ذكر قتال الفرنج وانهزامهم وقتل مودود
ص 148
في هذه السنة في المحرم اجتمع المسلمون وفيهم الأمير مودود بن التونتكين صاحب الموصل وتميرك صاحب سنجار والأمير أياز بن أيلغازي وطغتكين صاحب دمشق
وكان سبب اجتماع المسلمين أن ملك الفرنج بغدوين تابع الغارات على بلد دمشق ونهبه وخربه أواخر سنة ست وخمسمائة وانقطعت المواد عن دمشق فغلت الأسعار فيها وقلت الأقوات فأرسل طغتكين صاحبها إلى الأمير مودود يشرح له الحال ويستنجده ويحثه على الوصول إليه فجمع عسكرا وسار فعبر الفرات آخر ذي القعدة سنة ست وخمسمائة فخافه الفرنج وسمع طغتكين خبره فسار إليه ولقيه بسلمية واتفق رأيهم على قصد بغدوين ملك القدس فساروا إلى الأردن فنزل المسلمون عند الأقحوانة ونزل الفرنج مع ملكهم بغدوين وجوسلين صاحب جيشهم وغيرهما من المقدمين والفرسان المشهورين ودخلوا بلاد الفرنج مع مودود وجمع الفرنج فالتقوا عند طبرية ثالث عشر المحرم واشتد القتال وصبر الفريقان ثم إن الفرنج انهزموا وكثر القتل فيهم والأسر
وممن أسر ملكهم بغدوين فلم يعرف فأخذ سلاحه وأطلق فنجا وغرق منهم في بحيرة طبرية ونهر الأردن كثير وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم ووصل الفرنج إلى مضيق دون طبرية فلقيهم عسكر طرابلس وأنطاكية فقويت نفوسهم بهم وعاودوا الحرب فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية وصعد الفرنج إلى جبل غرب طبرية فأقاموا به ستة وعشرين يوما والمسلمون بإزائهم يرمونهم بالنشاب فيصيبون من يقرب منهم ومنعوا الميرة عنهم لعلهم يخرجون إلى قتالهم فلم يخرج منهم أحد فسار المسلمون إلى بيسان ونهبوا بلاد الفرنج بين عكا إلى القدس وخربوها وقتلوا من ظفروا به من النصارى وانقطعت المادة عنهم لبعدهم عن بلادهم فعادوا ونزل بمرج الصفر الأمير مودود وأذن للعساكر في العود والاستراحة ثم الاجتماع في الربيع لمعاودة الغزاة وبقي في خواصه ودخل دمشق في الحادي والعشرين من ربيع الأول ليقيم عند طغتكين إلى الربيع فدخل الجامع يوم الجمعة في ربيع الأول ليصلي فيه وطغتكين فلما فرغوا من الصلاة وخرج إلى صحن الجامع ويده في يد طغتكين وثب عليه باطني فضربه فجرحه أربع جراحات وقتل الباطني وأخذ رأسه فلم يعرف أحد فأحرق
وكا صائما فحمل إلى دار طغتكين واجتهد به ليفطر فلم يفعل وقال لا لقيت الله إلا صائما فمات من يومه رحمه الله فقيل إن الباطنية بالشام خافوه وقتلوه وقيل بل خافه طغتكين فوضع عليه من قتله وكان خيرا عادلا كثير الخير
حدثني والدي قال كتب ملك الفرنج إلى طغتكين بعد قتل مودود كتابا من فضوله إن أمة قتلت عميدها يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها
ولما قتل تسلم تميرك صاحب سنجار ما معه من الخزائن وحملها إلى السلطان ودفن مودود بدمشق في تربة دقاق صاحبها وحمل بعد ذلك إلى بغداد فدفن في جوار أبي حنيفة ثم حمل إلى أصبهان
ذكر الخلف بين السلطان سنجر ومحمد خان والصلح بينهما
ص 149
في هذه السنة كثر الحديث عند سنجر أن محمد خان بن سليمان بن داود قد مد يده إلى أموال الرعايا وظلمهم ظلما كثيرا وأنه خرب البلاد بظلمه وشره وأنه قد صار استخف بأوامر سنجر ولا يلتفت إلى شيء منها فتجهز سنجر وجمع عساكره وسار يريد قصده بما وراء النهر فخاف محمد خان فأرسل إلى الأمير قماج وهو أكبر أمير مع سنجر يسأله أن يصلح الحال بينه وبين سنجر وأرسل أيضا إلى خوارزمشاه بمثل ذلك وألهما في إرضاء السلطان عنه واعترف بأنه أخطأ فأجاب سنجر إلى صلحه على شرط أن يحضر عنده ويطأ بساطه فأرسل محمد خان يذكر خوفه لسوء صنيعه ولكنه يحضر الخدمة ويخدم السلطان وبينهما نهر جيحون ثم يعاود بعد ذلك الحضور عنده والدخول إليه فحسنوا الإجابة إلى ذلك والاشتغال بغيره فامتنع ثم أجاب وكان سنجر على شاطئ جيحون من الجانب الغربي وجاء محمد خان إلى الجانب الشرقي فترجل وقبل الأرض وسنجر راكب وعاد كل واحد منهما إلى خيامه ورجعوا إلى بلادهم وسكنت الفتنة بينهما
ذكر عدة حوادث
ص 150
في هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر فأتى الخبر إلى بغدوين ملك الفرنج فسار إليه وعارضه في البر فأخذهم أجمعين ولم ينج منهم إلا القليل ومن سلم أخذه العرب
وفي هذه السنة توفي الوزير أبو القاسم علي بن محمد بن جهير وزير الخليفة المستظهر بالله ووزر بعده الربيب أبو منصور ابن الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين وزير السلطان
وتوفي فيها الملك رضوان بن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان صاحب حلب وقام بعده بحلب ابنه ألب أرسلان الأخرس وعمره ست عشرة سنة وكانت أمور رضوان غير محمودة قتل أخويه أبا طالب وبهرام وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينة
ولما ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم ولم يكن للأخرس معه إلا اسم السلطنة ومعناه للؤلؤ ولم يكن ألب أرسلان أخرس وإنما في لسانه حبسة وتمتمة وأمه بنت باغيسيان الذي كان صاحب أنطاكية
وقتل الأخرس أخوين له أحدهما اسمه ملكشاه وهو من أبيه وأمه واسم الآخر مباركشاه وهو من أبيه وكان أبوه فعل مثله فلما توفي قتل ولداه مكافأة لما اعتمده مع أخويه وكان الباطنية قد كثروا بحلب في أيامه حتى خافهم ابن بديع رئيسها وأعيان أهلها فلما توفي قال ابن بديع لألب أرسلان في قتلهم والإيقاع بهم فأمره بذلك فقبض على مقدمهم أبي طاهر الصائغ وعلى جميع أصحابه فقتل أبا طاهر وجماعة من أعيانهم وأخذ أموال الباقين وأطلقهم فمنهم من قصد الفرنج وتفرقوا في البلاد
وفي هذه السنة توفي ببغداد أبو بكر أحمد بن علي بن بدران الحلواني الزاهد منتصف جمادى الأولى روى الحديث عن القاضي أبي الطيب الطبري وأبي محمد الجوهري وأبي طالب العشاري وغيرهم وروى عنه خلق كثير ومن آخرهم أبو الفضل عبد الله بن الطوسي خطيب الموصل وإسماعيل بن أحمد بن الحسين بن علي أبو علي بن أبي بكر البيهقي الإمام ابن الإمام ومولده سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وتوفي بمدينة بيهق ولوالده تصانيف كثيرة مشهورة وشجاع بن أبي شجاع فارس بن الحسين بن فارس أبو غالب الذهلي الحافظ ومولده سنة ثلاثين وأربعمائة وروى عن أبيه وأبي القاسم وابن المهتدي والجوهري وغيرهم والأديب أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد الأبيوردي الشاعر المشهور وله ديوان حسن ومن شعره
( تنكر لي دهري ولم يدر أنني % أعز وأحداث الزمان تهون )
( وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه % وبت أريه الصبر كيف يكون )
وله أيضا
( ركبت طرفي فأدرى دمعه أسفا % عند انصرافي منهم مضمر الياس )
( وقال حتام تؤذيني فإن سنت % حوائج لك فاركبي إلى الناس )
وكانت وفاته بأصبهان وهو من ولد عنبسة بن أبي سفيان بن حرب الأموي
وتوفي أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الإمام الفقيه الشافعي في شوال ومولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة سمع أبا بكر الخطيب وأبا يعلى بن الفراء وغيرهم وتفقه على أبي عبد الله محمد بن الكازوني بديار بكر وعلى أبي إسحاق الشيرازي ببغداد وعلى أبي نصر بن الصباغ وفيها توفي أبو نصر المؤتمن بن أحمد بن الحسن الساجي الحافظ المقدسي ومولده سنة خمس وأربعين وأربعمائة وكان مكثرا من الحديث وتفقه على أبي إسحاق وكان ثقة