ذكر الفتنة ببغداد بين العامة
ص 456
في هذه السنة في صفر كبس أهل باب البصرة الكرخ فقتلوا رجى وجرحوا آخر فأغلق أهل الكرخ الأسواق ورفعوا المصاحف وحملوا ثياب الرجلين بالدم ومضوا إلى دار العميد كمال الملك أبي الفتح الدهستاني مستغيثين فأرسل إلى النقيب طراد بن محمد يطلب منه إحضار القاتلين فقصد طراد دار الأمير بوزان بقصر ابن المأمون فطالبه بوزان بهم ووكل به فأرسل الخليفة إلى بوزان يعرفه حال النقيب طراد ومحله ومنزلته فخلة سبيله واعتذر إليه فسكن العميد كمال الملك الفتنة وكف الناس بعضهم عن بعض ثم سار إلى السلطان فعاد الناس إلى ما كانوا فيه من الفتنة
ولم ينقض يوم الإ عن قتلى وجرحى
ذكر ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر
ص 456
في هذه السنة ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر وسبب ذلك أن سمرقند كان قد ملكها أحمد خان بن خضر خان أخو شمس الملك الذي كان قبله وهو ابن أخي تركات خاتون زوجة السلطان ملكشاه وكان صبيا ظالما قبيح السيرة يكثر مصادرة الرعية فنفروا منه وكتبوا إلى السلطان سرا يستغيثون به ويسألونه القدوم عليهم ليملك بلادهم وحضر الفقيه أبو طاهر بن علك الشافعي عند السلطان شاكيا وكان يخاف من أحمد خان لكثرة ماله فأظهر السفر للتجارة والحج فاجتمع بالسلطان وشكا إليه وهو فيها رسول ملك الروم ومعه الخراج لمقرر عليه فأخذه نظام الملك معهم إلى ما وراء النهر زحضر فتح البلاد فلما وصل إلى كاشغر أذن له نظام الملك في العود إلى بلاده وقال أحب أن يذكر عنا في التورايخ أن ملك الروم حمل الجزية وأوصلها إلى باب كاشغر لينهي إلى صاحبه سعة ملك السلطان ليعظم خوفه منه ولا يحدث نفسه بخلاف الطاعة وهذا يدل على همة عالية تعلو على العيوق
ولما سار السلطان من اصبهان إلى خراسان جمع العساكر من البلاد جميعها فعبر النهر بجيوش لا يحصرها ديوان ولا تدخل تحت الإحصاء فلما تقطع النهر قصد بخارى وأخذ ما على طريقه ثم سار إليها وملكها وما جاورها من البلاد وقصد سمرقند ونازلها وكانت الملطفات قد قدمها إلى البلد يعدهم النصر والخلاص مما فيه من الظلم وحصر البلد وضيق عليه وأعانه أهل البلد بالإقامات
وفرق أحمد خان صاحب سمرقند أبراج السور على الأمراء ومن يثق إليه من أهل البلد وسلم برجا يقال له برج العيار إلى رجل علوي كان مختصا به فنصح في القتال فاتفق أن ولدا لهذا العلوي أخذ أسيرا ببخارى فهدد الأب بقتله فتراخى عن القتال فسهل الأمر على السلطان ملكشاه ورمى من السور عدة ثلم بالمنجنيقات وأخذ ذلك البرج فلما صعد عسكر السلطان إلى السور هرب أحمد خان واختفى في بيوت بعض العامة فغمر عليه وأخذ وحمل إلى السلطان وفي رقبته حبل فأكرمه السلطان وأطلقه وأرسله إلى أصبهان ومعه من يحفظه ورتب بسمرقند الأمير العميد أبا طاهر عميد خوارزم
وسار السلطان قاصدا إلى كاشغر فبلغ إلى بوزكند وهو بلد يجري على بابه نهر وأرسل منها رسلا إلى ملك كاشغر يأمره بإقامة الخطبة وضرب السكة باسمه ويتوعده إن خالف بالمسير إليه ففعل ذلك وأطاع وحضر عند السلطان فأكرمه وعطمه وتابع الإنعام عليه وأعاده إلى بلده
ورجع السلطان إلى خراسان فلما أبعد عن سمرقند لم يتفق أهلها وعسكرها المعروفون بالجلمكية مع العميد أبي طاهر نائب السلطان عندهم حتى كادوا يثبون عليه فاحتال حتى خرج من عندهم ومضى إلى خوارزم
ذكر عصيان سمرقند
ص 457
كان مقدم العسكر المعروف بالجلكية واسمه عين الدولة قد خاف السلطان لهذا الحادث فكاتب يعقوب تكين أخا ملك كاشغر ومملكته تعرف بآب نباشي وبيده قلعتها واستحضره فحضر عنده بسمرقند واتفقا ثم يعقوب علم أن أمره لا يستقيم معه فوضع عليه الرعية الذين كان أساء إليهم حتى ادعوا عليه دماء قوم كان قتلهم وأخذ الفتاوى عليه وقتله واتصلت الأخبار بالسلطان ملكشاه بذلك فعاد إلى سمرقند
ذكر فتح سمر قند الفتح الثاني
ص 458
لما اتصلت الأخبار بعصيان بالسلطان ملكشاه وقتل عين الدولة مقدم الجلكية عاد إلى سمرقند فلما وصل إلى بخارى هرب يعقوب المستولي على سمرقند ومضى إلى فرغانة ولحق بولايته ووصل جماعة من عسكره إلى السلطان مستأمين فلقوه بقرية تعرف بالطواويس ولما وصل السلطان إلى سمرقند ملكها ورتب بها الأمير أبر وسار في أثر يعقو حتى نزل ببوزكند وأرسل العساكر إلى سائر الأكتاف في طلبه وأرسل السلطان إلى ملك كاشغر وهو أخو يعقوب ليجده في أمره ويرسله إليه فاتفق أن عسكر يعقوب شغبوا عليه ونهبوا خزائنه واضطروه إلى أن هرب على فرسه ودخل إلى أخيه بكاشغر مستجيرا به فسمع السلطان بذلك فأرسل إلى ملك كاشغر يتوعده إن لم يرسله إليه أن يقصد بلاده ويصير هو العدو فخاف أن يمنع السلطان وأنف أن يسلم أخاه بعد أن استجار به وإن كانت بينهما عداوة قديمة ومنافسة في الملك عظيمة لما يلزمه فيه العار فأداه اجتهاده إلى أن قبض على أخيه يعقوب وأظهر أنه كان في طلبه فظفر به وسيره مع ولده وجماعة من أصحابه وكلهم بيعقوب وأرسل معهم هدايا كثيره للسلطان وأمر ولده أنه إذا وصل قلعة بقرب السلطان أن يسمل يعقوب ويتركه فإن رضي السلطان بذلك وإلا سلمه إليه فلما وصلوا إلى القلعة عزم ابن الملك كاشغر أن يسمل عمه وينفذ فيه ما أمره به أبوه فتقدم فكتفه وألقاه على الأرض ففعلوا به ذلك فبينما هم على تلك الحال وقد أحلوا الميل وقد أحملوا الميل ليسلموه إذ سمعوا ضجة عظيمة فتركوه وتشاوروا بينهم وظهر عليهم انكسار ثم أرادوا به ذلك سمله ومنع منه بعض فقال لهم يعقوب أخبروني عن حالحكم وما يفوتكم الذي تريدونه مني وإذا فعلتم بي شيئا ربما ندمتم عليه فقل له إن طغل بن ينال أسرى من ثمانين فرسخا في عشرات ألوف من العساكر وكبس أخاك بكاشغر فأخذه أسيرا ونهب عسكره وعاد إلى بلاده
فقال لهم هذا الذي تريدون تفعلونه بي ليس مما تقربون ه إلى الله تعالى وإنما تفعلونه اتباعا لأمر أخي وقد زال أمره وقد وعدهم الإحسان فأطلقوه فلما رأى السلطان ذلك ورأى طمع طغل بن ينال ومسيره إلى كاشغر وقبض صاحبها وملكه لها مع قربه منه خاف أن ينحل بعض أمره وتزول هيبته وعلم أنه متى قصد طغرل سار من بين يديه فإن عاد عنه رجع إلى بلاده وكذلك يعقوب أخو صاحب كاشغر وأنه لا يمكنه المقام لسعة البلاد وراءه وخوف الموت بها فوضع تاج الملك على أن يسعى في إصلاح أمر يعقوب معه ففعل ما أمره به السلطان فاتفق هو ويعقوب وعاد إلى خراسان وجعل يعقوب مقابل طغرل يمنعه من القوة وملك البلاد وكل منهما يقوم في وجه الآخر
ذكر عود ابنة السلطان زوجة الخليفة إلى أبيها
ص 459
وفي هذه السنة أرسل ا لسلطان إلى الخليفة يطلب ابنته طلبا لا بد منه
وبب ذلك أنها أرسلت تشكوا من الخليفة وتذكر أنه كثير الاطراح لها والإعراض عنا فأذن لها في المسير فسارت في ربيع الأول وسار معها ابنها من الخليفة أبو الفضل جعفر بن المقتدي بأمر الله ومعهما سائر أرباب الدولة ومشى مع محفتها سعد الدولة كوهرائين وخدم دار الخلافة الأكابر وخرج الوزير وشيعهم إلى النهروان وعاد وسارت الخاتون إلى أصبهان فاقامت بها إلى ذي ا لقعدت وتوفيت وجلس الوزير ببغداد للعزاء سبعة أيام وأكثر الشعراء مراثيها ببغداد وبعسكر السلطان
ذكر فتح مصر عكا وغيرها من الشام
ص 459
في هذه السنة خرجت عساكر مصر إلى الشام في جماعة من المقدمين فحصروا مدينة صور وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل وامتنع عليهم ثم توفي ووليها أولاده فحصرهم العسكر المصري فلم يكن لهم من القوة ما يمتنعون بها فسلموها إليهم ثم سار العسكر عنا إلى مدينة صيدا ففعلوا بها كذلك ثم ساروا إلى مدينة عكا فحصروها وضيقوا على أهلها فافتتحوها وقصدوا مدينة جبيل فملكوها أيضا وأصلحوا أحوال هذه البلاد فقرروا قواعدها وساروا عنها إلى مصر عائدين واستعمل أمير الجيوش على هذه الأمراء والعمال
ذكر الفتنة بين أهل بغداد ثانية
ص 459
وفي هذه السنة في جمادى الأولى كثرت الفتن ببغداد بين أهل الكرخ وغيرها من المحال وقتل بينهم عدج كثير واستولى أهل المحال على قطعة كبيرة من نهر الدجاج فنهبوها وأحرقوها فنزل شحنة بغداد وهو خمارتكين النائب عن كوهرائين على دجلة في خيله ورجله ليكف الناس عن الفتنة فلم ينتهوا وكان أهل الكرخ يجرون عليه وعلى أصحابه الجرايات والإقامات وفي بعض الأيام وصل أهل البصرة إلى صويقة غالب فخرج من أهل الكرخ من لم تجر عادته بالقتال فقاتلوهم حتى كشفوهم فركب خدم الخليفة والحجاب والنقباء وغيرهم من أعيان والحنابلة كابن عقيل والكلوذاني وغيرهما إلى الشحنة وساروا معه إلى أهل الكرخ فقرأ عليهم مثالا من الخليفة يمرهم بالكف ومعاودة السكون وحضور الجماعة والجمعة والتدين بمذهب أهل السنة فأجابوا إلى الطاعة فبينما هم كذلك أتاهم الصارخ من نهر الدجاج بأن أهل السنة قد قصدوهم والقتال عندهم فمضوا مع الشحنة ومنعوا من الفتنة وسكن الناس
وكتب أهل الكرخ على أبواب مساجدهم خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن عند هذا اليوم ثار أهل الكرخ وقصدوا شارع ابن أبي عوف ونهبوه وفي جملة ما نهبوا دار أبي الفضل بن خيرون المعدل فقصد الديوان مستنفرا ومعه الناس ورفع العامة الصلبان وهجموا على الوزير في أجرته وأكثروا من الكلام الشنيع وقتل ذلك اليوم رجل هاشمي من أهل باب الأزج بسهم أصابه فثار العامة هناك بعلوي كان مقيما بينهم فقتلوه وحرقوه وجرى من النهب والقتل والفساد أمور عظيمة فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة من مزيد فأرسل عسكرا إلى بغداد فطلبوا المفسدين والعياريين فهربوا منهم فهدمت دورهم وقتل منهم ونفي وسكنت الفتنة وأمن الناس
ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا غريبا
ص 460
كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولي سيد قبيلة كزولة ومالك جبلها وهو جبل شامخ وهي قبيلة كبيرة وبينه وبين أمير المسلمين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع
فلما كان هذه السنة أرسل يوسف إلى محمد بن إبراهيم يطلب الاجتماع به فركب إليه محمد فلما قاربه خافه على نفسه فعاد إلى جبله واحتاط لنفسه
فكتب إليه يوسف وحلف له أنه ما أراد به إلا الخير ولم يحدث نفسه بغدر فلم يركن محمد إليه فدعا يوسف حجاما وأعطاه مائة دينار وضمن له مائة دينار أخرى إن هو سار إلى محمد بن إبراهيم واحتال إلى قتله فسار الحجام ومعه مشاريط مسمومة فصعد الجبل فلما كان الغد خرج ينادي لصناعته بالقرب من مساكن محمد فسمع محمد الصوت فقال هذا الحجام من بلدنا فقيل إنه غريب فقال أراه يكثر الصياح وقد ارتبت بذلك ائتوني به فأحضر عنده فاستدعى حجاما آخر وأمره أن يحجمه بمشاريطه التي معه فامتنع الحجام الغريب فأمسك وحجم فمات وتعجب الناس من فطنته
فلما بلغ ذلك يوسف ازداد غيظة ولج في السعي في أذى يوصله إليه فاستماله قوما من أصحاب محمد فمالوا إليه فأرسل إليهم جرارا من عسل مسموم فحضروا عند محمد وقالوا قد وصل إلينا قوم معهم جرار من عسل أحسن ما يكون وأردنا إتحافك به واحضروها بين يديه فلما رآها أمر بإحضار خبز وأمر ألئك الذين أهدوا إليه العسل أن يأكلوا منه فامتنعوا واستعفوه من أكله فلم يقبل منهم وقال من لم يأكل قتل بالبسيف فأكلوا فماتواة عن آخرهم
فكتب إلى يوسف تاشفين إنك قد أردت قتلي بكل وجه فلم يظفرك الله بذلك فكف عن شرك فقد أعطاك الله المغرب بأسره ولم يعطني غير هذا الجبل وهو في بلادك كالشامة البيضاء في النور الأسود فلم تقنع بما أعطاك الله عز
فلما رأى يوسف أن سره قد انكشف وأنه لا يمكنه في أمره شيء بحصانة جبله أعرض عنه وتركه
ذكر ملك العرب مدينة سوسة وأخذها منهم
ص 461
في هذه السنة نقض ابن علوي ما بينه وبين تميم بن المعز بن باديس أمير إفريقية من العهد وسار في جمع من عشيرته العرب فوصل إلى مدينة سوسة من بلاد إفريقة وأهلها غاروون لم يعملوا به فدخلها عنوة وجرى بينه وبين من بها من العسكر والعامة قتال قتل من الطائفتين جماعة وكثر القتل في أصحابة والأسر وعلم أنه لا يتم له مع تميم حال ففارقها وخرج منها إلى حلته في الصحراء وكان بإفريقية هذه السنة غلاء شديد وبقي كذلك إلى سنة أربع وثمانين وصلحت أحوال أهلها وأخصبت البلاد ورخصت الأسعار وأكثر أهلها الزرع
ذكر عدة حوادث
ص 461
في هذه السنة قطعت الحرامية اطريق على قفل كبير بولاية حلب فركب آقسنقر في جماعة من عسكره وتبعهم ولم يزل حتى أخذهم وقتلهم فأمنت الطريق بولايتة
وفيها ورد العميد الأغر أبو المحاسن عبد الجليل بن علي الدهستاني إلى بغداد عميدا وعزل أخوه كمال الملك علة ما ذكرناه
وفيها درس الإمام أبو بكر الشاشي في المدرسة التي بناها الملك مستوفي السلطان في باب إبرز من بغداد وهي المدرسة الناجية المشهورة وفيها عمرت منارة جامع حلب
وفيها توفي الخطيب أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الواحد بن أبي ا لحديد السلمي خطيب دمشق في ذي الحجة
وفيها توفي أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد أبو نصر النيسابوري رئيسها ومولده سنة عشر وأربعمائة
وكان من العلماء وعاصم بن الحسن بن محمد بن علي بن عاصم العاصمي البغدادي من أهل الكرخ كان ظريفا كيسا له شعر حسن فمنه
( ماذا على متلون الأخلاق % لو زارني فابثه أشواقي )
( وأبوح بالشكوى إليه تذللا % وأفض ختم الدمع من آماقي )
( فعساه أن يبسمح باوصال لمدنف % ذي لوعة وصبابة مشتاق )
( أسر الفؤاد ولم يرق لموثق % ما ضره لو جاد بالإطلاق )
( إن كان قد لبست عقارت صدغه % قلبي فإن رضابه درياقي )
وقال أ يضا
( فديت من ذبت شوقا من محبته % وصرت من هجره فوق الفراش لققا )
( سمعته يتغنى وهو مصطبح % أفديه مصطبحا منه ومغتبقا )
( وأخلفتك ابنتي البكر ما وعدت % وأصبح الحبل منها واهيا خلقا )
والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وثمانين
وفيها في جمادى الآخرة توفي الشريف أبو القاسم العلوي الدبوسي المدرس بالنظامية ببغداد وكان فاضلا فصيحا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.