الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء التاسع / ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
2

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة

الجزء التاسع 5 عنصر صفحة 12
ذكر ملك الفرنج مدينة أنطاكية ص 12

كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس وقد تقدم ذكر ذلك

ثم قصدوا سنة أربع وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها وقد ذكرته أيضا وتطرقوا إلى أطراف إفريقية فملكوا منها شيئا وأخذ منهم ثم ملكوا غيره على ما تراه فلما كان سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام وكان سبب خروجهم أن ملكهم بردويل جمع جمعا كثيرا من الفرنج وكان نسيب رجال للفرنجي الذي ملك صقلية فأرسل إلى رجال يقول له قد جمعت جمعا كثيرا وأنا واصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها وأكون مجاورا لك فجمع رجار أصحابه واستشارهم في ذلك وقالوا وحق الإنجيل هذا جيد لنا ولهم وتصبح البلاد بلاد النصرانية فرفع رجله وحبق حبقة عظيمة وقال وحق ديني هذه خير من كلامكم قالوا وكيف ذلك قال إذا وصلوا إلي احتاج إلى كلفة كثيرة ومراكب تحملهم إلى إفريقية وعساكر من عندي أيضا فإن فتحوا البلاد كانت لهم وصارت المؤنة لهم من صقلية وينقطع عني ما يصل من المال من ثمن الغلات كل سنة وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم ويقول تميم غدرت بي ونقضت عهدي وتنقطع الوصلة والأسفار بيننا وبلاد إفريقية باقية لنا متى وجدنا أخذناها وأحضر رسوله وقال له إذا عزمتم على جهاد المسلمين فأفضل ذلك فتح بيت المقدس تخلصونه من أيديهم ويكون لكم الفخر وأما إفريقية فبيني وبين أهلها أيمان وعهود فتجهزوا وخرجوا إلى الشام وقيل إن أصحاب مصر من العلويين لما رأوا قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى غزة ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم ودخول الأقسيس إلى مصر وحصرها فخافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه ويكون بينهم وبين المسلمين والله أعلم فلما عزم الفرنج على قصد الشام ساروا إلى القسطنطينية ليعبروا المجاز إلى بلاد المسلمين ويسيروا في البر فيكون أسهل عليهم فلما وصلوا إليها منعهم ملك الروم من الاجتياز ببلاده وقال لا أمكنكم من العبور إلى بلاد الإسلام حتى تحلفوا لي أنكم تسلمون إلي أنطاكية وكان قصده يحثهم على الخروج إلى بلاد الإسلام ظنا منه أن الأتراك لايبقون منهم أحدا لما رأى من صرامتهم وملكهم البلاد فأجابوه إلى ذلك وعبرو الخليج عند القسطنطينية سنة تسعين ووصلوا إلى بلاد قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش وهي قونية وغيرها فلما وصلوا إليها لقيهم قلج أرسلان في جموعه ومنعهم فقاتلوه فهزموه في رجب سنة تسعين واجتازوا في بلاده إلى بلاد ابن الأرمني فسلكوها وخرجوا إلى أنطاكية فحصروها ولما سمع صاحبها باغيسيان بتوجههم إليها خاف من النصارى الذين بها فأخرج المسلمين من أهلها ليس معهم غيرهم وأمرهم بحفر الخندق ثم أخرج من الغد النصارى لعمل الخندق أيضا ليس معهم مسلم فعملوا فيه إلى العصر فلما أرادوا دخول البلد منعهم وقال لهم أنطاكية لكم فهبوها لي حتى أنظر ما يكون منا ومن الفرنج فقالوا له من يحفظ أبناءنا ونساءنا فقال أنا أخلقكم فيهم فامسكوا وأقاموا في عسكر الفرنج فحصروها تسعة أشهر وظهر من شجاعة باغيسيان وجودة رأيه وحزمه واحتيياطه ما لم يشاهد من غيره فهلك أكثر الفرنج موتا ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام وحفظ باغيسيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم وكف الأيدي المتطرقة إليهم فلما طال مقام الفرنج على أنطاكية راسلوا أحد المستحفظين للأبراج وهو زراد يعرف بروز به وبذلوا له مالا وأقطاعا وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي وهو مبني على شباك في الوادي فلما تقرر الأمر بينهم وبين هذا الملعون الزراد جؤوا إلى الشباك ففتحوه ومدخلوا منه صعد جماعة كثيرة بالحبال فلما زادت عدتهم على خمسمائة ضربوا البوق وذلك عند السحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة فاستيقظ باغيسيان فسأل عن الحال فقيل إن هذا البوق من القلعة ولاشك أنها قد ملكت ولم يكن من القلعة وإنما كان من ذلك البرج فدخله الرعب وفتح باب البلد وخرج هاربا في ثلاثين غلاما على وجهه فجاء نائبه في حفظ البلد فسأل عنه فقيل إنه هرب من باب آخر هاربا وكان ذلك معونة للفرنج ولو ثبت ساعة لهلكوا ثم إن الفرنج دخلوا البلد من الباب ونهبوه وقتلوا من فيه من المسلمين وذلك في جمادى الأولى وأما باغيسيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله وكان كالولهان فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ فقال لمن معه أين أنا فقيل على أربعة فراسخ من أنطاكية فندم كيف خلص سالما ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يقتل وجعل يتلهف ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشيا عليه فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يركبوه فلم يكن فيه مسكة قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب وهو بآخر رمق فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية وكان الفرنج قد كاتبوا صاحب حلب ودمشق بأننا لانقصد غير البلاد التي كانت بيد الروم لانطلب سواها مكرا منهم وخديعة حتى لايساعدوا صاحب أنطاكية

ذكر سير المسلمين إلى الفرنج وما كان منهم ص 14

لما سمع قوام الدولة كربوقا بحال الفرنج وملكهم أنطاكية جمع العساكر وسار إلى الشام وأقام بمرج دابق واجتمعت معه عساكر الشام تركها وعربها سوى من كان بحلب فاجتمع معه دقاق بن تتش وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان تاش صاحب سنجار وسليمان بن أرتق وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم وسار المسلمون فنازلوهم على أنطاكية وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظنا منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال فأغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال وعزموا على إسلامه عند المصدوقة وأقام الفرنج بأنطاكية بعد أن ملكوها اثني عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه وتقوت الأقوياء بدوابهم والضعفاء بالميتة وورق الشجر فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد فلم يعطهم ما طلبوا وقال لا تخرجون إلا بالسيف وكان معهم من الملوك بردويل وصنجيل وكندفري والقمص صاحب الرها وبيمنت صاحب أنطاكية وهو المقدم عليهم وكان معهم راهب مطاع فيهم وكان داهية من الرجال فقال لهم إن المسيح عليه السلام كان حربة مدفونة بالفسيان الذي بأنطاكية وهو عظيم فإن وجدتموها فإنكم تظفرون وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق وكان قد دفن قبل حربة في مكان فيه وعفا أثرها وأمرهم بالصوم والتوبة ففعلوا ذلك ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم ومعهم عامتهم والصناع منهم وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر فقال لهم أبشروا بالظفر فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة وستة ونحو ذلك فقال المسلمون لكربوقا ينبغيأن تقف على الباب قتقتل كل من يخرج فإن أمرهم الآن متفرقون سهل

فقال لا تفعلوا أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم ولم يمكن من معالجتهم فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين فجاء إليهم هو بنفسه ومنعهم ونهاهم

فلما تكامل خروج الفرنج ولم يبق بأنطاكية أحد منهم ضربوا مصافا عظيما فولى المسلمون منهزمين لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة لهم والإعراض عنهم وثانيا من منعهم عن قتل الفرنج وتمت الهزيمة عليهم ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم وآخر من انهزم سقمان بن أرتق وجناح الدولة لأنهما كانا في الكمين وانهزم كربوقا معهم فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله وخافوا أن يتبعوهم ومثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة وطلبا للشهادة فقتل الفرنج منهم ألوفا وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم

ذكر ملك الفرنج معرة النعمان ص 15

لما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان فنازلوها وحصروها وقاتلهم أهلها قتالا شديدا ورأى الفرنج شدة ونكاية ولقوا منهم الجد في حربهم والاجتهاد في قتالهم فعملوا عند برجا من خشب يوازي سور المدينة ووقع القتال عليه فلم يضر المسلمين ذلك فلما كان الليل خاف قوم من المسلمين وتداخلهم الفشل والهلع وظنوا أنهم إذ تحصنوا ببعض الدور الكبار امتنعوا بها فنزلوا من السور وأخلوا الموضع الذي كانوا يحفظونه فرآهم طائفة أخرى ففعلوا كفعلهم فخلا مكانهم أيضا من السور ولم تزل تتبع طائفة منهم التي تليها في النزول حتى خلا السور فصعد الفرنج إليه على السلاليم فلما علوه تحير المسلمون ودخلوا دورهم فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسبوا السبي الكثير وملكوه أقاموا أربعين يوما وساروا إلى عرقة فحصروها أربعة أشهر ونقبوا سورها عدة ثقوب فلم يقدروا عليها وراسلهم منقذ صاحب شيزر فصالحهم عليها وساروا إلى حمص وحصروها فصالحهم صاحبها جناح الدولة وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا فلم يقدروا عليها

ذكر الحرب بين الملك سنجر ودولتشاه ص 16

كان دولتشاه من أبناء الملوك السلجوقية فاجتمع عليهم جمع من عساكر بيغو أخي طغرلبك وكان بطخارستان فأخذوا ولوالج وكمنج فسار إليهم السلطان سنجر وعساكره فوصل إلى بلخ فدخلها في رجب من هذه السنة وخرج منها لقتال دولتشاه فلم يكن له من الجموع ما ثبت مقابل عسكر سنجر فعفا عنه من القتل وحبسه ثم بعد ذلك كحله وسير سنجر جيشا إلى مدينة ترمذ فملكوها وسلمها إلى طغرل تكين

ذكر عدة حوادث ص 16

في هذه السنة فتح تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية جزيرة جربة وجزيرة قرقنة ومدينة تونس وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من الناس

وفيها أرسل الخليفة رسولا إلى السلطان بركيارق مستنفرا على الفرنج ومبالغا في تعظيم الأمر وتداركه قبل أن يزداد قوة

وفي هذه السنة في شعبان توفي أبو الحسن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف ومولده سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وكان فاضلا في الحديث

وفيها توفي أبو الفضل عبد الوهاب بن أبي محمد التميمي الحنبلي وكان فاضلا فصيحا

وفيها في شوال توفي طراد بن محمد الزينبي وهو علي الإسناد في الحديث وولي نقابة العباسيين من بعده ابنه شرف الدين علي بن طراد

وفيها في ذي القعدة توفي أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وكان بيته مجمع الفضلاء وأهل الدين ومن جملة من كان عنده إلى أن توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وفيها توفي أبو الفرج سهل بن بشر بن أحمد الإسفرايني وهو من أعيان المحدثين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.