في هذه السنة في المحرم جلس أمير المؤمنين القائم بأمر الله جلوسا عاما وحضر عميد الملك الكندري وزير طغرلبك وجماعة من الأمراء منهم أبو علي بن الملك أبي كاليجار وهزارسب بن بنكير بن عياض الكردي وابن أبي الشوك وغيرهم من الأمراء الأتراك من عسكر طغرلبك وقام عميد الملك وزير طغرلبك وبيده دبوس ثم خطب رئيس الرؤساء وعقد العقد على أرسلان خاتون واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك وقبل الخليفة بنفسه النكاح وحضر العقد نقيب النقباء أبو علي بن أبي تمام وعدنان بن الشريف الرضي نقيب العلويين وأقضى القضاة الماوردي وغيرهم وأهدية خاتون إلى الخليفة في هذه السنة أيضا في شعبان وكانت والدة الخليفة قد سارت ليلا وتسلمتها وأحضرتها إلى الدار
ثم دخلت سنة ثمان وأريعين وأربعمائة
في هذه السنة وقعت الحرب بين عبيد المعز المقيمين بالمهدية وعبيد ابنه تميم بسب منازعة أدت إلى المقاتلة وقامت عامة زويلة وسائر من بها من رجال الأسطول مع عبيد تميم فأخرجوا عبيد المعز وقتل منهم كثير ومضى الباقون منهم يريدون المسير إلى القيروان فوضع عيهم تميم العرب فقتلوا منهم جمعا غفيرا وهذه النوبة هي سبب قتل تميم من قتل من عبيد أبيه لما ملك
في هذه السنة كان ابتداء أمر الملثمين وهم عدة قبائل ينسبون إلى حمير أشهرها لمتونة زمها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تشفين وجدالة ولمطة
وكان أول مسيرهم من اليمن أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه فسيرهم إلى الشام وانتقلوا إلى مصر ودخلوا المغرب مع موسى بن نصير وتوجهوا مع طارق غللا طنجة فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنونها إلى هذه الغاية فلما كان هذه السنة توجه رجل منهم اسمه الجوهر من قبيلة جدالة إلى إفريقية طالبا للحج وكان محبا للدين وأهله فمر بفقيه بالقيروان وعنده جماعة يتفقهون قيلة هو أبو عمران الفارسي في غالب الظن فاصغى الجوهر غليع وأعجبهم حالهم فلمل انصرف من الحج قال للفقيه ما عندنا في الصحراء من هذه شيء غير الشهادتين والصلاة في بعض الخاصة فابعث معي من يعلمهم شرائع الإسلام فأرسل معه رجى اسمه عبد الله بن ياسين الكزولي وكان فقيها صالحا شهما فسار معه حتى أتيا قبيلة لمتونة فنزل الجوهر عن جمله وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين تعظيما لشريعة الإسلام فأقبلوا إلى الجوهر يهنؤنه بالسلامة وسألوه عن الفقيه فقال هذا حامل سنة رسول الله قد جاء يعلمكم ما يلزم في دين الإسلام فرحبوا بهما وأنزلوهما وقالوا تذكر لنا شريعة الإسلام فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه فقالوا أما ما ذكرت من الصلاة والزكاة فهو قريب وأما قولك من قتل يقتل ومن سرق يقطع ومن زنا يجلد أو يرجم فأمر لا نلتزمه اذهب إلى غيرنا فرحلا عنهم نظر إليهما شيخ كبير فقال لا بد وأن يكون لهدذا الجمل في هذه الصحراء شأن يذكر في العتالم فانتهى الجوهر والفقيه إلى جدالة قبيل الجوهر فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذيم يجاورونهم إلى حكم الشريعة فمنهم من أطاع ومنهم من أعرض وعصى
ثم إن المخالفين لهم تجيزوا وتجمعوا فقال ابن ياسين للذيم أطاعوا قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خافوا الحق وأنكروا شرائع الإسلام واستعدوا لقتالهم فأقيموا لك راية وقدموا عليكم أميرا
فقال له الجوهر أنت الأمير
فقال لا إنما أنا حامل أمام الشريعة ولكن أنت الأمير
فقال الجور لو فعلت هذا تسلط قبيلي على الناس ويقول وزر ذلك علي فقال له ابن ياسين الرأي أن نولي ذلك أبا بكر بن عمر رأس لمتونة وكبيرها وهو رجل سيد مشكور الطريقة مطاع في قومه فهو يستجيب لنا لحب الرياسة وتتبعه قبيلة فنتقوى بهم
فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا ذلك عليه فأجاب فعقدوا له البيعة وسماه ابن ياسين أمير المسلمين وعادوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من حسن إسلامه وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد في سبيل اللله وسماهم مرابطين وتجمع عليهم من خالفهم فلم يقاتلهم المرابطون بل استعان ابن ياسين وأبو بكر بن عمر على ألئك الأشرار بالمصلحين بن قبائلهم فاستمالوهم وقربوهم حتى حصلوا منهم نحو ألفي رجل من أهل البغي والفساد فتركوهم في مكان وخندقوا عليهم وحفظوهم ثم أخرجوهم قوما بعد قوم فقتلوهم فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء وهابوهم فقويت شوكة المرابطين هذا وعبد الله بن ياسين مشتغل بالعم وقد صار عنده منهم جماعة يتفقهون ولما استبد بالأمر هو وأبو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالي وبقي لا حكم له تداخله الحسد وشرع سر في فساد الأمر فعلم بذلك منه وعقد له مجلس وثبت عليه ما نقل عنه فحكم ما عليع بالقتل لأنه نكس البيعة وشق تالعصا وأراد محاربة أهل الحق فقتل بعد أن صلى ركعتين وأظهر السرور بالقتل طلبا للقاء الله تعالى فاجتمعت القبائل على طاعتهم ومن خالفهم قتلوه
فلما كان سنة خمسين وأربعة قحطت بلادهم فأمر ابن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوق الزكاة فخرج منهم نحو تسعمائة رجل فقدموا سجلماسة وطلبوا الزكاة فجمعوا لهم شيئا له قدر وعادوا ثم إن الصحراء ضاقت عليهم وأرادوا إظهار كلمة الحق والعبور إلى الأندلس ليجاهدوا الكفار فخرجوا إلى السوس الأقصى فجمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فانهزم اللمرابطون وقتل عبد الله بن ياسين الفقيه فعاد أبو بكر بن عمر فجمع جيشا وخرج إلى السوس في ألأفي راكب فاجتمع من بلاد السوس وزناتة اثنى عشر ألف فارس فأرسل إليهم وقال افتحوا لنا الطريق لنجوز إلى الأندلس ونجاهد أعداء الإسلام فأبوا من ذلك فصلى أبو بكر ودعا الله تعالى وقال اللخم إن كنا على الحق فانصرنا وإلا فأرحنا من هذه الدنيا ثم قاتلهم وضدق هو وأصحابه القتال فنصرهم اله تعالى وهزم أهل السوس ومن معهم وأكثر القتل فيهم وغنم المرابطون أموالهم وأسلابهم وقوية نفسه ونفوس أصحابه وساروا إلى سجلماستة فنزلوا عليها وطلوا من أهلها الزكاة فامتنعوا عليهم وسار إليهم صاحب سجلماسة فقاتلهم وقتلوا ودخلوا سجلماسة واستولوا عليها وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة
لما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني وه ومن بني عمه الأقربين ورجع إلى الصحراء فأحسن يوسف السيرة في الرعية ولم يأخذ منهم سوى الزكاة فأقام بالصحراء مدة ثم عاد أبو بكر بن عمر إلى سجلماسة فاقام بها سنة والخطبة والأمر والنهي له واستخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر وجهر مع يوسف بن تاشفين جيشا من الماربطين إلى السوس ففتح على يديه وكان يوسف رجى دينا خيرا حاوزما داهية مجربا وبقوا كذلك إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة
وتوفي أبو بكر بن عمر بالصحراء فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين وملكوه عليهم ولقبوه أمير المسلمين وكانت الدولة في بلاد الغرب لزناتة الذين ثاورا في أيام الفتن وهي دولة ردية مذمومة سيئة السيرة لا سياسة ولا ديانة
وكان أمير المسلمين وطائفته على نهج السنة واتباع الشريعة فاتسغاث به أهل المغرب فسار إليها واففتحها حصنا حصنا وبلد بلدا بأيسر سعي فأحبه الرعايا وصلحت أحوالهم ثم إنه قصد موضع مدينة مراكش وهو قاع صفصف لا عمارة فيه وهو موضع متوسط في بلاد المغرب كالقيروان في إفريقية ومراكش تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب كالقيروان في إفريقة ومراكش ليقوى على قمع أهل تلك الجبال اهنموا بفتنة واتخذها مقر فلم يتحرك أحد بفتنة وملك البلاد المتصلة بالمجاز مثل سبتة وطنجة وسلا وغيرها وكثرة عساكره وخرجت جماعة قبيلة لمتونة وغيرهم وضيقوا حيئنذ لثامهم وكان قبل أن يملكوا يتلثمون في الصحراء من الحر والبرد كما يفعل العرب
والغالب على الوانهم السمرة فلما ملكوا البلاد ضيقوا اللثام وقيل كان سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيتهم ولم يكن بها إلى المشايخ والصبيان والنساء فلما تحقق المشايخ أنه العدو وأمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن ويلبسن السلاح ففعلنا ذلك وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء في البيوت فلما أشرف العدو رأى جمع العدو فظنه رجالا فقال هؤلا عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت والرأي أن سوق النعم ونمضي فإن أتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم فبينما هم في جمع النعم عن المراعي إذا قد أقبل رجال الحي فبقي العدو بينهم وبين النساء فقتلوا من العدو فأكثروا وكان من قتل النساء أكثر فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب فلا يزيلونه ليلا ولا نهارا ومما قيل في اللثام
( قوم لهم درك العلا في حمير % وإن انتموا صنهاجة فهم هم )
( لما حووا إحراز كل فضيلة % غلب الحياء عليهم فتلثموا )
ونذكر باقي أخبار أمير المسلمين في مواضعها إن شاء الله تعالى
في هذه السنة بيض علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبان بواسط وخطب فيها للعلويين المصريين
وكان سبب ذلك أن رئيس الرءساء سعى له في النظر على واسط وأعمالها فأجيب إلى ذلك فانحدر إليها فصار عنده جماعة من أ يانها وجند جماعة عظيمة وتقوى بالبطائحيين وحفر على الجانب الغربي من واسط خندقا وبنى عليه سورا وأخذ ضريبة من سفن أصعدت للخليفة فسير لحربه عميد العارق أبو نصر فاقتتلوا فانهزم ابن المحلبان وأسر من أصحابه عدد كثير ووصل أبو نصر إلى السور فقاتله العامة من على السور ثم تسلم البلد وأمر أهله بطم الخندق وتخريب السور ثم أصعد إلى بغداد فلما قاربها عاد إليها ابن غسانجس ونهب قرية عبد الله وقتل كل أعمى رآه بواسط وأعاد خطبة المصريين وأمر أهل كل محلة بعمارة ما يليهم من السور ومضى منصور بن الحسين إلى المدار وأرسل إلى بغداد يطلب المدد فكتب إليه عميد العراق ورئيس الرؤساء يأمكرانه أن يقصد واسطا هو ابن الهيثم وأن يحاصرانها فأقبلا إليها فيمن معهما وحصروها في الماء والبر وكان هذا الحصار سنة تسع وأربعين فاشتد فيها الغلاء حتى بيع التمر والخبز وكروش البقر كل خمسة أرطال بدينار وإذا وجد الخبازي باعوه كل عشرين رطلا بدينار ثم صعفوا وضجروا من الحصار فخرج ابن فسانجس ليقاتل فلم يثبت وقتل جماعة من أصحتابه وانهزموا إلى سمر البلد واستأمن جماعة من الواسطيين إلى منصور بن الحسين وفارق ابن فسانجس واسطا ومضر إلى قصر ابن أخضر وسار إليه طائفة منم العسكر فأدركوزه بقرب النيل فأسر هو وأهله وحمل إلى بغداد فدخلها في صفر سنة تسع وأريعين وشهر على جمل وعليه قميص أحمر وعلى رأسه طرطور بودع وصلب وهو جد هؤلاء الملوك أولاد قلج أرسلان ومعه أيضا سهم الدولة أبو الفتح بن عمرو وكانت الحرب عند سنجار فاقتتلوا واشتد القتال بينهم فانهزم قريش وقتلمش وقتل من أصحابهما الكثير ولقي قتلمش من أهل سنجار العنت وبالغوا في أذاه وأذى أصحاب وجرح قريش بن بدران وأتى إلى نور الدولة جريحا فأعطاه خلعة كانت قد نفذت من مصر فلبسها وصار في جملتهم وساروا إلى الموصل وخطبوا لخليفة مصر بها وهو المستنصر بالله وكانوا قد كاتبوا الخليفة المصري بكاعتهم فأرسل إليهم الخلع من مصر للبساسيري ولنور الدولة دبيس بن مزيد ولجابر بن ناشب ولمقبل بن بدران أخي قريش ولأبي الفتح بن ورام ونصير بن عمر وأبي الحسن بن عبد الرحيم ومحمد بن حماد ونضاق إليهم قريش بن بدران
لما طال مقام السلطان طغرلبك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره وضاقت عليهم مساكنهم فإن العساكر نزلوا فيها وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا منهم كل محظور أمر الخليفة القائم بأمر الله وزيره رئيس الرؤساء أن يكتب إلى عميد الملك الكندري وزير السلطان ظغرلبك يستحضره فإذا حضر قال له عن الخليفة ليعرف السلطان ما الناس فيه من الجور والظلم ويعظه ويذكره فإن أزال ذلك وفعل ما أمر الله به وإلا فيساعد الخليفة على الانتزاح عن بغدد ليبعد عن المنكرات فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري ليستدعيع فحضره فأبلغه ما أمر به الخليفة وخرج توقيع من الخليفة إلى السلطان فيه مواعظ فمضى إلى الساطان وعرفه الحال فاعتذر بكثرة العساكر وعجزه عن تهذيبهم وضبطهم وأمر عميد الملم أن يبكر بالجواب إلى رئيس الرؤساء ويعتذر بما ذكره فلما كان تلك الليلة رأى سلطان في منامه النبي عند الكعبة زكأنه يسلم على النبي وهو معرض عنه لم يلتفت إليه وقال له يحكمك الله في بلاده وعباده فر تراقبه فيهم ولا تستحي من جلاله عز وجل في سوء معاملتهم وتغتر بإمهاله عند الجور عليهم
فاستيقظ فزعا وأحضر عميد الملك وحدثه ما رأى وأرسله إلى الخليفة يعرفه أنه يقابل ما رسم به بالسمع والطاعة وأخرج الجند من دور العامة وأمر أن يظهر من مكان مختفيا وأزال التوكيل عمن كان وكل به فبينما هو على ذلك وقد عزم على الرحيل عن بغداد للتخفيف عن أهلها وهو يتردد فيه إذ أتاه الخبر بهذه الوقعة المتقدمة فتجهز وسار وسار عن بغداد عاشر ذي القعدة ومعه خزائن السلاح والمنجنيقات وكان مقامع بغداد ثلاثة عشر شهرا وأياما لم يلقى الخليفة فيها فلما بلغوا أوانا نهبها العسكر ونهبوا عكبرا وغيرهما ووصل إلى تكريت فحصرها وبها صاحبها نصر بن علي بن خميس فنصب على اللعى على من أسود وبذل مالا فقبله السلطان ورحل عنه إلى البوازيج ينتظر جميع العساكر ليسير إلى الموصل فلما رحل عن تكريت توفي صاحبها وكانت أمه أميرة بنت غريب بن مقن فخافت أن يملك البلد أخوه أبو الغشام فقتلته وسارت إلى الموصل فنزلت على دبيس بن مزيد فتزوجها قريش بن بدران ولما رحلت عن تكريت استخلفت بها أبا الغنائم بن المحليان فراسل الرؤساء واستطعفه فصلح ما بينهما وسلم تكريت إلى السلطان ورحل إلى بغداد
وأقام السلطان بالبوازيج إلى أن دخلت سنة تسع وأربعين فأتاه أخوه ياقوتي في العساكر فسار بهم إلى الموصل وأقطع مدينة بلد لهزارسب بن بنكير فأجفل أهل البلاد إلى بلد فأراد العسكر نهبهم فمنعهم السلطان وقال لا يجور أن تعرضوا إلى بلد هزارسب فلجوا وقالوا نريد الإقامة فقال السلطان لهزارسب إن هؤلاء قد احتجوا بالإقامى فأخرج أهل البلد إلى معسكرم لتحفظ نفوسهم
ففعل ذلك وأخرجهم إليهم فصار البلد بعد ساعة قفرم وفرق فيهم هزارسب مالا وأركب من يعجز عن المشي وسيرهم إلى الموصل ليأمنوا وتوجه السلطان إلى نصيبيين فقال له هزارسب قد تمادت الأيام ورأي أن أختار من العسكر ألف فارس أسير بهم إلى البرية فلعلي أنال من العرب غرضا
فأذن له في ذلك فسار إليهم فلما قاربهم كمن لهم كمينين وتقدم إلى الحلل فلما رأوه قاتلوه فصبر لهم ساعة ثم انزاح بين أيديهم كالمنهزم فتبعوه فخرج الكمينان فانهزمت العرب وكثر فيهم القتل والأسر وكان قد انضاف إليهم جماعة من بني نمير أصحاب حرام والرقة وتلك الأعمال زحمل الأسرى إلى السلطان فلما أحضروا بين يديه قال لهم هل وطئت لكم أرضا وأخذت لكم بلدا قالوا لا قال فلم أتيتم لحربي وأحضر الفيل فقتلهم إلإ صبيا أمرد فلما امتنع الفيل عن قتله عفا عنه السلطان
لما ظفر هزارسب بالعرب وعاد إلى السلطان طفرلبك أرسل إلى نور الدولة وقريش يسألانه أن يتوسط حالهما عند السلطان ويصلح أمرهما معه فسعى في ذلك واستعطف السلطان عليهما فقال أما هما فقد عفوت عنهما وأما البساسيري فذنبه إلى الخليفة ونحن متبعون امر الخليفة فيه فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة وتبعه الأتراك البغداديون ومقبل بن المقلد وجماعة من عقيل وطلب بديس وقريش أن يرسل طفرلبك إليهما أبا القتح بن ورام فأرسله فعاد من عندهما وأخبر بطاعتما وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ليحلفهما فأمره السلطان بالمضي إليهما فسار واجتمع بهما وأشار عليهما بالحضور عند السلطان فخافا وامتنعا فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن جعفر وأنفذ دبيس ابنه بهاء الدولة منصورا فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب لهما بأعمالهما وكان لقريش نهر الملك وبادوريا والأنبار وهيت ودوجيل ونهر بيطر وعكبرا وأوانا وتكريب والموصل ونصيبين وأعاد الرسل لى أصحابهم
لما فرغ طغرلبك من العرب سار إلى ديار بكر التي هي لابن مروان ومكان بان مروان يرسل إليه كل يوم الهدايا والملح فسار السلطان إلى جزيرة ابن عمر فحصرها وهي لابن مروان فأرسل إليه ابن مروان يبذل مالا يصلح حاله به ويذكر له ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين وما يعانيه من حهاد الكفار ولما كان السلطان يحاصر الجزيرة سار جماعة من الجيش إلى عمراكمن وفيه أربعمائة راهب فذبحوا منهم مائة وعشرين راهبا
وافتدى الباقون انفسهم بستتة مكاكيك ذهبا وفضة ووصل إبراهيم ينال أخو السلطان إليه فلقيه الأمراء والناس كلهم وحملوا إليه الهدايا وقال لعميد الملك الوزير من هؤلاء العرب حتى تجعلهم نظراء السلطان وتصلح بينهم فقال مع حضورك بكون ما تريد فأنت نائب السلطان
ولما وصل إبراهيم ينال أرسل هزارسب إلى نور الدولة بن مزيد وقريش يعرفهما وصوله ويحذرهما منه فسار من جيل سنجار إلى الرحبة فلم يلتفت البساسيري إليهما فانحر نور الدولة إلى بلد في العراق وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة ومعه ابنه مسلم بن قريش وشكى قتلمش ابن عم السلطان إليه ما لقي من أهل شجار في العام الماضي لما انهزم وأنهم قتلوا رجالا فسير العساكر إليهم فأحاطت بهم وصعد أهلها على السور وسبوا وأخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلانسهم وتركوها على رؤوس القصب ففتحها السلطان عنوة وقتل أميرها مجى بن مرجا وخلقا كثيرا من رجالها وسبى نسائهم وخربت وسأل إبراهيم ينال في الباقين فتركهم فسلمها هي والموصل والبلاد إلى إبراهيم ينال ونادى في عسكره من تعرض لنهب صلبته فكفوا عنهم وعاد السلطان إلى بغداد على ما نذكره وكان ينبغي أن نذكر هذه الحادثة سنة تسع وأربعين وإنما ذكرناها هذه السنة لأن الابتداء بها كان فيها فاتبعنا بعضها بعضا وذكرنا أنها كانت سنة تسع وأربعين
في هذه السنة انقطعت الطرق عن العراق لخوف النهب فغلت الأسعار وكثر الغلاء وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء وأكل الناس الميتتة ولحقهم وباء عظيم فكثر الموت حتى دفن بغير غسل ولا تكفين فبيع رطل لحم بقيراط وأربع دجاجات بدينار ورطلان شرابا بدينار وسفرجلة بدينار ورمانة بدينار وكل شيء بدينار
وكان بمصر أيضا وباء شديد فكان يموت في اليوم ألف نفس ثم عم ذلك سائر البلاد والشام والجزيرة و الموصل والحجاز واليمن وغيرها
وفيها في جمادى الأولى ولدت جارية ذخيرة الدين بن الخليفة الذي ذكرنا وفاته قبل ولدا ذكرا سمي عبد الله وكني أبا القاسم وهو المقتدي
وفيها في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر في السماء ذؤابة بيضاء طولها نحو عشرة أذره في رأي العين وعرضها ذراع إلى نصف رجب واضمحلت وفيها أمر الخليفة بأن بالكرخ والمشهد وغيرها الصلاة خير من النوم وأن يتركوا حي على خير العمل ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوتها $ وفيها توفي علي بن أحمد بن علي أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي من أهل مدينة فالة بالقرب من أيذج روى الحديث والأدب وله شعر حسن فمنه قوله
( تصدر للتدريس كل مهوس % بليد تسمى بالفقيد المدرس )
( فحق لأهل العلم أن يتمثلوا % بيت قديم شاع في كل مجلس )
( لقد هزلت حتى بدا من هزالها % كلاها وحتى سامها كل مفلس )
وفي هذه السنة توفي محمد بن الحسين بن محمد بن سعدون أبو طاهر البزاز الموصلي ولد بالموصل ونشأ ببغداد وروى عن ابن حبابة والدار قطني وابن بطة وغيرهم وكان موته بمصر
وفيها توفي أميرك الكاتب البيهقي في شوال وكان من رجال الدين ومحمد بن عبد الواحد بن عمر بن الميمون الدارمي الفقيه الشافعي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
