ذكر قتل عبد الرشيد صاحب غزنة وملك فرخ زاد
ص 304
في هذه السنة قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاح بغزنة وكان سبب ذلك أن حاجبا لمودود ابن أخيه مسعود اسمه طغرل وكان مودود قد قدمه ونوه باسمه وزوجه لخته فلما توفي مودود وملك عبد الرشيد أجرى طغرل على عادته في تقدمه وجعله حاجب حجابه فأشار عليه طغرل بقصد الغز وإجلائهم من خراسان فتوقف استبعادا لذلك فألح عليه طغرل فسيره في ألف فارس فسار نحو سجستان وبها أبو الفضل نائبا عن بيغو فأقام طغرل على حصار قلعة طاق وأرسل إلى أبي الفضل يدعوه إلى طاعة عبد الرشيد فقال له إنني نائب عن بيغو وليس من الدين والمروءة خيانته فأقصده فإذا فرغت منه سلمت إليك فقام على حصار طاق أربعين يوما فمن يتهيأ له فتحها
وكتب أبو الفضل إلى بيغو يعرفه حال طغرل فسار إلى سجستان ليمنع عنها طغرل ثم إن طغرل ضجر من مقامه على حصار طاق فسار نحو مدينة سجستان فلما كان على نحو فرسخ منها كمن بحيث لا يراه أحد لعلة يجدها وفرصة ينتهزها فسمع أصوات دبابات وبوقات فخرج وسأل بعض من على الطريق فأخبره أن بيغو قد وصل فعاد إلى أصحابه وأخبرهم وقال لهم ليس لنا إلا أن نلقى القوم ونموت تحت السيوف أعزة فإنه لا سبيل لنا إلى الهرب لكثرتهم وقلتنا فخرجوا من مكمنهم فلما رآهم بيغو سأل أبا الفضل عنهم فأخبره أنه طغرل فاستقل من معه وسير طائفة من أصحابه لقتالهم فلما رآهم طغرل لم يعرج عليهم بل أقحم فرسه نهرا هناك فعبره وقصد بيغو ومن معه فقاتلهموهزمهم طغرل وغنم ما معهم ثم عطف على الفريق الآخر فصنع بهم مثل ذلك وأم بيغو وأبو الفضل نحو هراة وتبعهم نحو فرسخين وعاد إلى المدينة فملكها
وكتب إلى عبد الرشيد بما كان منه ويطلب الإمداد ليسير إلى خراسان فأمده بعده كثرة من الفرسان فوصولا إليه فاشتد بهم وأقام مديدة ثم حدث نفسه بالعود إلى غزنة والاستيلاء عليها فأعلم أصحاب به ذلك وأحسن إليهم واستوثق منهم ورحل إلى غزنة طاويا للمراحل كأنما أمره فلما صار على خمسة فراسخ من غزنة أرسل إلى عبد الرشيد مخادعا له يعلمه أن العسكر خالفوا عليه وطلبوا الزيادة في العطاء وأنهم عادوا بقلوب متغيرة ومستوحشة فلما وقف على ذلك جمع أصحابه وأهل ثقته وأعلمهم الخبر فحذروه منه وقالوا له إن الأمر قد أعجل عن الاستعداد ولييس غير الصعود إلى القلعة والتحصن بها فصعد إلى قلعة غزنة واكتنع بها ووافى طغرل من الغد إلى البلد ونزل في دار الإمارة وراسل الميقيمن بالقلعة في تسليم عبد الرشيد ووعدهم ورغبهم إن فعلوا وتهددهم إن امتنعوا فسلموه إليه فأخذ ظغرل فقتله واستولى على البلد وتزوج ابنة مسعود كرها
وكان في الأعمال الهندية أمير يسمى خرخير ومعه عسكر كثير فلما قتل طغرل عبد الرشيد واستولى على الأمر كتب إليه ودعاه إلى الموافقة والمساعدة على ارتجاع الأعمال من أيدي الغز ووعده على ذلك
وبذل البذول الكثيرة فلم يرض فعله وأنكره وامتعض منه وأغلط له في الجواب وكتب إلى ابنة مسعود بن محمود زوجة طغرل ووجوه القواد ينكر ذلك عليهم ويوبخهم على الأخذ إغضائهم وصبرهم على ما فعله طغرل من قتل ملكهم وابن ملكهم ويحثهم على الأخذ بثأره
فلما وقفوا على كتبه عرفوا غلطهم ودخل جماعة منهم على طغرل ووقفوا بين يديه فضربه أحدهم بسيفه وتبعه الباقون فقتله وورد خرخير الحاجب بعد خمسة أيام وأظهر الحزن على عبد الرشيد وذم طغرل ومن تابعه على فعله وجمع وجوه القواد وأعيان أهل البلد وقال لهم لقد عرفتم ما جرى من ذلك فأشاروا بولاية فرخزاد بن مسعود محمود وكان محبوسا في بعض القلاع فأحضر وأجلس بدار الإمارة وأقام خرخير بين يديه يدبر الأمور وأخذ من أعان على قتل الرشيد فقتله فلما سمع داود أخو طغرلبك صاحب خراسان قتل عبد الرشيد جمع عساكره واسر إلى غزنة
فخرج إليه خرخير ومنعه وقاتله فانهزم داود وغنم ما كان معه ولما استقر ملك فرخزاد وثبت قدمه جهز جيشا فظفروا به وانهزم أصحابه عنه وأخذ أسيرا وأسر معه كثير من عسكر خراسان ووجوهم وأمرائهم فجمع ألب أرسلان عسكرا كثيرا وسير والده داود في 1 لك العسكر إلى الجيش الذي أسورا كلسارغ وهزمهم وأسر جماعة من أعيان العسكر فأطلق فرخزاد الأسرى وخلع على كلسارغ وأطلقه
ذكر وصول الغز إلى فارس وانهزامهم عنها
ص 306
في هذه السنة وصل أصحاب السلطان طغرلبك إلى فارس وبلغوا إلى شيراز ونزلوا بالبيضاء واجتمع معهم العادل أبو منصور الذي كان وزير الأمير أبي منصور الملك أبي كاليجار ودبر أمرهم فقبضوا عليه وأخذوا منه ثلاث قلاع وعي قلعة كبزة وقلعة جويم وقلعة بهندر فأقامنوا بها وسار من الغز نحو مائتي رجل إلى الأمير أبي سعد أخي الملك الرحيم وصاروا في دخدمته واجتمع العسكر الشيرازي وعليهم الظهير أبو نصر وأوقعوا بالغز بباب شيراز فانهزم الغز وأسر تاج الدين نصر بن هبة الله بن أحمد وكان من المقدمين عند الغز فلما انهزم وسار العسكر الشيرازي إلى فسا وكن قد تغلب عليها بعض السفل وقوي أمره لاشتغال العساكر فأزالوا المتغلب عليها واستعادوها
ذكر الحرب بين قريش وأخيه المقلد
ص 306
في هذه السنة جرى خلف بين علم الدين قريش بن بدران وبين أخيه المقلد وكان قريش قد نقل عنه قرواشا إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل وسجنه بها وارتحل بطلب العراق فجرى بينه وبين أخيه المقلد منازعة أدت إلى الاختلاف فسار المقلد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد ملتجئا إليه فحمل أخاه الغيظ منه على نهب حلته وعاد إلى الموصل واختلت أحواله واختلفت اعرب عليه وأخرج نواب الملك الرحيم ببغداد إلى ما كان بيد قريش من العراق بالجانب الشرقي من عكبرا والعلث وغيرهما من قبض غلته وسلم الجانب الغربي من أوانا ونهر بيطر إلى الهندي بلال بن غريب
ثم إن قريشا استمال العرب وأصلحهم فأذعنوا له بعد وفاة عمه قرواش فإنه توفي هذه الأيام وانحدر إلى العراق ليستعيد ما أخذ منه فوصل إلى الصالحية وسير بعض أصحابه إلى ناحية الحظيرة وما والاها فنهبوا ما هناك وعادوا فلقوا كامل بن محمد بن المسيب ناحية الحظيرة فأوقع بهم والأكراد فانهزم فرسلوا إلى قريش يعرفونه بالحال فسار إليهم في عدة كثيرة من العرب والأكراد فانهزم كامل وتبعه قريش فلم يلجفه فقصد حلل بلال بن غريب وهي خالية من الرجال فنهبها وقاتله بلال وابلى بلاء حسنا فجرح ثم انهزم وراسل قريش نواب الملك الرحيم يبذل بالطاعة ويطلب تقرير ما كان عليه فأجابوه إلى ذلك على كره لقوته وضعفهم واشتغال الملك الرحيم بخوزستان عنهم فاستقر أمره وقوي شأنه
ذكر وفاة قرواش
ص 307
في هذه السنة مستهل رجب توفي معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلد العقيلي الذي كان صحب الموصل محبوسا بقلعة الجراحية من أعمال الموصل على ما ذكرناه قبل وحمل ميتا إلى الموصل ودفن بتل توبة من مدينة نينوي شرقي الموصل وكان من رجال العرب وذوي العقل منهم وله شعر حسن فمن ذلك ما ذكره أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي في دمية القصر من شعره
( لله در النائبات فإنها % صدأ النفوس وصقيل الأحرار )
( كا كنت إلا زبرة فطبغنني % سيفا وأطلق شفرتي وغراري )
وذكر له أيضا
( من كان يحمد أو يذوم موروثا % لمال من آبائه وجدوده )
( إني امرؤ لله شكر وحده % شكرا كثيرا جالبا لمزيده )
( لي أشقر سمح العنان مغاور % يعطيك ما يرضيك من مجهوده )
( ومهند عضب إذا جردته % خلت البروق تموج في تجريده )
( ومثقف لدن السنان كأنما % أم المنايا ركبت في عوده )
( وبذا حويت المال إلا أنني % سلطت جود يدي على تبديده )
وقيل إنه جمع بين أختين في نكاحه فقيل له إن الشريعة تحرم هذا فقال وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة وقال مرة ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية قتلهم وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم
ذكر استيلاء الملك الرحيم على البصرة
ص 307
في هذه السنة في شعبان سير الملك الرحيم جيشا مع الوزير والبساسيري إلى البصرة وبها أخوه أبو علي بن أبي كاليجار فحصروه بها فأخرج عسكره في السفن لقتالهم فاقتتلوا عدة أيام ثن انهزم البصريون في الماء إلى البصر واستولى عسكر الرحيم على دجلة والأنهر جميعا وسارت العسلكر على البر من المنزلة بمطار إلى البرصرة فلما قاربوها لقيهم رسل مضرور بيعة يطلبون المان فأجابوهم إلى ذلك وكذلك بذلوا الأمان لسائر أهلها ودخل الملك الرحيم فسر به أهلها وبذل لهم الإحسان فلما دخل البصرة وردت إليه رسل الديلم بخوزستان يبذلون الطاعة ويذكرون أنهم ما زالوا عليها فشكرهم على ذلك وأقام بالبصرة ليصلح أمرها وأما أخوه أبو علي صاحب البصرة فإنه مضى إلى شط عثمان فتحصن به وحفر الخندق فمضى الملك الرحيم إليه وقاتلهم فملك الموضع ومضى أبو علي ووالدته إلى عبادان وركبوا البحر إلى مهروبان وخرجوا من البحر وأكثروا دواب وساروا في أرجان عازمين على قصد السلطان طغرلبك وأخرج ا لملك الرحيم كل من بالبصرة من الديلم أجناد أخيه وأقام غيرهم ثم إن الأمير أبا علي وصل إلى السطان طغرلبك وهو بأصبهان فاكرمه وأحسن غليى وحمله أيضا وسلم الملك الرحيم البصرة إلى البابسيري ومضى إلى الأهواز وترددت الرسل بينه وبين منصور بن الحسين وهزار سب حتى اصطلحوا وصار أرجان وتستمر للمك الرحيم
ذكر ورود سعدي العراق
ص 308
وفيها في ذي القعدة ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش من عند السلطان طغرلبك إلى نواحي العراق فنزل مايدشت وسار منها جريدة فيمن معه من الغز إلى أبي دلف الجاوائي فنذر به أبو دلف وانصرف من بين يديه ولحقه سعدي فهبه وأخذ ماله وأفلت أبو دلف بحشاشة نفسه ونهب أصحاب سعدي البلاد حتى بلغوا النعمانية فأسرفوا في النهب والغارة وفتكوا في البلاد وافتضوا الأبكار فأخذوا الأموال والأثاث ح [ فلم يتركوا شيئا وقصد البندنيجين وبلغ خبره إلى خاله خالد بن عمرو وهو نازل على الزرير ومطر ابني علي بن مقن العقيليين فأرسل إليه ولده مه أولاد الزرير ومطر يشكون إليه ما عاملهم به عمه مهلهل وقريش بن بدران فلقوه بحلوان وشكوا إليه حالهم فوعدهم المسير إليهم وإنقاذهم ممن قصدهم فعادوا من عنده فلقيهم نفر من أصحاب مهلهل فواقعوا فظفر بهم العقيليون وأسروا
وبلغ الخبر مهلهلا فسار إلى حلل الزرير ومطر في نحو خمسمائة فارس فأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم وانهزم الرجال فلقي خالد ومطر والزرير سعدي بن أبي الشوك على تامرا فأعلموه الحال وحملوه علي قتال عمه فتقدم إلى طريقه والتقى القوم وكان سعدي في جمع كثير فظفر بعمه وأسره وانهزم أصحابه في كل جهة وأسر أيضا ملك ابن عمه مهلهل واعاد الغنائم التي كانت معهم على أصحابهاوعاد إلى حلوان ووصل الخبر إلى بغداد فارتج الناس بها وخافوا وبرز عسكر الملك الرحيم ليقصدوا حلوان لمحاربة سعدي ووصل إليهم أبو الأعز دبيس ين مزيد الأسدي ولم يصنعوا شيئا
ذكر عدة حوادث
ص 309
في هذه السنة قبض عيسى بن خميس بن مقن على أخيه أبي غشام صاحب تكريت بها وسجنه في سرداب بالقلعة واستولى على تكريت
وفيها زلزلت خوزستان وأرجان وايذج وغيرها من البلاد زلازل كثيررة وكان معظمها بأرجان فخرب كثير من بلادها وديارها وانفرج جبل كبير قريب من أرجان وانصدع فظهر في وسطه درجة مبتية بالآجر والجص قد خفيت في الجبل فتعجب الناس من ذلك وكان بخراسان أيضا زلزلة عظيمة خربت كثيرا وهلك بسببها كثير وكان أشدها بمدينة بيهق فأتى الخراب عليها وخرب سورهاومساجها ولم يزل سورها خرابا إلى سنة أربع وستين وأربعمائة فأمرنظام الملك ببنائه فبنى ثم خربه أرسلان أرغو بعد موت السلطان ملشاه وقد ذكرناه ثم عمر مجد الملك البلاساني
وفيها عمل محضر ببغداد يتضمن القدح في نسب العلويين أصحاب مصر وأنهم كاذبون في أدعائهم النسب إلى علي عليه السلام وغزهم فيه إلى الديصانية من المجوس والقداحية من اليهود وكتب فيه العلويين والعباسيون والفقهاء والقضاة والشهود وعمل به عدة نسخ وسير في البلاد وشيع بين الحاضر والباد
وفيها شهد الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمدبن عبد الواحد بن الصباغ مصنف الشامل عند قاضي القضاة أبي عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا
وفيها حدثت فتنة بين السنية والشيعة ببغداد وامتنع الضبط وانتشر العيارون وتسلطوا وجبوا الأسواق وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال وكان مقدمهم الطقطقي والزبيق وأعاد الشيعة الأذان بحي على خير العمل وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشر وجرى القتال بينهم وعظم الشر
وفيها زوج نور الدولة دبيس بن مزيد ابنه بهاء الدولة منصورا بابنة أبي البركات من البساسيري
وفيها في ربيع الأول توفي القاضي أبو جعفر السمناني بالموصل وكان إماما في الفقه على مذهب أبي حنيفة والأصول على مذهب الأشعري وروى الحديث عن الدارقطني وغيره وفي هذا الشهر توفي أيضا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب الواعظ وهو راوي مسند أحمد بن حنبل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.