في هذه السنة سير السلطان محمد الأمير آقسنقر البرسقي إلى الموصل وأعمالها واليا عليها لما بلغه قتل مودود وسير معه ولده الملك مسعودا في جيش كثيف وأمره بقتال الفرنج وكتب إلى سائر الأمراء بطاعته فوصل إلى الموصل واتصلت به عساكرها وفيهم عماد الدين زنكي بن آقسنقر الذي ملك هو وأولاده الموصل بعد ذلك وكان له الشجاعة في الغاية واتصل به أيضا تميرك صاحب سنجار وغيرهما فسار البرسقي إلى جزيرة ابن عمر فسلمها إيه نائب مودود بها وسار معه إلى ماردين فنازلها البرسقي حتى أذعن له أيلغازي صاحبها وسير معه عسكرا مع ولده أياز فسار عنه البرسقي إلى الرها في خمسة عشر ألف فارس فنازلها في ذي الحجة وقاتلها وصبر له الفرنج وأصابوا من بعض المسلمين غزة فأخذوا منهم تسعة رجال وصلبوهم على سورها فاشتد القتال حينئذ وحمى المسلمون وقاتلوا فقتلوا من الفرنج خمسين فارسا من أعيانهم وأقام عليها شهرين وأياما وضاقت الميرة على المسلمين فرحلوا من الرها إلى سميساط بعد أن خربوا بلد الرها وبلد سروج وبلد سميساط وأطاعه صاحب مرعش على ما نذكره ثم عاد إلى شحنان فقبض على أياز بن أيلغازي حيث لم يحضر أبوه ونهب سواد ماردين
ثم دخلت سنة ثمان وخمسمائة
في هذه السنة توفي بعض كنود الفرنج ويعرف بكواسيل وهو صاحب مرعش وكيسوم ورعبان وغيرها فاستولت زوجته على المملكة وتحصنت من الفرنج وأحسنت إلى الأجناد وراسلت آقسنقر وهو على الرها واستدعت منه بعض أصحابه لتطيعه فسير إليها الأمير سنقر دزدار صاحب الخابور فلما وصل إليها أكرمته وحملت إليه مالا كثيرا وبينما هو عندها إذ جاء جمع من الفرنج فواقعوا أصحابه وهم نحو مائة فارس واقتتلوا قتالا شديدا ظفر فيه المسلمون بالفرنج وقتلوا منهم أكثرهم وعاد سنقر دزدار وقد أصحبته الهدايا للملك مسعود والبرسقي وأذعنت بالطاعة ولما عرف الفرنج ذلك عاد كثير ممن عندها إلى أنطاكية
لما قبض البرسقي على أياز بن أيلغازي سار إلى حصن كيفا وصاحبها الأمير ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان فاستنجده فسار معه ي عسكره وأحضر خلقا كثيرا من التركمان وسار إلى البرسقي فلقيه أواخر السنة واقتتلوا قتالا شديدا صبروا فيه فانهزم البرسقي وعسكره وخلص أياز بن أيلغازي من الأسر فأرسل السلطان إليه يتهدده فخافه وسار إلى الشام إلى حميه طغتكين صاحب دمشق فأقام عنده أياما وكان طغتكين أيضا قد استوحش من السلطان لأنه نسب إليه قتل مودود فاتفقا على الامتناع والالتجاء إلى الفرنج والاحتماء بهم فراسلا صاحب أنطاكية وحالفاه فحضر عندهما على بحيرة قدس عند حمص وجددوا العهود وعاد إلى أنطاكية وعاد طغتكين إلى دمشق وسار أيلغازي إلأى الرستن على عزم قصد ديار بكر وجمع التركمان والعود فنزل بالرستن ليستريح فقصده الأمير قيرخان بن قراجة صاحب حمص وقد تفرق عن أيلغازي أصحابه فظفر به فرجان وأسره ومعه جماعة من خواصه وأرسل إلى السلطان يعرفه ذلك ويسأله تعجيل إنفاذ العساكر لئلا يغلبه طغتكين على أيلغازي
ولما بلغ طغتكين الخبر عاد إلى حمص وأرسل في إطلاقه فامتنع قرجان وحلف إن لم يعد طغتكين لنقتلن أيلغازي فأرسل أيلغازي إلأى طعتكين أن الملاججة تؤذيني وتسفك دمي والمصلحة عودك إلى دمشق فعاد وانتظر قرجان وصول العساكر السلطانية فتأخرت عنه فخاف أن ينخدع أصحابه لطغتكين ويسلموا إليه حمص فعدل إلى الصلح مع أيلغازي على أن يطلقه ويأخذ ابنه أياز رهينة ويصاهره ويمنعه من طغتكين وغيره فأجابه إلى ذلك فأطلقه وتحالفا وسلم إيله ابنه أياز وسار عن حمص إلى حلب وجمع التركمان وعاد إلى حمص وطالب بولده أياز وحصر قرجان إلى أن وصلت العساكر السلطانية فعاد أيلغازي على ما نذكره
في هذه السنة في شوال توفي الملك علاء الدولة أبو سعد مسعود بن أبي المظفر إبراهيم بن أبي سعد مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزة بها وملك بعده ابنه أرسلانشاه وأمه سلجوقة وهي أخت السلطان ألب أرسلان بن داود
فقبض على إخوته وسجنهم وهرب أخ له اسمه بهرام إلى خراسان فوصل إلى السلطان سنجر بن ملكشاه فأرسل إلى أرسلانشاه في معناه فلم يسمع منه ولا أصغى إلى قوله فتجهز سنجر للمسير إلى غزنة وإقامة بهرامشاه في الملك فأرسل أرسلانشاه إلى السلطان وترك التعرض له وقال للرسول إن رأيت أخي وقد قصدهم وسار نحوهم أو قارب أن يسير فلا تمنعه ولا تبلغه الرسالة فإن ذلك يفت في عضده ويوهنه ولا يعود ولأن يملك أخي الدنيا أحب إلي
فوصل الرسول إلى سنجر وقد جهز العساكر إلى غزنة وجعل على مقدمته الأمير أنز مقدم عسكره ومعه الملك بهرامشاه فساروا حتى بلغوا بست واتصل بهم فيها أبو الفضل نصر بن خلف صاحب سجستان وسمع أرسلانشاه الخبر فسير جيشا كثيفا فهزماه ونهباه وعاد من سلم إلى غزنة على أسوأ حال فخضع حينئذ أرسلانشاه وأرسل إلى الأمير أنز يضمن له الأموال الكثيرة ليعود عنه ويحسن للملك سنجر العود عنه فلم يفعل وتجهز السلطان سنجر بعد أنر للمسير بنفسه فأرسل إليه أرسلانشاه امرأة عمه نصر تسأله الصفح عن قصده وهي أخت الملك سنجر من السلطان بركيارق
وكان علاء الدولة أبو سعد قد قتل زوجها ومنعها من الخروج عن غزنة وتزوجها فسيرها الآن أرسلانشاه فلما وصلت إلى أخيه أوصلت ما معها من الأموال والهدايا وكان معها مائتا ألف دينار غير ذلك وطلب من سنجر أن يسلم أخاه بهرام إليه
وكانت موغرة الصدر من أرسلانشاه فهونت أمره عل سنجر وأطعمته في البلاد وسهلت الأمر عليه وذكرت له ما فعل بإخوته وكان قتل بعضا وكحل بعضا من غير خروج منهم عن الطاعة فسار الملك فلما وصل إلى بست أرسل خادما من خواصه إلى أرسلانشاه في رسالة فقبض عليه في بعض القلاع فسار حينئذ سنجر مجدا فلما سمع بقربه من أطلق الرسول ووصل سنجر إلى غزنة ووقع بينهما المصاف على فرسخ من غزنة بصحراء شهرأباذ وكان أرسلانشاه في ثلاثين ألف فارس وخلق كثير من الرجالة ومعه مائة وعشرون فيلا على كل فيل أربعة نفر فحملت الفيلة على القلب وفيه سنجر فكان من فيه ينهزمون فقال سنجر لغلمانه الأتراك لترموها بالنشاب فتقد ثلاثة آلاف غلام فرموا الفيلة رشقا واحدا جميعا فقتلوا منها عدة فعدلت الفيلة عن القلب إلى الميسرة وبها أبو الفضل صاحب سجستان وجالت عليهم فضعف من في الميسرة فشجعهم أبو الفضل وخوفهم من الهزيمة مع بعد ديارهم وترجل عن فرسه بنفسه وقصد كبير الفيلة ومتقدمها ودخل تحتها فشق بطنها وقتل فيلين آخرين
ورأى الأمير أنر وهو في الميمنة ما في المسيرة من الحرب فخاف عليها فحمل من وراء عسكر غزنة وقصد الميسرة واختلط بهم وأعانهم فكانت الهزيمة على الغزنوية وكان ركاب الفيلة قد شدوا أنفسهم عليها بالسلاسل فلما عضهم الحرب وعمل فيهم السيف ألقوا أنفسهم فبقوا معلقين عليها ودخل السلطان سنجر غزنة في العشرين من شوال سنة عشر وخمسمائة ومعه بهرامشاه
فأما القلعة الكبيرة المشتملة على الأموال وبينها وبين البلد تسعة فراسخ وهي عظيمة لا مطمع فيها ولا طريق عليها
وكان أرسلانشاه قد سجن فيها أخاه طاهرا الخازن وهو صاحب بهرامشاه واعتقل بها أيضا زوجة بهرامشاه فلما انهزم أرسلانشاه استمال أخوه طاهر المستحفظ بها فبذل له وللأجناد الزيادات فسلموا القلعة إلى الملك سنجر
وأما قلعة البلد فإن أرسلانشاه كان قد اعتقل بها رسول سنجر فلما أطلقه بقي غلمانه بها فسلموا القلعة أيضا بغير قتال
وكان قد تقرر بين بهرامشاه وبين سنجر أن يجلس بهرام على سرير جده محمود بن سبكتكين وحده وأن تكون الخطبة بغزنة للخليفة وللسلطان محمد وللملك سنجر وبعدهم لبهرامشاه فلما دخلوا غزنة كان سنجر راكبا وبهرامشاه بين يديه راجلا حتى جاء السرير فتصعد بهرامشاه فجلس عليه ورجع سنجر وكان يخطب له بالملك ولبهرامشاه بالسلطان على عادة آبائه فكان هذا من أعجب ما يسمع به وحصل لأصحاب سنجر من الأموال ما لا يحد ولا يحصى من السلطان والرعايا
وكان في دور لملوكها عدة دور على حيطانها ألواح الفضة وسواقي المياه إلى البساتين من الفضة أيضا فقلع من ذلك أكثره ونهب
فلما سمع سنجر ما يفعل منع عنه بجهده وصلب جماعة حتى كف الناس وفي جملة ما حصل للملك سنجر خمسة تيجان قيمة أحدها يزيد على ألفي ألف دينار وألف وثلاثمائة قطعة مصاغ مرصعة وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة
وأقام بغزنة أربعين يوما حتى استقر بهرامشاه وعاد نحو خراسان
ولم يخطب بغزنة لسلجوقي قبل هذا الوقت حتى إن السلطان ملكشاه مع تمكنه وكثرة ملكه لم يطمع فيه وكان كلما رام ذلك منع منه نظام الملك وأما أرسلانشاه فإنه لما انهزم قصد هندوستان واجتمع عليه أصحابه فقويت شوكته فلما عاد سنجر إلى خراسان توجه إلى غزنة فلما عرف بهرامشاه قصده أياه وتوجه إلى باميان وأرسل إلى الملك سنجر يعلمه الحال فأرسل إليه عسكرا
وأقام أرسلانشاه بغزنة شهرا واحدا وسار يطلب أخاه بهرامشاه فبلغه وصول عسكر سنجر فانهزم بغير قتال للخوف الذي قد باشر قلوب أصحابه ولحق أوغنان فسار أخوه بهرامشاه
وعسكر سنجر في أثره وأخربوا البلاد التي هو فيها وأرسلوا إلى أهلها يتهددونهم فسلموه بعد المضايقة فأخذه متقدم جيش الملك سنجر وأراد حمله إلى صاحبه فخاف بهرامشاه من ذلك فبذل له مالا فسلمه إليه فخنقه ودفنه بتربة أبيه بغزنة وكان عمره سبعا وعشرون سنة وكان أحسن إخوته صورة
وكان قتله في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وإنما ذكرناه ههنا لتتصل الحادثة
في هذه السنة في جمادى الآخرة كانت زلزلة شديدة بديار الجزيرة والشام وغيرهما فخربت كثيرا من الرها وحران وسميساط ويالس وغيرها وهلك خلق كثير تحت الهدم
وفيها قتل تاج الدولة ألب أرسلان بن رضوان صاحب حلب قتله غلمانه بقلعة حلب وأقاموا بعده أخاه سلطانشاه بن رضوان وكان المستولي عليه لؤلؤا الخادم
وفيها توفي الشريف النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني في ربيع الآخر بدمشق
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
