ذكر ما فعله السلطان محمود بالعراق وولاية البرسقي شحنكية ببغداد
ص 171
لما توفي السلطان محمد وملك بعده ابنه محمود ودبر دولته الوزير الربيب أبو منصور أرسل إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب أن يخطب له ببغداد فخطب له في الجمعة ثالث عشر المحرم وكان شحنة بغداد بهروز
ثم إن الأمير دبيس بن صدقة كان عند السلطان محمد مذ قتل والده على ما ذكرناه فأحسن إليه وأقطعه أقطاعا كثيرا فلما توفي السلطان محمد خاطب السلطان محمودا في العود إلى بلده الحلة فأذن له في ذلك فعاد إليها فاجتمع عليه خلق كثير من العرب والأكراد وغيرهم
وكان آقسنقر البرسقي مقيما بالرحبة وهي أقطاعه وليس بيده من الولايات شيء فاستخلف عليها ابنه عز الدين مسعودا وسار إلى السلطان محمد قبل موته عازما على مخاطبته في زيادة أقطاعه فبلغه وفاة السلطان محمد قبل وصوله إلى بغداد وسمع مجاهد الدين يهروز بقربه من بغداد فأرسل إليه يمنعه من دخولها فسار إلى السلطان محمود فلقيه توقيع السلطان بولاية شحنكية بغداد وهو بحلوان وعزل بهروز وكان الأمراء عند السلطان يريدون البرسقي ويتعصبون له ويكرهون مجاهد الدين بهروز يحسدونه لقربه كان عند السلطان محمد وخافوا أن يزداد تقدما عند السلطان محمودا وحكما فلما تولى البرسقي شحنكية بغداد هرب بهروز إلى تكريت وكانت له ثم إن السلطان ولى شحنكية بغداد الأمير منكوبرس وهو من أكابر المراء وقد حكم في دولة السلطان محمود فلما أعطي الشحنكية سير إليها ربيبه الأمير حسين بن أزبك أحد الأمراء الأتراك وهو صاحب أسدأباذ لينوب عنه ببغداد والعراق وفارق السلطان من باب همذان واتصل به جماعة الأمراء البكجية وغيرهم فلما سمع البرسقي خاطب الخليفة المستظهر بالله ليأمره بالتوقف إلى أن يكاتب السلطان ويفعل ما يرد به الأمر عليه فأرسل إليه الخليفة فأجاب أن يرسم الخليفة بالعود عدت وإلا فلا بد من دخول بغداد فجمع البرسقي أصحابه وسار إليه فالتفوا واقتتلوا فقتل أخ حسين وانهزم هو ومن معه وعادوا إلى عسكر السلطان فكان ذلك في شهر ربيع الأول قبل وفاة المستظهر بالله بأيام
ذكر وفاة المستظهر بالله
ص 172
في هذه السنة سادس عشر شهر ربيه الآخر توفي المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله وكان مرضه التراقي وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر وستة أيام وخلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما ووزر له عميد الدولة أبو منصور بن جهير وسديد الملك أبو المعالي المفضل بن عبد الرزاق الأصبهاني وزعيم الرؤساء أوب القاسم بن جهير ومجد الدين أبو المعالي هبة الله بن المطلب ونظام الدين أبو منصور الحسين بن محمد وناب عن الوزارة أمين الدولة أبو سعيد بن الموصلايا وقاضي القضاة أبو الحسن علي بن الدامغاني ومضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان والسلطان بركيارقث ومحمد ابنا ملكشاه
ومن غريب الاتفاق أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم بأمر الله ولما توفي السلطان ملكشاه توفي المقتدي بأمر الله ولما توفي السلطان محمد توفي بعده المستظهر بالله
ذكر بعض أخلاقه وسيرته
ص 172
كان رضي الله عنه لين الجانب كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس ويفعل الخير ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب منه
وكان كثير الوثوق بمن يليه غير مصغ إلى سعاية ساع ولا ملتفت إلى قوله ولم يعرف منه تلون وانحلال عزم بأقوال أصحاب الأعراض
وكانت أيامه سرور الرعية فكأنها من حسنها أعياد
وكان إذا بلغه ذلك فرح به وسره إذا تعرض سلطان أو نائب له إلى أذى أحد بالغ في إنكار ذلك والزجر عنه وكان حسن الحظ جيد التوقعات لا يقاربه فيها أحد يدل على فضل غزير وعلم واسع
ولما توفي صلى عليه ابنه المسترشد بالله وكبر أربعا ودفن في حجرة له كان يألفها ومن شعره قوله
( أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا % لما مددت إلى رسم الوداع يدا )
( وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد % أرى في مهوى الهوى قددا )
( قد خلف الوعد بدر قد شغفت به % من بعد ما قد وفى دهري بما وعدا )
( إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي % من بعد هذا فلا عاينته أبدا )
ذكر خلافة الإمام المسترشد بالله
ص 173
لما توفي المستظهر بالله بويع ولده المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن أبي العباس أحمد بن المستظهر بالله وكان ولي عهد قد خطب له ثلاثا وعشرين سنة فبايعه أخواه ابنا المستظهر بالله وهما أبو عبد الله محمد وأبو طالب العباس وعمومته بنو المقتدي بأمر الله وغيرهم من الأمراء والقضاة والأئمة والأعيان
وكان المتولي لأخذ البيعة القاضي أبو الحسن الدمغاني وكان نائبا عن الوزارة فأقره المسترشد بالله عليها
ولم يأخذ البيعة قاض غير هذا وأحمد بن أبي داود فإنه أخذها للواثق بالله والقاضي أبو علي إسماعيل بن إسحاق أخذها للمعتضد بالله ثم إن المسترشد عزله القضاة عن نيابة الوزارة واستوزر أبا شجاع محمد بن الربيب أبي منصور وزير السلطان محمود وكان والده خطب في معنى ولده حتى استوزر وقبض على صاحب المخزن أبي طاهر يوسف بن أحمد الحزي
ذكر هرب الأمير أبي الحسن أخي المسترشد وعوده
ص 173
لما اشتغل الناس ببيعة المسترشد بالله ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله سفينة ومعه ثلاثة نفر وانحدر إلى المدائن وسار منها إلى دبيس بن صدقة بالحلة فأكرمه دبيس وعلم منه وفاة المستظهر بالله وأقام له الإقامات الكثيرة فلما علم المسترشد بالله خبره أهمه ذلك وأقلقه وأرسل إلى دبيس يطلب منه إعادته فأجاب بأنني عبد الخليفة وواقف عند أمره ومع هذا فقد استذم بي ودخل منزلي فلا أكرهه على أمر أبدا وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين علي بن طراد الزينبي فقصد الأمير فقصد الأمير أبا الحسن وتحدث معه في عوده وضمن له عن الخليفة كل ما يريده فأجاب إلى العود وقال إنني لم أفارق أخي لشر أريده وإنما الخوف حملني على مفارقته فإذا أمنني قصدته وتكفل دبيس بإصلاح الحال بنفسه والمسير معه إلى بغداد فعاد النقيب وأعلم الخليفة الحال فأجاب إلى ما طلب منه ثم حدث من أمر البرسقي ودبيس ومنكوبيس ما ذكرناه فتأخر الحال وأقام الأمير أبو الحسن عند دبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ثم سار عن الحلة إلى واسط وكثر جمعه وقوي الإرجاف بقوته وملك مدينة واسط وخيف جانبه فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولي عهده ولده أبي جعفر المنصور وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة فخطب له ثاني ربيع الآخر ببغداد وكتب إلى البلاد بالخطبة له وأرسل إلى دبيس من مزيد في معنى الأمير أبي الحسن وأنه الآن قد فارق جواره ومد يده إلى بلاد الخليفة وما يتعلق به وأمره بقصده ومعاجلته قبل فوته فأرسل دبيس العساكر إليه ففارق واسط وقد تحير هو وأصحابه فضلوا الطريق ووصلت عساكر دبيس فصادفوهم عند الصلح فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد من أصحابه والأتراك وعاد الباقون إلى دبيس وبقي الأمير أبو الحسن في عشرة من أصحابه وهو عطشان وبينه وبين الماء خمسة فراسخ وكان الزمان قيظا فأيقن بالتلف وتبعه بدويان فأراد الهرب منهما فلم يقدر فأخذاه وقد اشتد به العطش فسقياه وحملاه إلى دبيس فسيره إلى بغداد وحمله إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرين ألف دينار فحمل إلى الدار العزيزة وكان بين خروجه وعوده إليها أحد عشر شهرا ولما دخل على المسترشد بالله قبل قدمه وقبله المسترشد وبكيا وأنزله دارا حسنة كان هو يسكنها قبل أن يلي الخلافة وحمل إليه الخلع والتحف الكثيرة وطيب نفسه وأمنه
ذكر مسير الملك مسعود وجيوش بك إلى العراق وما كان بينهما وبين البرسقي
ص 174
في هذه السنة في جمادى الأولى برز البرسقي ونزل بأسفل الرقة في عسكره ومن معه وأظهر أنه على قصد الحلة وإجلاء دبيس بن صدقة عنها وجمع دبيس جموعا كثيرة من العرب والأكراد وفرق الأموال الكثيرة والسلاح وكان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل مع أتابكه أي أبه جيوش بك فأشار عليهما جماعة ممن عندهما بقصد العراق فإنه لا مانع دونه فسارا في جيوش كثيرة ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وقسيم الدولة زنكي بن آقسنقر جد ملوكنا الآن بالموصل وكان من الشجاعة في الغاية ومعهم أيضا صاحب سنجار وأبو الهيجاء صاحب إربل وكرباوي بن خراسان التركماني صاحب البوازيج فلما علم البرسقي قربهم خافهم
وكان البرسقي قديما قد جعله السلطان محمد أتابك ولده مسعود على ما ذكرناه وإنما كان خوفه من جيوش بك فلما قاربوا بغداد سار إليهم ليقاتلهم ويصدهم فلما علم مسعود وجيوش بك ذلك أرسلوا إليه الأمير كزباوي في الصلح وأعلمه أنهم إنما جاؤوا نجدة له على دبيس واصطلحوا وتعاهدوا واجتمعوا ووصل مسعود إلى بغداد ونزل بدار المملكة ووصلهم الخبر بوصول الأمير عماد الدين منكبرس المقدم ذكره في جيش كثير فسار البرسقي عن بغداد نحوه ليحاربه ويمنعه عنها فلما علم به منكبرس قصد النعمانية وعبر دجلة هناك واجتمع هو ودبيس بن صدقة وكان دبيس قد خاف من الملك مسعود والبرسقي فبنى أمره على المحاجزة والملاطفة فأهدى إلى مسعود هدية حسنة وللبرسقي وجيوش بك فلما وصل خبر وصول منكبرس راسله واستماله واتفقا على التعاضد والتناصر واجتمعا كل واحد منهما قوي بصاحبه فلما اجتمعا سار الملك مسعود والبرسقي وجيوش بك ومن معهم إلى المدائن للقاء دبيس ومنكبرس فلما وصلوا المدائن أتتهم الأخبار بكثرة الجمع معهما فعاد البرسقي والملك مسعود وعبرا نهر صرصر وحفظا المخاضات عليه ونهبت الطائفتان السواد نهبا فاحشا نهر الملك ونهر صرصر ونهر عيسى وبعض دجيل واستباحوا النساء فأرسل المسترشد بالله إلى الملك مسعود والبرسقي ينكر هذه الحال ويأمرهم بحقن الدماء وترك الفساد ويأمر بالموادعة والمصالحة
وكان الرسل سديد الدولة بن الأنباري والإمام الأسعد الميهني مدرس النظامية فأنكر البرسقي أن يكون جرى منهما شيء من ذلك وأجاب إلأى العود إلى بغداد فوصل من أخبره منكبرس ودبيسا قد جهزا ثلاثة آلاف فارس مع منصور أخي دبيس والأمير حسين بن أزبك ربيب منكبرس وسيراه وعبر عند درزيجان ليقطعوا مخاضة عند ديالي إلى بغداد لخلوها من عسكر يحميها ويمنع عنها فعاد البرسقي إلى بغداد وعبر الجسر لئلا يخاف الناس ولم يعلموا الخبر وخلف ابنه عز الدين مسعودا على عسكره بصرصر واستحب معه عماد الدين زنكي بن آقسنقر فوصل إلى ديالي ومنع عسكر منكبرس من العبور فأقام يومين فأتاه كتاب ابنه عز الدين مسعود يخبره أن الصلح قد استقر بين الفريقين فانكسر نشاطه حيث جرى هذا الأمر ولم يعلم به وعاد نحو بغداد وعبر إلى الجانب الغربي وعبر منصور وحسين فسارا في عسكرهما خلفه فوصلوا بغداد عند نصف الليل فنزلا عند جامع السلطان وسار البرسقي إلى الملك مسعود فأخذ بركه وماله وعاد إلى بغداد فخيم عند القنطرة العتيقة وأصعد الملك مسعود وجيوش بك فنزلا عند البيمارستان وأصعد دبيس ومنكبرس فخيما تحت الرقة وأقام عز الدين مسعود البرسقي عند منكبرس منفردا عن أبيه وكان سبب هذا الصلح أن جيوش بك كان قد أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك مسعود فوصل كتاب الرسول من العسكر يذكر أنه لقي من السلطان إحسانا كثيرا وأنه أقطعهم أذربيجان فلما بلغه رحيلكم إلى بغداد اعتقد أنكم قد عصيتم عليه فعاد عما كان استقر ويقول إن السلطان قد جهز عسكرا إلى الموصل فوقع الكتاب بيد منكبرس فأرسله إلى جيوش بك وضمن له إصلاح السلطان له وللملك مسعود وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود واسمها سرجهان وكان يؤثر مصلحته لذلك واستقر الصلح وخافا من البرسقي أن يمنع منه فاتفقا على إرسال العساكر إلى درزيجان لينفذ في مقابلته البرسقي ليخلو العسكر منه ويقع الاتفاق فكان الأمر في مسيره على ما تقدم وكان البرسقي محبوبا إلى أهل بغداد لحسن سيرته فيهم فلما استقر الصلح ووصلوا إلى بغداد تفرق عن البرسقي أصحابه وجموعه وبطل ما كان يحدث به نفسه من التغلب على العراق بغير أمر السلطان وسار عن العراق إلى الملك مسعود فأقام معه واستقر منكبرس في شحنكية بغداد وودعه دبيس بن صدقة وعاد إلى الحلة بعد أن طالب بدار أبيه بدرب فيروز وكانت قد دخلت في جامع القصر ببغداد فصولح عنها بمال وأقام منكبرس ببغداد يظلم ويعسف الرعية ويصادرهم فاختفى أرباب الأموال وانتقل جماعة إلى حريم دار الخلافة خوفا منه وبطلت معايش الناس وأكثر أصحابه الفساد حتى أن بعض أهل بغداد زفت إليه امرأة تزوجها فعلم بعض أصحاب منكبرس فأتاه وكسر الباب وجرح الزوج عدة جراحات وابتنى بزوجته فكثر الدعاء ليلا ونهارا واستغاث الناس لهذه الحال وأغلقوا الأسواق فأخذ الجندي إلى دار الخلافة فاعتقل أياما ثم أطلق
وسمع السلطان بما يفعله منكبرس ببغداد فأرسل إليه يستدعيه ويحثه على اللحوق به وهو يغالط ويدافع وكلما طلبه السلطان في جمع الأموال والمصادرات فلما علم أهل بغداد تغير السلطان عليه واستدعاءه إياه طمعوا فيه فسار حينئذ منكبرس عنهم خوفا أن يثوروا به وكفى الناس شره وظهر من كان مستترا
ذكر وفاة ملك الفرنج وما كان بين الفرنج وبين المسلمين
ص 177
في ذي الحجة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة توفي بغدوين ملك القدس وكان قد سار إلى ديار مصر في جمع الفرنج قاصدا ملكها والتغلب عليها وقوي طمعه في الديار المصرية وبلغ مقابل تنيس وسبح في النيل فانتقض جرح كان به فلما أحس بالموت عاد إلى القدس فمات ووصى ببلاده للقمص صاحب الرها وهو الذي كان أسره جكرمش وأطلقه جاولي سقاوو
واتفق أن هذا القمص كان قد سار إلى القدس يزور بيعة قمامة فلما وصى إليه بالملك قبله واجتمع له القدس والرها وكان أتابك طغتكين قد سار عن دمشق لقتال الفرنج فنزل بين دير أيوب وكفر بصل باليرموك فخفيت عنه وفاة بدوين حتى سمع الخبر بعد ثمانية عشر يوما وبينهم نحو يومين فأتته رسل ملك الفرنج بطلب المهادنة فاقترح عليه طغتكين ترك الماصفة التي بينهم من جبل عوف والحنانة والصلت والغور فلم يجب إلى ذلك وأظهر القوة فسار طغتكين إلى طبرية فنهبها وما حولها وسار منها نحو عسقلان وكانت للمصريين وبها عساكرهم كانوا قد سيروها لما عاد ملك القدس المتوفى عن مصر وكانوا سبعة آلاف فارس فاجتمع بهم طغتكين وأعلمه المقدم عليهم أن صاحبهم تقدم إليه بالوقوف عن رأي طغتكين والتصرف على ما يحكم به فأقاموا بعسقلان نحو شهرين ولم يؤثروا في الفرنج أثرا فعاد طغتكين إلى دمشق فأتاه الصريخ بأن مائة وثلاثين فارسا من الفرنج أخذوا حصنا من أعماله يعرف بالحبس ويعرف بحصن جلدك سلمه إليهم المستحفظ به وقصدوا أذرعات فنهبوها فأرسل إليهم تاج الملك بوري بن طغتكين فانحازوا عنه إلى جبل هناك فنازلهم فأتاه أبوه ونهاه عنهم فلم يفعل وطمع فيهم فلما أيس الفرنج قاتلوا قتال مستقتل فنزلوا من الجبل وحملوا على المسلمين حملة صادقة هزموهم بها وأسروا وقتلوا خلقا كثيرا وعاد الفل إلى دمشق على أسوأ حال فسار طغتكين إلى حلب وبها أيلغازي فاستنجده وطلب منه التعاضد على الفرنج فوعده المسير معه فبينما هو بحلب أتاه الخبر بأن الفرنج قصدوا حوران من أعمال دمشق فنهبوا وقتلوا وسبوا وعادوا فاتفق رأي طغتكين وأيلغازي على عود طغتكين إلى دمشق وحماية بلاده وعود أيلغازي إلى ماردين وجمع العساكر والاجتماع على حرب الفرنج فصالح أيلغازي من يليه من الفرنج على ما تقدم ذكره وعبر إلى ماردين لجمع العساكر وكان ما نذكره سنة ثلاث عشرة إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
ص 178
في هذه السنة انقطع الغيث وعدمت الغلات في كثير من البلاد وكان أشده بالعراق فغلت الأسعار وأجلى أهل السواد وتقوت الناس بالنخالة وعظم الأمر على أهل بغداد بما كان يفعله منكبرس بهم
وفيها أسقط المسترشد بالله من الإقطاع المختص به كل جور وأمر أن لا يؤخذ إلا ما جرت به العادة القديمة أطلق ضمان غزل الذهب وكان صناع السقلاطون والممزج وغيرهم ممن يعمل منه يلقون شدة من العمال عليها وأذى عظيما
وفيها تأخر مسير الحجاج تأخرا أرجف بسببه انقطاع الحج من العراق فرتب الخليفة الأمير نظر خادم أمير الجيوش يمن وولاه من أمر الحج ما كان يتولاه أمير الجيوش وأعطاه من المال ما يحتاج إليه في طريقه وسيره فأدركوا الحج وظهرت كفاية نظر
وفيها وصل مركبان كبيران فيهما قوة ونجدة للفرنج بالشام فغرقا وكان الناس قد خافوا ممن فيهما
وفيها وصل رسول أيلغازي صاحب حلب وماردين إلى بغداد يستنفر على الفرنج ويذكر ما فعلوا بالمسلمين في الديار الجزرية وأنهم ملكوا قلعة عند الرها وقتلوا أميرها ابن عطير فسيرت الكتب بذلك إلى السلطان محمود
وفيها نقل المستظهر إلى الرصافة وجميع من كان مدفونا بدار الخلافة وفيهم جدة المستظهر أم المقتدي وكان وفاتها بعد المستظهر ورأت البطن الرابع من أولادها
وفيها كثر أمر العيارين بالجانب الغربي من بغداد فعبر إليهم نائب الشحنة في خمسين غلاما أتراكا فقاتلهم فانهزم منهم ثم عبر إليهم من الغد في مائتي غلام فلم يظفر بهم وهب العيارون يومئذ قطفتا
وفي هذه السنة في شعبان توفي أبو الفضل بكر بن محمد بن علي بن الفضل الأنصاري من ولد جابر بن عبد الله وهو من بلد بخارى وكان من أعيان الفقهاء الحنفية حافظا للمذهب وتوفي أبو طالب الحسين بن محمد بن علي بن الحسن الزنيبي نقيب النقباء ببغداد في صفر واستقال من النقابة فوليها أخوه طراد وكان من أكابر الحنفية وروى الحديث الكثير
وفيها في ذي الحجة توفي أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن مندة الأصبهاني المحدث المشهور من بيت الحديث وله فيه تصانيف حسنة
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن الخازن وكان أديبا ظريفا له شعر حسن فمنه قوله وقد قصد زيارة صديق له فلم يره فأدخله غلمانه إلى بستان في الدار وحمام فقال في ذلك
( وافيت منزله فلم أر صاحبا % إلا تلقاني بوجه ضاحك )
( والبشر في وجه الغلام نتيجة % لمقدمات ضياء وجه الملاك )
( ودخلت جنته وزرت جحيمه % فشكرت رضوانا ورأفة مالك )
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.