ذكر الخطبة للقائم بأمر الله والسلطان بحاب
ص 386
في هذه السنة خطب محمود بن صالح بن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم بأمر الله والسلطان ألأب أرسلان
وسبب ذلك أنه رأى إقبال دولة السلطان وقتها وانتشار دعوتها فجمه أهل حلب وقال هذه دولة جديدة ومملكة شديدة ونحن تحت الخوف منهم وهم يستحلون دماءهم لأجل مذاهبكم والأي أن نقين الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل
فأجاب المشايخ ذلك ولبس المؤذنون السواد وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان فأخذت العامة حصر الجامع وقالوا هذه حصر علي بم أبي طالب فيأتي أبو بكر بحصر يصلي عليها بالناس وأرسل الخلفة إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي فلبسها ومدحه ابن سنان الخفاجي وأبو الفتيان بن حيوس وقال أبو عبد الله بن عطية يمدح القائم بأمر الله ويذكر الخطبة وحلب ومكة والمدينة
( كم طائع لك لم تجلب عليه ولم % تعرف لطاعته غير التقى سببا )
( هذا البشير بإذعان الحجاز وذا % داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا )
ذكر استيلاء السلطان ألب أرسلان على حاب
ص 386
في هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب وجعل طريقه على ديار بكر فخرج إليه صاحبها نصر بن مروان وخدمه بمائة ألف دينار وحمل إليه إقامة عرف السلطان أنه قسطها على البلاد فأمر بردها ووصل إلى آمذ فرآها ثغرا منيعا فتبرك به وجعل يمر يده على السور ويمسح بها صدره وسار إلى الرها فحصرها فلم يظفر منها بطائل فسار على حلب وقد وصلها نقيب النقباء أبو الفوارس راض بالرسالة للقائمية والخلع فقال له محمد صاحب حلب أسألك الخروج إلى السلطان واستعفاءه لي من الحضور عنده فخرج نقيب النقباء وأخبر السلطان بأنه قد لبس لبس الخلع القائمية وخطب فقال أي شيء يساوي خطبتهم وهم يؤذنون حي على خير العمل ولا بد من الحضور ودوس بساطي
فامتنع محمد من ذلك واشتد الحصار على البلد وغلت الأسعار وعظم القتال وزحف السلطان يوما وفرب من البلد فوقع حجر منجنيق في فرسه فلما عظم الأمر على محمد خرج ليلا ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري فدخلا على السلطان وقالت له هذا ولدي فافعل به ما تحب فتلقاهما بالجميل وخلع على محمد وأعاده إلى بلده فأنفذ إلى السلطان مالا جزيلا
ذكر خروج ملك الروم إلى خلاط وأسره
ص 387
في هذه السنة خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف من الروم والفرنج والغرب والروس والبجنأك والكرج وغيرهم من طوائف تلك البلاد فجاؤوا في تجمل كثير وزي عظيم وقصد بلاد الإسلام فوصل إلى ملازكرد من أعمال خرط فبلغ السلطان ألب أرسلان الخبر وهو بمدينة خوى من أذربيجان قد عاد من حلب وسمع ما فيه ملك الروم من كثرة الجموع فلم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدو فسير الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همذان وسار هو في من عنده من العساكر وهو خمسة عشر ألف فارس وجد في السير وقال له إنني أقاتل محتسبا صابرا فإن سلمت فنعمة من الله تعالى وإن كانت الشهادة ابني ملكشاه ولي عهدي
وساروا فلما قارب العدو جعل له مقدمة فصادفت مقدمته عند خلاط مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم فاقتتلوا فانزمت الروسية وأسر مقدمهم وحمل إلى السلطان فجدع ألفه وأنفذ بالسلب إلى نظام الملك وأمره أن يرسله إلى بغداد فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة فقال لا هدنة إلا بالري فانزعج السلطان لذلك فقال له إمامه وفقيقه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح يدعوني فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال بالساعة التي تكون الخطباء على المنابر فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر والدعاء مقرون بالإجابة فلما كان تلك الساعة صلى بهم وبكى السلطان فبكى الناس لبكائة ودعا ودعوا معه وقال لهم من أراد الانصراف فلينصرف فما ههنا سلطان يأمر وينهى والقا القوس والنشاب وأخذ السيف والدبوس وعقد ذنب فرسه بيده عسكره \ مثله ولبس البياض وتحنط وقال إن قتلت فهذا مفني
وزحف إلى الروم وزحفوا فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التارب وبكى وأكثر الدعاء ثم ركب وحمل وحملت إليه العساكر معه فحصل المسلمون في وسطهم وحجز الغبار بينهم فقتل المسلمون فيهم شاؤوا وأنزل الله نصره عليهم فانهزم الروم وقتل منهم ملا يحصى حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى وأسر ملك الروم أسره بعض غلمان كوهرائين فأراد قتله ولم يعرفه فقال له خادم مع الملك لا تقتله فإنه الملك وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك فرده استحقارا له فأثنى عليه كوهرائين فقال نظام الملك عسى أن يأتينا بملك الر وم أسيرا فكان كذلك فلما أسر الغلام الملك أحضرع عند كوهرائين فقصد السلطان وأخبره بأسر الملك فأمر باحضاره فلما أحضر ضربه السلطان ألب أرسلان ثلاثة مقارع بيده وقال له ألم أرسل إليك في لهدنة فأبيت فقال دعني من التوبيخ وافعل ما تريد فقال السلطان ما عزمت ما تفعل بي إن أسرت فقال أفعل القبيح قال له فما تظن أنني أفعل بك قال إما أن تقتلني وإما أن تشهرني في بلاد الإسلام والأخرى بيعدة وهي الغفو وقبول الأموال واصطناعي نائبا عنك قال ما عزمت على غير هذا ففداه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وأن يرسل إليه عساكر الروم أي وقت طلبها وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم
واستقر الأمر إلى ذلمك وأنزله في خيمة وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها فأطلق له جماعة من البطارقة وخلع عليه من الغد فقال ملك الروم أين جهة الخليفة فدل عليه فقام وكشف رأسه وأومأ إلى الأرض بالخدمة وهادنه السلطان خمسين سنة وسره إلى بلاده وسير معه عسكرا أوصلوه إلى مأمنه وشيعه السلطان فرسخا
وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف وأظهر الزهد وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان وقال إن شئت ان تفعل ما استقر إن شئت لأمسكت فأجابه ميخائيل بإيثار ما استقر وطلب وساتطه وسؤال السلطان في ذلك وجمع أرمانوس ما عنده من المال فكان مائتي ألف دينار فأرسله إلى السلطان وطبقا ذهبا عليه جواهر بتسعين ألف دينار وحلف له أنه لا يقدر على غير ذلك ثم إن أرمانوس استولى علي أعمال الأرمن وبلادهم ومدح الشعراء السلطان وذكروا هذاالفتح فأكثروا
ذكر ملك اتسز الرملة وبيت المقدس
ص 389
في هذه السنة قصد اتسز بن أوق الخوارزمي وهو من أ مراء السلطان ملكشاه بلد الشام فجمع الأتراك وسار إلى فلسطين ففتح مدينة الرملة وسار منها إلى بيت المقدس وحصره وفيه عساكر المصريين ففتحه وملك ما يجاورهما من البلاد ما عدا عسقلان وقصد دمشق فحصرها وتابعا لنهب لأعمالها حتى خربها وقطع الميرة عنها فضاق الأمر بالناس فصبروا ولم يمكنوه من ملك البلد فعاد عنه وأدام قصد أعماله وتخريبها حتى قلت الأقوات عندهم
ذكر عدة حوادث
ص 389
في هذه السنة توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفواراني الفقيه الشافعي مصنف كتاب الإبانة وغيرها
وفي هذه السنة في ذي الحجة توفي الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب التاريخ والمصنفات الكثيرة ببغداد وكان إمام الدنيا في زمانه وممن حمل جنازته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي
وتوفي ايضا فيها في شهر رمضان أبو يعلا محمد بن الحسين بن حمزة الجعفري فقيه الإمامية وحسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن عبد الله المنيعي المخزومي من أهل مرو الروذ كان كثير الصدقة و المعروف والعبادة والقنوع بالقليل من القوت والإعراض عن زينة الدنيا وبهجتها وكان السلاطين يزورونه ويتبركون به وأكثر من بناء المساجد والخانقات والقناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين وتوفيت أيضا كريمة بنت أحمد بن محمد المرزوية وهي التني تروي صحيح البخاري توفيت بمكة وإليها انتهى علو الإسناد للصحيح إلى أن جاء أبو الوقت
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.