في هذه السنة في المحرم قتل أرسلان أرغون بن ألب أرسلان أخو السلطان ملكشاه بمرو وكان خراسان وسبب قتله أنه كان شديدا على غلمانه كثير الإهانة لهم والعقوبة وكانوا يخافونه خوفا عظيما فاتفق أنه الآن طلب غلاما له فدخل عليه وليس معه أحد فأنكر عليه تأخره عن الخدمة فاعتذر فلم يقبل عذره وضربه فأخرج الغلام سكينا معه وقتله وأخذ الغلام فقيل له لم فعلت هذا فقال لأريح الناس من ظلمه وكان سبب ملكه خراسان أنه كان له أيام أخيه ملكشاه من الإقطاع ما مقداره سبعة آلاف دينار وكان معه ببغداد لما مات فسار إلى همذان في سبعة غلمان واتصل به جماعة فسار إلى نيسابور فلم يجد فيها مطمعا فمر إلى مرو وكان شحنة مرو أميرا اسمه قودن من مماليك ملكشاه وهو الذي كان سبب تنكر السلطان ملكشاه على نظام الملك وقد تقدم ذلك في قتل نظام الملك فمال إلى أرسلان أرغون وسلم البلد إليه فأقبلت العساكر إليه وقصد بلخ وبها فخر الملك بن نظام الملك فسار عنها ووزر لتاج الدولة تتش على ما ذكرناه وملك أرسلان أرغون بلخ وترمذ ونيسابور وعامة خراسان وأرسل إلى السلطان بركيارق وإلى وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك يطلب أن يقر عليه خراسان كما كانت لجده داود ما عدا نيسابور ويبذل الأموال ولا ينازع في السلطنة فسكت عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش فلما عزل السلطان بركيارق مؤيد الملك عن وزارته ووليها أخوه فخر الملك واستولى على الأمور مجد الملك البلاساني قطع أرسلان أرغون مراسلة بركيارق وقال لا أرضى لنفسي مخاطبة البلاساني فندب بركيارق حينئذ عمه بوربرس بن ألب ارسلان وسيره في العساكر لقتاله وكان قد اتصل بأرسلان عماد الملك أبو القاسم بن نظام الملك ووزر له فلما وصلت العساكر إلى خراسان لقيهم أرسلان أرغون وقاتلهم وانهزم منهم وسار منهزما إلى بلخ وأقام بوربرس والعساكر التي معه بهراة ثم جمع أرغون عساكر جمعة وسار إلى مرو فحصرها أياما وفتحها عنوة وقتل فيها وأكثر وقلع أبواب سورها وهدمه فسار إليه بوربرس من هراة فالتقيا وتصافا فانهزم بوربرس سنة ثمان وثمانين وسبب هزيمته أنه كان معه من جملة العساكر الذين سير معه بركيارق أميرا آخر ملكشاه وهو من أكابر الأمراء والأمير مسعود بن تاجر وكان أبوه مقدم عسكر داود وجده ملكشاه ولمسعود منزلة كبيرة ومحل عظيم عند كافة الناس وكان بين أمير آخر وبين أرسلان مودة قديمة فأرسل إليه أرسلان أرغون يستميله ويدعوه إلى طاعته فأجابه إلى ذلك ثم إن مسعود بن ناجر قصد أميرا آخر زائر له ومعه ولده فأخذهما وقتلهما فضعف أمر بوربرس وانهزم من أرسلان أرغون وتفرق عسكره وأسر وحمل إلى أرسلان آرغون وهو أخوه فحسبه بترمذ ثم أمر به فخنق بعد سنة من حبسه وقتل أكابر عسكر خراسان ممن كان يخافه ويخشى تحكمه عليه وصادر وزيره عماد الملك بثلاثمائة ألف دينار وقتله وخرب أسوار مدن خراسان منها سور سبزوار وسور مرو الشاهجان وقلعة سرخس وقهندز نيسابور وسور شهر ستان وغير ذلك خربه جميعه سنة تسع وثمانين ثم إنه قتل هذه السنة كما ذكرنا
ثم دخلت سنة تسعين وأربعمائة
في هذه السنة في ربيع الأول وصل عسكر كثير من مصر إلى ثغر صور بساحل الشام فحصرها وملكها وسبب ذلك أن الوالي بها ويعرف بكتيلة أظهر العصيان على المستعلي صاحب مصر والخروج عن طاعته فسير إليه جيشا فحصروه بها وضيقوا عليه وعلى من معه من جندي وعامي ثم افتتحها عنوة بالسيف وقتل بها خلق كثير ونهب منها المال الجزيل وأخذ الوالي أسيرا بغير أمان وحمل إلى مصر فقتل بها
كان بركيارق قد جهز بالعساكر مع أخيه الملك سنجر وسيرها إلى خرسان لقتال عمه أرسلان أرغون وجعل الأمير قماج أتابك سنجر ورتب في وزارته أبا الفتح علي بن الحسين الطغرائي فلما وصلوا إلى الدامغان بلغهم خبر قتله فأقاموا حتى لحقهم السلطان بركيارق وساروا إلى نيسابور فوصل إليها خامس جمادى الأولى من السنة وملكها بغير قتال وكذلك سائر البلاد الخراسانية وساروا إلى بلخ وكان عسكر أرسلان أرغون قد ملكوا بعد قتله أبنا له صغيرا عمره سبع سنين فلما سمعوا بوصول السلطان أبعدوا إلى جبال طخارستان وأرسلوا يطلبون الأمان فأجابهم إلى ذلك فعادوا ومعهم ابن أرسلان أرغون فأحسن السلطان لقاءه وأعطاه ما كان لأبيه من الإقطاع أيام ملكشاه وكان وصوله إلى السلطان في خمسة عشر ألف فارس فما انقضى يومهم حتى فارقوه واتصلت كل طائفة منهم بأمير تخدمه وبقي وحده مع خادم لأبيه فأخذته والدة السلطان بركيارق إليها وأقامت له من يتولى خدمته وتربيته وسار بركيارق إلى ترمذ فسلمت إليه وأقام عند بلخ سبعة أشهر وأرسل إلى ما وراء النهر فأقيمت له الخطبة بسمرقند وغيرها ودانت له البلاد
في هذه السنة لما كان السلطان بركيارق بخراسان خالف عليه أمير اسمه محمد بن سليمان ويعرف بأمير أميران وهو ابن عم ملكشاه وتوجه إلى بلخ واستمد من صاحب غزنة فأمده بجيش كثير وفيلة وشرط عليه أن يخطب له في جميع ما يفتحه من خراسان فقويت شوكته ومد يده في البلاد فسير إليه الملك سنجر بن ملكشاه جريدة ولايعلم به أمير أميران فكبسه فجرى بينهما قتال ساعة ثم أسر وحمل إلى بين يدي سنجر فأمر به فكحل
في هذه السنة عصى يارقطاش وقودن على السلطان بركيارق وسبب ذلك أن الأمير قودن كان قد صار في جملة الأمير قماج فتوفي والسلطان بمرو فاستوحش قودن وأظهر المرض وتأخر بمرو بعد مسير السلطان إلى العراق وكان من جملة أمراء السلطان أمير اسمه اكنجي وقد ولاه السلطان خوارزم ولقبه خوارزمشاه فجمع عساكره وسار في عشرة آلاف فارس ليحلق السلطان فسبق العسكر إلى مرو في ثلاثمائة فارس وتشاغل بالشرب فاتفق قودن وأمير آخر اسمه يارقطاش على قتله فجمعها خمسمائة فارس وكبسوه بالشرب وقتلوه وساروا إلى خوارزم وأظهروا أن السلطان قد استعملهما عليها فتسلماها وبلغ الخبر إلى السلطان فتم المسير إلى العراق لما بلغه من خروج الأمير أنز ومؤيد الملك عن طاعته وأعاد أمير داذ حبشي بن التونتاق في جيش إلى خراسان لقتالهما فسار إلى هراة وأقام ينتظر اجتماع العساكر معه فعاجلاه في خمسة عشر ألفا فعلم أمير داذ أنه لاطاقة له بهما فعبر جيحون فسار إليه وتقدم يارقطاش ليلحقه قودن فعاجله يارقطاش وحده وقاتله فانهزم يارقطاش وأخذ أسيرا وبلغ الخبر إلى قودن فبثار به عسكره ونهبوا خزائنه وما معه فبقي في سبعة نفر فهرب إلى بخارى فقبض عليه صاحبها ثم أحسن إليه وبقي عنده وسار من هناك إلى الملك سنجر ببلخ فقبله أحسن قبول وبذل له قودن أن يكفيه أموره ويقوم بجمع العساكر على طاعته فقدر أنه مات عن قريب وأما يارقطاش فبقي أسيرا إلى أن قتل أمير داذ وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى
في هذه السنة أمر بركيارق الأمير حبشي بن التونتاق على خراسان كم ذكرناه فلما صفت له وقتل قودن كما ذكرناه قبل ولي خوارزم الأمير محمد بن أنوشتكين وكان أبوه أنوشتكين مملوك أمير من السلجوقيه اسمه بلكباك قد اشتراه من رجل من غرشتان فقيل له أنوشتكين غر شحه فكبر وعلا أمره وكان حسن الطريقة كامل الأوصاف وكان مقدما مرجوعا إليه وولد له ولد سماه محمدا وهو هذا وعلمه وهرجه وأحسن تأديبه وتقدم بنفسه بالعناية الأزلية فلما ولي أمير داذ حبشي خراسان كان خوارزمشاه اكنجي قد قتل وقد تقدم ذكره ونظر الأمير حبشي فيمن يوليه خوارزم فوقع اختياره على محمد بن أنوشتكين فولاه خوارزم ولقبه خوارزمشاه فقصر أوقاته على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها وقرب أهل العلم والدين فازداد ذكره حسنا ومحله علوا ولما علم ملك السلطان سنجر خراسان أقر محمدا خوارزمشاه على خوارزم وأعمالها فظهرت كفايته وشهامته فعظم سنجر محله وقدره ثم إن بعض ملوك الأتراك جمع جموعا وقصد خوارزم ومحمد غائب عنها وكان طغرلتكين بن أكنجي الذي كان أبوه خوارزمشاه قبل عند السلطان سنجر فهرب منه والتحق بالأتراك على خوارزم فلما سمع خوارزمشاه محمد الخبر بادر إلى خوارزم وأرسل إلى سنجر يستمده وكان بنيسابور فسار في العساكر إليه فلم ينتظر محمد فلما قارب خوارزم هرب الأتراك إلى منقشلاغ وطفرلتكين أيضا رحل إلى حندخان وكفي خوارزمشاه شرهم ولما توفي خوارزمشاه ولي بعده ابنه أتسز فمد ظلال الأمن وأفاض العدل وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وقصد بلاد الأعداء وباشر الحروب فملك مدينة منقشلاع ولما ولي بعد أبيه قربه السلطان سنجر وعظمه واعتضدبه واستصحبه معه في أسفاره وحروبه فظهرت منه الكفاية والشهامة فزاده تقدما وعلوا وهو ابتداء ملك بيت خوارزمشاه تكش وابنه محمد الذي ظهرت التتر عليه على ما نذكره إن شاء الله تعالى
في هذه السنة سار الملك رضوان إلى دمشق وبها أخوه دقاق عزما على أخذها منه فلما قاربها ورأى حصانتها وامتناعها علم عجزه عنها فرحل إلى نابلس وسار إلى القدس ليأخذه فلم يمكنه وانقطعت العساكر عنه فعاد وسعه باغي سيان صاحب أنطاكية وجناح الدولة ثم إن باغي سيان فارق رضوان وقصد دقاق وحسن له محاصرة أخيه بحلب جزاء لما فعله فجمع عساكر كثيرة وسار ومعه باغيسيان فأرسل رضوان رسولا إلى سقمان بن أرق وهو بسروج يستنجده فأتاه في خلق كثير من التركمان فسار نحو أخيه فالتقيا بقنسرين فاقتتلا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم وجميع مالهم وعاد رضوان إلى حلب ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق قبل دقاق وبأنطاكية وقيل كانت هذه الحادثة سنة تسع وثمانين
في هذه السنة خطب الملك رضوان في كثير من ولايته للمستعلي بأمر الله العلوي صاحب مصر وسبب ذلك أنه كان عنده لأمير جناح الدولة وهو زوج أمه فرأى من رضوان تغيرا فسارا إلى حمص وهي له فلما رأى باغيسيان بعده عن رضوان صالحه وقدم إليه بحلب ونزل ظاهرها وكان لرضوان منجم يقال له الحكيم أسعد وكان يميل إليه فقدمه بعد مسير جناح الدولة فحسن له مذاهب العلويين المصريين وأتته رسل المصريين يدعونه إلى طاعتهم يبذلون له المال وإنفاذ العساكر إليه ليملك دمشق فخطب لهم بشيزر وجميع الأعمال سوى أنطاكية وحلب والمعرة أربع جمع ثم حضر عنده سقمان بن أرتق وباغيسيان صاحب أنطاكية فأنكر ذلك واستغظماه فأعاد الخطبة العباسية في هذه السنة وأرسل إلى بغداد يعتذر عما كان منه وسار باغيسيان إلى أنطاكية فلم يقم بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج إليها وحصروها وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بخراسان بين أهل سبزوار وأهل خسر وجرد وقتال عظيم قتل بينهم جماعة كثيرة وانهزم أهل خسر وجرد وفيها قتل عثمان وكيل دار نظام الملك وكان سبب قتله أنه كاتب كاتب صاحب غزنة بالأخبار من قبل السلطان فأخذ وحبس بترمذ مدة ثم اطلع عليه وهو في الحبس أنه كان يكاتبه أيضا فقتل
وفي صفر منها قتل عبد الرحمن السميرمي وزير أم السلطان بركيارق قتله باطني غيلة وقتل الباطني بعده
وفيها في شعبان ظهر كوكب كبير له ذؤابة وأقام يطلع عشرين يوما ثم غاب ولم يظهر
وفيها توفي النقيب الطاهر أبو الغنائم محمد بن عبد الله وكان دينا سخيا وكريما متعصبا حنفي المذهب وولي النقابة بعده ولده أبو الفتوح حيدرة
وفيها توفي أبو القاسم يحي بن أحمد السيبي وهو ابن مائة سنة وسنتين وهو صحيح الحواس وكان مقرئا محدثا حاضر القلب
وفيها قتل أرغش النظامي مملوك نظام الملك بالري وكان قد بلغ مبلغا عظيما بحيث إنه تزوج ابنه ياقوتي عم السلطان بركيارق قتله باطني وقتل قاتلة وقتل برسق في شهر رمضان وهو من أكابر الأمراء قتله باطني وكان برسق من أصحاب السلطان طغرلبك وهو أول شحنة كان ببغداد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
