ذكر وفاة اقائم بأمر الله وذكر بعض سيرته
ص 405
في هذه السنة ليلة الخميس ثالث عشر شعبان توفي القائم بأمر الله أمير المؤمنين رضي الله عنه واسمه أبو جعفر بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتصد بالله أبي العباس أحمد
وكان سبب موته أنه كان قد اصابه شرى فافتصد ونم منفردا فانفجر فصاده وخرج منه دم كثير ولم يشعر فاستيقظ وقد صعف وسقطت قوته فأيقن بالموت فأحضر ولي العهد ووصاه نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله ولي عهده ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي وصلى عليه المقتدي بأمر الله وكان عمره ستا وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام وخلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهرا وأياما وقيل كان مولده ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما
وأمه أم ولد تسنى قطر الندى أرمنية وقيل رومية أدركت خلافته وقيل اسمها علموماتت في رجب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
وكان القائم جميلا مليح الوجه أبيض مشربا خمرة حسن الجسم ورعا دينا زاهدا عالما قوي اليقين بالله تعالى كثير الصبر وكان لقائم عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة ولم يكن يرتضي أكثر من يكتب من الدويان فكان يصلح فيه اشياء وكان مؤئا للعدل والإنصاف يريد قضاء حوائج الناس لا يرى المنع من شيء يطلب منه
قال محمد بن علي بن عامر الوكيل دخلت يوما إلى المخزن فلم يبق أحد إلا أعطاني قصة فامتلأت أكمامي منها فقلت في نفسي لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها
فألقيتها في بركة والقائم بأمر ينظر ولا أشعر فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها ووقع فيها بأغراض أصحابها ثم قال لي يا عامي ما حملك على هذا فقلت خوف الضجر منها فقال لا تعد إلى مثلها فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا إنما نحن وكلاء ووزر للقائم أبو طالب محمد بن أيوب وأبو الفتح بن دارست ورئيس الرؤساء وأبو نصر بن جهير وكان قاضيهابن ماكولا وأبو عبد الله الدامغاني
ذكر خلافة المقتدي بأمر الله
ص 406
لما توفي القائم بأمر الله بويع المقتدي بأمر الله عبد الله محمد بن القائم بالخلافة وحضر مءيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق وأبو نصر بن الصباغ ونقيب النقباء طراد والنقيب الطاهر المعمر بن محمد القضاة أبو عبد الله الدامفاني وغيرهم من الأعيان والأماثل فبايعوه وقيل كان أول من بايعه الشريف أبو حعفر بن أبي موسى الهاشمي فإنه لما فرغ من غسل القائم وأنشده
( إذا سيدنا منا مضى قام سيد )
( ثم ارتج عليه فقال المقتدي
( قؤول بما قال الكرام فعول )
فلما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر
ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فإن الذخية أبا العباس محمد بن اقائم توفي أيام أبيه ولم يكن له غيره فأيقن الناس بانقراض نسله وانتقال الخلافة من البيت القادري إلى غيره ولم يشكوا في اختلال الأحوال بعد القائم لأن من عدا البيت القادري كانوا يخالطون العامة في البلد ويجرون مجرى السوقة فلو اضطر الناس إلى خلافة أحدهم لم يكن له ذلك القبول ولا تلك الهيبة فقدر ا الله تعالى أ الذخيرة أبا العباس كان له جارية اسمها أرجون وكان يلم بها فلما توفي ورأت ما نال القائم من المصيبة واستعظمه من انقراض عقبة ذكرت أنها حامل فتعلقت النفوس بذلك فولدت بعد موت سيدها بستة أشهر المقتدي فاشتد فرح القائم وعظم سروره وبالغ في الإشفاق عليه والمحبة له فلما كان حادثة البساسيري كان للمقتدي قريب أربع سنين فأخفاه أهله وحمله أبو الغائم بن المحلبان إلى حران كما ذكرنا ولما عاد القائم إلى بغداد أعيد المقتدي إليه فلما بلغ الحلم جعله ولي عهد ولما ولي الخلافة أقر فخر الدولة بن جهير على وزارته بوصية من القائم بذلك وسير عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة وكان مسيره في شهر رمضان وأرسل معه من أنواع الهادايا ما يجل عن الوصف
ذكر عدة حوادث
ص 407
في هه السنة في شوال وقعت نار ببغداد في دكان خباز بنهر المعلى فاحترقت من السوق مائة وثمانون دكانا سوى الدور ثم وقعت نار في المأمونية ثم في الظفرية ثم في درب المطبخ ثم في دار الخليفة ثم في حمام السمرقند ثم في باب الأزج ودرب خراسان ثم في الجانب الغربي في نهر طابق ونهر القلائين والقطيعة وباب البصرة واخحترق مالا يحصى
وفيها أرسل المستنصر بالله العلوي صاحب مصر إلى صاحب مكة ابن أبي هائم رسالة وهدية جليلة وطلب منه أن يعيد له الخطبة بمكة حرسها الله تعالى وقال إن ايمانك وعهودك كانت للقائم وللسلطان ألي أرسلان وقد ماتا فخطب به بمكة وقطع خطبة المقتدي وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة أشهر ثم أعيدت في ذي الحجة سنة ثمان وستين
وفيها كانت حرب شديدة بين بني رياح وزغبة ببلاد إفريقية فقويت بنو رياح على زغبة فهزموهم وأخرجوهم من البلاد
وفيها نظام الملك والسلطان ملكشاه جماعة من أعيان المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت وصار ما فعله السلطان مبدأ التقاويم
وفيها أيضا عمل الرصد للسلطان ملكشاه واجتمع جماعة من أعيان المنجمين في عمله منهم عمر بن إبراهيم الخيامي وأبو المظفر الاسفزاري زميمون بن النجيب الواسطي وغيرهم وخرج عليه من الأموال شيء عظيم وبقي الرصد دائرا إلى أن مات السلطان سنة خمس وثمانين وأربعمائة فبطل بعد موته
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.