كان عز الملك أبو عبد الله الحسين بن نظام الملك مقيما بخاوارزم حاكما فيها وفي كل ما يتعلق بها إليه المرجع في كل أمورها السشلطانية فلما كان قبل أن يقتل أبوه حضر عنده خدمه له وللسلطان فقتل أبوه ومات السلطان فأقام بأصبهان إلى الآن فلما حصرها بركيارق وكان أكثر عسكره النظامية خرج من أصبهان هو وغيره من إخوته فلما اتصل ببركيارق احترمه وأكرمه وفوض أمور دولته إليه وجعله وزيرا
ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمائة
كان تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق ومكا جاورها من بلاد الشام فلما كان قبل موت أ خيه السلجطان ملكشاه سار من دمشق إليه فلما بهيت بلغة موته فأخذ هيت واستولى عليها وعاد إلى دمشق يتجهز بطلب السلطنة فجمع العساكر وأخرج الأموال وسار نحو حلب وبها قسيم الدولة آقسنقر فرأى قسيم الدولة اختلاف أولاد صاحبه ملكشاه وصغرهم فعلم أنه لا يطيق دفع تتش فصالحه وصار معه وأرسل إلى باغي سيان صاحب أنطاكية وإلى بوازن صاحب الرها وحران يشير عليهما بطاعة تاج الدولة تتش حتى يروا ما يكون من أولاد ملكشاه ففعلوا وصار معه وخطبوا له في بلادهم وقصدوا الرحبة فحصورها وملكوها في المحرم من هذه السنة وخطب لنفسه بالسطنة ثم ساروا إلى نصيبين فحصورها فسب أهلها تاج الدولة ففتحها عنوة وقهرا وقتل من أهلها خلقا كثيرا ونهبت الأموال وفعل فيها الأفعال القبيحة ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلي وسار يريد الموصل وأتاه الكافي بن فخر الدولة ابن جهير وكان في جزيرة ابن عمر فأكرمه واستوزره
كان إبراهيم بن قريش بن بدران أمير بني عقيل قد استدعاه السلطان ملكطشاه سنة اثنتين وأربعمائة ليحاسبه فلما حضر عنده اعتقله فلما حضر عنده اتقله وأنفذ فخر الدولة بن جهير إلى البلاد فملك الموصل وغيرها وبقي إبراهيم مع ملكشاه وسار معه إلى سمرقند وعاد إلى بغداد فلما مات ملكشاه أطلته تركان خاتون من الالعتقال فسار إلى الموصل
وكان ملكشاه قد أقطع عكته مدينة بلد وكانت زوجته شرف الدولة ولها منه ابنها علي وكانت قد تزوجت بعد شرف الدولة وأراد أخذ الموصل فافترقت العرب فرقتين فرقة معه وأخرى مع صفية وابنها علي واقتتلوا بالموصل عند الكناسة فظفر علي وانهزم محمد وملك علي الموصل فلما وصل إبراهيم إلى جهينة وبينه وبين الموصل أربعة فراسخ سمع أن الأمير عليا ابن أخيه شرف الدولة قد ملكها ومعه أمه صفية عمة ملكشاه فأقام مكانه وراسل صفية خاتون وترددت الرسل فسلمت البلد إليع
فأقام به فلما ملك تتش نصيبين أرسل إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة ويعطيه طريقا إلى بغداد لينحدر وسلطب الخطبة بالسلطنة فامتنع إبراهيم من ذلك فسار تتش إليه وتقدم إبراهيم أيضا نحوه فالتقوا بالمضيع من أعمال الموصل في ربيع الأول وكان إبراهيم في ثلاثين ألفا وكان تتش في عشرة آلاف
وكان آقسنقر على ميمنته وبوزان على ميسرته فحمل العرب على بوزان فانهزم وحمل آقسنقر على العرب فهزمهم وتمت الهزيمة على إبراهيم والعرب وأخذ إبراهيم اسيرا وجماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا ونهبت أموال العرب وما معهم من اإبل والغنم و الخيل وغير ذلك وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا من السبي والفضيحة وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها واستناب بها علي بن شرف الدولة مسلم وأمه صفية عمة تتش وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة وساعده كوهرائين على ذلك فقيل لرسوله أنا أنتظر وصول الرسل من العسكر فعاد إلى تتش بالجواب
فلما فرغ تاج الدولة تتش من أمر العرب وملك الموصل وغيرها من بلادهم سار إلى ديار بكر في ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان وسار منها إلى أذربيجان فانتهى خبره إلى ابن أخيه ركن الدين بركيارق وكان قد استولى على كثير من البلاد منها الري وهمذان وما بينهما فلما تحقق الحال سار في عساكره ليمنع عمه عن البلاد فلما تقارب العسكران قال قسيم الدولة آقسنقر لبوزان إنما أطعنا هذا الرجل لننظر ما يكون من أولاد صاحبنا والآن فقد ظهر ابنه ونريد نكون معه فاتقفا على ذلك وفارقا تتش وصارا مع بركيارق فلمارأى تاج الدولة تتش ذلك علم أنه لا قوة له بهم فعاد إلى الشام واستقامت البلاد لبركيارق فلما قوي أمره سار كوهرائين إلى العسكر يعتذر من مساعدته لتاج الدولة تتش وأعانه على برسق وتعصب عليه كمشتكين الجاندار فأخذ أقطاعه وأعطى الأمير يلبرد زيادة وولي سحنكية بغداد عوض كوهرائين وتفرق عن كوهرائين أصحابه فكان ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى
في هذه السنة في جمادى الآخرة ملك عسكر المستنصر بالله العلوي صاحب مصر مدينة صور وسبب ذلك ما ذكرناه سنة اثنتين وثمانينوأربعمائة أن أمير الجيوش بدارا وزير المستنصر سير العساكر إلى مدينة صور وغيرها من ساحل الشام وكان من بها قد امتنع من طاعتهم فملكها وقرر أمورها وجعل فيها الأمراء وكان قدولي مدينة صور الأمير يعرف بمنير الدولة الجيوشي فعصى على ا لمستنصر وأمير الجيوش وامتنع بصور فسيرت العساكر من مصر إليه وكان أهل صور قد أنكروا على منير الدولة عصيانه على سلطانه فلما وصل العسكر المصري إلى صور وحصروها وقاتلوها ثار أهلها ونادوا بشعار المستنصر وأمير الجيوش وسلموا البلد وهجم العسكر المصري بغير مانع ولا مدافع ونهب من البلد شيء كثير وأسر منير الدولة ومن معه من أصحابه وحملوا إلى مصر وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار فأجحفت بهم ولما وصل منير الدولة إلى مصر ومعه الأسرى قتلوا جميعهم ولم يعف عن واحد منهم
في هذه السنة في شعبان قتل إسماعيل بن ياقوتي بن داود وهو خال بركيارق وابن عم ملكشاه وسبب قتله أنه كان بأذربيجان أميرا عليه وأرسلت إليه تركان خاون زوجة ملكشاه تطمعه أن تتزوج به وتدعوهإلى محاربة بركيارق إلى ذلك وجمع خلقا كثيرا من التركمان وصار أصحاب سرهنك ساوتكين في خليه وأرسلت إليه تركان خاتون كربوقا وغيره من الأمراء في عسكر كثير مددا له فجمع بركيارق عساكره وسار إلى حرب خاله إسماعيل فالتقوا عند الكرج فانحاز الأمير يلبرد إلى بركياق وصار معه فانهزم إسماعيل وعسكره وتوجه إلى أصبهان فأكرمته تركان خاتون وخطبت له وضربت اسمه على الدينار بعد ابنها محمود ملكشاه وكاد ا لأمر في الوصلة يتم بينهما فامتنع الأمراء من ذلك لا سيما الأمير انز وهو مدبر ا لأمر وصاحب الجيش وآثروا خروج اسماعيل عنهم وخافوه وخاف هو أيضا منهم ففارقهم وراسل أخته زبيدة والدة بركيارق في اللحاق بهم فأذنت له في ذلك فوصل إليهم وأقام عندهم أياما يسيرة فخلا به كمشتكين الجاندار وآقسنقر وبوزان وبسطوه في القول فأطلعهم على سره وأنه يريد السلطنة وقتل بركيارق فوثبوا عليه فقتلوه وأعلموا أخته خبره فسكتت عنه
في هذه السنة انقطع الحج من العراق لأسباب أوجبت ذلك وسار الحاج من دمشق مع أمير أقامه تاج الدولة تتش صاحبها فلما قضوا حجهم عادوا سائرين سير أمير مكة وهو محمد بن أبي هاشم عسكرا فلحقوهم بالقرب من مكة ونهبوا كثيرا من أموالهم وجمالهم فعادوا إليها ولقوه وسألوه أن يعيد عليهم ما أخذ منهم وشكوا إليه بعد ديارهم فأعاد بعض ما أخذ منهم فلماأيسوا منه ساروا من مكة عائدين على أقبح صورة فلما أبعدوا عنها ظهر عليهم جموع من العرب في عدة جهات فصانعوهم على مال ما أخذوه من الحاج بعد أن قتل منهم جماعة و افرة وهلك فيه بالضعف والانقطاع وعاد السالم على أقبح صورة
في هذه السنة في جمادى الأولى قدم إلى بغداد اردشيرين بن منصور أبوالحسين الواعظ العبادي وأكثر الوعظ بالمدرسة النظامية وهو مروزي وقدم بغداد قاصدا للحج وكان له قبول عظيم بحيث أن الغزالي وغيره من الأئمة ومشايخ الصوفية الكبار يحضرون مجلسه وذرع في بعض المجالس الأرض التي فيها الرجال فكان طولها مائة وخمسة وسبعين ذراعا وعرضها مائة وعشرون ذراعا وكانوا يزدحمون ازدحاما كثيرا وكان النساء أكثر من ذلك وكان له كرامات ظاهرة وعبادات كثيرة وكان سبب منعه من الواعظ أنه نهى أن يتعامل الناس ببيع القراضة بالصحيح وقال هة ربا فمنع من الواعظ أخرج من البلد
وفيها وقعت الفتنة ببغداد بين العامة وقصد كل فريق الآخر وقطعوا الطرقات بالجانب الغربي وقتل أهل النصرية مصلحيا فأرسل كوهرائين أحرقها واتصلت الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة وكانللعميد الأغرابي المحاسن الدهسناني في إطفاء هذه الفتنة أثر حسن
وفيها في شعبان سار سيف الدولة صدقة بن مزيد إلى السلطان بركيارق فلقيه بنصيبين وسار معه إلى بغداد على الموصل فوصلها في ذي القعدة ومعه وزيره عز الملك بن نظام الملك وخرج عميد الجولة والناس إلى لقائه من عقرقوف
وفيها ولد للمستظهر بالله ولد سمي الفضل وكنى أبا منصور ولقب عمدة الدين وهو المسترشد بالله
وفيها في رمضان قتل الأمير يلبرد قتله بركيارق وكان من الأمراء الكبار مع أبيه فزاده بركيارق أقطاع كوخرائين وشحنكية بغداد فلما وصل إلى دقوقا أعيد منها لأنه تكلم فيما يتعلق بوالده السلطان بركيارق بكلان شنيع فلما وصل إليه أصبح مقتولا
وفيها في المحرم توفي علي بن أحمد بن يوسف أبو الحسن القرشي الهكاري المعروف بشيخ الإسلام وكان فاضلا عابدا كثير السماع إلا أن الغرائب في حديثه كثيره لا يدرى ما سببها والأمير أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر العجلي المعروف بابن ماكولا مصنف كتاب الإكمال قتله غلمانه الأتراك بكرمان ومولده سنة اثنتين وأربعمائة وكان حافظا
وفيها في توفي أبو محمد عامر الضرير وكان فقيها شافعيا مقرئا نحويا وكان يصلي في رمضان بالإمام المقتدي بأمر الله وفي جمادى الأولى توفي الأمير أبو الفضل جعفر بن المقتدي وأمه ابنة السلطان ملكشاه ومولده في ذي القعدة سنة ثمانين وإليه تنسب الجعفريات
وفي رجب توفي الشيخ أبو سعد عبد الواحد بن أحمد بن المحسن الوكيل بالمخزن وكان فقيها شافعيا كثير الإحسان إلى أهل العلم وكان محمودا في ولايته وفيها توفي كمال الملك الدهستاني الذي كان عميد ببغداد
وفي رمضان توفي المشطب بن محمد الحنفي بالكحيل من أرض الموصل وكان الخليفة قد أرسله إلى بركيارق وكان بالموصل ومعه تاج الرؤساء أبو نصر بن الموصلايا وكان شيخا كبيرا عالما مكرما عند الملوك وحمل إلى العراق ودفن عند أبي حنيفة
وفيه توفي القاضي أبو علي يعقوب بن إبراهيم المرزباني قاضي باب الأزج وولي مكانه القاضي أبو المعالي عزيزي وكان أبوالمعالي شافعيا أشعريا مغاليا وله مع أهل باب الأزج أقاصيص وحكايات عجيبة
وفيها توفي نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل أبو الليث وابو الفتح التنكتي له كنيتان سافر البلاد شرقا وغربا روى صحصح مسلم وغيره وكان ثقة ومولده سنة ست وأربعمائة
وفي ذي الحجة منها توفي أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الحنبلي الفقيه وكان وافر العلم غزير الدين حسن الوعظ والسمت
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
