ذكر فتوح إبراهيم صاحب غزنة في بلاد الهند
ص 419
في هذه السنة غزا الملك إبرهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد الهند فحصر قلعة أجود وهي على مائة وعشرين فرسخا من لهاوور وهي قلعة حصينة في غاية الحصانة كبيرة تحوي عشرة آلاف رجل من المقاتلة فقاتلوه وصبروا تحت الحصر وزحف اليهم غير مرة فرأوا من شدة حربه ما ملأ قلوبهم خوفا ورعبا فسلموا القلعة إليه في الحادي والعشرين من صفر هذه السنة وكان في نواحي الهند قلعة يقال لها قلعة رويال على رأس جبل شاهق وتحتها غياض أشبه وخلفها البحر وليس عليها قتالا إلا من مكان ضيق وهومملوء بالفيلة المقاتلة وبها من رجال الحرب ألوف كثيرة فتابع عليهم الوقائع وألح عليهم بالقتال بجميع أنواع الحرب وملك القلعة واستنزلهم منها
وفي موضع يقال له دره نوره أقوام من أولاد الخراسانيين الذين جعل أجدادهم فيها أفراسياب التركي من قديم الزمان ولم يتعرض إليهم أحد من الملوك فسار إليهم إبراهيم ودعاهم إلى الاسلام أولا فامتنعوا من إجابته وقاتلوه فظفر بهم وأكثر القتل فيهم وتفرق من سلم في البلاد وسبى واسترق من النسوان والصبيان مائة ألف
وفي هذه القلعة حوض للماء يكون قطره نحو نصف فرسخ لا يدرك قعره يشرب منه أهل القلعة وجميع ما عندهم من دابة ولا يظهر فيه نقص وفي بلاد الهند موضع يقال له وره وهوبر بين خليجين فقصده الملك إبراهيم فوصل إليه في جمادى الأولى وفي طريقه عقبات كثيرة وفيها أشجار ملتفة فأقام هناك ثلاثة أشهر ولقي الناس من الشتاء شدة ولم يفارق الغزوة حتى أنزل الله نصره على أوليائه وذله على أعدائه وعاد إلى غزنة سالما مظفرا
وهذه الغزوات لم أعرف تاريخها وأما الأولى فكانت هذه السنة فلهذها أوردتها متتابعة في هذه السنة
ذكر ملك شرف الدولة مسلم مدينة حلب
ص 420
في هه السنة ملك شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل مدينة حلب وسبب ذلك أن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان حصرها مرة بعد أخرى فاشتد الحصار بأهلها وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلات وغيرها ثم ان تتش حصرها هذه ا لسنة وأقام عليها أياما ورحل عنها وملك بزاعة والبيرة وأحرق ربض عزاز وعاد إلى دمشق فلما رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلموها إليه فلما قاربها امتنعوا من ذلك وكان مقدمهم يعرف بابن الحتيتي العباسي فاتفق أن ولده خرج يتصيد بضيعة له فأسره أحد التركمان وهو صاحب حصن بنواحي حلب وأرسله إلى شرف الدولة فقرر معه أن يسلم البلد إليه إذا أطلقه فأجاب إلى ذلك فأطلقه فعاد إلى حلب واجتمع بأبيه وعرف ما استقر فأذعن إلى تسليم البلد ونادى بشعار شرف الدولة وسلم البلد إليه فدخله سنة ثلاث وسبعين وحصر القلعة واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود بن مرداس فلما ملك البلد أرسل ولده وهو ابن عمة السلطان إلى السلطان يخبره بملك البلد وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها وسأل أن يقرر عليه الضمان فأجابه السلطان إلى ما طلب وأقطع ابن عمته مدينة بالس
ذكر مسير ملكشاه إلى كرمان
ص 420
في أول هذه السنة سار السلطان ملكشاه إلى بلاد كرمان فلما سمع صاحبها سلطانشاه بن قاروت بك وهو ابن عم السلطان بوصوله إليها خرج إلى طريقه ولقيه وحمل له الهدايا الكثيرة وخدمه وبالغ في الخدمة فأقره السلطان على البلاد وأحسن إليه وعاد عنه في المحرم سنة ثلاث وسبعين إلى أصبهان
ذكر عدة حوادث
ص 420
في هذه السنة ولد للخليفة المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين ولد سماه موسى وكناه أبا جعفر وزينت بغداد سبعة أيام
وفيها وصل السلطان ملكشاه إلى خوزستان متصيدا فوصل معه خمارتكين وكوهرائين في قتل ابن علان اليهودي ضامن البصرة وكان ملتجئا إلى نظام الملك وبين خمارتكين الشرابي وكوهرائين عداوة فسعيا باليهودي لذلك فأمر السلطان بتغريقه فغرق وانقطع نظام الملك عن الركوب ثلاثة أيام وأغلق بابه ثم أشير عليه بالركوب فركب وعمل السلطان دعوة عظيمة قدم له فيها أشياء كثيرة وعاتبه على فعله فاعتذر إليه وكان أمر اليهودي قد عظم إلى حد أن زوجته توفيت فمشى خلف جنازتها كل من في البصرة إلا القاضي وكان له نعمة عظيمة وأموالا كثيرة فأخذ السلطان منه مائة ألف دينار وضمن خمارتكين البصرة كل سنة بمائة ألف دينا ومائة فرس
وفيها زادت الفرات تسعة أذرع فخربت بعض دواليب هيت وخرب نهر فوهة عيسى وزاد تامرا بيفا وثلاثين ذراعا وعلا على قنطري طراستان وخائقين الكسرويتين فقطعهما وفيهافي ذي الحجة توفي نصر بن مروان صاحب ديار بكر وملك بعده ابنه منصور ودبر دولته ابن الأنباري
وفيها توفي أبو منصور محمد بن بن عبد العزيز العكبري ومولده سنة أربع ووثمانين وثلاثمائة وهو من المحدثين المعروفين وكان صدوقا ومحمد بن هبة الله بن الحسن بن منصور أبو بكر بن أبي القاسم الطبري اللالكائى وولد سنة تسع أربعمائة وحدث عن هلال الحفار وغيره وتوفي في جمادى الأولى
وفيها توفي أبو الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الشاعر المشهور وحدث عن جده لأمه القاضي أبي نصر محمد بن هارون بن الجندي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.