ذكر وزارة ابن دارست للخليفة
ص 353
لما عاد الخليفة إلى بغداد استخدم أبا تراب الأثيري في الإنهاء وحضور المواكب ولقبه حاجب الحجاب وكان قد خدمه بالحديثة وقرب منه فخاطب الشيخ أبو منصور بن يوسف في وزارة أبي الفتح منصور بن أحمد بن دارست وقال إنه يخدم بغير إقطاع ويحمل مالا فأجيب إلى ذلك فأحضر من الأهواز إلى بغداد وخلع عليه خلعه الوزارة منتصف ربيع الآخر وجلس في منصبه ومدحه الشعراء فممن مدحه أبو الحسن الخباز بقصيدة منها
( أمن الملك بالأمين أبي الفتح % وصدت عن الصفوة الأقذاء )
( دولة أصبحت وأنت ولي الرأي % فيها لدولة غراء )
وهي طويلة
وكان ابن دارست في أول أمره تاجرا للملك أبي كاليجار
ذكر موت المعز بن باديس وولاية ابنه تميم
ص 353
في هذه السنة توفي المعز بن باديس صاحب إفريقية من مرض أصابه وهو ضعف الكبد وكانت مدة ملكه سبعا وأربعين سنة وكان عمره لما ملك إحدى عشرة سنة وقيل ثمان سنين وستة أشهر وكان رقيق القلب خاشعا متجنبا لسفك الدماء الإ في حد حليما يتجاوز عن الذنوب العظان حسن الصحبة مع عبيدة وأصحابه مكرما لأهل العلم كثير العطاء لهم كريما وهب مرة مائة ألف دينار للمستنصر الزناتي وكان عنده وقد جاءه هذا المال فاستكثره فأمر به فأفرغ بين يديه ثم وهبه له فقيل له لم أمرت فإخراجه من أوعيته قال لئلا يقال لو رآه ما سمحت نفسه به
وكان شعر حسن ولما مات رثاه الشعراء فمنهم أبو الحسن بن رشيق فقال
( لكل حي وإن طال المدى % لا عز مملكه يبقى ولا ملك )
( ولى المعز على أ قابه فرما % أو كاد ينهد من أركانه الفلك )
( مضى فقيدا وأبقى في خزائنه % هام الملوك وما أدراك ما ملكوا )
( ما كان الإ حساما سله قدر % على الذين بغوا في الأرض وانهمكوا )
( كأنه لم يخض للموت بحر وغى % خضر البحار إذا قيست به برك )
( ولم يجد بقناطير مقنطرة % قد أرعيت باسمه إيريزها السكك )
( روح المعز وروح الشمس قد قبضا % فانظر بأي ضياء يصعد الفلك )
ولما توفي ملك بعده ابنه تميم وكان مولد تميم بالمنصورية التي مقره منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وولاه المهدية في صفر سنة خمس وأربعين فأقام بها إلى أن وافاه أبوه المعز لما انتزح عن القيروان من العرب وقام بخدمة أبيه وأظهر من طاعته وبره ما بان به كذب ما كان ينسب إليه ولما استبد بالملك بعد أبيه سلك طريقه في حسن السيرة ومحبة أهل العلم إلا أنه كان أصحاب البلاد قد طمعوا بسبب العرب وزالت الهيبة والطاعة عنهم في أيام المعز فلما مات ازداد طمعهم وأظهر كثير منهم الخلاف فمن أظهر الخلاف القائد حمو بن مليك صاحب سفاقس واستعان بالعرب وقصد المهدية ليحاصرها فخرج إليه تميم وصافه فاقتتلوا فانهزم حمو وأصحابه وكثر القتل فيهم ومضى حمد ونجا بنفسه وتفرقت خيلة ورجاله وكان ذلك سنة خمس وخمسين وسار تميم إلى سوسة وكان أهلها قد خالفوا باه المعز وعصوا عليه فملكها وعفا عن أهلها
ذكر وفاة فريش صاحب الموصل وإمارة ابنه شرف الدولة
ص 354
في هذه السنة توفي قريش بن بدران صاحب الموصل ونصيبين أصابه خروج الدوم من فيه وأنفه وعينينه وأذنيه فحمله ابنه شرف الدولة إلى نصيبين حتى حفظ خزرانته بها وتوفي هناك وسمع فخر الدولة أبو نصر محمد بن جهير حاله فسار من دارا إلى نصيبين وجمع بني عقيل على أن يؤمروا ابنه أبا المكارم مسلم بن قريش عليهم وكان القائم يأمر جابر بن ناشب فزوجه فخر الدولة بأخت مسلم وزوج مسلما بابنه نصر بن منصور
ذكر وفاة نصر الدولة بن مروان
ص 355
في هذه السنة توفي نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر ولقبه القادر بالله نصر الدولة وكان عمره نيفا وثمانين سنة وإمارته اثنتين وخمسيم سنة استولة على الأمور ببلاده استيلاء تاما وعمر الثغور وضبطها وتنعم تنعما لم يسمع بمثله عن أحد من أهل ومانه وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهن يخمسة آلاف دينار وأكثر من ذلك وملك خمسمائة سرية سوى توابعهن وخمسمائة خادم وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار وتزوج من بنات الملوك جملة وأرسل طباخين إلى الديار المصرية وغرم على إرسالهم جنلة وافرة حتى تعلموا الطبخ من هناك وأرسل السلطان طغرلبك هدايا عظيمة من جملتها الحبل الياقوت لذي كان لبني بويه اشتراه من الملك العزيز أبي منصور بن جلال الدولة وأرسل معه مائة ألف دينار سوى ذلك ووزر له أبو القاسم بن المغربي وفخر الدولة بن جهير ورخصت الأسعار في أيامه وتظاهر الناس بالأموال ووفد إليه الشعراء وأقام عنده العلماء والزهاد وبلغه أن الطيور فيالشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد فأمر أن يطرح لها الحب من الأهراء التي له فكانت في ضيافته طول عمره ولما مات اتفق وزيره فخر الدولة بن جهير وابنه نصر فرتب نصرا في الملك بعد أبيه وجرى بينه وبين أخيه سعيد حروب شديدة كان الظفر في آخرها لنصر فاستقر في اإمارة بميافارقين وغيرها وملك أخوه سعد آمد
ذكر عدة حوادث
ص 355
في رجب خلع على الكامل أبي الفوراس طراد بن محمد الزينبي وقلد نقابة النقباء ولقب الكامل ذا لشرفين
وفيها تولى شمس الدين أسامة بن أبي عبد الله بن علي نقابة العلويين ببغداد ولقب المرتضى
وفيها في جمادى الأولى انكسفت الشمس جميعها فظهرت الكواكب وأظلمت الدنيا وسقطت الطيور الطائرة وفيها في شهر رمضان توفي شكر العلوي الحسيني أمير مكة وله شعر حسن فمنه
( قوض خيامك عن أرض تضام بها % وجانب الذل إن الذل مجتنب )
( وارحل إذا كان في الأوطان منقصة % فالمندل الرطب في أوطانه حطب )
وفيها توفي أبو القاسم علي بن محمد ين يحيى الشمشاطي بدمشق وكان عالما بالهندشة واليراضيات من علوم الفلاسفة وإليه ينسب الرباط الذي عند جامع دمشق
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.