان إذا عملوا بمقامك فيها لا يفارقون حدودهم ولا يتعدون ولايتهم فلم يقبل ذلك وضجر من المقام وسار إلى جرجان ووصل السلطان محمود الأمير منكبرس من العراق في عشرة آلاف فارس والأمير منصور بن صدقة أخو دبيس والأمراء البكجية وغيرهم وسار محمود إلى همذان وتوفي بها وزيره الربيب واستوزر أبا طالب السميري وبلغه وصول عمه سنجر إلى الري فسار نحوه قاصدا قتاله فالتقيا بالقرب من ساوة ثاني جمادى الأولى من السنة وكان عسكر السلطان محمود قد عرفوا المفازة التي بين يدي عسكر سنجر وهي ثمانية أيام فسبقوهم إلى الماء وملكوه عليهم

وكان العسكر الخارساني في عشرين ألفا ومعهم ثمانية عشر فيلا اسم كبيرها باذهو ومن الأمراء الكبار ولد الأمير أ [ ي الفضل صاحب سجستان وخرازمشاه محمد والأمير أنز والأمير فماج واتصل به علاء الدولة كرشاسف بن كاكويه صاحب يزد وهو صهر السلطان محمد وسنجر على أختهما وكان أخص الناس بالسلطان محمد فلما توفي السلطان محمود تأخر عنه فأقطع بلده لقراجة الساقي الذي صار صاحب بلاد فارس فسار حينئذ علاء الدولة إلى سنجر وهو من ملوك الديلم وعرف سنجر الأحوال والطريق إلى قصد البلاد وما فعله الأمراء من أخذ الأموال وما هم عليه من اختلاف الأهواء وحسن قصد البلاد وكان عسكر السلطان محمود ثلاثين ألفا ومن الأمراء الكبار الأمير علي بن عمر أمير حاجب والأمير منكبرس وأتابكه غزغلي وبنو برسق وسنقر البخاري وقراجة الساقي ومعه تسعمائة حمل من السلاح واستهان عسكر محمود بعسكر عمه بكثرتهم وشجاعتهم وكثرة خيلهم فلما التقوا ضعف نفوس الخراسانية لما رأوا لهذا العسكر من القوة والكثرة فانهزمت ميمنة سنجر وميسرته واختلط أصحابه واضطرب أمرهم وساروا منهزمين لا يلوون على شيء ونهب من أثقالهم شيء كثير وقتل أهل السواد كثيرا منهم ووقف سنجر بين الفيلة في جمع من أصحابه وبإزائه السلطان محمود ومعه أتابكه غزغلي فالجأت سنجر الضرورة عند تعاظم الخطب عليه أن يقدم الفيلة للحرب وكان من بقي معه قد أشاروا عليه بالهزيمة فقال إما النصر أو القتل وأما الهزيمة فلا

فلما تقدمت الفيلة ورآها خيل محمود تراجعت بأصحابها على أعقابها فأشفق سنجر على السلطان محمود في تلك الحال وقال لأصحابه لا تفزعوا الصبي بحملات الفيلة فكفوها عنهم وانهزم السلطان محمود ومن معه في القلب وأسر أتابكة غزغلي فكان يكاتب السلطان ويعده أنه يحمل إليه ابن أخيه فعاتبه على ذلك فاعتذر بالعجز فقتله وكان ظالما قد بالغ في ظلم أهل همذان فعجل الله عقوبته ولما تم النصر والظفر للسلطان سنجر أرسل من أعاد المنهزمين من أصحابه إليه ووصل الخبر إلى بغداد في عشرة أيام فأرسل دبيس بن صدقة إلى المسترشد بالله في الخطبة للسلطان سنجر فخطب له في السادس والعشرين من جمادى الأولى وقطعت خطبة السلطان محمود

وأما السلطان محمود فإنه سار من الكسرة إلى أصبهان ومعه وزيره أبو طالب السميرمي والأمير علي بن عمر وقراجة

وأما سنجر فإنه سار إلى همذان فرأى قلة عسكره واجتماع العساكر على ابن أخيه فراسله في الصلح وكانت والدته تشير عليه بذلك وتقول قد استوليت على غزنة وأعمالها وما وراء النهر وملكت ما لا حد عليه وقررت الجميع على أصحابه فاجعل ولد أخيك كأحدهم وكانت والدة سنجر هي جدة السلطان محمود فأجاب إلى قولها ثم كثرت العساكر عند سنجر منهم البرسقي

وكان عند الملك مسعود بأذربيجان من حين خروجه عن بغداد إلى هذه الغاية فقوي بهم فعاد الرسول وأبلغه عن الأمراء الذين مع السلطان محمود أنهم لا يصالحونه حتى يعود إلى خراسان فلم يجب إلى ذلك وسار من همذان إلى كرج وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح ووعده أن يجعله ولي عهده فأجاب إلى ذلك واستقر الأمر بينهما وتحالف عليه وسار السلطان محمود إلى عمه سنجر في شعبان فنزل على جدته والدة سنجر وأكرمه عمه وبالغ في ذلك وحمل له السلطان محمود هدية عظيمة فقبلها ظاهرا وردها باطنا ولم تقبل منه سوى خمسة أفراس عربية وكتب السلطان سنجر إلى سائر الأعمال التي بيده كخراسان وغزنة وما وراء النهر وغيرها من الولايات بأن يخطب للسلطان محمود بعده وكتب إلى بغداد مثل ذلك وأعاد عليه جميع ما أخذ من البلاد سوى الري وقصد بأخذها أن تكون له في هذه الديار لئلا يحدث السلطان محمود نفسه بالخروج

ذكر غزاة أيلغازي بلاد الفرنج ص 184

في هذه السنة سار الفرنج من بلادهم إلى نواحي حلب فملكوا بزاعة وغيرها وأخربوا بلد حلب ونازلوها ولم يكن بحلب من الذخائر ما يكفيها شهرا واحدا وخافهم أهلها خوفا شديدا ولو مكنوا من القتال لم يبق بها أحد لكنهم منعوا من ذلك وصنعوا الفرنج أهل حلب على أن يقاسموهم على أملاكهم التي بباب حلب فأرسل أهل البلد إلى بغداد يستغيثون ويطلبون النجدة فلم يغاثوا وكان الأمير أيلغازي صاحب حلب ببلد ماردين يجمع العساكر والمتطوعة للغزاة فاجتمع عليه نحو عشرين ألفا وكان معه أسامة بن المبارك بن شبل الكلابي والأمير طغان أرسلان بن المكر صاحب بدليس وأرزن وسار بهم إلى الشام عازما على قتال الفرنج فلما علم الفرنج قوة عزمهم على لقائهم وكانوا ثلاثة آلاف فارس وتسعة آلاف راجل فنزلوا قريبا من الأثارب بموضع يقال له تل عفرين بين جبال ليس لها طريق إلا من ثلاث جهات وفي هذا الموضع قتل شرف الدولة مسلم بن قريش وظن الفرنج أن أحدا لا يسلك إليهم لضيق الطريق فأخلدوا إلى المطاولة وكانت عادة لهم إذا رأوا قوة من المسلمين وراسلوا أيلغازي يقولون له لا تتعب نفسك بالمسير إلينا فنحن واصلون إليك فأعلم أصحابه بما قالوه واستشارهم فيما يفعل فأشاروا إليه بالركوب من وقته وقصدهم ففعل ذلك وسار إليهم ودخل الناس من الطرق الثلاثة ولم تعتقد الفرنج أن أحدا يقدم عليهم لصعوبة المسلك إليهم فلم يشعروا إلا وأوائل المسلمين قد غشيهم فحمل الفرنج حملة منكرة فولوا منهزمين فلقوا باقي العسكر متتابعة فعادوا معهم وجرى بينهم حرب شديدة وأحاطوا بالفرنج من جميع جهاتهم وأخذهم السيف من سائر نواحيهم فلم يفلت منهم غير نفر يسير وقتل الجميع وأسروا وكان في جملة الأسرى نيف وسبعون فارسا من مقدميهم وحملوا إلى حلب فبذلوا في نفوسهم ثلاثمائة ألف دينار فلم يقبل منهم وغنم المسلمون منهم الغنائم الكثيرة وأما سيرجال صاحب أنطاكية فإنه قتل وحمل رأسه وكانت الوقعة منتصف ربيع الأول فما مدح به أيلغازي في هذه الوقعة قول العظيمي

( قل ما تشاء فقولك المقبول % وعليك بعد الخالق التعويل )

( واستبشر القرآن حين نصرته % وبكى لفقد رجاله الإنجيل )

ثم تجمع من سلم من المعركة مع غيرهم فلقيهم أيلغازي أيضا فهزمهم وفتح منهم حصن الأثارب وزردنا وعاد إلى حلب وقرر أمرها وأصلح حالها ثم عبر الفرات إلى ماردين

ذكر وقعة أخرى مع الفرنج ص 185

في هذه السنة سار جوسلين صاحب تل باشر في جمع من الفرنج نحو مائتي فارس من طبرية فكبس طائفة من طي يعرفون ببني خالد فأخذهم وأخذ غنائمهم وسألهم من طبرية عن بقية قومهم من بني ربيعة فأخبروه أنهم من وراء الحزن بوادي السلالة بين دمشق وطبرية فقدم جوسلين مائة وخمسين فارسا من أصحابه وسار هو في خمسين فارسا على طريق آخر وواعدهم الصبح ليكسبوا بني ربيعة فوصلهم الخبر بذلك فأرادوا الرحيل فمنعهم أميرهم من بني ربيعة وكانوا في مائة وخمسين فارسا فوصلهم المائة وخمسون من الفرنج من الفرنج معتقدين أن جوسلين قد سبقهم أو سيدركهم فأضل الطريق وتساوت العدتان فاقتتلوا وطعنت العرب خيولهم جعلوا أكثرهم رجالة وظهر من أميرهم شجاعة وحسن تدبير وجودة رأي فقتل من الفرنج سبعون وأسر اثنا عشر من مقدميهم بذل كل واحد في فداء نفسه مالا جزيلا وعدة من الأسرى وأما جوسلين فإنه ضل في الطريق وبلغه خبر الوقعة فسار إلى طرابلس فجمع بها جمعا وأسرى إلى عسقلان فأغار على بلدها فهزمه المسلمون هناك فعاد مفلولا

ذكر قتل منكوبرس ص 186

في هذه السنة قتل الأمير منكوبرس الذي كان شحنة بغداد وقد تقدم حاله وكان سبب قتله أنه لما انهزم مع السلطان محمود وعاد إلى بغداد نهب عدة مواضع من طريق خراسان وأراد دخول بغداد فسير إليه دبيس بن صدقة من منعه فعاد وقد استقر الصلح بين السلطانين سنجر ومحمود فقصد السلطان سنجر فدخل إليه ومعه سيف وكفن فقال له أنا لا أؤاخذ أحدا وسلمه إلى السلطان محمود وقال هذا مملوك فاصنع به ما تريد فأخذه وكان في نفسه منه غيظ شديد لأسباب منها أنه لما توفي السلطان محمد أخذ سريته والدة الملك مسعود قهرا قبل انقضاء عدتها ومنها جراءته عليه واستبداده بالأمور دونه ومسيره إلى شحنكية بغداد والسلطان كاره لذلك لكنه لم يقدر على منعه ومنها وما فعله بالعراق من الظلم

إلى غير ذلك فقتله صبرا وأراح العباد والبلاد من شره

ذكر قتل الأمير علي بن عمر ص 186

في هذه السنة أيضا قتل الأمير علي بن عمر حاجب السلطان محمد وكان قد صار أكبر أمير مع السلطان محمود وانقادت العساكر له فحسده الأمراء وأفسدوا حاله مع السلطان محمود وحسنوا له قتله فعلم فهرب إلى قلعة برجين وهي بين بروجرد وكرج وكان بها أهله وماله وسار منها في مائتي فارس إلى خوزستان وكانت بيد أقبوري بن برسق وابني أخويه أرغلي بن يلبكي وهندو بن زنكي فأرسل إليهم وأخذ عهودهم بأمانه وحمايته فلما سارا إليهم عسكرا منعوه من قصدهم فلقوه على ستة فراسخ من تستتر فاقتتلوا فانهزم هو وأصحابه فوقف به فرسه فانتقل إلى غيره فتشبث ذيله بسرجه الأول فأزاله فعاود التعلق فأبطأ فأدركوه وأسروه وكاتبوا السلطان محمودا في أمره فأمرهم بقتله فقتل وخمل رأسه إليه

ذكر الفتنة بين المرابطين وأهل قرطبة ص 186

في هذه السنة وقيل سنة أربع عشرة كانت فتنة بين عسكر أمير المسلمين علي بن يوسف وبين أهل قرطبة وسببها أن أمير المسلمين استعمل عليها أبا بكر يحيى بن رواد فلما كان يوم الأضحى خرج الناس متفرجين فمد عبد من عبيد أبي بكر يده إلى امرأة فأمسكها فاستغاثت بالمسلمين فأغاثوها فوقع بين العبيد وأهل البلد فتنة عظيمة ودامت جميع النهار والحرب بينهم قائمة على ساق فأدركهم الليل فتفرقوا فوصل الخبر إلى الأمير أبي بكر فاجتمع إليه الفقهاء والأعيان فقالوا المصلحة أن تقتل واحدا من العبيد الذين أثاروا الفتنة فأنكر ذلك وغضب منه وأصبح من الغد وأظهر السلاح والعدد يريد قتال أهل البلد

فركب الفقهاء والأعيان والشبان من أهل البلد وقاتلوه فهزموه وتحصن بالقصر فحصروه وتسلقوا إليه فهرب منهم بعد مشقة وتعب فنهبوا القصر وأحرقوا جميع دور المرابطين ونهبوا أموالهم وأخرجوهم من البلد على أقبح صورة واتصل الخبر بأمير المسلمين فكره ذلك واستعظمه وجمع العساكر من صنهاجة وزناتة والبربر وغيرهم فاجتمع له منهم جمع عظيم فعبر إليه سنة خمس عشرة وخمسمائة وحصر مدينة قرطبة فقاتله أهلها قتال من يريد أن يحمي دمه وحريمه وماله فلما رأى أمير المسلمين شدة قتالهم دخل السفراء بينهم وسعوا في الصلح فأجابهم إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة المرابطين ما نهبوه من أموالهم واستقرت القاعدة على ذلك وعاد من قتالهم

ذكر ملك علي بن سكمان البصرة ص 187

في هذه السنة استولى على البصرة وسبب ذلك أن السلطان محمدا كان قد أقطع الصرة الأمير آقسنقر البخاري فاستخلف بها نائبا يعرف بسنقر البياتي فأحسن السيرة إلى حد أن الماء بالبصرة ملح فأقام سفنا وجرارا للضعفاء والسابلة تحمل لهم الماء العذب فلما توفي السلطان محمد عزم هذا الأمير سنقر على القبض على أمير اسمه غزغلي مقدم الأتراك الإسماعيلية وهو مذكور

وحج بالناس على البصرة عدة سنين وعلى أمير آخر اسمه سنقر ألب وهو مقدم الأتراك البلدقية فاجتمعا عليه وقبضاه وقيداه وأخذا القلعة وما وجداه له ثم إن سنقر ألب أراد قتله فمنعه غزغلي فلم يقبل منه فلما قتله وثب غزغلي على سنقر ألب فقتله ونادى في الناس بالسكون واطمأنوا وكان أمير الحاج من البصرة هذه السنة أمير اسمه علي بن سكمان أحد الأمراء البلدقية

وكان في نفس غزغلي عليه حقد حيث تم الحج على يده ولأنه خاف أن يأخذ بثأر سنقر ألب إذ هو مقدم البلدقية فأرسل غزغلي إلى عرب البرية يأمرهم بقصد الحجاج ونهبهم فطمعوا بذلك وقصدوا الحجاج فقاتلوهم وحماهم ابن سكمان وأبلى بلاء حسنا وجعل يقاتلهم وهو سائر نحو البصرة إلى أن بقي بينه وبين البصرة يومان فأرسل إليه غزغلي يمنعه من قصد البصرة فقصد العوني أسفل دجلة هذا العرب يقاتلونه فلما وصل إلى العوني حمل على العرب حملة صادقة فهزمهم وسار غزغلي إلى علي بن سكمان في عدد كثير

وكان علي في قلة فتحاربا واقتتلت الطائفتان فأصابت فرس غزغلي نشابة فسقط وقتل وسار علي إلى البصرة فدخلها وملك القلعة وأقر عمال آقسنقر البخاري ونوابه كاتبه بالطاعة وكان عند السلطان وسأله أن يكون نائبا عنه بالبصرة فلم يجبه آقسنقر إلى ذلك فطرد حينئذ نواب آقسنقر واستولى على البلد وتصرف تصرف الأصحاب مستبدا واستقر فيه وأحسن السيرة إلى سنة أربع عشرة فسير السلطان محمود الأمير آقسنقر البخاري في عسكر إلى لابصرة فأخذها من علي بن سكمان

ذكر عدة حوادث ص 188

في هذه السنة أمر السلطان سنجر بإعادة مجاهدا الدين بهروز إلى شحنكية العراق وكان بها نائب دبيس بن صدقة فعزل عنها

وفيها في ربيع الأول توفي الوزير ربيب الدولة وزير السلطان محمود ووزر بعده الكمال السميرمي وكان ولد ربيب الدولة وزير المسترشد فعزل بعده عميد الدولة أبو علي بن صدقة ولقب جلال الدين وهذا الوزير وهو عم الوزير جلال الدين أبو الرضا صدقة الذي وزر للراشد والأتبك زنكي على ما نذكره

وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل وقبور ولديه إسحاق ويعقوب عليهم السلام بالقرب من البيت المقدس ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم عندهم في المغارة قناديل ذهب وفضة هكذا ذكره حمزة بن أسد التميمي في تاريخه والله أعلم

وفيها في المحرم توفي قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدمغاني ومولده في رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة وولي القضاء بباب الطاق من بغداد إلى الموصل وله من العمر ست وعشرون سنة وهذا شيء لم يكن لغيره

ولما توفي ولي قضاء القضاة الأكمل أبو القاسم علي بن أبي طالب الحسين بن محمد الزنيبي وخلع عليه ثالث صفر

وفيها هدم تاج الخليفة على دجلة للخوف من انهدامه وهذا التاج بناه أمير المؤمنين المكتفي بعد سنة تسعين ومائتين

وفيها تأخر الحج فاستغاث الناس وأرادوا كسر المنبر بجامع القصر فأرسل إلى دبيس من صدقة ليساعد الأمير نظر على تسيير الحجاج فأجاب إلى ذلك

وكان خروجهم من بغداد ثاني عشر ذي القعدة وتوالت عليهم الأمطار إلى الكوفة

وفيها أرسل دبيس بن صدقة القاضي أبا جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي قاضي الكوفة إلى أيلغازي بن أرتق بماردين يخطب ابنته فزوجها منه أيلغازي وحملها الثقفي معه إلى الحلة واجتاز بالموصل

وفيها في جمادى الأولى توفي أبو الوفا علي بن عقيل بن محمد بن عقيل شيخ الحنابلة في وقته ببغداد وكان حسن المناظرة سريع الخاطر وكان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على أبي الوليد فأراد الحنابلة قتله فاستجار بباب المراتب عدة سنين ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور وله مصنفات من جملتها كتاب الفنون

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.