الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
22

ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمائة

الجزء التاسع 7 عنصر صفحة 166
ذكر وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود ص 166

في هذه السنة في الرابع والعشرين من ذي الحجة توفي السلطان محمد ملكشاه بن ألب أرسلان وكان ابتداء مرضه في شعبان وانقطع عن الركوب وتزايد مرضه ودام وأرجف عليه بالموت

فلما كان يوم عيد النحر حضر السلطان وحضر ولده السلطان محمود على السماط فنهبه الناس ثم أذن لهم فدخلوا إلى السلطان محمد وقد تكلف القعود لهم وبين يديه سماط كبير فأكلوا وخرجوا فلما انتصف ذو الحجة أيس من نفسه فأحضر ولده محمودا وقبله وبكى كل واحد منهما وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس وعمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة فقال لوالده إنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم فقال صدقت ولكن على أبيك وأما علمك فمبارك بالسلطان فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين وفي يوم الخميس الرابع والعشرين أحضر الأمراء وأعلموا بوفاته وقرئت وصيته إلى ولده محمود يأمره بالعدل والإحسان

وفي الجمعة الخامس والعشرين منه خطب لمحمود بالسلطنة وكان مولد السلطان محمد ثامن عشر من شعبان من سنة أربع وسبعين وأربعمائة وكان عمره سبعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة أيام وأول ما دعي له بالسلطنة ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وقطعت خطبته عدة دفعات على ما ذكرناه ولقي من المشاق والأخطار ما لا حد عليه فلما توفي أخوه بريكارق صفت له السلطنة وعظمت هيبته وكثرت جيوشه وأمواله وكان اجتمع الناس عليه اثنتي عشرة سنة وستة أشهر

ذكر بعض سيرته ص 166

كان عادلا حسن السيرة شجاعا فمن عدله أنه اشترى مماليك من بعض التجار وأحالهم بالثمن على عامل خوزستان فأعطاهم البعض ومطل الباقي فحضروا مجلس الحكم وأخذوا معهم غلمان القاضي فلما رآهم السلطان قال لحاجبه انظر حال هؤلاء فسألهم عن حالهم فقالوا لنا خصم يحضر معنا مجلس الحكم فقال من هو قالوا السلطان

وذكروا قصتهم فأعلمه ذلك فاشتد عليه وأكره وأمر بإحضار العامل وأمره بإيصال أموالهم والجعل الثقيل ونكل به حتى يمتنع غيره عن مثل فعله

ثم إنه كان يقول بعد ذلك لقد ندمت ندما عظيما حيث لم أحضر معهم مجلس الحكم فيفتدي بي غيري ولا يمتنع أحد عن الحضور فيه وأداء الحق

ومن عدله أنه كان خازن يعرف بأبي أحمد القزويني قتله الباطنية فلما قتل أمر بعرض الخزانة فعرض عليه فيها درج فيه جوهر كثير نفيس فقال إن هذا الجوهر عرضه علي من أيام وهو ملك أصحابه وسلمه إلى خادم ليحفظه وينظر من أصحابه فيسلم إليهم فسأل عنهم وكانوا تجارا غرباء وقد تيقنوا ذهابه وأيسوا منه فسكتوا فأحضرهم وسلمه إليهم

ومن عدله أنه أطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد ولم يعرف منه فعل قبيح وعلم الأمراء سيرته فلم يقدم أحد منهم على الظلم وكفوا عنه ومن محاسن أعماله ما فعله مع الباطنية على ما نذكره

ذكر حال الباطنية أيام السلطان محمد ص 167

قد تقدم ذكر ما اعتمده من حصر قلاعهم ونحن نذكر ههنا زيادة اهتمامه بأمرهم فإنه رحمه اله تعالى لما علم أن مصالح البلاد والعباد منوطة بمحو آثارهم وإخراب ديارهم وملك حصونهم وقلاعهم جعل قصدهم دأبه وكان في أيامه المقدم عليهم والقيم بأمرهم الحسن بن الصباح الرازي صاحب قلعة الموت وكانت أيامه قد طالت وله منذ ملك قلعة الموت ما يقارب ستا وعشرين سنة وكان المجاورين له في أقبح صورة من كثرة غزواته وقتله وأسره رجالهم وسبي نسائهم فسير إليه السلطان العساكر على ما ذكرناه فعادت من غير بلوغ غرض فلما اعضل داؤه ندب لقتاله الأمير أنوشتكين شيركير صاحب آية وساوة وغيرهما فملك منهم عدة قلاع منها قلعة كلام ملكها في جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة وكان مقدمها يعرف بعلي بن موسى فأمنه ومن معه وسيرهم إلى الموت وملك منهم أيضا قلعة بيرة وهي على سبعة فراسخ من قزوين وأمنهم وسيرهم إلى ألموت أيضا وسار إلى قلعة ألموت فيمن معه من العساكر وأمده السلطان بعدة من الأمراء فحصرهم وكان هو من بينهم صاحب القريحة والبصيرة في قتالهم مع جودة رأي وشجاعة فبنى عليها مساكن يسكنها هو ومن معه وعين لكل طائفة من الأمراء أشهرا يقيمونها ينيبون ويحضرون وهو ملازم الحصار وكان السلطان ينقل إليه الميرة والذخائر والرجال فضاق الأمر على الباطنية وعدمت عندهم الأقوات وغيرها

فلما اشتد عليهم الأمر نزلوا نساءهم وأبناءهم مستأمنين ويسألون أن يفرج لهم ولرجالهم عن الطريق ويؤمنوا فلم يجابوا إلى ذلك وأعادهم إلى القلعة قصدا ليموت الجميع جوعا وكان ابن الصباح يجري لكل رجل منهم في اليوم رغيفا وثلاث جوزات فلما بلغ بهم الأمر إلى الحد الذي لا مزيد عليه بلغهم موت السلطان محمد فقويت نفوسهم وطابت قلوبهم

ووصل الخبر إلى العسكر المحاصر لهم بعدهم بيوم ولزموا على الرحيل فقال شيركير إن رحلنا عنهم وشاع الأمر نزلوا إلينا وأخذوا ما أعددناه من الأقوات والذخائر والرأي أن نقيم على قلعتهم حتى نفتحها وإن لم يكن المقام فلا بد من مقام ثلاثة أيام حتى ينفذ منا ثقلنا وما أعددناه ونحرق ما نعجز عن حمله لئلا يأخذه العدو

فلما سمعوا قوله علموا صدقه فتعاهدوا على الاتفاق والاجتماع فلما أمسوا رحلوا من غير مشاورة ولم يبق غير شيركير ونزل إليه الباطنية من القلعة فدافعهم وقاتلهم وحمى من تخلف من سرقة العسكر وأتباعه ولحق بالعسكر فلما فارق القلعة غنم الباطنية ما تخلف عندهم

ذكر حصار قابس والمهدية ص 168

في هذه السنة جهز علي بن يحيى صاحب أفريقية أسطولا في البحر إلى مدينة قابس وحصرها

وسبب ذلك أن صاحبها رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركبا بساحلها ليحمل التجار في البحر وكان ذلك آخر أيام الأمير يحيى فلم ينكر يحيى ذلك جريا على عادته في المداراة فلما ولي علي الأمر بعد أبيه أنف من ذلك وقال لا يكون لأحد من أهل أفريقية أن يناوبني في إجراء المركب في البحر بالتجار فلما خاف رافع أنم يمنعه علي التجأ إلى اللعين رجار ملك الفرنج بصقلية واعتضد به فوعده رجار أن ينصره ويعينه على إجراء مركبه في البحر وأنفذ في الحال أسطولا إلى قابس فاجتازوا بالمهدية فحينئذ تحقق على اتفاقهما وكان يكذبه فلما جاز أسطول رجار بالمهدية أخرج على أسطوله في أثره فتوافى الجميع إلأى قابس فلما رأى صاحبها أسطول الفرنج والمسلمين لم يخرج مركبه فعاد أسطول الفرنج وبقي أسطول علي يحصر رافعا بقابس مضيقا عليها ثم عادوا إلى المهدية

وتمادى رافع في المخالفة لعلي وجمع قبائل العرب وسار بهم حتى نزل على المهدية محاصرا لها وخادع عليا وقال إنني إنما جئت للدخول في الطاعة وطلب من يسعى في الصلح وأفعاله تكذب أقواله فلم يجبه عن ذلك بحرف

وأخرج العساكر وحملوا على رافع ومن معه حملة منكرة فألحقوهم بالبيوت ووصل العسكر إلى البيوت فلما رأى ذلك النساء صحن وولولن فغارت العرب وعاودت القتال واشتد حينئذ الأمر إلى المغرب ثم افترقوا وقد قتل من عسكر رافع بشر كثير ولم يقتل من جند علي غير راجل واحد من الرجالة ثم خرج عسكر علي مرة أخرى فاقتتلوا أشد من القتال الأول كان الظهور فيه لعسكر علي فلما رأى رافع أنه لا طاقة له بهم رحل عن المهدية ليلا إلى القيروان فمنعه أهلها من دخولها فقاتلهم أياما قلائل ثم دخلها فأرسل علي إليه عسكرا من المهدية فحصروه فيها إلى أن خرج عنها وعاد إلى قابس ثم إن جماعة من أعيان أفريقية من العرب وغيرهم سألوا عليا في الصلح فامتنع ثم أجاب إلى ذلك وتعاهد عليه

ذكر الوحشة بين رجار والأمير علي ص 169

كان رجار صاحب صقلية بينه وبين الأمير علي صاحب أفريقية مودة وكيدة إلى أن أعان رافعا كما تقدم قبل فاستوحش كل منهما من صاحبه ثم بعد ذلك خاطبه رجار بما لم تجر عادتهم به فتأكدت الوحشة فأرسل رجار رسالة فيها خشونة فاحترز علي منه وأمر بتجديد الأسطول وأعداد الأهبة للقاء العدو وكاتب المرابطين بمراكش في الاجتماع معه على الدخول إلى صقلية فكف رجار عما كان يعتمده

ذكر قتل صاحب حلب واستيلاء أيلغازي عليها ص 169

في هذه السنة قتل لؤلؤ الخادم وكان قد استولى على قلعة حلب وأعمالها بعد وفاة الملك رضوان وولي أتابكية ولده ألب أرسلان

فلما مات أقام بعده في الملك سلطانشاه بن رضوان وحكم في دولته أكثر من حكمه في دولة أخيه

فلما كان هذه السنة سار منها إلى قلعة جعبر ليجتمع بالأمير سالم بن مالك صاحبها فلما كان عند قلعة نادر نزل يريق الماء فقصده جماعة من أصحابه الأتراك وصاحوا أرنب أرنب وأوهموا أنهم يتصيدون ورموه بالنشاب فقتل فلما هلك نهبوا خزانته فخرج إليهم أهل حلب فاستعادوا ما أخذوه وولي أتابكية سلطانشاه بن رضوان شمس الخواص ياروقتاش فبقي شهرا وعزلوه وولي بعده أو المعالي بن المليحي الدمشقي ثم عزلوه وصادروه

وقيل كان سبب قتل لؤلؤ أنه أراد قتل سلطانشاه كما قتل أخاه ألب أرسلان قبله ففطن به أصحاب سلطانشاه فقتلوه

وقيل كان قتله سنة عشر وخمسمائة والله أعلم

ثم إن أهل حلب خافوا من الفرنج فسلموا البلد إلى نجم الدين أيلغازي فلما تستلمه لم يجد فيه مالا ولا ذخيرة لأن الخادم كان قد فرق الجميع وكان الملك رضوان قد جمع فأكثر فرزقه الله غير أولاده فلما رأى أيلغازي خلوا البلد من الأموال صادر جماعة من الخدم بمال صانع به الفرنج وهادنهم مدة يسيرة تكون بمقدار مسيره إلى ماردين وجمع العساكر والعود فلما تمت الهدنة سار إلى ماردين على ه ذا العزم واستخلف بحلب ابنه حسام الدين تمرتاش

ذكر عدة حوادث ص 170

في هذه السنة في رابع عشر صفر انخسف القمر انخسافا كليا

وفي هذه الليلة هجم الفرنج على ربض حماة من الشام وقتلوا من أهلها ما يزيد على مائة رجل وعادوا

وفيها في يوم عرفة كانت زلزلة بالعراق والجزيرة وكثير من البلاد وخرجت ببغداد دور كثيرة بالجانب الغربي وفيها مات أحمد العربي ببغداد وكاتن من عباد الله الصالحين له كرامات وقبره يزار بها

وفي هذه السنة في شوال توفي أبو علي محمد بن سعد بن إبراهيم بن نبهان الكاتب وعمره مائة سنة وكان عالي الإسناد روى عن أ [ ي علي بن شاذان وغيره والحسن بن أحمد بن جعفر أبو عبد الله الشقاق الفرضي الحاسب وكان واحد عصره في علم الفرائض والحساب وسمع الحديث من أبي الحسين بن المهتدي وغيره

وفيها مات الكزايكس ملك القسطنطينية وملك بعده ابنه يوحنا وسلك سيرته وفيها مات دوقس أنطاكية وكفى الله شره

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.