في أول هذه السنة قصد السلطان ألب أرسلان واسمه محمد وإنما غلب عليه ألب ارسلان ما وراء النهر وصاحبه شمس الملك تكين فعقد علي جيحون جسرا وعبر عليه في نيف وعشرين يوما وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأته أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي في سادس شهر ربيع الأول وحمل إلى قرب سريره مع غلامين فتقدم أن تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليهما فقال له يوسف يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة فغضب السلطان ألب أرسلان وأخذ القوس والنشاب وقال للغلامين خلياه ورماه السلطان بسهم فأخطأه ولم يكن يخطء سهمه فوثب يوسف يريده والسلطان على سدة فلما رأى يوسف يقصده قام عن السدة ونزل عنها فعثر يريده فوقع على وجهه فبرك عليه يوسف وضربه بسكين كانت معه في خاصرته وكان سعد الدولة واقفا فجرحه يوسف أيضا جراحات ونهض السلطان فدخل إلى خيمة أخرى وضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه فقتله وقطعه الأتراك وكان أهل سمرقتد لما بلغهم عبور السلطان النهر وما فعل عسكره يتلك البلاد لاسيمابخارى اجتمكعوا حتمات وسألوا الله أن يكفيهم أمره فاستجاب لهم ولما جرح السلطان قال ما من وجه قصدته وعدو أردته إلا استعنت بالله عليه ولما كان أمس صعدت على تل فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش وكثرة العسكر فقلت في نفسي أمنا ملك الدنيا وما يقدر أحد علي فعجزني الله تعالى بأضعف خلقهوأما أستغفر الله تعالى وأستقيله من ذلك الخاطر فتوفي عاشر ربيع الأول من السنة فحمل إلى مرو ودفن عند أبيه ومودله سنة أربع وعشرين وأربعمائة وبلغ من العمر أربعين سنة وشهورا وقيل كان مولده سنة عشرين واربعمائة وكانت مدة ملكه منذ خطب في السلطنة إلى أن قتل تسع سنين وستتة أشهر وأياما ولما وصل خبر موته إلى بغداد جلس الوزير بن جهير للعزاء به في صحن السلام
ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة
وهو ألب ارسلان محمد بن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق وكان كريما عادلا عاقلا لا يسمع السعايات واتسع ملكه جدا ودان له العالم وبحق قيل له سلطان العالم
وكا رحيم القلب رفيقا بالفقراء كثير الدعاء بدوام ما أنعمالله به عليه اجتار يوما بمرو على فقراء الخرائين فبكى وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله وكان يكثر الصدقة فيتصدق في رمضان بخمسة عشر ألف دينار وكان في ديوانه أسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه عليهم اإدارات والصلاة ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصاردة قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يأخذ منهم كل سنة دفعتين رفقا بهم وكتب عليه بعض السعاة سعاية في نظام الملك وزيره وذكر ماله في ممالكه من الرسوم والأموال وتركت على مصلاة فأخذها فقرأها ثم سلمها إلى نظام الملك وقال له خذ هذا الكتاب فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بما يشتغلون به عن السعاية بالناس $ وهذه حالة لا يذكر عن أحد من الملكوك أحسن منها وكان كثرا ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم وأحكام الشريعة ولما اشتهر بين الملوك حسن سيرته ومحافظته على عهوده أذعنوزا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع وحضروا عنده من أقاصي مكا وراء النهر إلى أقصى الشام
وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية إزارا فأخذ المملوك وصلبه فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم ومناقبه كثيرة لا يليق بهذا الكتاب أكثر من هذا القدر منها ألب أرسلان من أولاده ملكشاه وهو صار السلطان بعده وإياز وتكش وبوري برش وتتش وأرسلات وأرغو وسارة وعائشة وبنتا أخرى
لما جرح السلطان ألب ارسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه وكان معه وامر أن يحلف له العسكر بحلفوا جميعهم وكان المتولي لأمر في ذلك نظام الملك وأرسل ملكشاه إلى بغداد يطلب الخطبة له فخطب له على منابره وأوصى ألب أرسلان ابنه ملكشاه أيضا أن يعطي أخاه قاورت بك بن داود أعمال فارس وكرمان وشيئا عينه من المال وأن يزوج بزوجته وكان قاورت بك بكرمان وأوصى أن يعطي ابنه أياز بن ألب أرسلان ما كان لأبيه داود وخمسمائة الف دينار وقال كل من لم يرض بما أوصيت له فقاتلوه واستعينوا بما جعلته له على حربه
وعاد ملكشاه من بالده ما وراء النهر في نيف وعشؤين يوما في ثلاثة أيام وقام بوزارة ملكشاه نظام الملك وزاد الأجناد في معايشهم سبعمائة ألف دينار وعادوا إلى خراسان وقصدوا نيسابور وراسل ملكشاه جماعة الملوك أصحاب الأطراف يدعوهم إلى الخطبة له والانقياد إليه وأقام أيز ارسلان ببلخ وسار السلطان ملكشاه في عساكره من نيسابور إلى الري
في هذه السنة في ربيع الآخر ملك التكين صاحب سمرقند مدينة ترمذ وسبب ذلك انه لما بغه وفاة ألب أرسلان وعود ابنه ملكشاه عن خراسان طمع في البلاد المجاورة له فقصد ترمذ أول ربيع الآخر وفتحها ونقل ما فيها من ذخائر وغيرها إلى سمرقند وكان إياز بن الب أرسلان قد سار عن بلخ إلى الجوزان فخاف أهل بلخ فأرسلوا إلى التكين يطلبون منه الأمان فأمنهم فخطبوا له ما فيها وورد إليها فنهب عسكره شيئا من أموال الناس وعاد إلى ترمذ قثار أوباش بلخ بجماعة من أصحابه فقتلوهم فعاد إليهم وأمر بإحراق المدينة فخرج إليه أعيان أهلها وسألوه الصفح واعتذروا فعفا عنهم لكنه أخذ أموال التجار فغنم شيئا عظيما فلما وصل الخبر إلى إياز عاد من الجوزجان إلى بلخ فوصل غرة جمادى الآخرة فلقيهم عسكر التكين فانهزم إياز فغرق من عسكره في جيحون أكثرهم وقتل كثير منهم ولم ينج إلا القليل
وفي هذه السنة أيضا في جمادى الأولى وردت طائفة كثيرة من عسكر غزنة إلى سكلنكد وبها عثمان عم السلطان ملكشاه ويلقب بأمير الأمراء فأخذوه أسيرا وعادوا به إلى غزنة مع خزائنه وحشمه فسمع الأمير كمشتكين بلكابك وهو من أكابر الأمراء فتبع آثارهم وكان معه أنوشتكين جد ملوك خوارزم في زماننا فنهبوا مدينة سكلكند
لما بلغ قاورت بك وهوبكرمان وفاة أخيهألب أرسلان سار طالبا للري يريد الاستيلاء علة ى الممالك فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملكوسارا منها إليه فلتقوا باقرب من همذان في شعبان وكان العسكر يميلون إلى قاورت بك فحملت مسيرة قاورت علي ميمنة ملكشاه فهزموها وحمل شرف الدولة مسلم بن قريش وبهاء الدولة منصور بن دبيس بن مزيد وهما مع ملك شاة ومن معهما من العرب والأكارد على ميمنة قاورت بك فهزموها وتمت الهزيمة على أصحاب قاورت بك ومضى ا لمنهزمون من أصحاب السلطان ملكشاه إلى حلل شرف الدولة وبهاء الدولة فنهبوها غيظا منهم حيث هزموا عسكر قاورت بك ونهبوا أيضا ما كان لنقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي رسول الخليفة وجاء رجل سوادي إلى السلطان ملكشاه فأخربه أن عمه قاورت بك في بعض القرى فأرسل من أخذه وأحضره فأمر سعد الدولة كوهرائين فخنقه وأقر كرمان بيد أولاده وسير إليهم الخلع وأقطع العرب والأكراد إقطاعات كثيره لما فعلوه في الوقعة وكان السبب في حضور شرف الدولة وبهاء الدولة عند ملكشاه أن السلطان ألب أرسلان كان ساخطا على شرف الدولة فارسل الخليفة نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي إلى شرف الدولة بالموصل فأخذه فسار به إلى ألب ارسلان ليشفع فيه عند الخليفة فلما بلغ الزاب وقف على ملطفات كتبها وزيره أبو جابر بن صقلاب فأخذها شرف الدولة فغرقها وسار مع طراد فبلغهما الخبر بوفاة ألب أرسلان ومسير ابنه ملكشاه فتمما إليه وأما هباء الدولة فإنه كان قد سار بمال أرسله به أبوه إلى السلطان فحضر الحرب بهذا السبب
ثم إن عسكر ملكشاه بسطوا ومدوا أيدهم في أمووال الرعية وقالوا ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك فنال الرعية أذى شديد فذكر ذلك نظام الملك للسلطان فبين له ما في هذا الفعل من الوهن وخراب البلاد وذهاب السياسة فقال له افعل في هذا ماتراه مصلحة فقال له نظام املك ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك فقال السلطان قد رددت الأمر كلها كبيرا وصغيرها إليك فأنت الوالد وحلف له وأقطعه إقطاعا زائدا على ما كان من جملته طوس مدينة نظام الملك وخلع عليه ولقبه ألقابا من جملتها أتابك ومعناه الأمير الوالد فظهر من كفايته وشجاعته وحسن سيرته ما هو مشهور فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت إليه فوقف يكلهما فدفعها بعض حجابه فأمكر ذلك عليه وقال إنما استخدمتك لأمثال هذه فإن الأمراء والأعيان لا حاجة بهم إليك ثم صرفه عن حجبته
في هذه السنة قتل ناصر الدولة أبو علي الحسن بن حمدان وهو من أولاد ناصر الدولة بن حمدان بمصر وكان قد تقدم فيها تقدما عظيما ونذكر ههنا الأسباب الموجبة لقتله فإنها تتبع بعضها بعضا في حروب وتجارب وكان أول ذلك انحلال أمر الخلافة وفساد أحوال المستنصر بالله العلوي صاحبها وسببه أن والدته كانت غالبة على أمره وقد اصطنعت أبا سعيد إبراهيم اتستري اليهودي وصار وزيرا لها فأشار عليها بوزارة أبي نصر الفلاحي فولته الوزارة واتفقا مدة ثم صار الفلحي ينفرد بالتدبير فوقع بينهما وحشة فخاف الفلاحي أن يفسد أمره مع أم المستنصر فاصطنع الغلمان الأتراك واستمالهم وزاد في أرزاقهم فلما وثق بهم وضعهم على قتل اليهودي فقتلوه فعظم الأمر على أم المستنصر وأغرت به ولدها فقبض عليه وأرسلت من قتله تلك الليلة وكان بينهما في القتل تسعة أشهر ووزره بعدهه أبو البركات حسن بن محمد فوضعه على الغلمان الأتراك فافسد أحوالهم وشرع يشتري العبيد للمستنصر واستكثر منهم فوشعته أم المستنصر ليغري العبيد المجردين بالأتراك فخاف عاقبة ذلك وعلم أنه يوؤث شرا وفسادا فلم يفعل فتنكرت له وعزلته عن الوزارة وولي بعده الوزارة أبو محمد اليازوري من قرية من قررى الرملة اسمها يازور فأمرته أيضا بذلك فلم يفعل وأصلح الأمور إلى أن قتل ووزر أبو عبد الله الحسين بن البابلي فأمرته بما امرت به غيره من الوزراء من إغراء العبيد بالأتراك ففعل فتغيرت نياتهم ثم إن المستنصر ركب ليشيع الحجاج فأجرى بعض الأتراك فرسه فوصل به إلى حماعة العبيد المحدثين وكانوا يحيطون بالمستنصر فضربه أحدهم فجرحه فعظم ذلك على الأتراك ونشبت الحرب ثم اصطلحوا على تسليم الجارح إليهم واستحكمت العداوة فقال الوزير للعبيد خذوا حذركم فاجتمعوا وعرف الأتراك ذلك فاجتمعواإلى مقدميهم وقصدوا ناصر الدولة بن حمدان وهو أكبر قائد بمصر وشكوا إليه واستمالوا المصامدة وتعاهدوا وتعاقدوا فقوي الأتراك وضعف العبيد المحدثون فخرجوا من القاهرة إلى الصعيد ليجتمعوا هناك فانضاف إليهم خلق كثير يزيدون على خمسين ألف فارس وراجل فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر فأعاد الجواب أنه لا علم له بما فعل العبيد وأنه لا حقيقة له فظنوا قوله حيلة عليهم
ثم قوي الخبر بقرب العبيد منهم بكثرتهم فأجفل الأتراك وكتامة المصامدة وكانت عدتهم ستة آلاف فالتقوا بموضع يعرف بكوم الريش واقتتلوا فانهزم الأتراك ومن معهم إلى القاهرة وكان بعضهم قد كمن في خمسمائة فارس فلما انهزم الأتراك خرج الكمين على ساقة العبيد ومن معهم وحملوا عليهم حملة منكرة وضربت البقوات فارتاع العبيد وظنوها مكيدة من المستنصر وأنه قد ركب في باقي العسكر فانهزموا وعاد عليهم الأتراك وحكموا فيهم السيوف فقتل منهم وغرق نحو أربعين الفا وكان يوما مشهودا وقويت نفوس الأتراك وعرفوا حسن رأي المستنصر فيهم وتجمعوا وحشدوا فتضاعفت عدتهم وزادت واجباتهم للانفاق فيهم فخلت الخزائن واضطربت الأمور وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد فاجتمعوا مع العبيد فصاروا خمسة عشر الف فارس وراجل وساروا إلى الجيزة فخرج عليهم الأتراك ومن معهم واقتتلوا في الماء عدة أيام ثم عبر الأتراك النيل إليهم مع ناصر الدولة بن حمدان فاقتتلوا فانهزم العبيد إلى الصعيد وعاد ناصر الدولة والأتراك منصورين
ثم إن العبيد اجتمعوا بالصعيد في خمسة عشر الف فارس وراجل فقلق الأتراك لذلك فحضر مقدومهم دار المستنصر لشكوى حالهم فأمرت أم المستنصر من عندها من العبيد بالهجوم على المقدمين والفتك بهم ففعلوا ذلك وسمع ناصر الدولة الخبر فهرب إلى ظاهر البلد واجتمع الأتراك إليه ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد ومن تبعهم من مصر والقاهرة وحلف الأمير ناصر الدولة بن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه ولا يذزق طعاما حتى ينفصل الحال بينهم فبيقت الحرب ثلاثة أيام ثم ظفر بهم ناصر الدولة وأكثر القتل فيهم ومن سلم هرب وزالت دولتهم من القاهرة
وكان بالإسكندرية جماعة من العبيد فلما كانت هذه الحادثة طلبوا الأمان فأمنوا وأخذت منهم الإسكندرية وبقي العبيد الذين بالصعيد فلما خلت الدولة للأتراك طمعوا في المستنصر وقل ناموسه عندهم وطلبوا الأموال فخلت الخزائن فلم يبق فيها شيء البتة واختل ارتفاع الأعمال وهم يطالبون واعتذر المستنصر بعدم الأموال عنده فطلب ناصر الدولة العروض فأخرجت إليهم وقومت بالثمن البخس وصرفت إلى الجند قيل إن واجب الأتراك كان في الشهر عشؤسن ألف دينار فصار الآن في الشهر أربعمائة ألف دينار وأما العبيد بالصعيد فإنهم أفسدوا وقطعوا الطريق وأخافوا السبيل فسار إليهم ناصر الدولة في عسكر كثير فمضى العبيد من بين يديه إلى الصعيد الأعلى فأدركهم فقاتلهم وقاتلوه فانهزم ناصر الدولة منهم وعاد إلى الجيزة بمصر واجتمع إليه من سلم من أصحابه وشغبوا على المستنصر واتهموه بتقوية العبيد والميل إليهم ثم جهزوا جيشا وشيروه إلى طائفة من العبيد بالصعيد وقاتلوهم فقتل تلك الطائفة من العبيد فوهن الباقون وزالت دولتهم وعظم أمر ناصر الدولة وقويت شوكته وتفرد بالأمر دون الأتراك فامتنعوا من ذلك وعظم عليهم وفسدت نياتهم له فشكوا ذلك إلى الوزير وقالوا كلما خرج الخليفة مال اخذ أكثره له ولحاشيته ولا يصل إلينا منه إلا القليل فقال الوزير إنما وصل إلى هذا وغيره بكم فلو فارقتموه لم يتم له أمر فاتفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة وإخراجه من مصر فاجتمعوا وشكوا إلى المستنصر وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة فأرسل إليه يأمره بالخروج ويتهدده إن لم يفعل فتخرج من القاهرة إلى الجيزة ونهبت داره ودور حواشيه وأصحابه فلما كان الليل دخل ناصر ادلولة مستخفيا إلى القائد المعروف بتاج الملوك شادي فقبل رجله وقال اصطنعني فقال أفعل فحالفه على قتل مقدم من الأتراك اسمه الدكز والوزير الخطير
وقال ناصر الدولة لشادي تركب في أصحابك وتسير بين القصرين فإذا امكنتك الفرصة فيهما فاقتلهما وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة وفعل شادي ما أمره فركب الدكز إلى القصر فرأى شادي في جمعه فأنكره وأسرع فدخل القصر ففاته ثم أقبل الوزير في موكبه فقتله شادي وأرسل إلى ناصر الدولة يأمره بالركوب فركب إلى باب القاهرة فقال الدكز للمستنصر إن لم تركب وإلا هلكت أنت ونحن فركب ولبس سلاحه وتبعه خلق عظيم من العامة والجند واصطفوا للقتال فحمل الأتراك على ناصر الدولة فانهزم وقتل من أصحابه خلق كثير ومضى منهزما على وجهه لا يلوي على شيء وتبعه فل أصحابه فوصل إلى بني سنبس فأقام عندهم وصاهرهم فقوي بهم
وتجهزت العساكر إليه ليبعدوه فساروا حتى قربوا منه وكانوا ثلاث طوائف فأرارد أحد المقدمين أن يفوز لاظفر وحده دون أصحابه فعبر فيمن معه إلى ناصر الدولة وحمل عليه فقاتله فظفر به ناصر الدولة فأخذه أسيرا وأكثر القتل في أصحابه وعبر العسكر الثاني ولم يشعروا بما جرى على أصحابهم فحمل ناصر الدولة عليهم ورفع رؤوس القتلى على الرماح فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا وقتل أكثرهم وقويت نفس ناصر الدولة وعبر العسكر الثالث فهزمه وأكثر القتل فيهم وأسر مقدمهم وعظم أمره ونهب الريف فأقطعه وقطع الميرة عن مصر برا وبحرا فغلت الأسعار بها وكثر الموت بالجوع وامتدت أيدي الجند بالقاهرة إلى النهب والقتل وعظم الوباء حتى أن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة واشتد الغلاء حتى أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار فاستبعد ذلك فقيل إنها باعت عروضا قيمتها الف دينار بثلاثمائة دينار واشترت بها حنطة حملها الحمال على ظهره فنهبت الحنطة في الطريق هي مع الناس فكان الذي حصل لها مما عملته رغيفا واحدا
وقطع ناصر الدولة الطريق برا وبحرا فهلك العالم ومات أكثر أصحاب المستنصر وتفرق كثير منهم فراسل الأتراك من القاهرة ناصر الدولة في الصلح فاصطلحوا على أن يكون تاج الملوك شادي نائبا عن ناصر الدولة بالقاهرة ويحمل المال إليه ولا يبقى معه لأحد حكم فلما دخل تاج الملوك إلى القاهرة تغير عن القاعدة واستبد بالأموال دون ناصر الدولة ولم يرسل إليه منها شيئا فصار ناصر الدولة إلى الجيزة واستدعى إليه شادي وغيره من مقدمي الأتراك فخرجوا إليه إلا أقلهم فقبض عليهم كلهم ونهب ناحيتي مصر وأحرق كثيرا منها فسير إليه المستنصر عسكرا فكبسوه فانهزم منهم ومضى هاربا فجمع جمعا وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ومياط وكانا معه وكذلك جميع الريف وأرسل إلى الخليفة ببغداد يطلب خلعا ليخطب له بمصر واضمحل أمر المستنصر وبطل ذكره وتفرق الناس من القاهرة وأرسل ناصر إليه أيضا يطلب المال فرآه الرسول جالسا على حصير وليس حوله غير ثلاثة خدم ولم ير الرسول شيئا من آثار المملكة
فلما أدى الرسالة قال أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير فبكى الرسول وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره الخبر فأجرى له كل يوم مائة دينار
وعاد إلى لاقاهرة وحكم فيها وأذل السلطان وأصحابه وكان الذي حمله على ذلك أنه كان يظهر التسنن من بين أهله ويعيب المستنصر وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد وقبض على أم المستنصر وصادرها بخمسين ألف دينار وتفرق عن المستنصر أولاده زكثير من أهله إلى الغرب وغيره من البلاد فمات كثير منهم جوعا وانقضت سنى أربع وستين وما قبلها بالفتن زتنحط السعر سنة خمس زستين ورخصت الأسعار
وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر وفرق عنه عامة أصحابه وكان يقول لأحدهما إنني أريد أن أولئك عمل كذا فيسير إلأيع فلا يمكنه من العمل ويمنعه من العود وكان غرضه بذلك أن يخطب للخليفة القائم بأمر الله ولا يمكنه من وجودهم ففطن لفعله قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز وعلم أنه ما تم ما أراد تمكن منه ومن أصحابه فأطلع على ذلط غيره من قواد الأتراك فأتفقوا على قتل ناصر الدولة وكان أمن لقموه وعدم هدوه فتواعدوا ليلة على ذلك فلما كان سحر الليلة التي تواعدوا فيها على قتله جاؤوا إلى باب داره وهي التي تعرف بمنازل العز وهي على النيل فدخلوا من غير استئذان إلى صحن داره فخرج إليهم ناصر الدولة في رداء لأنه كان آمنا منهم فلما دنا منهم ضربوه يالسيوف فسبهم وهرب منهم يريد الحرم فلحقوه فضربوه حتى قتلوه وأخذوا رأسه ومضى رجل منهم يعرف بكوكب الدولة إلى فخر العرب أخي ناصر الدوة وكان فخر العرب كثير الإحسان إليه فقال للحاجب استأذن لي على فخر العرب وقل صنيعتك فلان على الباب
فأستأذن له فأذن له وقال بعله قد دهمه أمر فلما دخل عليه أسرع نحوه كأنه يريد السلام عليه وضربه بالسيف على كتفه فسقط إلى الأرض فقطع رأسه وأخذ سيفه وكان ذا قيمة عليه وافرة وأخذ جارية له أردفها إلى القاهرة وقتل أخوهما تاج المعالي وانقطع ذكر الحمدانية بمصر بالكلية
لفلما كان سنة ست وستين وأربعمائة ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش وقتل الدكز والوزير ابن كدينة وجماعة من المسلحية وتمكن من الدولة إلى أن مات وولي بعده ابنه الأفضل وسيرد ذكرهم إن شاء الله تعالى
في هذه السنة أقيمت الدعوة العباسية بالبيت المقدس
وفيها توفي الأمير ليث بن منصور صدقة بن الحسين الدامغان والشريف أبو غنام عبد الصمد بن علي بن محمد المأمون ببغداد وكان موته في شوال ومولده سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وكان عالي الإسناد في الحديث
وفيها في ذي الحجة توفي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن عبد اله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله المعروف بابن الغريق وكان يسمى راهب بني الهباس وهو آخر من حدث عن الدارقطني وابن شاهين وغيرهما وكان موته ببغداد
وفيها قتل ناصر الدولة أبو علي الحسين بن حمدان بمصر قتله الدكز وقد تقدم شرحة مستوفى
وفيها توفي الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري النيسابوري مصنف الرسالة وغيرها وكان إماما فقيها أصوليا مفسرا كاتبا ذا فضائل جمة له فرس قد أهدي إليه فركبه نحو عشرين سنة فلما مات الشيخ لم يأكل الفرس شيئا فعاش أسبوعا ومات
وفيها أيضا توفي علي بن الحسن بن علي بن الفضل أبو منصور الكاتب المعروف بابن صربعر وكان نظام الملك قال له أنت ابن صر لا صر بعر فبقي ذلك عليه وهو من الشعراء المجيدين وهجاه ابن البياضي فقال
( لئن نبز الناس قدما أباك % فسموه من شعره صر بعرا )
( فإنك تنظم ماصره % عقوقا له وتسمية شعرا )
وهذا ظلم من ابن البياضي فإنه كان شاعرا محسنا ومن شعراء ابن صردر قوله
( تزاورن عن أذرعات يمينا % نواشز ليس يطقن البرينا )
( كلقن بنجد كأن الرياض % أخذن لنجد عليها يمينا )
( وأقسمن يحملن الإ نحيلا % غليع ويبلغن الإ حزينا )
( فلما استمعن زفير المشوق % ونوح الحمام تركن الحنينا )
( إذا حئتما بانة الوادييين % فأخرجوا النسوع وحلوا الوضينا )
( فثم علائق من أجلهن % ملاء الدجى والضحى قد طوينا )
( وقد أبأتهم مياه الجفون % بأن بقلبك داء دفينا )
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
