الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الثامن / ثم دخلت سنة ثمان وأريعين وأربعمائة
59

ثم دخلت سنة ثمان وأريعين وأربعمائة

الجزء الثامن 9 عنصر صفحة 326
ذكر نكاح الخيلفة ابنة داود أخي طغرلبك ص 326

في هذه السنة في المحرم جلس أمير المؤمنين القائم بأمر الله جلوسا عاما وحضر عميد الملك الكندري وزير طغرلبك وجماعة من الأمراء منهم أبو علي بن الملك أبي كاليجار وهزارسب بن بنكير بن عياض الكردي وابن أبي الشوك وغيرهم من الأمراء الأتراك من عسكر طغرلبك وقام عميد الملك وزير طغرلبك وبيده دبوس ثم خطب رئيس الرؤساء وعقد العقد على أرسلان خاتون واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك وقبل الخليفة بنفسه النكاح وحضر العقد نقيب النقباء أبو علي بن أبي تمام وعدنان بن الشريف الرضي نقيب العلويين وأقضى القضاة الماوردي وغيرهم وأهدية خاتون إلى الخليفة في هذه السنة أيضا في شعبان وكانت والدة الخليفة قد سارت ليلا وتسلمتها وأحضرتها إلى الدار

ذكر الحرب بين عبيد المعز بن باديس وعبيد ابنه تميم ص 326

في هذه السنة وقعت الحرب بين عبيد المعز المقيمين بالمهدية وعبيد ابنه تميم بسب منازعة أدت إلى المقاتلة وقامت عامة زويلة وسائر من بها من رجال الأسطول مع عبيد تميم فأخرجوا عبيد المعز وقتل منهم كثير ومضى الباقون منهم يريدون المسير إلى القيروان فوضع عيهم تميم العرب فقتلوا منهم جمعا غفيرا وهذه النوبة هي سبب قتل تميم من قتل من عبيد أبيه لما ملك

ذكر ابتداء الدولة الملثمين ص 326

في هذه السنة كان ابتداء أمر الملثمين وهم عدة قبائل ينسبون إلى حمير أشهرها لمتونة زمها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تشفين وجدالة ولمطة

وكان أول مسيرهم من اليمن أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه فسيرهم إلى الشام وانتقلوا إلى مصر ودخلوا المغرب مع موسى بن نصير وتوجهوا مع طارق غللا طنجة فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنونها إلى هذه الغاية فلما كان هذه السنة توجه رجل منهم اسمه الجوهر من قبيلة جدالة إلى إفريقية طالبا للحج وكان محبا للدين وأهله فمر بفقيه بالقيروان وعنده جماعة يتفقهون قيلة هو أبو عمران الفارسي في غالب الظن فاصغى الجوهر غليع وأعجبهم حالهم فلمل انصرف من الحج قال للفقيه ما عندنا في الصحراء من هذه شيء غير الشهادتين والصلاة في بعض الخاصة فابعث معي من يعلمهم شرائع الإسلام فأرسل معه رجى اسمه عبد الله بن ياسين الكزولي وكان فقيها صالحا شهما فسار معه حتى أتيا قبيلة لمتونة فنزل الجوهر عن جمله وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين تعظيما لشريعة الإسلام فأقبلوا إلى الجوهر يهنؤنه بالسلامة وسألوه عن الفقيه فقال هذا حامل سنة رسول الله قد جاء يعلمكم ما يلزم في دين الإسلام فرحبوا بهما وأنزلوهما وقالوا تذكر لنا شريعة الإسلام فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه فقالوا أما ما ذكرت من الصلاة والزكاة فهو قريب وأما قولك من قتل يقتل ومن سرق يقطع ومن زنا يجلد أو يرجم فأمر لا نلتزمه اذهب إلى غيرنا فرحلا عنهم نظر إليهما شيخ كبير فقال لا بد وأن يكون لهدذا الجمل في هذه الصحراء شأن يذكر في العتالم فانتهى الجوهر والفقيه إلى جدالة قبيل الجوهر فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذيم يجاورونهم إلى حكم الشريعة فمنهم من أطاع ومنهم من أعرض وعصى

ثم إن المخالفين لهم تجيزوا وتجمعوا فقال ابن ياسين للذيم أطاعوا قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خافوا الحق وأنكروا شرائع الإسلام واستعدوا لقتالهم فأقيموا لك راية وقدموا عليكم أميرا

فقال له الجوهر أنت الأمير

فقال لا إنما أنا حامل أمام الشريعة ولكن أنت الأمير

فقال الجور لو فعلت هذا تسلط قبيلي على الناس ويقول وزر ذلك علي فقال له ابن ياسين الرأي أن نولي ذلك أبا بكر بن عمر رأس لمتونة وكبيرها وهو رجل سيد مشكور الطريقة مطاع في قومه فهو يستجيب لنا لحب الرياسة وتتبعه قبيلة فنتقوى بهم

فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا ذلك عليه فأجاب فعقدوا له البيعة وسماه ابن ياسين أمير المسلمين وعادوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من حسن إسلامه وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد في سبيل اللله وسماهم مرابطين وتجمع عليهم من خالفهم فلم يقاتلهم المرابطون بل استعان ابن ياسين وأبو بكر بن عمر على ألئك الأشرار بالمصلحين بن قبائلهم فاستمالوهم وقربوهم حتى حصلوا منهم نحو ألفي رجل من أهل البغي والفساد فتركوهم في مكان وخندقوا عليهم وحفظوهم ثم أخرجوهم قوما بعد قوم فقتلوهم فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء وهابوهم فقويت شوكة المرابطين هذا وعبد الله بن ياسين مشتغل بالعم وقد صار عنده منهم جماعة يتفقهون ولما استبد بالأمر هو وأبو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالي وبقي لا حكم له تداخله الحسد وشرع سر في فساد الأمر فعلم بذلك منه وعقد له مجلس وثبت عليه ما نقل عنه فحكم ما عليع بالقتل لأنه نكس البيعة وشق تالعصا وأراد محاربة أهل الحق فقتل بعد أن صلى ركعتين وأظهر السرور بالقتل طلبا للقاء الله تعالى فاجتمعت القبائل على طاعتهم ومن خالفهم قتلوه

فلما كان سنة خمسين وأربعة قحطت بلادهم فأمر ابن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوق الزكاة فخرج منهم نحو تسعمائة رجل فقدموا سجلماسة وطلبوا الزكاة فجمعوا لهم شيئا له قدر وعادوا ثم إن الصحراء ضاقت عليهم وأرادوا إظهار كلمة الحق والعبور إلى الأندلس ليجاهدوا الكفار فخرجوا إلى السوس الأقصى فجمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فانهزم اللمرابطون وقتل عبد الله بن ياسين الفقيه فعاد أبو بكر بن عمر فجمع جيشا وخرج إلى السوس في ألأفي راكب فاجتمع من بلاد السوس وزناتة اثنى عشر ألف فارس فأرسل إليهم وقال افتحوا لنا الطريق لنجوز إلى الأندلس ونجاهد أعداء الإسلام فأبوا من ذلك فصلى أبو بكر ودعا الله تعالى وقال اللخم إن كنا على الحق فانصرنا وإلا فأرحنا من هذه الدنيا ثم قاتلهم وضدق هو وأصحابه القتال فنصرهم اله تعالى وهزم أهل السوس ومن معهم وأكثر القتل فيهم وغنم المرابطون أموالهم وأسلابهم وقوية نفسه ونفوس أصحابه وساروا إلى سجلماستة فنزلوا عليها وطلوا من أهلها الزكاة فامتنعوا عليهم وسار إليهم صاحب سجلماسة فقاتلهم وقتلوا ودخلوا سجلماسة واستولوا عليها وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة

ذكر ولاية يوسف بن تاشفين ص 328

لما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني وه ومن بني عمه الأقربين ورجع إلى الصحراء فأحسن يوسف السيرة في الرعية ولم يأخذ منهم سوى الزكاة فأقام بالصحراء مدة ثم عاد أبو بكر بن عمر إلى سجلماسة فاقام بها سنة والخطبة والأمر والنهي له واستخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر وجهر مع يوسف بن تاشفين جيشا من الماربطين إلى السوس ففتح على يديه وكان يوسف رجى دينا خيرا حاوزما داهية مجربا وبقوا كذلك إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة

وتوفي أبو بكر بن عمر بالصحراء فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين وملكوه عليهم ولقبوه أمير المسلمين وكانت الدولة في بلاد الغرب لزناتة الذين ثاورا في أيام الفتن وهي دولة ردية مذمومة سيئة السيرة لا سياسة ولا ديانة

وكان أمير المسلمين وطائفته على نهج السنة واتباع الشريعة فاتسغاث به أهل المغرب فسار إليها واففتحها حصنا حصنا وبلد بلدا بأيسر سعي فأحبه الرعايا وصلحت أحوالهم ثم إنه قصد موضع مدينة مراكش وهو قاع صفصف لا عمارة فيه وهو موضع متوسط في بلاد المغرب كالقيروان في إفريقية ومراكش تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب كالقيروان في إفريقة ومراكش ليقوى على قمع أهل تلك الجبال اهنموا بفتنة واتخذها مقر فلم يتحرك أحد بفتنة وملك البلاد المتصلة بالمجاز مثل سبتة وطنجة وسلا وغيرها وكثرة عساكره وخرجت جماعة قبيلة لمتونة وغيرهم وضيقوا حيئنذ لثامهم وكان قبل أن يملكوا يتلثمون في الصحراء من الحر والبرد كما يفعل العرب

والغالب على الوانهم السمرة فلما ملكوا البلاد ضيقوا اللثام وقيل كان سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيتهم ولم يكن بها إلى المشايخ والصبيان والنساء فلما تحقق المشايخ أنه العدو وأمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن ويلبسن السلاح ففعلنا ذلك وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء في البيوت فلما أشرف العدو رأى جمع العدو فظنه رجالا فقال هؤلا عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت والرأي أن سوق النعم ونمضي فإن أتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم فبينما هم في جمع النعم عن المراعي إذا قد أقبل رجال الحي فبقي العدو بينهم وبين النساء فقتلوا من العدو فأكثروا وكان من قتل النساء أكثر فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب فلا يزيلونه ليلا ولا نهارا ومما قيل في اللثام

( قوم لهم درك العلا في حمير % وإن انتموا صنهاجة فهم هم )

( لما حووا إحراز كل فضيلة % غلب الحياء عليهم فتلثموا )

ونذكر باقي أخبار أمير المسلمين في مواضعها إن شاء الله تعالى

ذكر تبييض أبي الغنائم بن المحلبان ص 330

في هذه السنة بيض علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبان بواسط وخطب فيها للعلويين المصريين

وكان سبب ذلك أن رئيس الرءساء سعى له في النظر على واسط وأعمالها فأجيب إلى ذلك فانحدر إليها فصار عنده جماعة من أ يانها وجند جماعة عظيمة وتقوى بالبطائحيين وحفر على الجانب الغربي من واسط خندقا وبنى عليه سورا وأخذ ضريبة من سفن أصعدت للخليفة فسير لحربه عميد العارق أبو نصر فاقتتلوا فانهزم ابن المحلبان وأسر من أصحابه عدد كثير ووصل أبو نصر إلى السور فقاتله العامة من على السور ثم تسلم البلد وأمر أهله بطم الخندق وتخريب السور ثم أصعد إلى بغداد فلما قاربها عاد إليها ابن غسانجس ونهب قرية عبد الله وقتل كل أعمى رآه بواسط وأعاد خطبة المصريين وأمر أهل كل محلة بعمارة ما يليهم من السور ومضى منصور بن الحسين إلى المدار وأرسل إلى بغداد يطلب المدد فكتب إليه عميد العراق ورئيس الرؤساء يأمكرانه أن يقصد واسطا هو ابن الهيثم وأن يحاصرانها فأقبلا إليها فيمن معهما وحصروها في الماء والبر وكان هذا الحصار سنة تسع وأربعين فاشتد فيها الغلاء حتى بيع التمر والخبز وكروش البقر كل خمسة أرطال بدينار وإذا وجد الخبازي باعوه كل عشرين رطلا بدينار ثم صعفوا وضجروا من الحصار فخرج ابن فسانجس ليقاتل فلم يثبت وقتل جماعة من أصحتابه وانهزموا إلى سمر البلد واستأمن جماعة من الواسطيين إلى منصور بن الحسين وفارق ابن فسانجس واسطا ومضر إلى قصر ابن أخضر وسار إليه طائفة منم العسكر فأدركوزه بقرب النيل فأسر هو وأهله وحمل إلى بغداد فدخلها في صفر سنة تسع وأريعين وشهر على جمل وعليه قميص أحمر وعلى رأسه طرطور بودع وصلب وهو جد هؤلاء الملوك أولاد قلج أرسلان ومعه أيضا سهم الدولة أبو الفتح بن عمرو وكانت الحرب عند سنجار فاقتتلوا واشتد القتال بينهم فانهزم قريش وقتلمش وقتل من أصحابهما الكثير ولقي قتلمش من أهل سنجار العنت وبالغوا في أذاه وأذى أصحاب وجرح قريش بن بدران وأتى إلى نور الدولة جريحا فأعطاه خلعة كانت قد نفذت من مصر فلبسها وصار في جملتهم وساروا إلى الموصل وخطبوا لخليفة مصر بها وهو المستنصر بالله وكانوا قد كاتبوا الخليفة المصري بكاعتهم فأرسل إليهم الخلع من مصر للبساسيري ولنور الدولة دبيس بن مزيد ولجابر بن ناشب ولمقبل بن بدران أخي قريش ولأبي الفتح بن ورام ونصير بن عمر وأبي الحسن بن عبد الرحيم ومحمد بن حماد ونضاق إليهم قريش بن بدران

ذكر مسير السلطان طغرلبك إلى الموصل ص 331

لما طال مقام السلطان طغرلبك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره وضاقت عليهم مساكنهم فإن العساكر نزلوا فيها وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا منهم كل محظور أمر الخليفة القائم بأمر الله وزيره رئيس الرؤساء أن يكتب إلى عميد الملك الكندري وزير السلطان ظغرلبك يستحضره فإذا حضر قال له عن الخليفة ليعرف السلطان ما الناس فيه من الجور والظلم ويعظه ويذكره فإن أزال ذلك وفعل ما أمر الله به وإلا فيساعد الخليفة على الانتزاح عن بغدد ليبعد عن المنكرات فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري ليستدعيع فحضره فأبلغه ما أمر به الخليفة وخرج توقيع من الخليفة إلى السلطان فيه مواعظ فمضى إلى الساطان وعرفه الحال فاعتذر بكثرة العساكر وعجزه عن تهذيبهم وضبطهم وأمر عميد الملم أن يبكر بالجواب إلى رئيس الرؤساء ويعتذر بما ذكره فلما كان تلك الليلة رأى سلطان في منامه النبي عند الكعبة زكأنه يسلم على النبي وهو معرض عنه لم يلتفت إليه وقال له يحكمك الله في بلاده وعباده فر تراقبه فيهم ولا تستحي من جلاله عز وجل في سوء معاملتهم وتغتر بإمهاله عند الجور عليهم

فاستيقظ فزعا وأحضر عميد الملك وحدثه ما رأى وأرسله إلى الخليفة يعرفه أنه يقابل ما رسم به بالسمع والطاعة وأخرج الجند من دور العامة وأمر أن يظهر من مكان مختفيا وأزال التوكيل عمن كان وكل به فبينما هو على ذلك وقد عزم على الرحيل عن بغداد للتخفيف عن أهلها وهو يتردد فيه إذ أتاه الخبر بهذه الوقعة المتقدمة فتجهز وسار وسار عن بغداد عاشر ذي القعدة ومعه خزائن السلاح والمنجنيقات وكان مقامع بغداد ثلاثة عشر شهرا وأياما لم يلقى الخليفة فيها فلما بلغوا أوانا نهبها العسكر ونهبوا عكبرا وغيرهما ووصل إلى تكريت فحصرها وبها صاحبها نصر بن علي بن خميس فنصب على اللعى على من أسود وبذل مالا فقبله السلطان ورحل عنه إلى البوازيج ينتظر جميع العساكر ليسير إلى الموصل فلما رحل عن تكريت توفي صاحبها وكانت أمه أميرة بنت غريب بن مقن فخافت أن يملك البلد أخوه أبو الغشام فقتلته وسارت إلى الموصل فنزلت على دبيس بن مزيد فتزوجها قريش بن بدران ولما رحلت عن تكريت استخلفت بها أبا الغنائم بن المحليان فراسل الرؤساء واستطعفه فصلح ما بينهما وسلم تكريت إلى السلطان ورحل إلى بغداد

وأقام السلطان بالبوازيج إلى أن دخلت سنة تسع وأربعين فأتاه أخوه ياقوتي في العساكر فسار بهم إلى الموصل وأقطع مدينة بلد لهزارسب بن بنكير فأجفل أهل البلاد إلى بلد فأراد العسكر نهبهم فمنعهم السلطان وقال لا يجور أن تعرضوا إلى بلد هزارسب فلجوا وقالوا نريد الإقامة فقال السلطان لهزارسب إن هؤلاء قد احتجوا بالإقامى فأخرج أهل البلد إلى معسكرم لتحفظ نفوسهم

ففعل ذلك وأخرجهم إليهم فصار البلد بعد ساعة قفرم وفرق فيهم هزارسب مالا وأركب من يعجز عن المشي وسيرهم إلى الموصل ليأمنوا وتوجه السلطان إلى نصيبيين فقال له هزارسب قد تمادت الأيام ورأي أن أختار من العسكر ألف فارس أسير بهم إلى البرية فلعلي أنال من العرب غرضا

فأذن له في ذلك فسار إليهم فلما قاربهم كمن لهم كمينين وتقدم إلى الحلل فلما رأوه قاتلوه فصبر لهم ساعة ثم انزاح بين أيديهم كالمنهزم فتبعوه فخرج الكمينان فانهزمت العرب وكثر فيهم القتل والأسر وكان قد انضاف إليهم جماعة من بني نمير أصحاب حرام والرقة وتلك الأعمال زحمل الأسرى إلى السلطان فلما أحضروا بين يديه قال لهم هل وطئت لكم أرضا وأخذت لكم بلدا قالوا لا قال فلم أتيتم لحربي وأحضر الفيل فقتلهم إلإ صبيا أمرد فلما امتنع الفيل عن قتله عفا عنه السلطان

ذكر عود نور الدولة دبيس بن مزيد وقريش بن بدران إلى طاعة طغرلبك ص 333

لما ظفر هزارسب بالعرب وعاد إلى السلطان طفرلبك أرسل إلى نور الدولة وقريش يسألانه أن يتوسط حالهما عند السلطان ويصلح أمرهما معه فسعى في ذلك واستعطف السلطان عليهما فقال أما هما فقد عفوت عنهما وأما البساسيري فذنبه إلى الخليفة ونحن متبعون امر الخليفة فيه فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة وتبعه الأتراك البغداديون ومقبل بن المقلد وجماعة من عقيل وطلب بديس وقريش أن يرسل طفرلبك إليهما أبا القتح بن ورام فأرسله فعاد من عندهما وأخبر بطاعتما وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ليحلفهما فأمره السلطان بالمضي إليهما فسار واجتمع بهما وأشار عليهما بالحضور عند السلطان فخافا وامتنعا فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن جعفر وأنفذ دبيس ابنه بهاء الدولة منصورا فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب لهما بأعمالهما وكان لقريش نهر الملك وبادوريا والأنبار وهيت ودوجيل ونهر بيطر وعكبرا وأوانا وتكريب والموصل ونصيبين وأعاد الرسل لى أصحابهم

ذكر قصد السلطان ديار بكر وما فعله بسنجار ص 333

لما فرغ طغرلبك من العرب سار إلى ديار بكر التي هي لابن مروان ومكان بان مروان يرسل إليه كل يوم الهدايا والملح فسار السلطان إلى جزيرة ابن عمر فحصرها وهي لابن مروان فأرسل إليه ابن مروان يبذل مالا يصلح حاله به ويذكر له ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين وما يعانيه من حهاد الكفار ولما كان السلطان يحاصر الجزيرة سار جماعة من الجيش إلى عمراكمن وفيه أربعمائة راهب فذبحوا منهم مائة وعشرين راهبا

وافتدى الباقون انفسهم بستتة مكاكيك ذهبا وفضة ووصل إبراهيم ينال أخو السلطان إليه فلقيه الأمراء والناس كلهم وحملوا إليه الهدايا وقال لعميد الملك الوزير من هؤلاء العرب حتى تجعلهم نظراء السلطان وتصلح بينهم فقال مع حضورك بكون ما تريد فأنت نائب السلطان

ولما وصل إبراهيم ينال أرسل هزارسب إلى نور الدولة بن مزيد وقريش يعرفهما وصوله ويحذرهما منه فسار من جيل سنجار إلى الرحبة فلم يلتفت البساسيري إليهما فانحر نور الدولة إلى بلد في العراق وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة ومعه ابنه مسلم بن قريش وشكى قتلمش ابن عم السلطان إليه ما لقي من أهل شجار في العام الماضي لما انهزم وأنهم قتلوا رجالا فسير العساكر إليهم فأحاطت بهم وصعد أهلها على السور وسبوا وأخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلانسهم وتركوها على رؤوس القصب ففتحها السلطان عنوة وقتل أميرها مجى بن مرجا وخلقا كثيرا من رجالها وسبى نسائهم وخربت وسأل إبراهيم ينال في الباقين فتركهم فسلمها هي والموصل والبلاد إلى إبراهيم ينال ونادى في عسكره من تعرض لنهب صلبته فكفوا عنهم وعاد السلطان إلى بغداد على ما نذكره وكان ينبغي أن نذكر هذه الحادثة سنة تسع وأربعين وإنما ذكرناها هذه السنة لأن الابتداء بها كان فيها فاتبعنا بعضها بعضا وذكرنا أنها كانت سنة تسع وأربعين

ذكر عدة حوادث ص 334

في هذه السنة انقطعت الطرق عن العراق لخوف النهب فغلت الأسعار وكثر الغلاء وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء وأكل الناس الميتتة ولحقهم وباء عظيم فكثر الموت حتى دفن بغير غسل ولا تكفين فبيع رطل لحم بقيراط وأربع دجاجات بدينار ورطلان شرابا بدينار وسفرجلة بدينار ورمانة بدينار وكل شيء بدينار

وكان بمصر أيضا وباء شديد فكان يموت في اليوم ألف نفس ثم عم ذلك سائر البلاد والشام والجزيرة و الموصل والحجاز واليمن وغيرها

وفيها في جمادى الأولى ولدت جارية ذخيرة الدين بن الخليفة الذي ذكرنا وفاته قبل ولدا ذكرا سمي عبد الله وكني أبا القاسم وهو المقتدي

وفيها في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر في السماء ذؤابة بيضاء طولها نحو عشرة أذره في رأي العين وعرضها ذراع إلى نصف رجب واضمحلت وفيها أمر الخليفة بأن بالكرخ والمشهد وغيرها الصلاة خير من النوم وأن يتركوا حي على خير العمل ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوتها $ وفيها توفي علي بن أحمد بن علي أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي من أهل مدينة فالة بالقرب من أيذج روى الحديث والأدب وله شعر حسن فمنه قوله

( تصدر للتدريس كل مهوس % بليد تسمى بالفقيد المدرس )

( فحق لأهل العلم أن يتمثلوا % بيت قديم شاع في كل مجلس )

( لقد هزلت حتى بدا من هزالها % كلاها وحتى سامها كل مفلس )

وفي هذه السنة توفي محمد بن الحسين بن محمد بن سعدون أبو طاهر البزاز الموصلي ولد بالموصل ونشأ ببغداد وروى عن ابن حبابة والدار قطني وابن بطة وغيرهم وكان موته بمصر

وفيها توفي أميرك الكاتب البيهقي في شوال وكان من رجال الدين ومحمد بن عبد الواحد بن عمر بن الميمون الدارمي الفقيه الشافعي

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.