في هذه السنة جمع أذفونش عساكره وجموعه وغزا بلاد جيان من الأندلس فلقيه المسلمون وقاتلوه واشتد الحرب فكانت الهزيمة أولا على المسامين ثم إن الله تعالى رد لهم الكرة على الفرنج فهزموهم وأكثروا القتل قيهم ولم ينج إلا الأذفونش في نفر يسير وكانت هذه الوقعة من أشهر الوقائع بعد الزلاقة وأكثر الشعراء ذكرها أشعارهم
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمائة
لما كان السلطان ببغداد قدم إليه أخوه تاج الدولة تتش من دمشق وفسيم الدولة آقسنقر من حلب وبوزان من الرهاء لما أذن لهم السلطان في لعود إلى بلادهم أمر قسيم الدولة وبوزان أن يسيرا مع عساكرهما في خدمة أخيه تاج الدولة حتى يستولي على ما لخليفة المستنصر العلوي بساحل الشام من البلاد ويسيروهم معه إلى مصر ليملكها فساروا أجمعون إلى الشام ونزل على حمص وبها ابن الملاعب صاحبها وكان الضرر به وبأولاده عظيما على المسلمين فحصروا البلد وضيقوا على من به فمكله تاج الدولة وأخذ ابن ملاعب وولديه وسار إلى قلعة عرفة فملكها عنوة وسار إلى قلعة أفامية فملكها أيضا وكان بها خادم للمصري فنزل بالأمان فأمنه ثم سار إلى طابلس فنازلها فرأى صاحبها جلال الملك بن عمار جيشا لا يدفع إلا بحيلة فأرسل إلى الأمراء الذين مع تاج الدولة وأطمعهم ليصلحوا حاله فلم ير فيهم مطمعا وكان من قيسم الدولة آقسنقر وزير له اسمه زرين كمر فراسله ابن عمار فرأى عنده لينا فأتحفه وأعطاه فسعى مع صاحبه قسيم الدولة في إصلاح حاله ليدفع عنه وحمل له ثلاثين ألف دينار وتحفا بمثلها وعرض عليه المناشير التي بيده من السلطان بالبلد والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته والشد معه والتحذير من محاربته فقال آقسنقر لتاج الدولة تتش لا أقاتل من هذه المنشير بيده فأغلظ له تاج الدولة وقال هل أنت إلا تابع لي فقال آقسنقر أنا أتابعك إلا في معصية السلطان ورحل من الغد عن موضعه فاضطر تاج الدولة إلى الرحيل فرحل غضبان وعاد بوزان أيضا إلى بلاده فانتفض هذا الأمر
وكان ممن حضر أيضا عند السلطان ببغداد جبق أمير التركمان وهو صاحب قرميسين وغيرها فأمره السلطان أن يسير هو وجماعة من أمراء السلطان كانوا معه إلى الحجاز واليمن ويكون أمرهم إلى سعد الدولة كوهرائين ليفتحوا البلاد هناك فاستعمل عليهم سعد الدولة أمير اسمه ترشك فساروا حتى وردوا اليمن فاستولوا عليها وأساءوا السيرة في أهلها ولم يتركوا فاحشة ولا سيئة إلا ارتكبوها وملكوا عدن وظهروا على ترشك الجدري فتوفي في سابع يوم من وصوله إليها وكان عمنره سبعين سنة فعاد أصحابه إلى بغداد وحملوه ودفنوه عند قبر أبي حنيفة رحمة الله عليه
في السنة عاشر رمضان قتل نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الوزير بالقرب من نهاوند وكان هو السلطان في أصبهان وقد عاد إلى بغداد فلما كان بهذا المكان بعد أن فرغ من إفطاره وخرج في محفته إلى خيمة حرمه أتاه صبي ديلمي من الباطنية في صورة مستميح أومستغيث فضربه بسكسن كانت معه فقضى عليه وهرب فعثر بطنب خيمة فأدركوه فقتلوه وركب السلطان إلى خيمه فسكن عسكره وأصحابه وبقي وزير السلطان ثلاثين سنة سوى ما وزر ألب ارسلان صاحب خراسان أيام عمه طغرلبك قبل أن يتولى السلطنة وكانت قد علت سنه فإنه كان مولده سنة ثمان وأربعمائة وكان سبب قتله أن عثمان بن جمال الملك بن نظام الملك كان قد ولاه جده نظام الملك رياسة مرو وأرسل السلطان إليها شحنة وقال له قودن وهو من أكبر مماليكه ومن أعظم الأمراء في دولته فجرى بينه وبينعثمان منازعة في شيء فحملت عثمان حداثة سنه وتمكنه وطمعه بجده على أن قبض عليه وأخرق به ثم أطلقه وقصد السلطان مستغيثا شاكيا فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة مع تاج الدولة ومجد الملك البلاساني وغيرهما من أرباب دولته يقول له إن كنت شريكي في الملك ويدك مع يدي في السلطنة فلذلك حكم وإن كنت نائبي وبحكمي فيجب أن تلزم حد التبعية وانيابة وهؤلاء أولاده قد استولى كل واحد منهم على كورة عظيمة وولي ولاية كبيرة ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا أمر السياسة وطمعوا إلى أن فعلوا كذا وكذا وأطال القول وأرسل معهم الأمير يلبرد وكان من خواصه وثقاته وقال له تعرفني ما يقول فربما كتم هؤلاء شيئا فحضروا عند نظام الملك وأروردوا عليه الرسالة فقال لهم قولوا للسلطان إن كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي أما يذكر حين قتل أبوه فقمت بتدبير أمره وقمعت الخوارج عليه من أهله وغيرهم منهم فلان وفلان وذكر جماعة من خرج عليه وهو ذلك الوقت يتمسك بي ويلزمني ولا يخالفني فلما قدت الأمور إليه وجمعت الكلمة عليه وفتحت الأمصار القريبة والبعيدة وأطاعه القاصي والداني أقبل يتجنى لي الذنوب ويسمع في السعايات وقولوا له عني إن ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة وإن اتفاقهما رباط كل رغيبة وسبب كل غنيمة ومتى أطبقت هذه زالت تلك فإن عزم على تغير فيلتزود للاحتياط وقبل وقوعه وليأخذ الحذر من الحادث أمام طروقه وأطال فيما هذا سبيله ثم قال لهم قولوا للسطان عني مهما أردتم فقد أهمني ما لحقني من توبيخه وفت في عضدي فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما جرى عن السلطان وأن يقولوا له ما مضمونه العبودية والتنصل ومضوا إلى منازلهم وكان الليل قد انتصف ومضى يلبرد إلى السلطان فأعلمه ما جرى وبكر الجماعة إلى السلطان وهو ينتظرهم فقالوا له من الاعتذار والعبودية ما كانوا اتفقوا عليه فقال لهم السلطان إنه لم يقل هذا وإنما قال كيت وكيت فأشاروا حينئذ بكتمان ذلك رعاية لحق نظام الملك وسابقته فوقع التدبير عليه حتى تم عليه من القتل ما تم ومات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يوما وانحلتالدولة ووقع السيف وكان قول نظام الملك شبه الكرامة له وأكثر الشعراء مراثيه فمن جيد ماقيل قول شبل الدولة مقاتل بن عطية
( كان الوزير نظام الملك لؤلؤة % يتيمة صاغها الرحمن من شرف )
( عزت فلم تعرف الأيام قيمتها % فردها غيره منه إلى الصدف )
ورأى بعضهم نظان الملك بعد قتله في المنام فسأله عن حاله فقال كان يعرض علي جميع عملي لولا الحديدة التي أصبت بها يعني القتل
أما ابتداء حاله فكان من أبناء الدهاقين بطوس فزال ما كان لأبيه من مال وملكم وتوفيت أمه وهو رضيع فكان أبوه يطوف به على المرضعات ويرضعنه حسبة حتى شب وتعلم العربية وسر الله فيه يدعوه إلى علو الهمة والاشغال بالعلم فتفقه صار فاضلا وسمع الحديث الكثير ثم اشتغب لالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر بعلو به ويخفض حضرا وسفرا وكان يطة ف بلاد خراسان ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصرفين ثم لزم أبا علي بن شاذان متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان فحصنت حاله معه وظهرت كفايته وأمانته وصار معروفا عندهم بذلك فلما حضرت أبا علي بن شاذان الوفاة أوصى الملك ألب أرسلان به وعرفه حاله فولاه شغله ثم صار وزيرا له إلى أن ولي السلطنة بعد عمه طغرلبك واستمر على الوزارة لأنه ظهرت منه كفاية عظيمة وآراء سديدة فأدت السلطنة إلى ألب أرسلان فلما توفي ألأب أرسلان قام بأمر ابنه ملكشاه وقد تقدم ذكر هذه الجمل مستوفاه مشروحا
وقيل إن ابتداء أمره أنه كان يكتب الأمير تاجر صاحب للخ وكان الأمير يصادره في رأس كل سنة ويأخذ ما معه ويقول له قد سمنت يا حسن ويدفع إليه فرسا ومقرعة ويقول هذا يكفيك فلما طال ذلك عليه أخفى أولاده فخر الملك ومؤيد الملك وهرب إلى جغر بك داود والد ألب أرسلان فوقف فرسه في الطريق فقال اللهم إني أسألك فرسا تخلصني عليه فسار غير بعيد فلقيه تركماني وتحته فرس جواد فقال لنظام الملك انزل عن فرسك فنزل عنه فأخذه التركماني وأعطاوه فرسه فركبه وقال له لا تنسني يا حسن
قال نظام الملك فقويت نفسي بذلك وعلمت أنه ابتداء سعادة
فسار نظام الملك إلى مرو ودخل على داود فلما رآه أخذ بيده وسلمه إلى ولده ألب أرسلان وقال له هذا حسن الطوسي فتسلمه واتخذه والدا لا تخالفه
وكان الأمير تاجر لما سمع بهرب نظام الملك سار في أثره إلى مرو فقال لداود هذا كاتبي ونائبي أخذ أموالي فقال له داود حديثك مع محمد يعني ألب أرسلان وكان اسمه محمدا فلم يتجاسر تاجر على خطابه فتركه فتركهم وعاد
وأما أخباره فإنه كان عالما دينا جوادا عادلا حليما كثير الصفح عن المذنبين طويل الصمت كان مجلسه عامرا بالقراء والفقهاء وأئمة المسلمين وأهل الخير والصلاح أمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد وأجرى لها الجرايات العظيمة وأملى الحديث بالبلاد ببغداد وخراسان وغيرها وكان يقول إني لست من أهل هذا الشأن لما تولاه ولكني أحب أن أجعل نفسي على قطار نقله حديث رسول الله وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه تجنبه فإذا فرغت لا يبدأ بشيء قبل الصلاة
وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت يأمره بالأذان وهذا غاية حال المنقطعين إلى العابداة في حفظ الأوقات ولزوم الصلاوات وأسقط المكوس والضرائب وأزال لعن الأشعرية من المنابر
وكان الوزير عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرلبك التقدم بلعن الرافضة فأمره بذلك فأضاف إليهم الأشعرية ولعن الجميع فلهذا فارق الكثير من الأئمة بلادهم مثل إمام الحرمين وأبي القاسم القشيري وغيرهما
فلما ولي ألب أرسلان السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه وأعاد العلماء إلى أوطانهم وكان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري والإمام أبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده كما هو وإذا دخل أبو علي الفارمذي يقوم إليه ويجلسه في مكانه ويجلس هو بين يديه فقيل له في ذلك فقال إن هذين وأمثالهما إذا دخلوا علي يقولون لي أنت كذا وكذا يثنون علي بما ليس بي فيزيدني كلامهم عجبا وتيه وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي وأما أنا فيه من الظلم فتنكسر نفسي لذلك وأرجع عن كثير مما أنا فيه
وقال نظام الملك كتنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي ثم بعد ذلك تمني أن يكون لي قطعة أرض أتقوت بريعها ومسجد أعبد الله فيه وأما الآن فأنا أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم ومسجد أ بد الله فيه
وقيل كان ليلة بأكل الطعام وبجانبه أخوه أبو القاسم وبالجانب الآخر عميد خراسان و إلى جانب العميد إنسان فقير مقطوع اليد فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل من المقطوع فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر وقرب المقطوع إليه فأكل معه وكانت عادته أن يحضر الفقراء ويقربهم إليه ويدنيهم وأخباره مشهورة كثيرة قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد
صار السلطان ملكشاه بعد قتل نظام الملك إلى بغداد ودخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان ولقيه وزير الخليفة عميد الدولة بن جهير وظهرت من تاج الملك كفاية عظيمة
وكان السلطان قد أمر أن تفصل خلع الوزارة لتاج الملك وكان هو الذي سعى بنظان الملك فلما فرغ من الخلع ولم يبق غير لبسها والجلوس في الدست التفق أن السطلن خرج إلى الصيد وعاد ثالث شوال مرضا وأنشب الموت أظفاره فيه ولم يمنع عنه سعة ملكه وكثرة عساكره
وكان سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم وافتصد ولم يستوف إخراج الدم فثقل مرضه وكانت حمى محرقة
فتوفي ليلة الجمعة النصف من شوال ولما ثقل نقل أرباب دولته أموالهم إلى حريم دار الخلافة ولما توفي سترت زوجته تركان خاتون المعروفة بخاتون الجلالية موته وكتمته وأعادت جعفر بن الخليفة من ابنة السلطان إلى أبيه المقتدي بأمر الله وسارت من بغداد والسلطان معها محمولا وبذلت الأموال للأمراءسرا واستحلفتهم لابنها محمد
وكان تلج الملك يتولى ذلك لها وأرسلت قوام الدولة كربوقا الذي صار صاحب الموصل إلى أصبهان بخاتم السلطان فاستنزل مستحفظ القلعة وتسلمها وأظهر أن السلطان أمره بذلك ولم يسمع بسلطان مثله لم يصل عليه أحد ولم يلطم عليه وجه وكان مولده سنة سبع وأربعين وأربعمائة وكان من احسن الناس صورة ومعنى وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن وحمل إليه ملوك الروم الجزية ولم بفته مطلب وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل وعدل مطرد
ومن أفعاله أنه لما خرج عليه أخوه تكش بخراسان اجتاز بمشهد علي بن موسى الرضا بطوس فزاره فلما خرج قال لنظام الملك بأي شيء دعوت قال دعوت الله أن ينصرك
فقال أما أنا فلم أدع بهذا بل قلت اللهم انصر أصلحنا للمسلمين وأنفعنا للرعية
وحكى عنه أن سواديا لقيه وهو يبكي فاستغاث به
وقال كنت ابتعت بطيخا بدريهيمات لا أماك سوها فغلبني عليه ثلاثة نفر من الأتراك فأخذوه مني فقال السلطان له اقعد ثم أحضر فراشا وقال قد اشتهيت بطيخا وكان ذلك عند أول استوائه وأمره بطلبه من العسكر فغاب ثم عاد ومعه البطيخ فأمره بإحضار من ة جده عنده فأحضره فسأله السلطان من أين لك ذلك البطيخ فقال غلماني جاؤوني به فأمر أن يجيء بهم إليه فمضر وأمرهم بالهرب وعاد فقال لم أجدهم فقال للسوادي خذ هذا مملوكي قد وهبته لك عوضا عن بطيخك ويحضر الذيم أخذوه والله لئن أطلقته لأضربن عنقك فأخذه السوادي فاشترى الغلام نفسه منه بثلاثمائة دينار فعاد السوادي إلى السلطان وقال قد بعته نفسه بثلاثمائة دينار فقال أرضيت بذلك قال نعم قال امض مصاحبا للسلامة
وقال عبد السميع بن داود العباسي شاهدت ملكشاه وقد أتاه من أرض العراق السفلى من قريه الحدادية يعفران بابني غزال فلقياه فوقه لهما فقالا إن مقطعنا الأمير خمار تكين قد صادرنا بألف وستمائة دينار وقد كسر ثنيتي أحدنا وأراهما السلطان وقد قصدناك لتقتص لنا منه فإن أخذت بحقتا كما أوجب الله عليك وإلا فالله يحكم بيننا قال فرأيت السلطان وقد نزل عن دابته وقال ليمسك كا واحد منكما بطرف كمي واسحباني إلى خواجه حسن يعني نظام الملك فامتنعا من ذلك واعتذر فأقسم عليهما إلا فعلا فأخذ كا واحد منهما بكم من كميه ومشى معهما إلى نظام الملك فبلغه الخبر فخرج مسرعا فلقيه وقبل الأرض وقال يا سلطان العالم ما حملك على هذا فقال كيف يكون حالي غدا عند الله إذا طولبت بحقوق المسلمين وقد قلدتك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف فإن نال الرعية أذى فأنت المطالب فانظر لي ولنفسك فقبل الأرض ومشى في خدمته وعاد من وقتي وكتب بعزل الأمير خمارتكين ورد المال عن أقطاعه ورد المال عليها وأعطاها مائة دينار من عنده وأمرهما بإثبات البينة أنه ليقلع ثنيتيه عوضهما فرضيا وانصرفا
وقيل إنه ورد بغداد ثلاث دفعات فخافه الناس من غلاء الأسعار وتعدي الجند فكانت الأسعار أرخص منها قبل قدومه
وكان الناس يخترقون عساكره ليلا ونهارا فلا يخافون أحدا ولم يتعد عليهم أحد وأسقط المكوس والمؤذن من جميع البلاد وعمر الطرق والقناطر والربط التي في المفاوز وحفر الأنهار الخراب وعمر الجامع ببغداد وعمل المصانع بطرق مكة وبنى البلد بأصبهان وبنى منارة القرون في السبيعي بطريق مكة وبنى مثلها بما وراء النهر
واصطاد مرة صيدا كثيرا فأمر بعده فكان عشرة آلاف رأس فأمره بصدقة عشرة آلاف دينار وقال أني خائف من الله تعالة كيف أزهقت أرواح هذه الحيوانان بغير ضرورة ولا مأكلة وفرق من الثياب والأموال بين أصحابه ما لا يحصى وصار بعد ذلك كلما صاد شيئا تصدق بعدده دنانير وهذا فعل من يحاسب نفسه على حركاته وسكناته وقد أكثر الشعراء مراثيه أيضا
وقيل إن بعض أمراء السلطان كان نازلا بهراة مع بعض العلماء اسمه عبد الرحمن في داره فقال يوما ذلك الأمير السلطان وهو سكران إن عبد الرحمن يشرب الخمر ويعبد الأصنام من دون الله تعالى ويحلل الحرام فلم يحبه ملكشاه
فلما كان الغد صحا ذلك الأمير فأخذ السلطان السيف وقال له اصدقني عن فلان وإلا قتلتك فطلب منه الأمان فأمنه فقال إن عبد الرحمن له دار حسناء وزوجة جميلة فأردت أن تقتله فأفوز بداره وزوجته فأبعده السلطان وشكر اله تعالى على التوقف عن قبول سعايته وتصدق بأموال جليلة المقدار
لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته كما ذكرناه وأرسلت إلى الأمراء سرا فأرضتهم واستحلفتهم لولدها محمود وعمره أربع سنين وشهور وأرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة لولدها أيضا فأجابا وشرط أن يكون اسم السلطنة لولدها والخطبة له ويكون المدبر لزعامة الجيوش ورعاية البلد هو الأمير أنز ويصدر عن رأي تاج الملك ويكون ترتيب العمال وجباية الأموال إلى تاج الملك أيضا وكان تاج الملك هو الذي يدبر الأمر بين يدي خاتون فلما جاءت رسالة الخليفة إلى خاتون بذلك امتنعت من قبوله فقيل لها إن ولدك صغير ولا يجيز الشرع ولايته وكان المخاطب لها في ذلك الغزالي فأذعنت له وأجابت إليه فخطب لولدها ولقب ناصر الدنيا والدين وكانت الخطبة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من السنة وخطب له بالحرمين الشريفين
ولما مات السلطان ملكشاه أرسلت تركان خاتون إلى أصبهان في البض على بركيارق بن السلطان وهو أكبر أولاده خافته أن ينازع ولدها في السلطنة فقبض عليه
فلما ظهر موت ملكشاه وثب عليه المماليك النظامية على سلاح كان لنظام الملك بأصبهان فأخذه وثاروا في البلد وأخرجوا بركيارق من الحبس وخطبوا له بأصبهان وملكوه وكانت والدة بركيارق زبيدة ابنة ياقوتي بن داود وهي ابنة عم ملكشاه خائفة على ولدها من خاتون أم محمود فأتاها الفرج بالمماليك النظامية
وسارت تركان خاتون من بغداد إلى أصبهان فطالب العسكر تاج الملك بالأموال فوعدهم فلما وصلوا إلى قلعة برجين صعد إليها لينزل الأموال منها فلما استقرت فيها عصى على خاتون ولم ينزل خوفا من العسكر فساروا عنه ونهبوا خزائنه ولم يجدوا بها شيئا فإنه كان قد علم ما جرى فاستظهر وأخفاه
ولما وصلت تركان خاتون إلى أصبهان لحقها تاج الملك واعتذر بأن مستفظ اللقعة حبسه وأنه هرب منه إليها فقبلت عذره
وأما بركيارق فإنه لما قاربت خاتون وابنها محمود أصبهان خرج منها هو ومن معه من النظامية وساروا نحو الري فلقيهم أرغش النظامي في عساكره ومعه جماعة من الأمراء وصاروا يدا واحدة وإنما حمل النظامية على الميل إلى بركيارق كراهتهم لتاج الملك لأنه كان عدو نظام الملك والمتمهم بقتله فلما اجتمعوا حصورا قلعة طبرك وأخذوها عنوة فسيرت خاتون العساكر إلى قتال بركيارق فالتقى العسكران بالقرب من بروجرد فانحاز جماعة من الأمراء الذين في عسكر خاتون إلى بركيارق منهم الأمير يلبرد وكمشتكين الجاندار وغيرهما فقوي بهم وجرى الحرب بينهم أواخر ذي الحجة واشتد القتال فانهزم عسكر خاتون وعادوا إلى أصبهان وصار بركيارق في أثرهم بأصبهان
كان تاج الملك مع عسكر خاتون وشهد الوقعة فهرب إلى نواحي بروجرد فأخذ وحمل لى عسكر بركيارق وهو يحاصر أصبهان وكان يعرف كفايته فأراد أن يستوزره فشرع تاج الملك في إصلاح كبار النظامية وفرق فيهم مائتي الف دينار سة ى العروض فزال ما في قلوبهم فلما بلغ عثمانم نائب نظام الملك الخبر ساءه فوضع الغلمان الأصاغر على الاستغاثة وأن لا يقنعوا إلا بقتل قاتل صاحبهم ففعلوا فانفسح ما دبره تاج الملك وهجم النظامية عليه فقتلوه وفصلوا أجراء
وكان قتله في المحرم سنة ست وثمانين وحمل إلى بغداد أحد أصابعه وكان كثير الفضائل جم المناقب وإنما غطى جميع محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وعمل المدرسة التي جانبها ورتب بها الشيخ أبا بكر الشاشي وكان عمره حين قتل سبعا وأربعين سنة
سار الحجاج هذه السنة من بغداد فقدموا الكوفة ورحلوا منها فخرجت عليهم خفاجة وقد طمعوا بموت السلطان وبعد العسكر فأوقعوا بهم وقتلوا أكثر الجند الذين معهم وانهزم باقيهم ونهبوا الحجاج وقصدوا الكوفة فدخلوها وأغاروا عليها وقتلوا في أهلها فرماهم الناس بالنشاب فخرجوا بعد أن نهبواوأخذوا ثياب من لقوه من الرجال والنساء فوصل الخبر إلى بغداد فسيرت العساكر منها فلما سمع بهم بنو خفاجة انهزموا فأدركهم العسكرر فقتل منهم خلق كثير ونهبت أموالهم وضعفت خفاجة بعد هذه الوقعة
في ربيع الأول عاد السطلان من بغداد إلى أصبهان وأخذ معه الأمير أبا الفضل جعفر بن الخليفة بأمر الله من ابنه السلطان وتفرق الأمراء إلى بلادهم ثم عاد إلى بغداد فتوفي كما ذكرناه
وفيها في جمادى الأولى احترق نهر المعلى فاحترق عقد الحديد إلى خربة الهراس إلى باب دار الضرب واحترق سوق الصناعة والصيارف والمخلطين والريحانيين وكان الحريق من الظهر إلى العصر فاحترق منها الأمر العظيم في الزمان القلي واحترق من الناس خلق كثير ثم ركب عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وجمع السقائين ولم يزل راكبا حتى طفئت النار
وفي هذه السنة توفي عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن ناقيا الشساعر البغدادي سمع الحديث وكان يتهم بأنه يطعن على تالشرائع فلما مات كانت يده مقبوضة فلم يطق الغسل فتحها فبعد جهد فتحت فإذا فيها مكتوب
( نزلت بجار لا يخيب ضيفه % أرجي نجاتي من عذاب جهنم )
( وإني على خوفي من الله واثق % بإنعامه والله أكرم منعم )
وفيها توفي هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد أبو القاسم الشيرازي الحافظ أحد الرحالين في طلب الحديث شرقا وغربا وقدم الموصل من العراق وهو الذي أظهر سماع الجعديات لأبي محمد الصيرفييني ولم يكن يعرف ذلك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
