الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة
76

ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة

الجزء الثامن 9 عنصر صفحة 392
ذكر قتل السلطان ألب أرسلان ص 392

في أول هذه السنة قصد السلطان ألب أرسلان واسمه محمد وإنما غلب عليه ألب ارسلان ما وراء النهر وصاحبه شمس الملك تكين فعقد علي جيحون جسرا وعبر عليه في نيف وعشرين يوما وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأته أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي في سادس شهر ربيع الأول وحمل إلى قرب سريره مع غلامين فتقدم أن تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليهما فقال له يوسف يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة فغضب السلطان ألب أرسلان وأخذ القوس والنشاب وقال للغلامين خلياه ورماه السلطان بسهم فأخطأه ولم يكن يخطء سهمه فوثب يوسف يريده والسلطان على سدة فلما رأى يوسف يقصده قام عن السدة ونزل عنها فعثر يريده فوقع على وجهه فبرك عليه يوسف وضربه بسكين كانت معه في خاصرته وكان سعد الدولة واقفا فجرحه يوسف أيضا جراحات ونهض السلطان فدخل إلى خيمة أخرى وضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه فقتله وقطعه الأتراك وكان أهل سمرقتد لما بلغهم عبور السلطان النهر وما فعل عسكره يتلك البلاد لاسيمابخارى اجتمكعوا حتمات وسألوا الله أن يكفيهم أمره فاستجاب لهم ولما جرح السلطان قال ما من وجه قصدته وعدو أردته إلا استعنت بالله عليه ولما كان أمس صعدت على تل فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش وكثرة العسكر فقلت في نفسي أمنا ملك الدنيا وما يقدر أحد علي فعجزني الله تعالى بأضعف خلقهوأما أستغفر الله تعالى وأستقيله من ذلك الخاطر فتوفي عاشر ربيع الأول من السنة فحمل إلى مرو ودفن عند أبيه ومودله سنة أربع وعشرين وأربعمائة وبلغ من العمر أربعين سنة وشهورا وقيل كان مولده سنة عشرين واربعمائة وكانت مدة ملكه منذ خطب في السلطنة إلى أن قتل تسع سنين وستتة أشهر وأياما ولما وصل خبر موته إلى بغداد جلس الوزير بن جهير للعزاء به في صحن السلام

ذكر نسب ألب أرسلان وبعض سيرته ص 393

وهو ألب ارسلان محمد بن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق وكان كريما عادلا عاقلا لا يسمع السعايات واتسع ملكه جدا ودان له العالم وبحق قيل له سلطان العالم

وكا رحيم القلب رفيقا بالفقراء كثير الدعاء بدوام ما أنعمالله به عليه اجتار يوما بمرو على فقراء الخرائين فبكى وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله وكان يكثر الصدقة فيتصدق في رمضان بخمسة عشر ألف دينار وكان في ديوانه أسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه عليهم اإدارات والصلاة ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصاردة قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يأخذ منهم كل سنة دفعتين رفقا بهم وكتب عليه بعض السعاة سعاية في نظام الملك وزيره وذكر ماله في ممالكه من الرسوم والأموال وتركت على مصلاة فأخذها فقرأها ثم سلمها إلى نظام الملك وقال له خذ هذا الكتاب فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بما يشتغلون به عن السعاية بالناس $ وهذه حالة لا يذكر عن أحد من الملكوك أحسن منها وكان كثرا ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم وأحكام الشريعة ولما اشتهر بين الملوك حسن سيرته ومحافظته على عهوده أذعنوزا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع وحضروا عنده من أقاصي مكا وراء النهر إلى أقصى الشام

وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية إزارا فأخذ المملوك وصلبه فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم ومناقبه كثيرة لا يليق بهذا الكتاب أكثر من هذا القدر منها ألب أرسلان من أولاده ملكشاه وهو صار السلطان بعده وإياز وتكش وبوري برش وتتش وأرسلات وأرغو وسارة وعائشة وبنتا أخرى

ذكر ملك السلطان ملكشاه ص 393

لما جرح السلطان ألب ارسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه وكان معه وامر أن يحلف له العسكر بحلفوا جميعهم وكان المتولي لأمر في ذلك نظام الملك وأرسل ملكشاه إلى بغداد يطلب الخطبة له فخطب له على منابره وأوصى ألب أرسلان ابنه ملكشاه أيضا أن يعطي أخاه قاورت بك بن داود أعمال فارس وكرمان وشيئا عينه من المال وأن يزوج بزوجته وكان قاورت بك بكرمان وأوصى أن يعطي ابنه أياز بن ألب أرسلان ما كان لأبيه داود وخمسمائة الف دينار وقال كل من لم يرض بما أوصيت له فقاتلوه واستعينوا بما جعلته له على حربه

وعاد ملكشاه من بالده ما وراء النهر في نيف وعشؤين يوما في ثلاثة أيام وقام بوزارة ملكشاه نظام الملك وزاد الأجناد في معايشهم سبعمائة ألف دينار وعادوا إلى خراسان وقصدوا نيسابور وراسل ملكشاه جماعة الملوك أصحاب الأطراف يدعوهم إلى الخطبة له والانقياد إليه وأقام أيز ارسلان ببلخ وسار السلطان ملكشاه في عساكره من نيسابور إلى الري

ذكر ملك صاحب سمرقند مدينة ترمذ ص 394

في هذه السنة في ربيع الآخر ملك التكين صاحب سمرقند مدينة ترمذ وسبب ذلك انه لما بغه وفاة ألب أرسلان وعود ابنه ملكشاه عن خراسان طمع في البلاد المجاورة له فقصد ترمذ أول ربيع الآخر وفتحها ونقل ما فيها من ذخائر وغيرها إلى سمرقند وكان إياز بن الب أرسلان قد سار عن بلخ إلى الجوزان فخاف أهل بلخ فأرسلوا إلى التكين يطلبون منه الأمان فأمنهم فخطبوا له ما فيها وورد إليها فنهب عسكره شيئا من أموال الناس وعاد إلى ترمذ قثار أوباش بلخ بجماعة من أصحابه فقتلوهم فعاد إليهم وأمر بإحراق المدينة فخرج إليه أعيان أهلها وسألوه الصفح واعتذروا فعفا عنهم لكنه أخذ أموال التجار فغنم شيئا عظيما فلما وصل الخبر إلى إياز عاد من الجوزجان إلى بلخ فوصل غرة جمادى الآخرة فلقيهم عسكر التكين فانهزم إياز فغرق من عسكره في جيحون أكثرهم وقتل كثير منهم ولم ينج إلا القليل

ذكر قصد صاحب غزنة سكلكند ص 394

وفي هذه السنة أيضا في جمادى الأولى وردت طائفة كثيرة من عسكر غزنة إلى سكلنكد وبها عثمان عم السلطان ملكشاه ويلقب بأمير الأمراء فأخذوه أسيرا وعادوا به إلى غزنة مع خزائنه وحشمه فسمع الأمير كمشتكين بلكابك وهو من أكابر الأمراء فتبع آثارهم وكان معه أنوشتكين جد ملوك خوارزم في زماننا فنهبوا مدينة سكلكند

ذكر الحرب بين السلطان ملكشاه وعمه قاورت بك ص 395

لما بلغ قاورت بك وهوبكرمان وفاة أخيهألب أرسلان سار طالبا للري يريد الاستيلاء علة ى الممالك فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملكوسارا منها إليه فلتقوا باقرب من همذان في شعبان وكان العسكر يميلون إلى قاورت بك فحملت مسيرة قاورت علي ميمنة ملكشاه فهزموها وحمل شرف الدولة مسلم بن قريش وبهاء الدولة منصور بن دبيس بن مزيد وهما مع ملك شاة ومن معهما من العرب والأكارد على ميمنة قاورت بك فهزموها وتمت الهزيمة على أصحاب قاورت بك ومضى ا لمنهزمون من أصحاب السلطان ملكشاه إلى حلل شرف الدولة وبهاء الدولة فنهبوها غيظا منهم حيث هزموا عسكر قاورت بك ونهبوا أيضا ما كان لنقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي رسول الخليفة وجاء رجل سوادي إلى السلطان ملكشاه فأخربه أن عمه قاورت بك في بعض القرى فأرسل من أخذه وأحضره فأمر سعد الدولة كوهرائين فخنقه وأقر كرمان بيد أولاده وسير إليهم الخلع وأقطع العرب والأكراد إقطاعات كثيره لما فعلوه في الوقعة وكان السبب في حضور شرف الدولة وبهاء الدولة عند ملكشاه أن السلطان ألب أرسلان كان ساخطا على شرف الدولة فارسل الخليفة نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي إلى شرف الدولة بالموصل فأخذه فسار به إلى ألب ارسلان ليشفع فيه عند الخليفة فلما بلغ الزاب وقف على ملطفات كتبها وزيره أبو جابر بن صقلاب فأخذها شرف الدولة فغرقها وسار مع طراد فبلغهما الخبر بوفاة ألب أرسلان ومسير ابنه ملكشاه فتمما إليه وأما هباء الدولة فإنه كان قد سار بمال أرسله به أبوه إلى السلطان فحضر الحرب بهذا السبب

ذكر تفويض الأمور إلى نظام الملك ص 395

ثم إن عسكر ملكشاه بسطوا ومدوا أيدهم في أمووال الرعية وقالوا ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك فنال الرعية أذى شديد فذكر ذلك نظام الملك للسلطان فبين له ما في هذا الفعل من الوهن وخراب البلاد وذهاب السياسة فقال له افعل في هذا ماتراه مصلحة فقال له نظام املك ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك فقال السلطان قد رددت الأمر كلها كبيرا وصغيرها إليك فأنت الوالد وحلف له وأقطعه إقطاعا زائدا على ما كان من جملته طوس مدينة نظام الملك وخلع عليه ولقبه ألقابا من جملتها أتابك ومعناه الأمير الوالد فظهر من كفايته وشجاعته وحسن سيرته ما هو مشهور فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت إليه فوقف يكلهما فدفعها بعض حجابه فأمكر ذلك عليه وقال إنما استخدمتك لأمثال هذه فإن الأمراء والأعيان لا حاجة بهم إليك ثم صرفه عن حجبته

ذكر قتل ناصر الدولة بن حمدان ص 396

في هذه السنة قتل ناصر الدولة أبو علي الحسن بن حمدان وهو من أولاد ناصر الدولة بن حمدان بمصر وكان قد تقدم فيها تقدما عظيما ونذكر ههنا الأسباب الموجبة لقتله فإنها تتبع بعضها بعضا في حروب وتجارب وكان أول ذلك انحلال أمر الخلافة وفساد أحوال المستنصر بالله العلوي صاحبها وسببه أن والدته كانت غالبة على أمره وقد اصطنعت أبا سعيد إبراهيم اتستري اليهودي وصار وزيرا لها فأشار عليها بوزارة أبي نصر الفلاحي فولته الوزارة واتفقا مدة ثم صار الفلحي ينفرد بالتدبير فوقع بينهما وحشة فخاف الفلاحي أن يفسد أمره مع أم المستنصر فاصطنع الغلمان الأتراك واستمالهم وزاد في أرزاقهم فلما وثق بهم وضعهم على قتل اليهودي فقتلوه فعظم الأمر على أم المستنصر وأغرت به ولدها فقبض عليه وأرسلت من قتله تلك الليلة وكان بينهما في القتل تسعة أشهر ووزره بعدهه أبو البركات حسن بن محمد فوضعه على الغلمان الأتراك فافسد أحوالهم وشرع يشتري العبيد للمستنصر واستكثر منهم فوشعته أم المستنصر ليغري العبيد المجردين بالأتراك فخاف عاقبة ذلك وعلم أنه يوؤث شرا وفسادا فلم يفعل فتنكرت له وعزلته عن الوزارة وولي بعده الوزارة أبو محمد اليازوري من قرية من قررى الرملة اسمها يازور فأمرته أيضا بذلك فلم يفعل وأصلح الأمور إلى أن قتل ووزر أبو عبد الله الحسين بن البابلي فأمرته بما امرت به غيره من الوزراء من إغراء العبيد بالأتراك ففعل فتغيرت نياتهم ثم إن المستنصر ركب ليشيع الحجاج فأجرى بعض الأتراك فرسه فوصل به إلى حماعة العبيد المحدثين وكانوا يحيطون بالمستنصر فضربه أحدهم فجرحه فعظم ذلك على الأتراك ونشبت الحرب ثم اصطلحوا على تسليم الجارح إليهم واستحكمت العداوة فقال الوزير للعبيد خذوا حذركم فاجتمعوا وعرف الأتراك ذلك فاجتمعواإلى مقدميهم وقصدوا ناصر الدولة بن حمدان وهو أكبر قائد بمصر وشكوا إليه واستمالوا المصامدة وتعاهدوا وتعاقدوا فقوي الأتراك وضعف العبيد المحدثون فخرجوا من القاهرة إلى الصعيد ليجتمعوا هناك فانضاف إليهم خلق كثير يزيدون على خمسين ألف فارس وراجل فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر فأعاد الجواب أنه لا علم له بما فعل العبيد وأنه لا حقيقة له فظنوا قوله حيلة عليهم

ثم قوي الخبر بقرب العبيد منهم بكثرتهم فأجفل الأتراك وكتامة المصامدة وكانت عدتهم ستة آلاف فالتقوا بموضع يعرف بكوم الريش واقتتلوا فانهزم الأتراك ومن معهم إلى القاهرة وكان بعضهم قد كمن في خمسمائة فارس فلما انهزم الأتراك خرج الكمين على ساقة العبيد ومن معهم وحملوا عليهم حملة منكرة وضربت البقوات فارتاع العبيد وظنوها مكيدة من المستنصر وأنه قد ركب في باقي العسكر فانهزموا وعاد عليهم الأتراك وحكموا فيهم السيوف فقتل منهم وغرق نحو أربعين الفا وكان يوما مشهودا وقويت نفوس الأتراك وعرفوا حسن رأي المستنصر فيهم وتجمعوا وحشدوا فتضاعفت عدتهم وزادت واجباتهم للانفاق فيهم فخلت الخزائن واضطربت الأمور وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد فاجتمعوا مع العبيد فصاروا خمسة عشر الف فارس وراجل وساروا إلى الجيزة فخرج عليهم الأتراك ومن معهم واقتتلوا في الماء عدة أيام ثم عبر الأتراك النيل إليهم مع ناصر الدولة بن حمدان فاقتتلوا فانهزم العبيد إلى الصعيد وعاد ناصر الدولة والأتراك منصورين

ثم إن العبيد اجتمعوا بالصعيد في خمسة عشر الف فارس وراجل فقلق الأتراك لذلك فحضر مقدومهم دار المستنصر لشكوى حالهم فأمرت أم المستنصر من عندها من العبيد بالهجوم على المقدمين والفتك بهم ففعلوا ذلك وسمع ناصر الدولة الخبر فهرب إلى ظاهر البلد واجتمع الأتراك إليه ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد ومن تبعهم من مصر والقاهرة وحلف الأمير ناصر الدولة بن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه ولا يذزق طعاما حتى ينفصل الحال بينهم فبيقت الحرب ثلاثة أيام ثم ظفر بهم ناصر الدولة وأكثر القتل فيهم ومن سلم هرب وزالت دولتهم من القاهرة

وكان بالإسكندرية جماعة من العبيد فلما كانت هذه الحادثة طلبوا الأمان فأمنوا وأخذت منهم الإسكندرية وبقي العبيد الذين بالصعيد فلما خلت الدولة للأتراك طمعوا في المستنصر وقل ناموسه عندهم وطلبوا الأموال فخلت الخزائن فلم يبق فيها شيء البتة واختل ارتفاع الأعمال وهم يطالبون واعتذر المستنصر بعدم الأموال عنده فطلب ناصر الدولة العروض فأخرجت إليهم وقومت بالثمن البخس وصرفت إلى الجند قيل إن واجب الأتراك كان في الشهر عشؤسن ألف دينار فصار الآن في الشهر أربعمائة ألف دينار وأما العبيد بالصعيد فإنهم أفسدوا وقطعوا الطريق وأخافوا السبيل فسار إليهم ناصر الدولة في عسكر كثير فمضى العبيد من بين يديه إلى الصعيد الأعلى فأدركهم فقاتلهم وقاتلوه فانهزم ناصر الدولة منهم وعاد إلى الجيزة بمصر واجتمع إليه من سلم من أصحابه وشغبوا على المستنصر واتهموه بتقوية العبيد والميل إليهم ثم جهزوا جيشا وشيروه إلى طائفة من العبيد بالصعيد وقاتلوهم فقتل تلك الطائفة من العبيد فوهن الباقون وزالت دولتهم وعظم أمر ناصر الدولة وقويت شوكته وتفرد بالأمر دون الأتراك فامتنعوا من ذلك وعظم عليهم وفسدت نياتهم له فشكوا ذلك إلى الوزير وقالوا كلما خرج الخليفة مال اخذ أكثره له ولحاشيته ولا يصل إلينا منه إلا القليل فقال الوزير إنما وصل إلى هذا وغيره بكم فلو فارقتموه لم يتم له أمر فاتفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة وإخراجه من مصر فاجتمعوا وشكوا إلى المستنصر وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة فأرسل إليه يأمره بالخروج ويتهدده إن لم يفعل فتخرج من القاهرة إلى الجيزة ونهبت داره ودور حواشيه وأصحابه فلما كان الليل دخل ناصر ادلولة مستخفيا إلى القائد المعروف بتاج الملوك شادي فقبل رجله وقال اصطنعني فقال أفعل فحالفه على قتل مقدم من الأتراك اسمه الدكز والوزير الخطير

وقال ناصر الدولة لشادي تركب في أصحابك وتسير بين القصرين فإذا امكنتك الفرصة فيهما فاقتلهما وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة وفعل شادي ما أمره فركب الدكز إلى القصر فرأى شادي في جمعه فأنكره وأسرع فدخل القصر ففاته ثم أقبل الوزير في موكبه فقتله شادي وأرسل إلى ناصر الدولة يأمره بالركوب فركب إلى باب القاهرة فقال الدكز للمستنصر إن لم تركب وإلا هلكت أنت ونحن فركب ولبس سلاحه وتبعه خلق عظيم من العامة والجند واصطفوا للقتال فحمل الأتراك على ناصر الدولة فانهزم وقتل من أصحابه خلق كثير ومضى منهزما على وجهه لا يلوي على شيء وتبعه فل أصحابه فوصل إلى بني سنبس فأقام عندهم وصاهرهم فقوي بهم

وتجهزت العساكر إليه ليبعدوه فساروا حتى قربوا منه وكانوا ثلاث طوائف فأرارد أحد المقدمين أن يفوز لاظفر وحده دون أصحابه فعبر فيمن معه إلى ناصر الدولة وحمل عليه فقاتله فظفر به ناصر الدولة فأخذه أسيرا وأكثر القتل في أصحابه وعبر العسكر الثاني ولم يشعروا بما جرى على أصحابهم فحمل ناصر الدولة عليهم ورفع رؤوس القتلى على الرماح فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا وقتل أكثرهم وقويت نفس ناصر الدولة وعبر العسكر الثالث فهزمه وأكثر القتل فيهم وأسر مقدمهم وعظم أمره ونهب الريف فأقطعه وقطع الميرة عن مصر برا وبحرا فغلت الأسعار بها وكثر الموت بالجوع وامتدت أيدي الجند بالقاهرة إلى النهب والقتل وعظم الوباء حتى أن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة واشتد الغلاء حتى أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار فاستبعد ذلك فقيل إنها باعت عروضا قيمتها الف دينار بثلاثمائة دينار واشترت بها حنطة حملها الحمال على ظهره فنهبت الحنطة في الطريق هي مع الناس فكان الذي حصل لها مما عملته رغيفا واحدا

وقطع ناصر الدولة الطريق برا وبحرا فهلك العالم ومات أكثر أصحاب المستنصر وتفرق كثير منهم فراسل الأتراك من القاهرة ناصر الدولة في الصلح فاصطلحوا على أن يكون تاج الملوك شادي نائبا عن ناصر الدولة بالقاهرة ويحمل المال إليه ولا يبقى معه لأحد حكم فلما دخل تاج الملوك إلى القاهرة تغير عن القاعدة واستبد بالأموال دون ناصر الدولة ولم يرسل إليه منها شيئا فصار ناصر الدولة إلى الجيزة واستدعى إليه شادي وغيره من مقدمي الأتراك فخرجوا إليه إلا أقلهم فقبض عليهم كلهم ونهب ناحيتي مصر وأحرق كثيرا منها فسير إليه المستنصر عسكرا فكبسوه فانهزم منهم ومضى هاربا فجمع جمعا وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ومياط وكانا معه وكذلك جميع الريف وأرسل إلى الخليفة ببغداد يطلب خلعا ليخطب له بمصر واضمحل أمر المستنصر وبطل ذكره وتفرق الناس من القاهرة وأرسل ناصر إليه أيضا يطلب المال فرآه الرسول جالسا على حصير وليس حوله غير ثلاثة خدم ولم ير الرسول شيئا من آثار المملكة

فلما أدى الرسالة قال أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير فبكى الرسول وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره الخبر فأجرى له كل يوم مائة دينار

وعاد إلى لاقاهرة وحكم فيها وأذل السلطان وأصحابه وكان الذي حمله على ذلك أنه كان يظهر التسنن من بين أهله ويعيب المستنصر وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد وقبض على أم المستنصر وصادرها بخمسين ألف دينار وتفرق عن المستنصر أولاده زكثير من أهله إلى الغرب وغيره من البلاد فمات كثير منهم جوعا وانقضت سنى أربع وستين وما قبلها بالفتن زتنحط السعر سنة خمس زستين ورخصت الأسعار

وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر وفرق عنه عامة أصحابه وكان يقول لأحدهما إنني أريد أن أولئك عمل كذا فيسير إلأيع فلا يمكنه من العمل ويمنعه من العود وكان غرضه بذلك أن يخطب للخليفة القائم بأمر الله ولا يمكنه من وجودهم ففطن لفعله قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز وعلم أنه ما تم ما أراد تمكن منه ومن أصحابه فأطلع على ذلط غيره من قواد الأتراك فأتفقوا على قتل ناصر الدولة وكان أمن لقموه وعدم هدوه فتواعدوا ليلة على ذلك فلما كان سحر الليلة التي تواعدوا فيها على قتله جاؤوا إلى باب داره وهي التي تعرف بمنازل العز وهي على النيل فدخلوا من غير استئذان إلى صحن داره فخرج إليهم ناصر الدولة في رداء لأنه كان آمنا منهم فلما دنا منهم ضربوه يالسيوف فسبهم وهرب منهم يريد الحرم فلحقوه فضربوه حتى قتلوه وأخذوا رأسه ومضى رجل منهم يعرف بكوكب الدولة إلى فخر العرب أخي ناصر الدوة وكان فخر العرب كثير الإحسان إليه فقال للحاجب استأذن لي على فخر العرب وقل صنيعتك فلان على الباب

فأستأذن له فأذن له وقال بعله قد دهمه أمر فلما دخل عليه أسرع نحوه كأنه يريد السلام عليه وضربه بالسيف على كتفه فسقط إلى الأرض فقطع رأسه وأخذ سيفه وكان ذا قيمة عليه وافرة وأخذ جارية له أردفها إلى القاهرة وقتل أخوهما تاج المعالي وانقطع ذكر الحمدانية بمصر بالكلية

لفلما كان سنة ست وستين وأربعمائة ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش وقتل الدكز والوزير ابن كدينة وجماعة من المسلحية وتمكن من الدولة إلى أن مات وولي بعده ابنه الأفضل وسيرد ذكرهم إن شاء الله تعالى

ذكر عدة حوادث ص 400

في هذه السنة أقيمت الدعوة العباسية بالبيت المقدس

وفيها توفي الأمير ليث بن منصور صدقة بن الحسين الدامغان والشريف أبو غنام عبد الصمد بن علي بن محمد المأمون ببغداد وكان موته في شوال ومولده سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وكان عالي الإسناد في الحديث

وفيها في ذي الحجة توفي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن عبد اله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله المعروف بابن الغريق وكان يسمى راهب بني الهباس وهو آخر من حدث عن الدارقطني وابن شاهين وغيرهما وكان موته ببغداد

وفيها قتل ناصر الدولة أبو علي الحسين بن حمدان بمصر قتله الدكز وقد تقدم شرحة مستوفى

وفيها توفي الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري النيسابوري مصنف الرسالة وغيرها وكان إماما فقيها أصوليا مفسرا كاتبا ذا فضائل جمة له فرس قد أهدي إليه فركبه نحو عشرين سنة فلما مات الشيخ لم يأكل الفرس شيئا فعاش أسبوعا ومات

وفيها أيضا توفي علي بن الحسن بن علي بن الفضل أبو منصور الكاتب المعروف بابن صربعر وكان نظام الملك قال له أنت ابن صر لا صر بعر فبقي ذلك عليه وهو من الشعراء المجيدين وهجاه ابن البياضي فقال

( لئن نبز الناس قدما أباك % فسموه من شعره صر بعرا )

( فإنك تنظم ماصره % عقوقا له وتسمية شعرا )

وهذا ظلم من ابن البياضي فإنه كان شاعرا محسنا ومن شعراء ابن صردر قوله

( تزاورن عن أذرعات يمينا % نواشز ليس يطقن البرينا )

( كلقن بنجد كأن الرياض % أخذن لنجد عليها يمينا )

( وأقسمن يحملن الإ نحيلا % غليع ويبلغن الإ حزينا )

( فلما استمعن زفير المشوق % ونوح الحمام تركن الحنينا )

( إذا حئتما بانة الوادييين % فأخرجوا النسوع وحلوا الوضينا )

( فثم علائق من أجلهن % ملاء الدجى والضحى قد طوينا )

( وقد أبأتهم مياه الجفون % بأن بقلبك داء دفينا )

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.