الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة أر بع وثمانين وأربعمائة
94

ثم دخلت سنة أر بع وثمانين وأربعمائة

الجزء الثامن 5 عنصر صفحة 465
ذكر عزل الوزير أبي شجاع ووزارة عميد الدولة بن جهير ص 465

في هذه السنة في ربيع الأول عزل الوزير أبو شجاع من وزارة الخليفة

وكان سبب عزله أن إنسانا يهوديا ببغداد يقال له أبو سعد بن سمحا كان وكبل السلطان ونظام الملك فلقيه إنسان يبيع الحصر فصفعه صفعة أزالت عمامته عن رأسه فأخذ الرجل وحمل إلى الديوان وسئل عن السبب في فعله فقال هووضعني على نفسه فسار كوهرائين ومعه ابن سمحا اليهودي إلى عسكر يشكيان وكانا متفقين على الشكاية من الوزير أبي شجاع فلما سار أخرج توقيع الخليفة بإلزام أهل الذمة بالغيار ولبس ما شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهربوا كل مهرب وأسلم بعضهم فممن أسلم أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا الكاتب وابن أخيه أبو نصر هبة الله بن الحسن بن علي صاحب الخبر أسلما على يدي الخليفة

ونقل أيضا عنه إلى السلطان ونظام الملك أن يكسر أغراضهم ويقبح أفعالهم حنى انه لما ورد الخبر بفتح السلطان سمرقند قال وما هذا مما يبشر به كأنه قد فتح بلاد الروم هل أتى الإ إلى قوم مسلمين موحدين فاستباح منهم ما لا يستباح من المشركين فلما وصل كوهرائين وابن سمحا إلى العسكر وشكيا من الوزير إلى السلطان ونظام الملك وأخبراهما بجميع ما يقول عنهما ويكسر من أغراضهما أرسى إلى الخليفة في عزله فعزله وأمره بلزوم بيته وكان عزله يوم الخميس فلما أمر بذلك أنشد

( تولاها وليس له عدو % وفارقها وليس له صديق )

فلما مان الغد يوم الجمعة خرج من داره إلى الجامع راجلا واجتمع الخلق العظيم عليه فأمر أن لا يخرج من بيته

ولما عزل استنيب في الوزارة أبو سعد بن موصلايا كاتب الإنشاء وأرسل الخليفة إلى السلطان ونظام الملك يستدعي عميد الدولة بن جهير ليستوزره فسير إليه فاستوزره في ذي الحجة من هذه السنة وركب إليه نظام الملك فهنأه بالوزارة في داره وأكثر الشعراء تهنئته بالعود إلى الوزارة

ذكر ملك أمير المسلمين بلاد الأندلس التي للمسلمين ص 466

في هذه السنة في رجب ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب بلاد المغرب من بلاد الأندلس ما هو بيد المسلمين قرطبة وإشبيلية وقبض على المعتمد بن عباد صاحبها وملك غيرها من الأندلس ولقد جرى للرشيد بن المعتمد حادثة شبيهة بحادثة الأمين محمد بن هارون الرشيد

قال أبو بكر عيسى بن اللبانة الداني من مدينة دانية كنت يوما عند الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة فجرى ذكر غرناطة وملك أمير المسلمين لها وقد ذكرنا أخذها في وقعة الزلاقة فلما ذكرناها تنفجع وتلهف واسترجع وذكر قصرها فدعونا لقصره بالدوام ولملكه بتراخي الأيام فأمر عند أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى

( يا دار رمية بالعلياء فالسند % أقوت وطال عليها سالف الأبد )

فاستحالت مسرته وتجهمت أسرته ثم أمر بالغناء من ستارته فغنى

( إن شئت أن ترى صبرا لمصطبر % فانظر إلى أي حال أصبح الطلل )

فتأكد تطيره واشتد اربدا وجهه وتغيره وأمر مغنية أخرى بالغناء فغنت

( يا لهف نفسي على مال أفرقة % على المقلين من أهل المروءات )

( إن اعتذاري إلى من جاء يسألني % ما ليس عندي من إحدى المصيبات )

قال ابن اللبانة فتلافيت الحال بأن قمت فقلت

( محل مكرمة لاهد مبناه % وشمل مأثرة لاشتة الله )

( البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفا % ان الرشيد مع المعتد ركناه )

( ثاو على أنجم الجوزاء مقعدة % وراحل في سبيل الله مثواه )

( حتم على الملك أن يقوي وقد وصلت % بالشرق والغرب يمناه ويسراه )

( بأس توقد فاحمرت لواحظه % ونائل شب فاخضرت عذاراه )

فلعمري قد بسطت من نفسه وأعدت عليه بعض أنسه على أي وقعت فيما وقع فيه الكل بقولي ( البيت مالبيت ) وأمر إثر ذلك بالغناء فغني

( ولما قضينا من منى كل حاجة % ولم يبق إلا أن تزم الركائب )

فأيقناه أن هذه الطير تعقب الغير

فلما أراد أمير المسلمين ملك الأندلس سار من مراكش إلى سبتة وأقام بها وسير العساكر مع سير بن أبي بكر وغيره إلى الأندلس فعبروا الخليج فأتوا مدينة مرسية فملكوها وأعمالها وأخرجوا صاحبها أبا عبد الرحمن بن طاهر منها وساروا إلى مدينة شاطبة ومدينة دانية فملكوها وكانت بلنسية قد ملكها الفرنج قديما بعد أن حصروها سبع سنين فلما سمعوا بوقعة الزلاقة فارقوها فملكها المسلمون أيضا وعمروها وسكنوا فصارت الآن للمرابطين وكانوا قد ملكوا غرناطة نوبة الزلاقة فقصدوا مدينة إشبيلية وبها صاحبها المعتمد بن عباد فحصروه بها وضيقوا عليه فقاتل أهلها قتالا شديدا وظهر من شجاعة المعتمد وشده بأسه وحسن دفاعه عن بلده مالم يشلهد من غيره ما يقاربه فكان يلقي نفسه في المواقف التي لا يرجى خلاصة منها فيسلم بشجاعته وشدة نفسه ولكن إذا نفذت المدة لم تغن العدة

وكانت الفرنج قد سمعوا بقصد عساكر المرابطين بلاد الأندلس فخافوا أن يملكوها ثم يقصدوا بلادهم فجمعوا فأكثروا وساروا ليساعدوا المعتمد ويعينوه على المرابطين فسمع سير بن أبي بكر مقدم المرابطين بمسيرهم ففارق إشبيلية وتوجه إلى لقاء الفرنج فلقيهم وقاتلهم وهزمهم وعاد إلى إشبيلية فحصرها ولم يزل الحصار دائما والقتال مستمرا إلى العشرين من رجب من هذه السنة فعظم الحرب ذلك واشتد الأمر على أهل البلد ودخله المرابطون من واديه ونهب جميع ما فيه ولم يبقوا على سبد ولا لبد وسلبوا الناس ثيابهم فخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم وسبي المخدرات وانتهكت الحرمات فأخذ المعتمد أسيرا ومعه أولاده الذكور والإناث لعد أن استأصلوا جميع مالهم فلم يصحبهم من ملكهم بلغة زاد

وقيل إن المعتمد سلم البلد بأمان وكتب نسخة الأمان والعهد واستحلفهم به لنفسه وأهله وماله وعبيده وجميع ما يتعلق بأسبابه فلما سلم إليهم إشبيلية لم يفوا له وأخذوهم أسراء وما لهم غنيمة وسير المعتمد وأهله إلى مدينة أغمات فحبسوا فيها وفعل أمير المسلمين بهم أفعالا لم يسلكها أحد ممن قبله ولا يفعله أحد ممن يأتي بعده إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة وذلك أنه سجنهم فلم يجر عليهم ما يقوم بهم حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقونها على أنفسهم

وذكر ذلك المعتمد في أبيات ترد عنه ذكر وفاته فأبان أمير المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفس ولؤم وقدرة

وهذه أغمات مدينة في سفح جبل بالقرب من مراكش وسيرد من المعتمد عند موته سنة ثمان وثمانين ما يعرف به محله

قال أبو بكر بن اللبانة زرت المعتمد بعد أسره بأغمات وقلت أبيات عند دخولي إليه منها

( لم أقل في الثقاف كان ثقافا % كنت قلبا به وكان شغافا )

( يمكث الزهر في الكمام ولكن % بعد مكث الكمام يدنو قطافا )

( وإذا ما الهلال غاب بغيم % بم يكن ذلك المغيب انكسافا )

( إنما أنت درة للمعالي % ركب الدهر فوقها أصدافا )

( حجب البيت منك شخصا كريما % مثل ما تحجب الدنان السلافا )

( أنت للفضل كعبة ولو اني % كنت أستطيع لالتزمت الطوافا )

قال وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب وأشهى من رشفات الحبيب وأدل على السماح من فجر على صباح ولما أخذ المعتمد وأهله قتل ولداه الفتح ويزيد بين يديه صبرا فقال في ذلك

( يقولون صبرا لا سبيل إلى الصبر % سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري )

( أفتح لقد فتحت لي باب رحمة % كما بيزيد الله قد زاد في أجري )

( هوى بكما المقدار عن ولم أمت % فأدعى وفيا قد نكصت إلى الغدر )

( ولو عدتما لا خترتما العود في الثرى % إذا انتما أبصرتماني في الأسر )

( أبا خالد أورثتني البث خالدا % أيا صبر مذ ودعت ودعني نصري )

وكان المعتمد يكاتبه فغضلاء البلاد وهو محبوس بالنثر والنظم يتوجعون له ويذمون الزمان وأهله حيث مثله منكوب فمن ذلك ما قاله عبد الجبار بن أبي بكر بن حديس وكتبه إليه يذكر مسيرهم عن إشبيلية إلى أغمات

( جرى لك جد بالكرام عثور % وجار زمان كنت منه تجير )

( لقد أصبحت بيض الظبي في غمودها % إناثا لترك الضرب وهي ذكور )

( ولما رحلتم بالندى في أكفكم % وقلقل رضوى منك وثبير )

( رفعت لساني بالقيامة قد أتت % ألا فانظروا كيف الجبال تسير )

وقال شاعره ابن اللبانة في حاثته أيضا

( تبكي السماء بدمع رائح غادي % على البهاليل من أبناء عباد )

( على الجبال التي هدت قواعدها % وكانت الأرض منها تحت أوتاد )

( عريسة دخلتها النائبات على % أساود منهم فيها وآساد )

( وكعبة كانت الآمال تعمرها % فاليوم لا عاكف فيها ولا باد )

ولما استقصى عسكر أمير المسلمين ملوك الأندلس وأخذ بلادهم ملكوهم وسيرهم إلى بلاد بالغرب وفرقهم إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ولما فرغ سير من إشبيلية سار إلى المرية فنازلها وكان صاحبها محمد بن معن بن صمادح فقال لولده ما دام المعتمد بإشبيلية فلا تبالي بالمرابطين فلما سمع بملكهم لها وما جرى للمعتمد مات في تلك الأيام غما وكمدا

فلما مات سار ولده الحاجب وأهله في مراكب ومعهم كل ما لهم وقصدوا بلاد بني حماد فأحسنوا إليهم

وكان عمر بن الأفطس صاحب بطيلوس ممن أعان سر على المعتمد فلما فتحت إشبيلية رجع ابن الأفطس إلى بلده فسار إليه سير وحاربه فغلبه وأخذ بلده منه وأخذه أسيرا هو وولده الفضل فقتلهما فقال عمر حين أرادوا قتله قدموا ولدي قبلي للقتل ليكون في صحيفتي فقتل ولده قبله وقتل هو بعده واحتوى سير على ذخائرهم وأموالهم ولم يترك من ملوك الأندلس سوى بني هود فإنه لم يقصد بلادهم وهي شرق المثل بهم وكان قد أعد كل ما يحتاج إليه في لحصار وترك عنده ما يكفيه عدة سنين بمدينة رطتة وكانت قلعة حصينة وكانت رعيتة تخافه ولم يزل يهادي أمير المسلمين قبل أن يقصد بلاد الأندلس ويملكها ويواصله ويكثر مراسلته فرعى له ذلك حتى أنه أوصى ابنه علي بن يوسف عند موته بترك التعرض لبلاد بني هود وقال اتركهم بينك وبين العدو فإنهم شجعان

ذكر ملك الفرنج جزيرة صقلية ص 470

في هذه السنة استولى الفرنج لعنهم الله على جميع جزيرة صقلية أعادها الله تعالى على الإسلام والمسلمين وسبب ذلك أن صقلية كان الأمير عليها سنة ثمان وثمانين وثلاثماءة أبا الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين ولاه عليها العزيز العلوي صاحب مصر وإفريقية فأصابه هذه السنة فالج فتعطل جانبه الأيسر وضعف الجانب الأيمن فاستناب ابنه جعفرا فبقي كذلك ضابطا للبلاد حسن السيرة في أهلها إلى سنة خمس وأربعمائة فخالع عليه أخوع علي وأعانه جمع من البربر والعبيد فأخرج إليه أخوه جعفر جندا من المدينة فاقتتلوا سابع شعبان وقتل من البربر والعبيد خلق كثير وهرب من بقي منهم وأخذ علي أسيرا فقتله أخوه جعفر وعظم قتله على أبيه فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيام

وأمر جعفر حيئنذ أن ينفى كل بربري بالجزيرة فنفوا إلى إفريقة وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم وجعل جنده كلهم من أهل صقلية فقل العسكر بالجزيرة وطمع أهل الجزيرة في الأمراء فلم يمض إلا يسير حتى ثار به أهل صقلية واخرجوه وخلعوه وأرادوا قتله وسبب ذلك أنه ولى عليهم إنسانا صادرهم وأخذ الأعشار من غلاتهم واستخف بقوادهم وشيوخ البلد وقهر جعفر إخوته واستطال عليهم فلم يشعر إلا وقد زحف إليه أهل البلد كبيرهم وصغيرهنك فحصروه في قصره في المحرم سنة عشر واربعمائة أشرفوا على أخذه فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة وكانوا له محبين فلطف بهم ورفق فبكوا رحمة له من مرضه وذكروا له ما أحدث ابنه عليهم وطلبوا أن يستعمل ابنه أحمد المعروف الأكحل ففعل ذلك وخاف يوسف على ابنه جعفر منهم فسيره في مركب إلى مصر وسار أبوه يوسف بعده ومعهما من الأموال ستمائة ألف دينار وسبعون ألفا وكان ليوسف من الدواب ثلاثة عشر الف حجرة سوى البغال وغيرها ومات بمصر وليس له إلا دابة واحدة

ولما ولي الأكحل أخذ أمره بالحزم والاجتهاد وجمع المقاتلة ويث سراياه في بلاد الكفرة فكانوا يحرقون ويغنمون يسبون ويخربون البلاد واطاعه جميع قلاع صقلية التي للمسلمين وكان للأكحل ابن اسمه جعفر كان يستنيبه إذا سافر فخالف سيرة أبيه ثم إن الأكحل جمع أهل صقلية و قال أحب أن أشليكم على الإفريقيين الذين شاركوكم في بلادهم والرأي إخراجهم فقالوا قد صاهرناهم وصرنا شيئا واحدا فصرفهم ثم أرسل إلى الإفريقيين فقال لهم مثل ذلكط فأجابوه إلى ما أراد فجمعهم حوله فكان يحمي أملاكهم ويأخذ الخراج من أملاك أهل صقلية فسار من أهل صقلية جماعة إلى المعز بن باديس وشكوا إليه ما حل بهم وقالوا نحب أن نكون في طاعتك وإلا سلمنا البلاد إلى الروم وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة فسير معهم ولده عبد الله في عسكر فدخل المدينة وحصر الأكحل بالخلاصة ثم اختلف أهل صقلية وأراد بعضهم نصر الأكحل فقتله الذين أحضروا عبد الله بن المعز ثم إن الصقليين رجع بعضهم على بعض وقالوا أدخلتم غيركم عليكم والله لا كانت عاقبة أمركم فيه إلى خير فعزموا على حر ب عسكر المعز فاجتمعوا وزحفوا إليهم فاقتتلوزا فانهزم عسكر المعز وقتل منهم ثمانمائة رجل ورجعوا في المراكب إلى إفريقية

وولى أهل الجزيرة عليهم حسنا الصمصام أخا الأكحل فاضطربت أحوالهم واستولى الأراذل وانفرد كل إنسان ببلد و أخرجوا الصمصام فانفرد القائد عبد الله بن منكوت بمزار وطرابنش وغيرهما وانفرد القائد علي بن نعمة المعروف بابن الحواس بقصريانة وجرجنت وغيرهما وانفرد ابن الثمنة بمدينة سرقوسة وقطانية وتزوج بأخت ابن الحواس ثن إنه جرى بينهما وبين زوجها كلام أغلظ كل منهما لصاحبه وهو سكران فأمر ابن الثمنة بفصدها في عضديها وتركها لتموت فسمع ولده إبراهيم فحضر وأحضر الأطباء وعالجها إلى أن عادت قوتها ولما أصبح أبوه ندم واعتذر إليها بالسكر فأظهرت قبول عذره ثم إنها طلبت منه بعد مدة أن تزور أخاها فأذن لها وسير معها التحف والهدايا فلما وصلت ذحكرت لأخيها ما فعل بها فحلف له أنه لا يعيدها إليه فأرسل ابن الثمنة يطلبها فلم يردها إليه فجمع ابن الثمنة عسكره وكان قد استولى على أكثر الجزيرة وخطب له بالمدينة وسار وحصر ابن الحواس بقصر بانة فخرج إليه فقاتله فانهزم ابن الثمنة وتبعه إلى قرب مدينته قطانية وعاد عنه بعد أن قتل من أصحابه فأكثر فلما رأى بان الثمنة أن عساكره قد تمزقت سولت له نفسه الانتصار بالكفار لما يريده الله تعالى فسار إلى مدينة مالطه وهي بيد الفرنجة قد ملكوها لما خرج بردويل الفرنجي الذي تقدم ذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة واستوطنها الفرنج إلى الآن وكان ملكها حينئذ رجار الفرنجي في جمع الفرنج فوصل إليهم ابن الثمنة وقال أنا أملككم الجزيرة

فقالوا إن فيها جندا كثيرا ولا طاقة لنا بهم

فقال إنهم مختلفون وأكثرهم يسمع قولي ولا يخالفون أمري

فساروا معه في رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة فلم يلقوا من يدافعهم فاستولوا على ما مروا به في طريقم وقصد بهم إلى قصر بانة فحصروها فخرج إليهم ابن الحواس فقاتلهم فهزمه الفرنج فرجع إلى الحصن

فرحلوا عنه وساروا في الجزيرة واستولوا على مواضع كثيرة وفارقها كثير من أهلها من العلماء والصالحين

وسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس وذكروا له ما الناس فيه بالجزيرة من الخلف وغلبه الفرنج على كثير منها فعمر أسطولا كبيرا وشحنه بالرجال والعدد وكان الزمان شتاء فساروا إلى قوصرة فهاج عليهم البحر فغرق اكثرهم ولم ينج إلا القليل وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز وقوى عليه العرب حتى أخذوا البلاد منه فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على مهل وتؤده لا يمنعهم أحد

واشتغل صاحب إفريقية بما دهمه من العرب ومات المعز سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وولي ابن تميم فبعث أيضا أسطولا وعسكرا إلى الجزيرة وقدم عليه ولديه أيوب وعليا فوصلوا إلى صقلية فنزل أيوب والعسكر المدسنة ونزا علي جرجنت من أيوب ثم انتقل أيوب إلى جرجنت فمر علي بن الحواس أن ينزل في قصره وأرسل هدية كثيرة فلما أقام أيوب فيها أحبه أهلها فحسده ابن الحواس فكتب إليهم ليخرجوه فلم يفعلوا فساروا إليه في عسكره وقاتله فشدأهل جرجنت من أيوب وقاتلوا معه فبينما ابن الحواس يقاتل أتاه سهم غرب فقتله فملك العسكر عليهم أيوب

ثم وقع بعد ذلك بين أهل المدينة وبين عبيد تميم فتنة ادت إلى القتال ثم ازدتد الشر بينهم فاجتمع أيوب وعلي أخوه وردعا في الأسطول إلى إفريقة سنة إحدى وستين وصحبهم جماعة من أعيان صقلية والأسطولية ولم يبق للفرنج ممانع فاستولوا على الجزيرة ولم يثبت بين أيدهم غير قصر بانة وجرجنت فحصرهما الفرنج وضيقوا على المسلمين بهما فضاق الأمنر على أهلما حتى أكلوا الميتتة ولم بيبق عندهم ما يأكلوه

فأما أهل جرجنت فسلموها إلى الفرنج وبقيت قصر بانة بعدها ثلاث سنين فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا غلى التسليم فتسلمها الفرنج لعنهم الله سنة أربع وثمانين وأربعمائة د

وملك رجار جميع الجزيرة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين ولم يترك لأحد من أهلها حماما ولا دكانا ولا طاحونا ومات رجار بعد ذلك قبل التسعين والأربعمائة وملك بعده ولده رجار فسلك طريق ملوك المسلمين من الحنائب والسلاحية والجاندارية وغير ذلك وخالف عادة الفرنج فإنهم لا يعرفون شيئا منه وجعل له ديوان المظالم ترفع إليه شكوى الملظلومين فينصفهم ولو من ولده وأكرم المسلمين وقربهم ومنع عنهم الفرنج فأحبوه وعمر أسطولا كبيرا وملك الجزائر التي بين المهدية وصقلية مثل مالطه وقوصرة وجرية وقرقنة وتطالول إلى سواحل إفريقية فكان منه ما نذكره إن شاء الله

ذكر وصول السلطان إلى بغداد ص 473

في هذه السنة في شهر رمضان وصل السلطان إلى بغداد وهي المرة الثانية ونزل بدار المملكة ونزل أصحابه متفرقين ووصل إليه أخوه تاج الدولة تتش وقسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب وغيرهما من زعماء الأطراف وعمل الميلاد ببغداد وتأنقوا في عمله فذكر الناس انهم لم يروا ببغداد مثله أبدا وأكثر الشعراء وصف تلك الليلة فمن قال المطرز

( وكل نار على ا لعشاق مضرمة % من نار قلبي أو من ليلة السذق )

( نار تجلت بها الظلماء ة اشتبهت % بسدفة الليل فيه غرة الفلق )

( وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا % على الكواكب بعد الغيظ والحنق )

( مدت على الأرض بسطا من جواهرها % ما بين مجتمع وار ومفترق )

( مث المصابيح إلا أنها نزلت % من السماء بلا رجم ولا حرق )

( أعجب بنار رضوان يسعرها % ومالك قائم منها على فرق )

( في مجلس ضحكت روض الجنان له % لما جلى ثغره عن وضح يقق )

( وللشموع عيون كلما نظرت % تظلمت من يديها أنجم الغسق )

( من كل مرهفة الأعطاف كالغصن % المياد لكنه عار من الورق )

( إني لأعجب منها وهي وادعة % تبكي وعيشتها من ضربة العنق )

وفي هذه المرة أمر بعمارة السلطان فابتدئ في عمارته في المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة وعمل قبلته بهرام منجمه وجماعة من أصحاب الرصد وابتدأ بعده نظام الملك وتاج والأمراج الكبار بعمل دور لهم يسكنونها إذا قدموا بغداد فلم تطل بعدها وتفرق شملهم بالموت والقتل وغير ذلك في باقي سنتهم ولم تغن عنهم عساكرهم وما جمعوا شيئا فسبحان الدائم الذي لا يزول أمره

ذكر عدة حوادث ص 474

في هذه السنة رحل ابنأبي هاشم من مكة مستغيثا من التركمان وفي آخرها مرض نظام الملك ببغداد فعالج نفسه بالصدقة فكان يجتمع بمدرسته من الفقراء والمساكين من لا يحصى وتصدق عنه الأعيان والأمراء من عسكر السلطان فعوفي وأرسل له الخليفة خلعا نفيسة

وفيها في تاسع شعبان كان بالشام وكثير من البلاد زلازل كثيرة وكان أكثرها بالشام ففارق النماس مساكنهم وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن وهلك تحتها عالم كثير وخرب من سورها تسعون برجا فأمر السلطان ملكشاه بعمارتها

وفيها في شوال توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن محمد بن علك الفقيه الشافعي وهو من رؤساء الفقهاء الشافعية وهو الذي تقدم ذكره في فتح سمرقند ومشى أرباب الدولة السطانية كلهم في جنازته إلا نظام الملك فإنه اعتذر بعلو السن وأكثر البكاء عليه ودفن عند الشيخ أبي إسحاق بباب أبرز وزار السلطان قبره وتوفي محمد بن عبد الله بن الحسين أبو بكر الناصح الحنفي قاضي الري وكان من أعيان الفقهاء الحنفية يميل إلى الاعتزال وكان موته في رجب

وفيها في شعبان توفي أبو الحسن علي بن الحسين بن طاوس المقري بمدينة صور

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.