في هذه السنة أقبل ملك الروم من القسطنطينة في عسكر كثيف إلى الشام ونزل على مدينة منبج ونهبها وقتا أهلها وهزم محمود بن صالح بن مرداس وبني كلاب وابن حسان الطائي ومن معهما من جموع العرب ثم إن ملك الروم ارتحل وعاد إلى بلاده ولم يمكنه المقام لشدة الجوع
وفيها سار أمير الجيوش بدر من مصر في عساكر كثيرة إلى مدينة صور وحصرها وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل فلما حصره وأرسل القاضي إلى الأمير قرلوا مقدم الأتراك المقيمين بالشام يستنجده فسار في اثني عشر الف فارس فحصر مدينة صيدا وهي لأمير الجيوش بدر فرحل حينئذ بدر فعاد الأتراك فعاودوا بدر حصر صور برا وبحرا سنة وضيق على أهلها حتى أكلوا الخبز كل رطل بنصف دينار ولم يبلغ غرضه فرحل عنها
وفيها سارت دار ضرب الدنانير ببغداد في يد وكلاء الخليفة وسبب ذلك أن البهرد كثر في أيدي الناس على السكك السلطانية وضرب اسم ولي العهد على الدينار وسمي الأميري ومنع من التعامل بسواه
وفيها ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم ومعه ولده إلى السلطان ألب أرسلان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله وللسلطان بمكة وإسقاط خطبة العلوي صاحب مصر وترك الأذان على خير العامل فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة وأجرى له كل سنة عشرة آلاف دينار
وقال إذا فعل أمير المدينة مهنا كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار وكل سنة خمسة آلاف دينار
وفيها تزوج عميد الدول بن جهير بابنة نظام الملك لالري وعاد إلى بغداد
وفيها في شهر رمضان توفي تاج الملوك هزارسب بن بكير بن عياظ بأصبهان وهو عائد من عند السلطان إلى خوزستان وكان قد علا أمره وتزوج بأخت السلطان وبغى على نور الدولة دبيس بن مزيد وأغرى السلطان به ليأخذ بلاده فلما نمات سار دبيس إلى السلطان ومعه شرف الدولة مسلم صاحب الموصل فخرج نظام الملك فلقيهما وتزوج شرف الدولة بأخت السلطان التي كانت امرأة هزارسب وعاد إلى بلادهما من همذان
وفيها كان بمصر غلاء شديد ومجاعة عظيمة حتى أكل الناس بعضهم بعضا وفارقوا الديار المصرية فورد بغداد منهم خلق كثير هربا من الجوع وورد التجار ومعهم ثياب صاحب مصر وآلات نهبت من الجوع وكان فيها أشياء كثيرة نهبت من دار الخلافة وقت القبض على الطائع لله سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ومما نهب أيضا في فتنة البساسيري وخرج من خزانتهم ثمانون ألف قطعة بلور كبار وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم وأحد عشر ألف كزاغند وعشرون ألأف سيف محلي وقال ابن الفضل يمدح القائم بأمر الله ويذكر الحال بقصيدة فيها
( قد علم المصري أن جنوده % سنو يوسف منها وطاعون عمواس )
( وقامت به حتى استراب بنفسه % وأوجس منه خيفة أي إيجاس )
في أبيات
وفيها توفي أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الواسطي كان أدبيا شاعرا حسن القول فمن قوله
( واحسرتي من قولها % خان عهودي ولها )
( وحق من صيرني % وقفا عليها ولها )
( ما خطرت بخاطري % إلا كستني ولها )
وتوفي محمد بن أحمد أبو غالب بن بشران الواسطي الأديب وانتهت الرحلة إليه في الأدب وله شعر فمنه الزهد
( يا شائدا للقصور كهلا % أقصر فقصر الفتى الممات )
( لم يجتمع شملا أهل قصر % إلا قصاراهم الشتات )
( وإنما العيش مثل ظل % متنقل ما له ثبات )
وفيها توفي القاضي أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن حزم قاضي دمشق وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي العجائز الخطيب بدمشق
