ذكر استيلاء مودود وعسكر السلطان على الموصل وولاية مودود
ص 123
في هذه السنة في صفر استولى مودود والعسكر الذي أرسله السلطان معه على مدينة الموصل وأخذوها من أصحاب جاولي سقاوو
وقد ذكرنا سنة خمسمائة استيلاء جاولي عليها وما جرى بينه وبين جكرمش والملك قلج أرسلان وهلاكها على يده وصار معه بعد ذلك العسكر الكثير والعدة التامة والأموال الكثيرة
وكان السلطان محمد قد جعل إليه ولاية كل بلد يفتحه فاستولى على كثير من البلاد والأموال
وكان سبب أخذ البلاد منه أنه استولى عليها وعلى الأموال الكثيرة منها لم يحمل إلى السلطان منها شيئا فلما وصل السلطان إلى بغداد لقصد بلاد سيف الدولة صدقة أرسل إلى جاولي يستدعيه إليه بالعساكر وكرر الرسل إليه فلم يحضر وغالط في الانحدار إليه وأظهر أنه يخاف أن يجتمع به ولم يقنع بذلك حتى كاتب صدقة وأظهر له أنه معه ومساعده على حرب السلطان وأطعمه في الخلاف والعصيان
فلما فرغ السلطان من أمر صدقة وقتله كما ذكرناه تقدم إلى الأمراء بني برسق وسكمان القطبي ومودود بن التونتكين وآقسنقر البرسقي ونصر بن مهلهل بن أبي الشوك الكردي وأبي الهيجاء صاحب إربل بالمسير إلى الموصل وبلاد جاولي وأخذها منه فتوجهوا نحو الموصل فوجدوا جاولي عاصيا قد شيد سور الموصل وأحكم ما باه جكرمش وأعد الميرة والأقوات والآلات واستظهر على الأعيان بالموصل فحسبهم وأخرج من أحداثها ما يزيد على عشرين ألفا ونادى متى اجتمع عاميان على الحديث في هذا الأمر قتلتهما وخرج عن البلد ونهب السواد وترك بالبلد زوجته ابنة برسق وأسكنها القلعة ومعها ألف وخمسمائة فارس من الأتراك سوى غيرهم وسوى الرجالة ونزل العسكر عليها في شهر رمضان سنة إحدى وخمسمائة وصادرت زوجته من بقي بالبلد وعسفت نساء الخارجين عنه وبالغت في الاحتراز عليهم فأوحشهم ذلك ودعاهم إلى الانحراف عنها
وقوتل أهل البلد قتالا متتابعا فتمادى الحصار بأهلها من خارج والظلم من داخل إلى آخر المحرم والجند بها يمنعون عاميا من القرب من السور فلما طال الأمر على الناس اتفق نفر من الجصاصين ومقدمهم جصاص يعرف بسعدي على تسليم البلد وتحالفوا على التساعد وأتوا وقت صلاة الجمعة والناس بالجامع وصعدوا برجا وأغلقوا أبوابه وقتلوا من به من الجند وكانوا نياما فلم يشعروا بشيء حتى قتلوا وأخذوا سلاحهم وألقوهم إلى الأرض وملكوا برجا آخر ووقعت الصيحة وقصدهم مائتا فارس من العسكر ورموهم بالنشاب وهم يقاتلون وينادون بشعار السلطان فزحف عسكر السلطان إليهم ودخلوا البلد من ناحيتهم وملكوه ودخله الأمير مودود ونودي بالسكون والأمن وأن يعود الناس إلى دورهم وأملاكهم وأقامت زوجة جاولي بالقلعة ثمانية أيام ورسالت الأمير مودود أن يفرج لها عن طريقها وأن يحلف لها عن الصيانة والحراسة فحلف وخرجت إلى أخيها برسق بن برسق ومعها أوالها وما استولت عليه وولي مودود الموصل وما ينضاف إليها
ذكر حال جاولي مدة الحصار
ص 124
وأما وجاولي فإنه لما وصل عسكر السلطان إلى الموصل وحصرها وسار عنها وأخذ معه القميص صاحب الرها الذي كان قد أسره سقمان وأخذه منه جكرمش وقد ذكرنا ذلك وسار إلى نصيبين وهي حينئذ للأمير أيلغازي بن أرتق وراسله وسأله الاجتماع به واستدعاه إلى معاضدته وأن يكون يدا واحدة وأعلمه أن خوفهما من السلطان ينبغي أن يجعلهما على الاحتماء منه فلم يجبه أيلغازي إلى ذلك ورحل عن نصيبين ورتب بها ولده وأمره بحفظها من جاولي وأن يقاتله إن قصده
وسار إلى ماردين فلما سمع جاولي ذلك عدل عن نصيبين وقصد دارا وأرسل إلى أيلغازي ثانيا في المعاني وسار بعد رسول الله فبينما رسوله عند أيلغازي بماردين لم يشعر إلا وجاولي معه في القلعة وحده وقصد أن يتألفه ويستمليه فما رآه أيلغازي قام إليه وخدمه ولما رأى جاولي محسنا للظن فيه غير مستشعر منه لم يجد إلى دفعه سبيلا فنزل معه وعسكرا بظاهر نصيبين وسارا منها إلى سنجار وحاصراها مدة فلم يجبهما صاحبه إلى صلح فتركاه وسارا نحو الرحبة وأيلغازي يظهر لجاولي المساعدة ويبطن الخلاف وينتظر فرصة لينصرف عنه فلما وصلا إلى عرابان من الخابور هرب أيلغازي ليلا وقصد نصيبين
ذكر إطلاق جاولي للقمص الفرنجي
ص 125
لما هرب أيلغازي من جاولي سار جاولي إلى الرحبة فلما وصل إلى ماكسين أطلق القمص الفرنجي الذي كان أسيرا بالموصل وأخذه معه واسمه بردويل وكان صاحب الرها وسروج وغيرهما وبقي في الحبس إلى الآن وبذل الأموال الكثيرة فلم يطلق فلما كان الآن أطلقه جاولي وخلع عليه وكان مقامه في السجن ما يقارب خمس سنين وقرر عليه أن يفدي نفسه بمال وأن يطلق أسرى المسلمين الذين في سجنه وأن ينصره متى أراد ذلك منه بنفسه وعسكره وماله فلما اتفقا على ذلك سير القمص إلى قلعة جعبر وسلمه إلى صاحبها سالم بن مالك حتى ورد عليه ابن خالته جوسلين وهو من فرسان الفرنج وشجعانها وهو صاحب تل باشر وغيرها وكان أسر مع القمص في تلك الوقعة ففدى نفسه بعشرين ألف دينار فلما وصل جوسلين إلى قلعة جعبر أقام رهينة عوض القمص وأطلق القمص وسار إلى أنطاكية وأخذ جاولي جوسلين من قلعة جعبر فأطلقه وأخذ عوضه أخا زوجته وأخا زوجة القمص وسيره إلى القمص ليقوى به وليحثه على إطلاق الأسرى وإنفاذ المال وما ضمنه فلما وصل جوسلين إلى منبج أغار عليها ونهبها وكان معه جماعة من أصحاب جاولي فأنكروا عليه ذلك ونسبوه إلى الغدر فقال إن هذه المدينة ليست لكم
ذكر ما جرى بين هذا القمص وبين صاحب أنطاكية
ص 125
لما أطلق القمص وسار إلى أنطاكية أعطاه طنكري صاحبها ثلاثين ألف دينار وخيلا وسلاحا وثيابا وغير ذلك
وكان طنكري قد أخذ الرها من اصحاب القمص حين أسر فخاطبه الآن في ردها عليه فلم يفعل فخرج من عنده إلى تل باشر فلما قدم عليه جوسلين وقد أطلقه جاولي سره ذلك وفرح به
وسار إليهما طنكري صاحب أنطاكية بعساكره ليحاربهما قبل أن يقوى أمرهما ويجمعا عسكرا ويلتحق بهما جاولي وينجدهما فكانوا يقتتلون فإذا فرغوا من القتال اجتمعوا وأكل بعضهم مع بعض وتحادثوا وأطلق القمص من الأسرى المسلمين مائة وستين أسيرا كلهم من سواد حلب وكساهم وسيرهم وعاد طنكري إلى أنطاكية من غير فصل حال في مغني الرها فسار القمص وجوسلين وأغارا على حصون طنكري صاحب أنطاكية والتجأ إلى ولاية كواسيل وهو رجل أرمني ومعه خلق كثير من المرتدين وغيرهم وهو صاحب رعبان وكيسوم وغيرهما من القلاع شمالي حلب فأنجد القمص بألف فارس من المرتدين وألفي راجل فقصدهم طنكري فتنازعوا في أمر الرها فتوسط بينهم البطرك الذي لهم وهو عندهم كالإمام الذي للمسلمين لا يخالف أمره وشهد جماعة من المطارنة والقسيسن أن بيمند خال طنكري قال له لما أراد ركوب البحر والعود إلى بلاده أن يعيد الرها إلى القمص إذا خلص من الأسر فأعادها عليه طنكري تاسع صفر وعبر القمص الفرات ليسلم إلى أصحاب جاولي المال والأسرى فأطلق في طريقه خلقا كثيرا من الأسرى من حران وغيرهما وكان بسروج ثلاثمائة مسلم ضعفى فعمر أصحاب جاولي مساجدهم وكان رئيس سروج مسلما قد ارتد فسمعه أصحاب جاولي يقول في الإسلام قولا شنيعا فضربوه وجرى بينهم وبين الفرنج بسببه نزاع فذكر ذلك للقمص فقال هذا لا يصلح لنا ولا للمسلمين فقتله
ذكر حال جاولي بعد إطلاق القمص
ص 126
لما أطلق جاولي بماكسين سار إلى الرحبة فأتاه أبو النجم بدران وأبو كامل منصور ابنا سيف الدولة صدقة وكانا بعد قتل أبيهما بقلعة جعبر عند سالم بن مالك فتعاهدوا على المساعدة والمعاضدة ووعدهما أنه يسير معهما إلى الحلة وعزموا أن يقدموا عليهم بكتاش بن بكتش بن ألب أرسلان فوصل إليهم وهم على هذا العزم الأصبهبذ صباوو وكان قصد السلطان فأقطعه الرحبة وقد ذكرناه فاجتمع بجاولي وأشار عليه أن يقصد الشام فإن بلاده خالية من الأجناد والفرنج قد استولوا على كثير منها وعرفه أنه متى قصد العراق والسلطان بها أو قريبا منها لم يأمن شرا يصل إليه فقبل قوله وأصعد عن الرحبة فوصل إليه رسل سالم بن مالك صاحب قلعة جعبر يستغيث به من بني نمير وكانت الرقة بيد ولده علي بن سالم فوثب جوشن النميري ومعه جماعة من بني نمير فقتل عليا وملك الرقة فبلغ ذلك الملك رضوان فسار من حلب إلى صفين فصادف تسعين رجلا من الفرنج معهم مال من فدية القمص صاحب الرها قد سيره إلى جاولي وأسر عددا منهم وأتى الرقة فصالحه بنو نمير على مال فرحل عنهم إلى حلب فاستنجد سالم بن مالك جاولي وسأله أن يرحل إلى الرقة ويأخذها ووعده بما يحتاج إليه فقصد الرقة وحصرها سبعين يوما فضمن له بنو نمير مالا وخيلا فأرسل إلى سالم إنني في أمر أهم من هذا وأنا بازاء عدو ويجب التشاغل به دون غيره وأنا عازم على الانحدار إلى العراق فإن تم أمري فالرقة وغيرها لك ولا أشتغل عن هذا المهم بحصار خمسة نفر من بني نمير
ووصل إلى جاولي الأمير حسن بن أتابك قتلغتكين وكان أبوه أتابك السلطان محمد فقتله وتقدم ولده هذا عند السلطان واختص به فسيره مع فخر الملك بن عمار ليصلح الحال مع جاولي ويأمر العساكر بالمسير مع ابن عمار إلى جهاد الكفار فحضر عند جاولي وأمر بتسليم البلاد وطيب قلبه عنالسلطان وضمن الجميل إذا سلم البلاد وأظهر الطاعة والعبودية فقال جاولي أنا مملوك السلطان وفي طاعته وحمل إليه مالا وثيابا لها مقدار جليل وقال له سر إلى الموصل ورحل العسكر عنها فإني أرسل معكم من يسلم ولدي إليك رهينة وينفذ السلطان إليها من يتولى أمرها وجباية أموالها ففعل حسين ذلك وسار معه صاحب جاولي فلما وصلا إلى العسكر الذي على الموصل وكانوا لم يفتحوها بعد فأمرهم حسين بالرحيل فكلهم أجاب إلا الأمير مودود فإنه قال لا أرحل إلا بأمر السلطان وقبض على صاحب جاولي وأقام على الموصل حتى فتحها كما ذكرناه وعاد حسين بن قتلغتكين إلى السلطان فأحسن النيابة عن جاولي عنده وسار جاولي إلى مدينة بالس فوصلها ثالث عشر صفر فاحتمى أهلها منه وهرب من بها من أصحاب الملك رضوان صاحب حلب فحصرها خمسة أيام وملكها بعد أن نقب برجا من أبراجها فوقع على النقابين فقتل منهم جماعة وملك البلد وصلب جماعة من أعيانه عند النقب وأحضر القاضي محمد بن عبد العزيز بن الياس فقتل وكان فيها صالحا ونهب البلد وأخذ منه مالا كثيرا
ذكر الحرب بين جاولي والفرنج
ص 127
وفي هذه السنة في صفر كان المصاف بين جاولي سقاوو وبين طنكري الفرنجي صاحب أنطاكية
وسبب ذلك أن الملك رضوان كتب إلى طنكري صاحب أنطاكية يعرفه ما عليه جاولي من الغدر والمكر والخداع ويحذره منه ويعلمه أنه على قصد حلب وأنه إن ملكها لا يبقى للفرنج معه بالشام مقام وطلب منه النصرة والاتفاق على منعه فأجابه طنكري إلى منعه وبرز من أنطاكية فأرسل إليه رضوان ستمائة فارس فلما سمع جاولي الخبر أرسل إلى القمص صاحب الرها يستدعيه إلى مساعدته وأطلق له ما بقي عليه من مال المفاداة فسار إلى جاولي فلحق به وهو على منبج فوصل الخبر إليه وهو على هذه الحال بأن الموصل قد استولى عليها عسكر السلطان وملكوا خزائنه وأمواله فاشتد ذلك عليه وفارقه كثير من أصحابه منهم أتابك زنكي بن آقسنقر وبكتاش النهاوندي وبقي جاولي في ألف فارس وانضم إليه خلق من المطوعة فنزل بتل باشر وقاربهم طنكري وهو في ألف وخمسمائة فارس من الفرنج وستمائة من أصحاب ملك رضوان سوى الرجالة فجعل جاولي في ميمنته الأمير اقيسان والأمير التونتاش الأبري وغيرهما وفي المسيرة الأمير بدران بن صدقة والأصبهبذ صباوو وسنقر داراز وفي القلب القمص بغدوين وجوسلين الفرنجيين وقعت الحرب فحمل أصحاب أنطاكية على القمص صاحب الرها
واشتد القتال فأزاح طنكري عن موضعه وحملت ميسرة جاولي على رجالة أنطاكية فقتلت منهم خلقا كثيرا ولم يبق غير هزيمة صاحب أنطاكية فحينئذ عمد أصحاب جاولي إلى جنائب القمص وجوسلين وغيرهما من الفرنج فركبوها وانهزموا فمضى جاولي ورآهم فلم يرجعوا وكانت طاعته قد زالت عنهم حين أخذت الموصل منه فلما رأى أنهم لا يعودون معه أهمه نفسه وخاف من المقام فانهزم وانهزم باقي عسكره فأما الأصبهبذ صباوو فسار نحو الشام وأما بدران بن صدقة فسار إلى قلعة جعبر
وأما ابن جكرمش فقصد جزيرة ابن عمر
وأما جاولي فقصد الرحبة وقتل من المسلمين خلق كثير ونهب صاحب أنطاكية أموالهم وأثقالهم وعظم البلاء عليهم من الفرنج وهرب القمص وجوسلين إلى تل باشر والتجأ خلق كثير من المسلمين ففعلا معهم الجميل وداويا الجرحى وكسوا العراة وسيراهم إلى بلادهم
ذكر عود جاولي إلى السلطان
ص 128
لما انهزم جاولي سقاوو قصد الرحبة فلما قاربها بات دونها في عدة فوارس فاتفق أن طائفة من عسكر الأمير مودود الذين أخذوا الموصل منه أغاروا على قوم من العرب يجاورون الرحبة فقاربوا جاولي وهم لا يشعرون به ولو علموا لأخذوه فلما رأى الحال كذلك علم أنه لا يقدر أن يقيم في الجزيرة ولا بالشام ولا يقدر على شيء يحفظ به نفسه ويرجع إليه ويداوي به مرضه غير قصد باب السلطان محمد عن رغبة واختيار وكان واثقا بالأمير حسين بن قتلغتكين فرحل من مكانه وهو خائف حذر قد أخفى شخصه وكتم أمره وسار إلى عسكر السلطان وكان بالقرب من أصبهان فوصل إليه في سبعة عشر يوما من مكانه لجده في السير فلما وصل المعسكر قصد الأمير حسين فحمله إلى السلطان فدخل إليه وكفنه تحت يده فأمنه وأتاه الأمراء يهنونه بذلك وطلب منه السلطان الملك بكتاش بن تكش فسلمه إليه فاعتقله بأصبهان
ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج والهدنة بغيرها
ص 129
في هذه السنة كانت حرب شديدة بين طغتكين أتابك والفرنج وسببها أن طغتكين سار إلى طبرية وقد وصل إليها ابن أخت بغدوين الفرنجي ملك القدس فتحاربا واقتتلا وكان طغتكين في ألفي فارس وكثير من الرجالة
وكان ابن أخت ملك الفرنج في أربعمائة فارس وألفي راجل فلما اشتد القتال انهزم المسلمون فترجل طغتكين ونادى بالمسلمين وشجعهم فعادوا الحرب كسروا الفرنج وأسروا ابن أخت الملك وحمل إلى طغتكين فعرض عليه الإسلام فامتنع منه وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار وإطلاق خمسمائة أسير فلم يقنع طغتكين منه بغر الإسلام فلما فلم يجب قتله بيده وأرسل إلى الخليفة والسلطان الأسرى ثم اصطلح طغتكين وبغدوين ملك الفرنج على وضع الحرب أربع سنين
وكان ذلك من لطف الله تعالى بالمسلمين ولولا هذه الهدنة لكان الفرنج بلغوا من المسلمين بعد الهزيمة الآتي ذكرها أمرا عظيما
ذكر انهزام طغتكين من الفرنج
ص 129
في هذه السنة انهزم أتابك طغتكين من الفرنج
وسبب ذلك أن حصن عرقة وهو من أعمال طرابلس كان بيد غلام للقاضي فخر الملك أبي علي بن عمار صاحب طرابلس وهو من الحصون المنيعة فعصى على مولاه فضاق به القوت وانقطعت عنه الميرة لطول مكث الفرنج في نواحيه فأرسل إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق وقال له أرسل من يتسلم هذا الحصن مني قد عجزت عن حفظه ولأن يأخذه المسلمون خير لي دنيا وآخرة من أن يأخذه الفرنج
فبعث إليه طغتكين صاحبا له اسمه إسرائيل في ثلاثمائة رجل فتسلم الحصن فلما نزل غلام ابن عمار منه رماه إسرائيل في الأخلاط بسهم فقتله وكان قصده بذلك أن يطلع أتابك طغتكين على ما خلفه بالقلعة من المال
وأراد طغتكين قصد الحصن للاطلاع عليه وتقويته بالعساكر والأقوات وآلات الحرب فنزل الغيث والثلج مدة شهرين ليلا ونهارا فمنعه
فلما زال ذلك سار في أربعة آلاف فارس ففتح حصونا للفرنج منها الأكمة فلما سمع السرداني الفرنجي بمجيء طغتكين وهو على حصار طرابلس توجه في ثلاثمائة فارس فلما أشرف أوائل أصحابه على عسكر طغتكين انهزموا وخلوا ثقلهم ورحالهم ودوابهم للفرنج فغنموا قووا به وزاد في تجملهم ووصل المسلمون إلى حمص على أقبح حال من التقطع ولم يقتل منهم أحد لأنه لم تجر حرب
وقصد السرداني إلى عرقة فلما نازلها طلب من كان بها الأمان فأمنهم على نفوسهم وتسلم الحصن فلما خرج من فيه قبض على إسرائيل وقال لا أطلق عنه إلا بإطلاق فلان وهو أسير كان بدمشق من الفرنج منذ سبع سنين ففودي به وأطلقا معا ولما وصل طغتكين إلى دمشق بعد الهزيمة أرسل إليه ملك القدس يقول له لا تظن أنني أنقض الهدنة للذي تم عليك من الهزيمة فالملوك ينالهم أكثر مما نالك ثم تعود أمورهم إلى الانتظام والاستقامة
وكان طغتكين خائفا أن يقصد بعد هذه الكسرة فينال من بلده كل ما أراد
ذكر صلح السنة والشيعة ببغداد
ص 130
في هذه السنة في شعبان اصطلح عامة بغداد السنة والشيعة
وكان الشر منهم على طول الزمان وقد اجتهد الخلفاء والسلاطين والشحن في إصلاح الحال فتعذر عليهم ذلك إلى أن أذن الله تعالى فيه وكان بغير واسطة
وكان السبب في ذلك أن السلطان محمدا لما قتل ملك الغرب صدقة كما ذكرناه خاف الشيعة ببغداد أهل الكرخ وغيرهم لأن صدقة كان يتشيع هو وأهل بيته فشنع أهل السنة عليهم بأنهم نالهم غم وهم لقتله فخاف الشيعة وأغضوا على سماع هذا ولم يزالوا خائفين إلى شعبان فلما دخل شعبان تجهز السنة لزيارة قبر مصعب بن الزبير وكانوا قد تركوا ذلك سنين كثيرة ومنعوا منه لتنقطع الفتن الحادثة بسببه فلما تجهزوا للمسير اتفقوا على أن يجعلوا طريقهم في الكرخ فأظهروا ذلك فاتفق رأي أهل الكرخ على ترك معارضتهم
وأنهم لا يمنعونهم فصار السنة تسير أهل كل محلة منفردين ومعهم من الزينة والسلاح شيء كثير وجاء أهل باب المراتب ومعهم فيل قد عمل من خشب وعليه الرجال بالسلاح وقصدوا جميعهم الكرخ ليعبروا فيه فاستقبلهم أهله بالبخور والطيب والماء المبرد والسلاح الكثير وأظهروا بهم السرور وشيعوهم حتى خرجوا من المحلة وخرج الشيعة ليلة النصف منه إلى مشهد موسى بن جعفر وغيره فلم يعترضهم أحد من السنة فعجب الناس لذلك ولما عادوا من زيارة مصعب لقيهم أهل الكرخ بالفرح والسرور فاتفق أن أهل باب المراتب انكسر فيلهم عند قنطرة باب حرب فقرأ لهم قوم ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل إلى آخر السورة
ذكر عدة حوادث
ص 131
في هذه السنة عاد منصور بن صدقة بن مزيد إلى باب السلطان فتقبله وأكرمه وكان قد هرب بعد قتل والده إلى الآن والتحق أخوه بدران بن صدقة بالأمير مودود الذي أقطعه السلطان الموصل فأكرمه وأحسن صحبته
وفيها في نيسان زادت دجلة زيادة عظيمة وتقطعت الطرق وغرقت الغلات الشتوية والصيفية وحدث غلاء عظيم بالعراق بلغت الكارة الدقيق الخشكار عشرة دنانير إمامية وعدم الخبز رأسا وأكل الناس التمر والباقلاء الأخضر وأما أهل السواد فإنهم لم يأكلوا جميع شهر رمضان ونصف شوال سوى الحشيش والتوت
وفيها في رجب عزل وزير الخليفة أبو المعالي هبة الله ووزر له أبو قاسم علي بن أبي نصر بن جهير
وفيها في شعبان تزوج الخليفة المستنصر بالله بابنة السلطان ملكشاه وهي أخت السلطان محمد وكان الذي خطب النكاح القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد السابوري الحنفي وكان المتولي لقبول العقد نظام الملك أحمد بن نظام الملك وزير السلطان بوكالة من الخليفة وكان الصداق مائة ألف دينار ونثرت الجواهر والدنانير العقد بأصبهان
وفيها تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد وكان سبب ذلك أن السلطان محمدا كان قبض على أبي القاسم الحسين بن عبد الواحد صاحب المخزن وعلي أبي الفرج بن رئيس الرؤساء واعتقلهم عنده ثم أطلقهم الآن وقرر عليهم مالا يحملونه إليه فأرسل مجاهد الدين بهروز لقبض المال وأمره السلطان بعمارة دار المملكة ففعل ذلك وعمر الدار وأحسن إلى الناس فلما قدم السلطان إلى بغداد ولاه شحنكية العراق جميعه وخلع على سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة وولاه الحلة السيفية وكان صارما حازما ذا رأي وجلد
وفيها في شوال ملك الأمير سكمان القطبي صاحب خلاط مدينة ميافارقين بالأمان بعد أن حصرها وضيق على أهلها عدة شهور فعدمت الأقوات بهات واشتد الجوع بأهلها فسلموها
وفي هذه السنة في صفر قتل قاضي أصبهان عبيد الله بن علي الخطيبي بهمذان وكان قد تجرد في أمر الباطنية تجردا عظيما وصار يلبس درعا حذرا منهم ويحتاط ويحترز فقصده إنسان عجمي يوم جمعة ودخل بينه وبين أصحابه فقتله وقتل صاعد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العلاء قاضي نيسابور يوم عيد الفطر قتله باطني وقتل الباطني ومولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وسمع الحديث وكان حنفي المذهب
وفي هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر فأتى الخبر إلى ملك الفرنج فسار إليه وعارضه في البر وأخذ كل من فيه ولم يسلم منهم إلا القليل ومن سلم أخذه العرب
وفيها في فصح النصارى ثار جماعة من الباطنية في حصن شيزر على حين غفلة من أهله في مائة رجل فملكوه وأخرجوا من كان فيه وأغلقوا بابه وصعدوا إلى القلعة فملكوها وكان أصحابها بنو منقذ قد نزلوا منها لمشاهدة عيد النصارى وكانوا قد أحسنوا إلى هؤلاء الذين أفسدوا كل الإحسان فبادر أهل المدينة الباشورة فأصعدهم النساء في الحبال من الطاقات وصاروا معهم وأدركهم الأمراء بنو منقذ أصحاب الحصن فصعدوا إليهم فكبروا عليهم وقاتلوهم فانخذل الباطنية وأخذهم السيف منكل جانب فلم يفلت منهم أحد وقتل من كان على مثل رأيهم في البلد
وفيها وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء فكتبوا إلى أميرها يحيى بن تميم يقولون إنهم يعلمون الكيمياء فأحضرهم عنده وأمرهم أن يعلموا شيئا يراه من صناعتهم فقالوا نعمل النقرة فأحضر لهم ما طلبوا من آلة وغيرها وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن وقائد جيشه اسمه إبراهيم وكانا يختصان به فلما رأى الكيماوية المكان خاليا من جمع ثار وبهم فضرب أحدهم يحيى بن تميم على رأسه فوقعت السكين في عمامته فلم تصنع شيئا ورفسه يحيى فألقاه على ظهره ودخل يحيى بابا وأغلقه على نفسه فضرب الثاني الشريف فقتله وأخذ القائد إبراهيم السيف فقاتل الكيماوية ووقع الصوت فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا الكيماوية وكان زيهم زي أهل الأندلس فقتل جماعة من أهل البلد على مثل زيهم وقيل للأمير يحيى إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن خليفة
واتفق أن الأمير أبا الفتوح بن تميم أخا يحيى وصل تلك الساعة إلى القصر في أصحابه قد لبسوا السلاح فمنع من الدخول فثبت عند الأمير يحيى أن ذلك بوضع منهما فأحضر المقدم بن خليفة وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا لأنه قتل أباهم وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته بلارة بنت القاسم بن تميم وهي ابنة عمه ووكل بهما في قصر زياد بين المهدية وسفاقس فبقي هناك إلى أن مات يحيى وملك بعده ابنه على سنة تسع وخمسمائة فسير أبا الفتوح وزوجته بلارة إلى ديار مصر في البحر فوصلا إلى إسكندرية على ما نذكره إن شاء الله
وفيها في المحرم قتل عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو المحاسن الروياني الطبري الفقيه الشافعي مولده سنة خمس عشرة وأربعمائة وكان حافظا للمذهب ويقول لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من قلبي
وفيها في جمادى الآخرة توفي الخطيب أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي الشيباني اللغوي صاحب التصانيف المشهورة وله شعر ليس بالجيد
وفيها في رجب توفي السيد أبو هاشم زيد الحسيني العلوي همذان وكان نافذ الحكم ماضي الأمر وكانت مدة رياسته لها سبعا وأربعين سنة وجده لأمه الصاحب أبو القاسم بن عباد وكان عظيم المال جدا فمن ذلك أنه أخذ منه السلطان محمد في دفعة واحدة سبعمائة ألف دينار لم يبع لأجلها ملكا ولا استدان دينارا وأقام بعد ذلك بالسلطان محمد عدة شهور في جميع ما يريده وكان قليل المعروف
وفيها في ذي الحجة توفي أبو الفوارس الحسن بن علي الخازن الكاتب المشهور بجودة الخط وله شعر منه
( غنت الدنيا لطالبها % واستراح الزاهد الفطن % عرف الدنيا فلم يرها % وسواه حظه الفتن )
( كل ملك نال زخرفها % حظه مما حوى كفن % يقتني مالا ويتركه % في كلا الحالين مفتتن )
( أملي موني على ثقة % من لقاء الله مرتهن % أكره الدنيا وكيف بها % والذي تسخو به وسن )
( لم تقدم قبلي على أحد % فلماذا الهم والحزن )
وقيل توفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقد ذكر هناك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.