الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
12

ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة

الجزء التاسع 5 عنصر صفحة 112
ذكر قتل صدقة بن مزيد ص 112

في هذه السنة في رجب قتل الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزبد الأسدي أمير العرب وهو الذي بنى الحلة السيفية بالعراق

وكان قد عظم شأنه وعلا قدره واتسع جاهه واستجار به صغار الناس وكبارهم فأجارهم وكان كثير العناية بأمور السلطان والتقوية ليده والشد منه على أخيه بركيارق حتى أنه جاهز بركيارق حتى أنه جاهز بركيارق بالعداوة ولم يبرح على مصافاة السلطان محمد وزاده محمد أقطاعا من جملته مدينة واسط وأذن له في أخذ البصرة ثم أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن الحسين البلخي وقال في جملة ما قال عنه إن صدقة قد عظم أمره وزاد حاله وكثر إدلاله ويبسط في الدولة وحمايته كل من يفر إليه من عند السلطان وهذا لا تحتمله الملوك لأولادهم ولو أرسلت بعض أصحابك لملك بلاده وأمواله ثم إنه تعدى ذلك حتى طعن في اعتقاده ونسبه وأهل بلده إلى مذهب الباطنية وكذب وإنما كان مذهبه التشيع لا غير

ووافق أرغون السعدي أبا جعفر العميد وانتهى ذلك إلى صدقة وكانت زوجة أرغون بالحلة وأهله فلم يؤاخذهم بشيء مما كان له أيضا هناك من بقايا خراج ببلده فأمر صدقة أن يخلص ذلك إليه بأجمعه ويسلم إلى زوجته

وأما سبب قتله فإن صدقة كان كما ذكرنا يستجير به كل خائف من خليفة وسلطان وغيرهما وكان السلطان محمد قد سخط على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب وآبة فهرب منه وقصد صدقة فاستجار به فأجاره فأرسل السلطان يطلب من صدقة أن يسلمه إلى نوابه فلم يفعل وأجاب إنني لا أمكن منه بل أحامي عنه وأقول ما قاله أبو طالب لقريش لما طلبوا منه رسول الله

( ونسلمه حتى نصرع حوله % ونذهل عن آبائنا والحلائل )

وظهر منه أمور أنكرها السلطان فتوجه إلى العراق ليتلافى هذا الأمر فلما سمع صدقة استشار أصحابه في الذي يفعله فأشار عليه ابنه دبيس بأن ينفذه إلى السلطان ومعه الأموال والخيل ليتعطف له السلطان

وأشار سعيد بن حميد صاحب جيش صدقة بالمحاربة وجمع الجند وتفريق المال فيهم واستطال في القول فمال صدقة إلى قوله وجمع العساكر إليه عشرون ألف فارس وثلاثون ألف راجل فأرسل المستظهر بالله يحذره عاقبة أمره وينهاه عن الخروج عن طاعة السلطان ويعرض له توسط الحال فأجاب صدقة إنني على طاعة السلطان لكن لا آمن على نفسي في الاجتماع به وكان الرسول بذلك عن الخليفة نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي

ثم أرسل السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي إلى صدقة يطيب قلبه ويزيل خوفه ويأمره بالانبساط على عادته ويعرفه عزمه على قصد الفرنج ويأمره بالتجهيز للغزاة معه فأجاب إن السلطان قد أفسد أصحابه قلبه علي وغيروا حالي معه وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام وذكر سالف خدمته ومناصحته

وقال سعيد بن حميد صاحب جيشه لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع ولترين خيولنا يبخلون

وامتنع صدقة من الاجتماع بالسلطان ووصل السلطان إلى بغداد في العشرين من ربيع الآخر ومعه وزيره نظام الملك أحمد بن نظام الملك وسير البرسقي شحنة بغداد في جماعة من الأمراء إلى صرصر فنزلوا عليها وكان السلطان جريدة لا يبلغ عسكره ألفي فارس

فلما تيقن ببغداد مكاشفة صدقة أرسل إلى الأمراء يأمرهم بالوصول إليه والجد في السير وتعجيل ذلك

فوردوا إليه من كل جانب

ثم وصل كتاب صدقة إلى الخليفة في جمادى الأولى يذكر أنه واقف عند ما يرسم له ويقرر من حاله مع السلطان ومهما أمرته من ذلك امتثله فأنفذ الخليفة الكتاب إلى السلطان فقال السلطان أنا متمثل ما يأمر به الخليفة ولا مخالفة عندي فأرسل الخليفة إلى صدقة يعرفه إجابة السلطان إلى ما طلب منه ويأمره بإنفاذ ثقته ليستوثق له ويحلف السلطان على ما يقع الاتفاق عليه فعاد صدقة عن ذلك الرأي وقال إذا رحل السلطان عن بغداد أمددته بالمال والرجال وما يحتاج إليه في الجهاد وأما الآن وهو ببغداد وعسكره بنهر الملك فما عندي مال ولا غيره وأن جاولي سقاوو وأيلغازي بن أرتق أرسلا إلي بالطاعة لي والموافقة معي على محاربة السلطان وغيره ومتى أردتهما وصلا إلي في عساكرهما

وورد إلى السلطان قرواش بن شرف الدولة وكرماوي بن خراسان التركماني وأبو عمران فضل بن ربيعة بن حازم بن الجراح الطائي وآباؤه كانوا من أصحاب البلقاء والبيت المقدس منهم حسان بن المفرج الذي مدحه التهامي وكان فضل تارة مع الفرنج وتارة مع المصريين فلما رآه طغتكين أتابك على هذه الحالة طرده من الشام فلما طرده التجأ إلى صدقة وعاقده فأكرمه صدقة وأهدى إليه هدايا كثيرة منها سبعة آلاف دينار عينا

فلما كانت هذه الحادثة بين صدقة والسلطان سار في الطلائع ثم هرب إلى السلطان فلما وصل خلع عليه وعلى أصحابه وأنزله بدار صدقة ببغداد فلما سار إلى قتال صدقة استأذنه فضل في إتيان البرية ليمنع صدقة من الهرب إن أراد ذلك فأذن له فعبر بالأنبار وكان آخر العهد به وأنفذ السلطان في جمادى الأولى إلى واسط الأمير محمد بن بوقا التركماني فأخرج عنها نائب صدقة وأمن الناس كلهم إلا أصحاب صدقة فتفرقوا ولم ينهب أحد وأنفذ خيله إلى بلد قوسان وهو من أعمال صدقة فنهبه أقبح نهب وأقام عدة أيام فأرسل صدقة إليه ثابت بن سلطان وهو ابن عم صدقة ومعه عسكر فلما وصلوا إليها خرج منها الأتراك وأقام ثابت بها وبينه وبينهم دجلة

ثم إن ابن بوقا عبر جماعة من الجند ارتضاهم وعرف شجاعتهم فوقفوا على موضع مرتفع على نهر سالم يكون ارتفاعه نحو خمسين ذراعا فقصدهم ثابت وعسكره لم يقدروا يقربون الترك من النشاب والمدد يأتيهم من ابن بوقا وجرح ثابت في وجهه وكثر الجراح في أصحابه فانهزم هو ومن معه وتبعهم الأتراك فقتلوا منهم وأسروا ونهب طائفة من الترك مدينة واسط واختلط بهم رجاله ثابت فنهبت معهم فسمع ابن بوقا فركب إليهم ومنعهم وقد نهبوا بعض البلد ونادى في الناس بالأمان

وأقطع السلطان أواخر جمادى الأولى مدينة واسط لقسيم الدولة البرسقي وأمر ابن بوقا بقصد بلد صدقة ونهبه فنهبوا فيه ما لا يحد

وأما السلطان محمد فإنه سار عن بغداد إلى الزعفرانية ثاني جمادى الآخرة فأرسل إليه الخليفة وزيره مجد الدولة بن المطلب يأمره بالتوقف وترك العجلة خوفا على الرعية من القتل والنهب وأشار قاضي أصبهان بذلك واتباع أمر الخليفة فأجاب السلطان إلى ذلك فأرسل الخليفة إلى صدقة نقيب النقباء علي بن طراد وجمال الدولة مختصا الخادم فسار إلى صدقة فأبلغاه رسالة الخليفة يأمره بطاعة السلطان وينهاه عن المخالفة فاعتذر صدقة وقال ما خالفت الطاعة ولا قطعت الخطبة في بلدي وجهز ابنه دبيسا ليسير معهما إلى السلطان فبينما الرسل وصدقة في هذا الحديث إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر السلطان قد عبروا من مطير أباذ وأن الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة قائمة على ساق فتجلد صدقة لأجل الرسل وهو يشتهي الركوب إلى أصحابه خوفا عليهم وكان الرسل إذا سمعوا ذلك ينكرونه لأنهم قد تقدموا إلى العسكر عند عبورهم عليهم أنه لا يتعرض أحد منهم إلى حرب حتى نعود فإن الصلح قد قارب فقال صدقة للرسول كيف أثق أرسل ولدي الآن وكيف آمن عليه وقد جرى ما ترون فإن تكفلتم برده إلي أنفذته فلم يتجاسروا على كفالته

فكتب إلى الخليفة يعتذر عن إنفاذ ولده بما جرى

وكان سبب هذه الوقعة أن عسكر السلطان لما رأوا الرسل اعتقدوا وقوع الصلح فقال بعضهم الرأي أننا ننهب شيئا قبل الصلح فأجاب البعض وامتنع البعض فعبر من أجاب النهر ولم يتأخر من لم يجب لئلا ينسب إلى خور وجبن ولئلا يتم على من عبروهن فيكون عاره وأذاه عليهم فعبروا بعدهم أيضا فأتاهم أصحاب صدقة وقاتلوهم فكانت الهزيمة على الأتراك وقتل منهم جماعة كثيرة وأسر جماعة من أعيانهم وكثير من غيرهم وغرق منهم الأمير محمد بن باغيسيان الذي كان أبوه صاحب أنطاكية وكان عمره نيفا وعشرين سنة وكان محبا للعلماء وأهل الدين وبنى بإقطاعه من أذربيجان عدة مدارس ولم يجسر الأتراك يعرفون السلطان بما أخذ منهم من الأموال والدواب خوفا منه حيث فعلوا ذلك بغير أمره وطمع العرب بهذه الهزيمة وظهر منهم الفخر والتيه والطمع وأظهروا أنهم باعوا كل أسير بدينار وأن ثلاثة باعوا أسيرا بخمسة قراريط وأكلوا بها خبزا وجعلوا ينادون من يتغذى بأسير ويتعشى بآخر وظهر من الأتراك اضطراب عظيم

وأعاد الخليفة مكاتبة صدقة بتحرير أمر الصلح فأجاب أنه لا يخالف ما يؤمر به وكتب صدقة أيضا إلى السلطان يعتذر مما نقل عنه ومن الحرب التي كانت بين أصحابه وبين الأتراك وأن جند السلطان عبرت إلى أصحابه فمنعوا عن أنفسهم بغير علمه وأنه لم يحضر الحرب ولم ينزع يدا من طاعة ولا قطع خطبته من بلده ولم يكن صدقه كاتبه قبل هذا الكتاب

فأرسل الخليفة نقيب النقباء وأبا سعد الهروي إلى صدقة فقصدا السلطان أولا وأخذا يده بالأمان لمن يقصده من أقارب صدقة فلما وصلا إلى صدقة وقالا له عن الخليفة إن إصلاح قلب السلطان موقوف على إطلاق الأسرى ورد جميع ما أخذ من العسكر المنهزم فأجاب أولا بالخضوع والطاعة ثم قال لو قدرت على الرحيل من بين يدي السلطان لفعلت لكن ورائي من ظهري وظهر أبي وجدي ثلاثمائة امرأة ولا يحملهن مكان

ولو علمت أنني إذا جئت السلطان مستسلما قبلني واستخدمي لفعلت لكنني أخاف أنه لا يقبل عثرتي ولا يعفو عن زلتي وأما ما نهب فإن الخلق كثير وعندي من لا أعرفه وقد نهبوا ودخلوا البر فلا طاقة لي عليهم ولكن إن كان السلطان لا يعارضني فيما في يدي ولا فيمن أجرته وأن يقر سرخاب بن كيخسرو على إقطاعه بسارة وأن يتقدم إلى ابن بوقا بأعادة ما نهب من بلادي وأن يخرج وزير الخليفة يحلفه بما أثق إليه من الإيمان على المحافظة فيما بيني وبينه فحينئذ أخدم بالمال وأدوس بساطه بعد ذلك فعادوا بهذا ومعهم أبو منصور بن معروف رسول صدقة فردهم الخليفة وأرسل السلطان معهم قاضي أصبهان أبا إسماعيل

فأما أبو إسماعيل فلم يصل إليه وعاد من الطريق وأصر صدقة على القول الأول فحينئذ سار السلطان ثامن رجب من الزعفرانية وسار صدقة في عساكره إلى قرية مطر وأمر جنده بلبس السلاح واستأمن ثابت بن سلطان بن دبيس بن علي بن مزيد وهو بان عم صدقة إلى السلطان محمد وكان يحسد صدقة وهو الذي تقدم ذكره أنه كان بواسط فأكرمه السلطان وأحسن إليه ووعده الإقطاع ووردت العساكر إلى السلطان منهم بنو برسق وعلاء الدولة أبو كاليجار كرشاسب بن علي بن فرامرز أبي جعفر بن كاكويه وأباؤه كانوا أصحاب أصبهان وفرامرز هو الذي سلمها إلى طغرلبك وقتل أبوه مع تتش وعبر عسكر السلطان دجلة ولم يعبر هو فصاروا مع صدقة على أرض واحدة بينهما نهر والتقوا تاسع عشر رجب وكانت الريح في وجوه أصحاب السلطان فلما التقوا صارت في ظهورهم وفي وجوه أصحاب صدقة ثم إن الأتراك رموا بالنشاب فكان يخرج في كل رشقة عشرة آلاف نشابة فلم يقع سهم إلا في فرس أو فارس وكان أصحاب صدقة كلما حملوا منعهم النهر من الوصول إلى الأتراك والنشاب ومن عبر منهم لم يرجع وتقاعدت عبادة وخفاجة وجعل صدقة ينادي يا آل خزيمة يا آل ناشرة يا آل عوف

ووعد الأكراد بكل جميل لما ظهر من شجاعتهم وكان راكبا على فرسه المهلوب ولم يكن لأحد مثله فجرح الفرس ثلاث جراحات وأخذه الأمير أحمديل بعد قتل صدقة فسيره إلى بغداد في سفينة فمات في الطريق وكان لصدقة فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر بن تفاحة فلما رأى الناس وقد غشوا صدقة هرب عليه فناداه صدقة فلم يجبه وحمل صدقة على الأراك فضربه غلام منهم على وجهه فشوهه وجعل يقول أنا ملك العرب أنا صدقة فأصابه سهم في ظهره وأدركه غلام اسمه بزغش كان أشل فتعلق به وهو لا يعرفه وجذبه عن فرسه فسقط إلى الأرض هو والغلام فعرفه صدقة فقال يا بزغش ارفق فضربه بالسيف فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى البرسقي فحمله إلى السلطان فلما رآه عانقه وأمر البزغش بصلة وبقي صدقة طريحا إلى أن سار السلطان فدفنه إنسان من المدائن وكان عمره تسعا وخمسين سنة وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وحمل رأسه إلى بغداد وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس فيهم جماعة من أهل بيته وقتل من بني شيبان خمس وتسعون رجلا وأسر ابنه دبيس بن صدقة وسرخاب بن كيخسرو الديلمي الذي كانت هذه الحرب بسببه فأحضر بين يدي السلطان فطلب الأمان فقال قد عاهدت الله أنني لا أقتل أسيرا فإن ثبت عليك أنك باطني قتلتك وأسر سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة وهرب بدران بن صدقة إلى الحلة فأخذ من المال وغيره ما أمكنه وسير أمه ونساءه إلى البطيخة إلى مهذب الدولة أبي العباس أحمد بن أبي الجبر

وكان بدران صهر مهذب الدولة على ابنته ونهب من الأموال ما لا حد له وكان له من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير ألوف مجلدات وكان يحسن يقرأ ولا يكتب وكان جوادا حليما صدوقا كثير البر والإحسان ما برح ملجأ لكل ملهوف يلقى من يقصده بالبر والتفضيل ويبسط قاصديه ويزورهم وكان عادلا والرعايا معه في أمن ودعة وكان عفيفا لم يتزوج على امرأته ولا تسرى عليها فما ظنك بغير هذا

ولم يصادر أحدا من نوابه ولا أخذهم بإساءة قديمة وكان أصحابه يودعون أمواله في خزانته ويدلون عليه إدلال الولد على الوالد ولم يسمع برعية أحبت أميرها كحب رعيته له

وكان متواضعا محتملا يحفظ الأشعار ويبادر إلى النادرة رحمه اله لقد كان من محاسن الدنيا

وعاد السلطان إلى بغداد ولم يصل إلى الحلة وأرسل إلى البطيحة أمانا لزوجة صدقة وأمرها بالظهور فأصعدت إلى بغداد فأطلق السلطان ابنها دبيسا وأنفذ معه جماعة من الأمراء إلى لقائها فلما لقيها ابنها بكيا بكاء شديدا ولما وصلت إلى بغداد أحضرها السلطان واعتذر من قتل زوجها وقال وددت أنه حمل إلي حتى كنت أفعل معه ما يعجب الناس به من الجميل والإحسان لكن الأقدار غلبتني واستحلف ابنها دبيسا أنه لا يسعى بفساد

ذكر وفاة تميم بن المعز صاحب إفريقية وولاية ابنه يحيى ص 118

في هذه السنة في رجب توفي تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية وكان شهما شجاعا ذكيا له معرفة حسنة وكان حليما كثير العفو عن الجرائم العظيمة وله شعر حسن فمنه أنه وقع حرب بين طائفتين من العرب وهم عدي ورياح فقتل رجل من رياح ثم اصطلحوا وأهدروا دمه وكان صلحهم مما يضر به وببلاده فقال أبياتا يحرض على الطلب بدمه وهي

( متى كانت دماؤكم تطل % أما فيكم بثأر مستقل )

( أغانم ثم سالم إن فشلتم % فما كانت أوائلكم تذل )

( ونمتم عن طلاب الثار حتى % كأن العز فيكم مضمحل )

( وما كسرتم فيه العوالي % ولا بيض تفل ولا تسل )

فعمد إخوة المقتول فقتلوا أميرا من عدي واشتد بينهم القتال وكثرت القتلى حتى أخرجوا بني عدي من إفريقية

قيل إنه اشترى جارية بثمن كثير فبلغه أن مولاها الذي باعها عقله وأسف على فراقها فأحضره تميم بين يديه وأرسل الجارية إلى داره ومعها من الكسوات والأواني الفضة وغيرها ومن الطيب وغيره شيء كثير ثم أمر مولاها بالانصراف وهو لا يعلم بذلك فلما وصل إلى داره ورآها على تلك الحال وقع مغشيا عليه لكثرة سروره ثم أفاق فلما كان الغد أخذ الثمن وجميع ما كان معها وحمله إلى دار تميم فانتهزه وأمره إعادة جميع ذلك إلى داره

وكان له في البلاد أصحاب أخبار يجري عليهم أرزاقا سنية ليطالعوه بأحوال أصحابه لئلا يظلموا الناس فكان بالقيروان تاجر له مال وثروة فذكر في بعض الأيام التجار تميما ودعوا له وذلك التاجر حاضر فترحم على أبيه المعز ولم يذكره فرفع ذلك إلى تميم فأحضره إلى قصره وسأله هل ظلمتك فقال لا قال فهل ظلمك بعض أصحابي قال لا قال فلم أطلقت لسانك أمس بذمي

فسكت فقال لولا أن يقال شره في ماله لقتلتك ثم أمر به فصفع في حضرته قليلا ثم أطلقه فخرج أصحابه ينتظرونه فسألوه عن خبره فقال أسرار الملوك ولا تذاع فصارت بإفريقية مثلا ولما توفي كان عمره تسعا وسبعين سنة وكانت ولايته ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وخلف من الذكور ما يزيد على مائة ومن النبات ستين بنتا ولما توفي ملك بعده ابنه يحيى بن تميم وكانت ولايته بالمهدية لأربع بقين من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة وكان عمره حين ولي ثلاثا وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين يوما ولما ولي فرق أموالا جزيلة وأحسن السيرة في الرعية

ذكر ملك يحيى قلعة قليبية ص 119

لما ملك يحيى بن تميم بعد أبيه جرد عسكريا كثيفا إلى قلعة قليبية وهي من أحصن قلاع إفريقية فنزل عليها وحصرها حصارا شديدا ولم يبرح حتى فتحها وحصنها وكان أبو تميم قد رام فتحها فلم يقدر على ذلك ولم يزل مظفرا منصورا لم يهزم له جيش

ذكر قدوم ابن عمار بغداد مستنفرا ص 119

في هذه السنة في شهر رمضان ورد القاضي فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد قاصدا باب السلطان محمد مستنفرا على الفرنج طالبا لتيسيير العساكر لإزاحتهم والذي حثه على ذلك أنه لما طال حصر الفرنج لمدينة طرابلس على ما ذكرناه ضاقت عليه الأقوات وقلت واشتد الأمر عليه وعلى أهل البلد فمن الله عليهم سنة خمسمائة بميرة في البحر من جزيرة قبرس وأنطاكية وجزائر البنادقة فاشتدت قلوبهم وقووا على حفظ البلد بعد أن كانوا استسلموا فلما بلغ فخر الملك انتظام الأمور للسلطان محمد وزوال كل مخالف رأى لنفسه وللمسلمين قصده والانتصار به فاستناب بطرابلس ابن عمه ذا المناقب وأمره بالمقام بها ورتب معه الأجناد برا وبحرا وأعطاهم جامكية ستة أشهر سلفا كل موضع إلى من يقوم بحفظه بحيث إن ابن عمه لا يحتاج إلى فعل شيء من ذلك وسار إلى دمشق فأظهر ابن عمه الخلاف له والعصيان عليه ونادى بشعار المصريين فلما عرف فخر الملك كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمله الخوابي ففعلوا ما أمرهم

وكان ابن عمار قد استصحب معه من الهدايا ما لم يوجد عند ملك مثله من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة والخيل الرائقة فلما وصلها لقيه عسكرهما وطغتكين أتابك وخيم على ظاهر البلد وسأله طغتكين الدخول إليه يوما واحدا إلى الطعام وأدخله حمامه وسار عنها ومعه ولد طغتكين يشيعه فلما وصل إلى بغداد أمر السلطان كافة الأمراء بتلقيه وإكرامه وأرسل إليه شبارته وفيها دسته الذي يجلس عليه ليركب فيها فلما نزل إليها قعد بين يدي موضع السلطان فقال له من بها من خواص السلطان قد أمرنا أن يكون جلوسك في دست السلطان فلما دخل على السلطان أجلسه وأكرمه وأقبل عليه بحديثه وسير الخليفة خواصه وجماعة أرباب المناصب فلقوه وأنزله الخليفة وأجرى عليه الجراية العظيمة وكذلك أيضا فعل السلطان وفعل معه ما لم يفعل مع الملوك الذين معهم أمثاله وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا ولأجر الآخرة أكبر

ولما اجتمع بالسلطان قدم هديته وسأله السلطان عن حاله وما يعانيه في مجاهدة الكفار ويقاسيه من ركوب الخطوب في قتالهم فذكر له حاله وقوة عدوه وطول النجدة وضمن أنه إذا سيرت العساكر معه أوصل إليهم جميع ما يلتمسونه فوعده السلطان بذلك وحضر دار الخلافة وذكر أيضا نحو مما ذكره السلطان وحمل هدية جميلة نفيسة وأقام إلى أن رحل السلطان عن بغداد في شوال فأحضره عنده بالنهروان قد تقدم إلى الأمير حسين بن أتابك قتلغتكين ليسير معه العساكر التي سيرها إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال جاولي سقاوو ليمضوا معه إلى الشام وخلع عليه السلطان خلعا نفيسة وأعطاه شيئا كثيرا وودعه وسار ومعه الأمير حسين فلم يجد ذلك نفعا وكان ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى ثم إن فخر الملك بن عمار عاد إلى دمشق منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة فأقام بها أياما وتوجه منها مع العسكر من دمشق إلى جبلة فدخلها وأطاعه أهله

وأما أهل طرابلس فإنهم راسلوا الأفضل أمير الجيوش بمصر يلتمسون منه واليا عندهم ومعه الميرة في البحر فسير إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا ومعه الغلة وغيرها مما تحتاج إليه البلاد في الحصار فلما صار فيها قبض على جماعة من أهل ابن عمار وأصحابه وأخذ ما وجده من ذخائره وآلاته وغير ذلك وحمل الجميع إلى مصرفي البحر

ذكر عدة حوادث ص 121

في هذه السنة في شعبان أطلق السلطان محمد الضرائب والمكوس ودار البيع والاجتيازات وغلا ذلك مما يناسبه بالعراق وكتبت به الألواح وجعلت في الأسواق

وفيها في شهر رمضان ولي القاضي أبو العباس بن الرطبي الحسبة ببغداد

وفيه أيضا عزل الخليفة وزيره مجد الدين بن المطلب برسالة من السلطان بذلك ثم أعيد إلى الوزارة بإذن السلطان وشرط عليه شروطا منها العدل وحسن السيرة وأن لا يستعمل أحدا من أهل الذمة وفيها عاد الأصبهبذ صباوو من دمشق وكان هرب عند قتل أياز فلما قدم أكرمه السلطان وأقطعه رحبة مالك بن طوق

وفيها سابع شوال خرج السلطان إلى ظاهر بغداد عازما على العود إلى أصبهان وكان مقامه هذه المرة خمسة أشهر وسبعة عشر يوما

وفيها في ذي الحجة احترقت خرابة فهلك فيها كثير من الناس وأما الأمتعة والأموال وأثاث البيوت فهلك منها ما حد له وخلص خلق بنقب نقبوه في سور المحلة إلى مقبرة باب أبرز وكان بها جماعة من اليهود فلم ينقلوا شيئا لتمسكهم بسبتهم

وكان بعض أهله عبروا إلى الجانب الغربي للفرجة على عادتهم في السبت الذي يلي العيد فعادوا فوجدوا بيوتهم قد خربت وأهلهم قد احترقوا وأموالهم قد هلكت

ثم تبع ذلك حريق في عدة أماكن منها درب القيار وقراح ابن زرين فارتاع الناس لذلك وأبطلوا معايشهم وأقاموا ليلا ونهارا يحرسون بيوتهم في الدروب على السطوح وجعلوا عندهم الماء المعد لإطفاء النار فظهر أن سبب هذا الحريق أن جارية أحبت مولاها فوافقته على المبيت عندها في دار مولاها سرا وأعدت له ما يسرقه إذا خرج ويأخذها هي أيضا معه فلما أخذها النار في الدار وخرجا فأظهر الله عليهما وعجل الفضيحة لهما فأخذا وحبسا

وفيها جمع بغدوين ملك الفرنج عسكره وقصد مدينة صور وحصرها وأمر ببناء حصن عندها على تل المعشوقة وأقام شهرا محاصرا لها فصانعه واليها على سبعة آلاف دينار فأخذها ورحل عن المدينة وقصد مدينة صيدا فحصرها برا ونصب عليها البرج الخشب ووصل الأسطول المصري في الدفع عنها والحماية لمن فيها فقاتلهم أسطول الفرنج فظهر المسلمون عليهم فاتصل بالفرنج مسير عسكر دمشق نجدة لأهل صيدا فرحلوا عنها بغير فائدة

وفيها ظهر كوكب عظيم له ذوائب فبقي ليالي كثيرة ثم غاب

وتوفي في هذه السنة في شعبان إبراهيم بن مياس بن مهدي أبو إسحاق القشيري الدمشقي سمع الحديث الكثير من الخطيب البغدادي وغيره

وتوفي في ذي القعدة أبو سعيد إسماعيل بن عمرو بن النيسابوري المحدث كان يقرأ الحديث للغرباء قرأ صحيح مسلم على عبد الغافر الفارسي عشرين مرة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.