الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
11

ثم دخلت سنة خمسمائة

الجزء التاسع 13 عنصر صفحة 98
ذكر وفاة يوسف بن تاشفين وملك ابنه علي ص 98

في هذه السنة توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك الغرب والأندلس وكان حسن السيرة خيرا عادلا يميل إلى أهل الدين والعلم ويكرمهم ويصدر عن رأيهم

ولما ملك الأندلس على ما ذكرناه جمع الفقهاء وأحسن إليهم فقالوا له ينبغي أن تكون ولايتك من الخليفة لتجب طاعتك على الكافة فأرسل إلى الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين رسولا ومعه هدية كثيرة وكتب معه كتابا يذكر ما فتح الله من بلاد الفرنج وما اعتمده من نصرة الإسلام ويطلب تقليدا بولاية البلاد فكتب له تقليدا من ديوان الخلافة بما أراد ولقب أمير المسلمين

وسيرت إليه الخلع فسر بذلك سرورا كثيرا وهو الذي بنى مدينة مراكش للمرابطين وبقي على ملكه خمسمائة فتوفي وملك بعده البلاد ولده علي بن يوسف وتلقيب أيضا أمير المسلمين فازداد في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم وكان إذا وعظه أحدهم خشع عند استماع الموعظة ولان قلبه لها وظهر ذلك عليه

وكان يوسف بن تاشفين حليما كريما دينا خيرا يحب أهل العلم والدين ويحكمهم في بلاده وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام

فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها وتمنى الآخر عملا يعمل فيه لأمير المسلمين وتمنى الآخر زوجته النفزاوية وكانت من أحسن النساء ولها الحكم في بلاده فبلغه الخبر فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار واستعمل الآخر وقال للذي تمنى زوجته يا جاهل ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ثم أرسله إليها فتركه في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه كل يوم طعاما واحدا ثم أحضرته وقالت له ما أكلت هذه الأيام قال طعاما واحدا فقالت كل النساء شيء واحد وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته

ذكر قتل فخر الملك بن نظام الملك ص 99

في هذه السنة قتل فخر الملك أبو المظفر علي بن نظام الملك يوم عاشوراء وكان وزارته قصد نيسابور لأصحابه رأيت الليلة في المنام الحسين بن علي عليه السلام وهو يقول عجل إلينا وليكن إفطارك عندنا وقد اشتغل فكري به ولا محيد عن قضاء الله وقدره

وقالوا له يحييك الله

والصواب أن لا تخرج اليوم والليلة من دارك فأقام يومه يصلي ويقرأ القرآن وتصدق بشيء كثير فلما كان وقت العصر خرج من الدار التي كان بها يريد دار النساء فسمع صوت صياح متظلم شديد الحرقة وهو يقول ذهب المسلمون فلم يبق من يكشف مظلمة ولا يأخذ بيد ملهوف فأحضر عنده رحمة له فحضر فقال ما حالك فدفع إليه رقعة فبينما فخر الملك يتأملها إذ ضربه بسكين فقضى عليه فمات فحمل الباطني إلى سنجر فقرره فأقر على جماعة من أصحاب السلطان كذبا وقال إنهم وضعوني على قتله وأراد أن يقتل بيده وسعايته فقتل من ذكر وكان مكذوبا عليهم ثم قتل الباطني بعدهم وكان عمر فخر الملك ستا وستين سنة

ذكر ملك صدقة بن مزيد تكريت ص 99

في هذه السنة في صفر تسلم الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد قلعة تكريت وقد ذكرنا فيما تقدم أنها كانت لبني مقن العقليين وكانت إلى آخر سنة سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن مقن فمات ووليها ابن أخيه أو منعة خميس بن تغلب بن حماد ووجد بها خمسمائة ألف دينار سوى المصاغ وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ووليها ولده أبو غشام فلما كان سنة أربع وأربعين وثب عليه عيسى فحبسه وملك القلعة والأموال فلما اجتاز به طغرلبك سنة ثمان وأربعين صالحه على بعض المال فرحل عنه وخافت زوجته أميرة بعد موته أن يعود أبو غشام يملك القلعة فقتله وكان بقي في الحبس أربع واستنابت في القلعة أبا الغنائم بن المحلبان فسلمها إلى أصحاب السلطان طغرلبك فسارت إلى الموصل فقتلها ابن أبي غشام بأبيه وأخذ شرف الدولة مسلم بن قريش مالها

ورد طغرلبك أمر القلعة إلى إنسان يعرف بأبي العباس الرازي فمات بها ستة أشهر فملكها المهرباط وهو أبو جعفر محمد بن أحمد بن خشنام من بلد الثغر فأقام بها إحدى وعشرين سنة ومات ووليها ابنه سنتين وأخذتها منه تركان خاتون وليها لها كوهرائين

ثم ملكها بعد وفاة ملكشاه قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب فلما قتل صارت للأمير كمشتكين الجاندرا فجعل فيها رجلا يعرف بأبي المصارع ثم عادت إلى كوهرائين أقطاعا ثم أخذها منه مجد الملك البلاساني فولى فيها كيقباذ بن هزار سب الديلمي فأقام بها اثنتي عشرة سنة فظلم أهلها وأساء السيرة

فلما اجتاز به سقمان بن أرتق سنة ست وتسعين ونهبها ليلا وسقمان ينهبها نهارا فلما استقر السلطان محمد بعد موت أخيه بركيارق أقطعها للأمير آقسنقر البرسقي شحنة بغداد فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر حتى ضاق على كيقباذ الأمر فأرسل صدقة بن مزيد ليسلمها إليه فسار إليها في صفر هذه السنة وتسلمها منه وانحدر البرسقي ولم يملكها ومات كيقباذ بعد نزوله من القلعة بثمانية أيام وكان عمره ستين سنة

واستناب صدقة بها ورام بن أبي فراس بن ورام وكان كيقباذ ينسب إلى الباطنية وكان موته من سعادة صدقة فإنه لو أقام عنده لعرض صدقة لظنون الناس في اعتقاده ومذهبه

ذكر الحرب بين عبادة وخفاجة ص 100

في هذه السنة في ربيع الأول كانت حرب بين عبادة وخفاجة ظفرت عبادة

وأخذت بثأرها من خفاجة

وكان سبب ذلك أن سيف الدولة صدقة أرسل ولده بدران في جيش إلى طرف بلاده مما يلي البطيحة ليحميها من خفاجة لأنهم يؤذون أهل تلك النواحي فقربوا منه وتهددوا أهل البلاد فكتب إلى أبيه يشكو منهم ويعرفه حالهم فأحضر عبادة وكانت خفاجة قد فعلت بهم العام الماضي ما ذكرناه فلما حضروا عنده قال لهم ليتجهزوا مع عسكره ليأخذوا بثأرهم من خفاجة فساروا في مقدم عسكره فأدركوا حلة من خفاجة من بني كليب ليلا وهم غارون لم يشعروا به

فقالوا من أنتم فقالت عبادة نحن أصحاب الديون فعلموا أنهم عبادة فقاتلوهم وصبرت خفاجة فبينما هم في القتال إذ سمع طبل الجيش فانهزموا وقتلت منهم عبادة جماعة

وكان فيهم عشرة من وجوههم وتركوا حرمهم فأمر صدقة بحراستهن وأمر العسكر أن يؤثروا عبادة بما غنموه من أموال خفاجة خلفا لهم عما أخذ منهم في العام الماضي وأصاب خفاجة من مفارقة بلادها ونهب أموالها وقتل رجالها أمر عظيم وانتزحت إلى نواحي البصرة وأقامت عبادة في بلاد خفاجة

ولما انهزمت خفاجة وتفرقت ونهبت أموالها جاءت امرأة منهم إلى الأمير صدقة فقالت له إنك سبيتنا وسلبتنا قوتنا وغربتنا وأضعت حرمتنا قابلك الله في نفسك وجعل صورة أهلك كصورتنا فكظم الغيظ واحتمل لها ذلك وأعطاها أربعين جملا ولم يمض غير قليل حتى قابل الله صدقة في نفسه وأولاده فإن دعاء الملهوف عند الله بمكان

ذكر مسير جاولي سقاوو إلى الموصل وأسر صاحبها جكرمش ص 101

في هذه السنة في المحرم أقطع السلطان محمد جاولي سقاوو الموصل والأعمال التي بيد جكرمش

وكان جاولي قبل هذا قد استولى على البلاد التي بين خوزستان وفارس

وأقام بها سنين وعمر قلاعها وحصنها وأساء السيرة في أهلها وقطع أيديهم وجدع أنوفهم وسمل أعينهم فلما تمكن السلطان محمد من السلطنة خافه جاولي وأرسل السلطان إليه الأمير مودود بن التونتكين فتحصن منه جاولي وحصره مودود ثمانية أشهر فأرسل جاولي إلى السلطان إنني لا أنزل إلى مودود فإن أرسلت غيره نزلت فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر فنزل جاولي وحضر الخدمة بأصبهان فرأى من السلطان ما يجب وأمره السلطان بالمسير إلى الفرنج ليأخذ البلاد منهم وأقطعه الموصل وديار بكر والجزيرة كلها

وكان جكرمش لما عاد من عند السلطان إلى بلاده كما ذكرنا وعد من نفسه الخدمة وحمل المال فلما استقر ببلاده لم يف بما قال وتثاقل في الخدمة وحمل المال فأقطع بلاده لجاولي فجاء إلى بغداد وأقام بها إلى أول ربيع الأول وسار إلى الموصل وجعل طريقه على البوازيج فملكها ونهبها أيام بعد أن أمن أهلها وحلف لهم أنه يحميهم فلما ملكها سار إلى إربل وأما جكرمش فإنه لما بلغه مسيره إلى بلاده كتب في جمع العساكر فأتاه كتاب أبي الهيجاء بن موسك الكردي الهذباني صاحب إربل يذكر استيلاء جاولي على البوازيج ويقول له إن لم تعجل المجيء لنجتمع عليه ونمنعه وإلا اضطررت إلى موافقته والمصير معه

فبادر جكرمش وعبر إلى شرقي دجلة وسار في عسكر الموصل قبل اجتماع عساكره وأرسل إليه أبو الهيجاء عسكره مع أولاده فاجتمعوا بقرية باكلبا من أعمال إربل ووافاهم جاولي وهو في ألف فارس وكان جكرمش في ألفي فارس ولا يشك أنه يأخذ جاولي باليد فلما اصطفوا للحرب حمل جاولي من القلب على قلب جكرمش فانهزم من فيه وبقي جكرمش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به فهو لا يقدر يركب وإنما يحمل في محفة فلما انهزم أصحابه قاتل عنه ركابي أسود قتالا عظيما فقتل وقاتل معه واحد من أولاد الملك قاروت بك بن داود اسمه أحم فقاتل بين يديه فطعن فجرح وانهزم فمات بالموصل ولم يقدر أصحاب جاولي على الوصول إلى جكرمش حتى قتل الركابي الأسود فحينئذ أخذوه أسيرا وأحضروه عند جاولي فأمر بحفظه وحراسته وكانت عساكر جكرمش التي استدعاها قد وصلت إلى الموصل بعد مسيره فساروا جرائد ليدركوا الحرب فلقيهم المنهزمون ليقضي الله أمرا كان مفعولا

ذكر حصر جاولي سقاوو الموصل وموت جكرمش ص 102

لما انهزم العسكر وأسر جكرمش وصل الخبر إلى الموصل فأقعدوا في الأمر زنكي بن جكرمش وهو صبي عمره إحدى عشرة سنة وخطبوا له وأحضروا أعيان البلد والتمسوا منهم المساعدة فأجابوا إلى ذلك وكان مستحفظ القلعة مملوكا لجكرمش اسمه غزغلي فقام في ذلك المقام المرضي وفرق الأموال التي جمعها جكرمش والخيول وغير ذلك على الجند وكاتب سيف الدولة صدقة وقلج أرسلان والبرسقي شحنة بغداد بالمبادرة إليهم ومنع جاولي عنهم ووعدوا كلا منهم أن يسلموا البلد إليه

فأما صدقة فلم يجبهم إلى ذلك ورأى طاعة السلطان

وأما البرسقي وقلج أرسلان فنذكر حالهما

ثم إن جاولي حصر الموصل ومعه كرماوي بن خراسان التركماني وغيره من الأمراء وكثر جمعه وأمر أن يحمل جكرمش كل يوم على بغل وينادي أصحابه بالموصل ليسلموا البلد ويخلصوا صاحبهم مما هو فيه ويأمرهم هو بذلك فلا يسمعون منه وكان يسجنه في جب ويوكل به من يحفظه لئلا يسرق فأخرج في بعض الأيام ميتا وعمره نحو ستين سنة وكان شأنه قد علا ومنزلته قد عظمت وكان قد شيد سور الموصل وقواه وبنى عليها فصيلا وحفر خندقها وحصنها غاية ما يقدر عليه وكان مع جكرمش رجل من أعيان الموصل يقال له أبو طالب بن كسيرات وبنو كسيرات إلى الآن بالموصل من أعيان أهلها وكان أبو طالب قد تقدم عند جكرمش وارتفعت منزلته واستولى على أموره وحضر معه الحرب فلما أسر جكرمش هرب أبو طالب إلى إربل وكان أولاد أبي الهيجاء صاحب إربل قد حضروا الحرب مع جكرمش وأسرهم جاولي فأرسل إلى أبي الهيجاء يطلب ابن كسيرات فأطلقه وسيره إليه فأطلق جاولي ابن أبي الهيجاء فلما حضر ابن كسيرات عند جاولي ضمن له فتح الموصل وبلاد جكرمش وتحصين الأموال فاعتقله اعتقالا جميلا وكان قاضي الموصل أبو القاسم بن ودعان عدوا لأبي طالب فأرسل إلى جاولي يقول له إن قتلت أبا طالب سلمت الموصل إليك فقتله وأرسل إليه فأظهر الشماتة به وأخذ كثيرا من أمواله وودائعه فسار به الأتراك غضبا لأبي طالب ولتفرده بما أخذ من أمواله فقتلوه وكان بينهما شهر واحد وقد رأينا كثيرا وسمعنا ما لا تحصيه من قرب وفاة أحد المتعاديين بعد صاحبه

ذكر الحرب بين ملك القسطنطينية والفرنج ص 103

في هذه السنة كانت وحشة مسحكمة بين ملك الروم صاحب القسطنطينية وبين بيمند الفرنجي فسار بيمند إلى بلد ملك الروم ونهبه وعزم على قصده فأرسل ملك الروم إلى الملك قلج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وأقصرا وغيرهما من تلك البلاد يستنجده فأمده بجمع من عسكره فقوي بهم وتوجه إلى بيمند فالتقوا وتصافوا واقتتلوا وصبر الفرنج بشجاعتهم وصبر الروم ومن معهم لكثرتهم ودامت الحرب ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج وأتى القتل على أكثرهم وأسر كثير منهم والذين سلموا عادوا إلى بلادهم بالشام وعاد عسكر قلج أرسلان إلى بلادهم عازمين على المسير إلى صاحبهم بديار الجزيرة فأتاهم خبر قتله على ما نذكره إن شاء الله تعالى فتركوا الحركة وأقاموا

ذكر ملك قلج أرسلان الموصل ص 103

قد ذكرنا أن أصحاب جكرمش كتبوا إلى الأمير صدقة وقسيم الدولة البرسقي والملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب بلاد الروم يستدعون كلا منهم إليهم ليسلموا البلد إليه

فأما صدقة فامتنع ورأى طاعة السلطان وأما قلج أرسلان فإنه سار في عساكره فلما سمع جاولي سقاوو بوصوله إلى نصيبين رحل عن الموصل

وأما البرسقي فإنه كان شحنة بغداد فسار منها إلى الموصل فوصلها بعد رحيل جاولي عنها بالجانب الشرقي فلم يلتفت أحد إليه ولا أرسلوا إليه كلمة واحدة فعاد في باقي يومه

ثم إن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين أقام بها حتى كثر جمعه فلما سمع جاولي بقربه رحل من الموصل إلى سنجار وأودع رحله بها واتصل به الأمير أيلغازي بن أرتق وجماعة من عسكر جكرمش فصار معه أربعة آلاف فارس فأتاه كتاب الملك رضوان يستدعيه إلى الشام ويقول له إن الفرنج قد عجز من بالشام عن منعهم فسار إلى الرحبة وأرسل أهل الموصل وعسكر جكرمش إلى قلج أرسلان وهو بنصبيبن استحلفوه لهم فحلف واستحلفهم على الطاعة له والمناصحة وسار معهم إلى الموصل فملكها في الخامس والعشرين من رجب ونزل بالمعرفة وخرج إليه ولد جكرمش وأصحابه فخلع عليهم وجلس على التخت وأسقط السلطان محمدا وخطب لنفسه بعد الخليفة وأحسن إلى العسكر وأخذ القلعة من غرغلي مملوك جكرمش وجعل له فيها دزدارا ورفع الرسوم المحدثة يف الظلم وعدل في الناس وتألفهم وقال من سعى إلي بأحد قتلته فلم يسع أحد بأحد وأقر القاضي أبا محمد عبد اله بن القاسم بن الشهروزري على القضاء بالموصل وجعل الرياسة لأبي البركات محمد بن خميس وهو ولد شيخنا أبي الربيع سليمان

وكان في جملة قلج أرسلان الأمير إبراهيم بن ينال التركماني صاحب آمد ومحمد بن جبق التركماني صاحب حصن زياد وهو خرتبرت

فأما إبراهيم بن ينال فكان سبب ملكه لمدينة آمد أن تاج الدولة تتش حين ملك دياتر بكر سلمها إليه فبقيت بيده

وأما محمد بن جبق فكان سبب ملكه لحصن زياد أن هذا الحصن كان بيد الفلادروس الرومي ترجمان ملك الروم وكانت الرها وأنطاكية من أعماله فلما ملك سليمان بن قتلمش والد هذا قلج أرسلان أنطاكية وملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر ضعف الفلادروس عن إقامة ما يحتاج إليه حصن زياد من الميرة والإقامة فأخذه جبق وأسلم الفلادروس على يد السلطان ملكشاه وأمره على الرها فلم يزل عليها حتى مات وأخذها الأمير بزان بعده

وكان بالقرب من حصن زياد حصن آخر بيد إنسان من الروم اسمه إفرنجي وكان يقطع الطريق ويكثر قتل المسلمين فأرسل إليه جلق هدية وخطب إليه مودته وأن يعين كل واحد منهما صاحبه فأجابه إلى ذلك فكان جبق يعين إفرنجي على قطع الطريق وغيره وكذلك إفرنجي يعين جبق فلما وثق كل واحد بصاحبه أرسل إليه بجبق إني أريد قصد بعض الأماكن وطلب أن يرسل إليه بصاحبه فأرسلهم إيه فلما ساروا معه في الطريق تقدم يكتفهم وحملهم إلى قلعة إفرنجي وقال لأهليهم والله لئن لم تسلموا غلي إفرنجي لأضربن أعناقهم ولآخذن الحصن عنوة ولأقتلنكم على دم واحد ففتحوا له الحصن وسلموا إليه إفرنجي فسلخه وأخذ أمواله وسلاحه وكان عظيما ومات جبق فولي بعده ابنه محمد

ذكر قتل قلج أرسلان وملك جاولي الموصل ص 105

قد ذكرنا أن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين سار جاولي عن الموصل إلى سنجار ثم إلى الرحبة فوصلها في رجب وحصرها إلى الرابع والعشرين من شهر رمضان

وكان صاحبها حينئذ يعرف بمحمد بن السباق وهو من بني شيبان رتبه بها الملك دقاق لما فتحها وأخذ ولده رهينة وحمله معه إلى دمشق فلما توفي أرسل هذا الشيباني قوما سرقوا ولده وحملوه إليه فلما وصل إليه خلع الطاعة للدمشقيين وخطب في بعض الأوقات لقلج أرسلان فلما وصل إليها جاولي وحصرها أرسل إلى الملك رضوان يعرفه أنه على الاجتماع به ومساعدته على من يحاربه ويشترط عليه أنه إذا تسلم البلاد سار معه ليكشف الفرنج عن بلاده فلما استقرت القاعدة بينهما حضر عنده رضوان فاشتد الحصار على أهل البلد وضاقت عليهم الأمور واتفق جماعة كانوا بأحد الأبراج وأرسلوا إلى جاولي واستحلفوه على حفظهم وحراستهم وأمروه أن يقصد البرج الذي هم فيه عند انتصاف الليل ففعل ذلك فرفع من في البرج أصحابه إليهم في الحبال فضربوا بوقاتهم وطبولهم فخذل من في البلد ودخله أصحاب جاولي في اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان ونهبوه إلى الظهر ثم أمر برفع النهب ونزل إليه محمد الشيباني صاحب البلد وأطاعه وصار معه

ثم إن قلج أرسلان لما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جاولي سقاوو ليحاربه وجعل ابنه ملكشاه في دار الإمارة وعمره إحدى عشرة سنة ومعه أمير ايدبر وجماعة من العسكر وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدة الكاملة والخيل الجيدة وسمع العسكر بقوة جاولي فاختلفوا وكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ينال صاحب آمد فإنه فارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور إلى بلده وكذلك غيره

وعمل قلج أرسلان على المطاولة لما بلغه من قوة جاولي وكثرة جموعه وأرسل إلى بلاده يطلب عساكره لأنها كانت ملك الروم نجدة له عن قتال الفرنج كما ذكرناه فلما وصل إلى الخابور بلغت عدته خمسة آلاف وكان مع جاولي أربعة آلاف من جملتهم الملك رضوان وجماعة من عسكره إلا أن شجعانه أكثر واغتنم جاولي قلة عسكر أرسلان فقاتله قبل وصول عساكره إليه فالقوا في العشرين من ذي القعدة فحمل قلج أرسلان على القوم بنفسه حتى خالطهم فضرب يد صاحب العلم فأبانها ووصل إلى جاولي بنفسه فضربه بالسيف فقطع الكزاغند ولم يصل إلى بدنه وحمل أصحاب جاولي على أصحابه فهزموهم واستباحوا نقلهم وسوادهم فلما رأى قلج أرسلان انهزام عسكره علم أنه إن أسر فعل به فعل من لم يترك للصلح موضعا لا سيما وقد نازع السلطان في بلاده واسم السلطنة فألقى نفسه في الخابور وحمى نفسه من أصحاب جاولي بالنشاب فانحدر به الفرس إلى ماء عميق فغرق وظهر بعد أيام فدفن بالشمسانية وهي قرى الخابور وسار جاولي إلى الموصل ولما وصل إليها فتح أهلها له بابها ولم يتمكن من بها من أصحاب قلج أرسلان من منعهم ونزل بظاهر البلد وأخذ كل واحد من أصحاب جكرمش الذي حضر الوقعة مع قلج أرسلان إلى جهة فلما ملك جاولي الموصل أعاد خطبة السلطان محمد وصادر جماعة من بها من أصحاب جكرمش وسار إلى جزيرة ابن عمر وبها حبشي بن جكرمش ومعه أمير من غلمان أبيه اسمه غرغلي فحصره مدة ثم صالحوه وحملوا إليه ستة آلاف دينار وغيرها من الدواب والثياب ورحل عنهم إلى الموصل وأرسل ملكشاه بن قلج أرسلان إلى السلطان محمد

ذكر أحوال الباطنية بأصبهان وقتل ابن عطاش ص 106

في هذه السنة ملك السلطان محمد القلعة التي كان الباطنية ملكوها بالقرب من أصبهان واسمها شاهدز وقتل صاحبها أحمد عبد الملك بن عطاش وولده وكانت هذه القلعة قد بناها ملكشاه واستولى عليها بعده أحمد بن عبد الملك بن عطاش وسبب ذلك أنه اتصل بدزدار كان لها فلما استولى أحمد عليها وان الباطنية بأصبهان قد ألبسوه تاجا وجمعوا له أموالا وإنما فعلوا ذلك به لتقدم أبيه عبد الملك في مذهبهم فإنه كان بليغا حسن الخط سريع البديهة عفيفا وابتلي بحب هذا المذهب وكان هذا ابنه أحمد جاهلا لا يعرف شيئا وقيل لابن الصباح قلعة الموت لماذا تعظم ابن عطاش مع جهله قال لمكان أبيه لأنه كان أستاذي وصار لابن عطاش عدد كثير وبأس شديد واستفحل أمره بالقلعة فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق وأخذ الأموال وقتل من قدروا على قتله فقتلوا خلقا كثيرا لا يمكن إحصاؤهم وجعلوا له على القرى السلطانية وأملاك الناس ضرائب يأخذونها ليكفوا عنها الأذى فتعذر انتفاع السلطان بقراه والناس بأملاكهم وتمشى لهم الأمر بالخلف الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد فلما صفت السلطنة لمحمد ولم يبق له منازع لم يكن عنده أمر أهم من قصد الباطنية وحربهم والانتصاف للمسلمين من جورهم وعسفهم فرأى البداية بقلعة أصبهان التي بأيديهم لأن بها أكثر وهي متسلطة على سرير ملكه

فخرج بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان وكان قد عزم على الخروج أول رجب فساء ذلك من يتعصب لهم من العسكر فأرجفوا أن قلج أرسلان بن سليمان قد ورد بغداد وملكها وافتعلوا في ذلك مكاتبات ثم أظهروا أن خللا قد تجدد بخراسان فتوقف السلطان لتحقيق الأمر فلما ظهر بطلانه عزم عزيمة مثله وقصد حربهم وصعد جبلا يقابل القلعة من غربيها ونصب له التخت في أعلاه واجتمع له من أصبهان وسوادها لحربهم الأمم العظيمة للذحول التي يطالبونهم بها وأحاطوا بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ ورتب الأمراء لقتالهم فكان يقاتلهم كل يوم أمير فضاق الأمر بهم واشتد الحصار عليهم وتعذرت عندهم الأقوات فلما اشتد الأمر عليهم كتبوا فيها ما يقول السادة الفقهاء أئمة الدين في قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن ما جاء به محمد حق وصدق وإنما يخالفون في الإمام هل يجوز للسلطان مهادنتهم ومواعدتهم وأن يقبل طاعتهم ويحرسهم من كل أذى فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك

وتوقف بعضهم فجمعوا للمناظرة ومعهم أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السمنجاني وهو من شيوخ الشافعية فقال بمحضر من الناس يجب قتالهم ولا يجوز إقرارهم بمكانهم ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين فإنهم يقال لهم أخبرونا عن إمامكم إذا أباح لكم ما حظره الشرع أو حظر عليكم ما أباحه الشرع أتقبلون أمره فإنهم يقولون نعم وحينئذ تباح دماؤهم بالإجماع وطالت المناظرة في ذلك

ثم إن الباطنية سألوا السلطان أن يرسل إليهم من يناظرهم وعينوا على أشخاص من العلماء منهم القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى شيخ الحنفية بأصبهان وقاضيها وغيره فصعدوا إليهم وناظروهم وعادوا كما صعدوا وإنما كان قصدهم التعلل والمطاولة فلج حينئذ السلطان في حصرهم فلما رأوا عين المحاققة أذعنوا إلى تسليم القلعة على أن يعطوا عوضا عنها قلعة خالنجان وهي على سبعة فراسخ من أصبهان وقالوا إنا نخاف على دمائنا وأموالنا من العامة فلا بد من مكان نحتمي به منهم فأشير على السلطان إجابتهم إلى ما طلبوا فسألوا أن يؤخرهم إلى النوروز ليرحلوا إلى خالنجان ويسلموا قلعتهم وشرطوا أن لا يسمع قول منتصح فيهم وإن قال أحد عنهم شيئا سلمه لهم وإن من أتاه منهم رده إليهم فأجابهم إليه وطلبوا أن يحمل إليهم من الإقامة ما يكفيهم يوما بيوم فأجيبوا إليه في كل هذا وقصدهم المطاولة انتظارا لفتق أو حادث يتجدد ورتب لهم وزير السلطان سعد الملك ما يحمل إليهم كل يوم من الطعام والفاكهة وجميع ما يحتاجون إليه فجعلوا هم يرسلون ويباعدون من الأطعمة ما يجمعونه ليمتنعوا في قلعتهم

ثم إنهم وضعوا من أصحابهم من يقتل أميرا كان يبالغ في قتالهم فوثبوا عليه وجرحوه وسلم منهم فحينئذ أمر السلطان بإخراب قلعة خالنجان وجدد الحصار عليهم فطلبوا أن ينزل بعضهم ويرسل السلطان معهم من يحميهم إلى أن يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان وهي لهم وينزل بعضهم ويرسل معهم من يوصلهم إلى طبس وأن يقيم البقية منهم في ضرس من القلعة إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم فينزلون حينئذ ويرسل معهم من يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة ألموت فأجيبوا إلى ذلك فنزل منهم إلى الناظر وإلى طبس وساروا وتسلم السلطان القلعة وخربها ثم إن الذين ساروا إلى قلعة الناظر وطبس وصل منهم من أخبر ابن عطاش بوصولهم فلم يسلم السن الذي بقي بيده ورأى السلطان منه الغدر والعود عن الذي قرر فأمر بالزحف إليه فزحف الناس عامة ثاني ذي القعدة

وكان قد قل عنده من يمنع ويقاتل فظهر منهم صبر عظيم وشجاعة زائدة وكان قد استأمن إلى السلطان إنسان من أعيانهم فقال لهم إني أدلكم على عورة لهم فأتى بهم إلى جانب لذلك السن لهم لا يرام فقال لهم اصعدوا من ههنا إنهم قد ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال فقال إن الذي ترون أسلحة وكزا غندات قد جعلوها كهيئة الرجال لقتلهم عندهم وكان جميع من بقي ثمانين رجلا فزحف الناس من هناك فصعدوا منه وملكوا الموضع وقتل أكثر الباطنية واختلط جماعة منهم مع من دخل فخرجوا معهم وأما ابن عطاش فإنه أخذ أسيرا فترك أسبوعا ثم إنه أمر به فشهر في جميع البلد وسلخ جلده فتجلد حتى مات وحشي جلده تبنا وقتل ولده وحمل رأساهما إلى بغداد وألقت زوجته نفسها من رأس القلعة فهلكت وكان معها جواهر نفيسة لم يوجد مثلها فهلكت أيضا وضاعت وكانت مدة البلوى بابن عطاش اثنتي عشرة سنة

ذكر الخلف بين سيف الدولة صدقة زمهذب الدولة صاحب البطيحة ص 109

في هذه السنة اختلف سيف الدولة صدقة بن مزيد ومهذب الدولة السعيد بن أبي الجبر صاحب البطيحة وانضاف حماد بن أبي الجبر إلى صدقة وأظهر معاداة ابن عمه مهذب الدولة ثم اتفقوا

وكان سبب ذلك أن صدقة لما أقطعه السلطان محمد مدينة واسط ضمنها منه مهذب الدولة واستناب في الأعمال أولاده وأصحابه فمدوا أيديهم في الأموال وفرطوا فيها وفرقوها فلما انقضت السنة طالبه صدقة بالمال وحبسه ثم سعى في خلاصه بدران بن صدقة وهو صهر مهذب الدولة فأخرجه من الحبس وأعاده إلى بلده البطيحة وضمن حماد بن أبي الجبر واسطا فانحل على مهذب الدولة كثير من أمره فآل إلى الاختلاف بعد الاتفاق فإن المصطنع إسماعيل جد حماد والمختص محمدا والد مهذب الدولة أخوان وهما ابنا أبي الجبر وكانت إليهما رياسة أهلهما وجماعتهما فهلك المصطنع وقام ابنه أبو السيد المظفر والد حماد مقامه وهلك المختص محمد وقام ابنه مهذب الدولة مقامه وصارا يتنازعان ابن الهيثم صاحب البطيحة ويقاتلانه إلى أن أخذه مهذب الدولة أيام كوهرائين وسلمه إلى كوهرائين فحمله إلى أصبهان فهلك في طريقها فعظم أمر مهذب الدولة وصير كوهرائين أمير البطيحة فصار ابن عمه وجماعة تحت حكمه وكان حماد شابا فأكرمه مهذب الدولة وزوجه بنتا له وزاد في أقطاعه فكثر ماله فسار يحسد مهذب الدولة ويضمر بغضه وربما ظهر في بعض الأوقات وكان مهذب الدولة يداريه بجهده

فلما هلك كوهرائين انتقل حماد عن مهذب الدولة وأظهر ما في نفسه فاجتهد مهذب الدولة في إعادته إلى ما كان فلم يفعل فسكت عنه فجمع النفيس بن مهذب الدولة جمعا وقصد حمادا فهرب منه إلى سيف الدولة بالحلة فأعاده صدقة ومعه جماعة من الجند فحشد مهذب الدولة فأرسل حماد إلى صدقة يعرفه ذلك فأرسل إليه كثيرا من الجند فقوي عزم مهذب الدولة على المحاربة لئلا يظن به العجز فأشار عليه أهله بترك الخروج من موضعه لحصانته فلم يفعل وسير سفنه وأصحابه في الأنهر فجعل حماد وأخوه له الكمناء واندفعوا من بين أيديهم فطمع أصحاب مهذب الدولة وتبعوهم فخرج عليهم الكمناء فلم يسلم منهم إلا من لم يحضر أجله فقتل منهم وأسر خلق كثير فقوي طمع حماد وأرسل إلى صدقة يستنجده فأرسل إليه مقدم جيشه سعيد بن حميد العمري وغيره من المقدمين وجمعوا السفن ليقاتلوا مهذب الدولة فرأوا أمرا محكما فلم يمكنهم الدخول إليه وكان حماد بخيلا ومهذب الدولة جوادا فأرسل إلى سعيد بن حميد الإقامات الوافرة والصلات الكثيرة واستماله فمال إليه واجتمع به وتقرر الأمر على أن أرسل مهذب الدولة ابنه النفيس إلى صدقة فرضي عنه وأصلح بينهم وبين حماد ابن عمهم وعادوا إلى حال حسنة من الاتفاق وكان صلحهم في ذي الحجة سنة خمسمائة

قتل وزير السلطان ووزارة أحمد بن نظام الملك ص 110

في شوال من هذه السنة قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك أبي المحاسن وأخذ ماله وصلبه على باب أصبهان وصلب معه أربعة نفر من أعيان أصحابه والمنتمين إليه أما الوزير فنسب إلى خانة السلطان وأما الأربعة فنسبوا إلى اعتقاد الباطنية وكانت مدة وزارته سنتين وتسعة أشهر وكان في ابتداء حاله يصحب تاج الملك أبا الغنائم وتعطل بعده ثم استعمله مؤيد الملك فجعله على ديوان الاستيفاء وخدم السلطان محمدا لما حصره أخوه السلطان بركيارق بأصبهان خدمة حسنة ولما فارقها محمد حفظها الحفظ التام وقام المقام العظيم فاستوزره محمد ووسع له في الإقطاع وحكمه في دولته ثم نكبه وهذا آخر خدمة الملوك

وما أحسن ما قال عبد الملك بن مروان أنعم الناس عيشا من له ما يكفيه وزوجة ترضيه ولا يعرف أبوابنا هذه الخبيثة فتؤذيه

ولما قبض الوزير استشار السلطان فيمن يجعله وزيرا فذكر له جماعة فقال السلطان إن آبائي دروا على نظام الملك البركة ولهم عليه الحق الكثير وأولاده أغذياء نعمتنا ولا معدل عنهم فأمر لأبي نصر أحمد هذا بالوزارة ولقب القاب أبيه قوام نظام الملك صدر الإسلام وكان سبب قدومه إلى باب السلطان أنه لما رأى انقراض دولة أهل بيته لزم داره بهمذان فاتفق أن رئيس همذان وهو الشريف أبو هاشم آذاه فسار إلى السلطان شاكيا منه ومتظلما فقبض السلطان على الوزير وأحمد هذا في الطريق فلما وصل إليه ذكره وخلع عليه خلع الوزارة وحكمه ومكنه وقوى أمره وهذا من الفرج بعد الشدة فإنه حضر شاكيا فصار حاكما

ذكر عدة حوادث ص 110

في هذه السنة في صفر عزل الوزير أبو القاسم علي بن جهير وزير الخليفة فقصد دار سيف الدولة صدقة ببغداد ملتجئا إليها وكانت ملجأ لكل ملهوف فأرسل إليه صدقة من أخذه إليه إلى الحلة وكانت وزارته ثلاث سنين وخمسة أشهر وأياما وأمر الخليفة بنقض داره التي بباب العامة وفيها عبرة فإن أباه أبا نصر بن جهير بناها بأنقاض أملاك الناس وأخذ بسببها أكثر ما دخل فيها فخربت عن قريب ولما عزل استنيب قاضي القضاة أبو الحسن بن الدمغاني ثم تقررت الوزارة في المحرم من سنة إحدى وخمسمائة لأبي المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب وخلع عليه فيه

وفيها في شوال توفي الأمير أبو الفوارس سرخاب بن بدر بن مهلهل المعروف بابن أبي الشوك الكردي وكانت له أموال كثيرة وخيول لا تحصى وولي الأمر بعده أبو منصور بن بدر وقام مقامه وبقيت الإمارة في بيته مائة وثلاثين سنة وقد تقدم من أخباره ما فيه كفاية

وفي هذه السنة توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الحداد الأصبهاني ابن أخت عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مندة ومولده سنة ثمان وأربعمائة وكان مكثرا من الحديث مشهورا بالرواية

وفيها توفي أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج البغدادي في صفر وهو مكثر من الرواية وله تصانيف حسنة وأشعار لطيفة وهو من أعيان الزمان وعبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب أبو محمد الشيرازي الفقيه ولي التدريس بالنظامية ببغداد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة وكان يروي الحديث أيضا وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي المعروف بابن الطيوري البغدادي ومولده سنة إحدى عشرة وأربعمائة وكان مكثرا من الحديث ثقة صالحا عابدا وأبو الكرم المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب النحوي سمع الحديث من أبي الطيب الطبري والجوهري وغيرهما وكان إماما في النحو واللغة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.