ذكر نهب سرق والحرب الكائنة عندها وملك الرحيم رامهرمز
ص 298
فيها في المحرم اجتمع جمع كثير من العرب والأكراد وقصدوا سرق من خوزستان ونهنبوها ونهبوا دورق ومقدمهم مطارد بن منصور ومذكور بن نزار فأرسل إليهم الملك الرحيم جيشا ولقوهم بين سرق ودورق فاقتتلوا فقتل مطارد وأسر ولده وكثر القتل فيهم واستنقذوه ما نهبوه ونجا الباقون على أقبح صورة من الجراح والنهب فلما تم هذا الفتح للملك الرحيم انتقل من عسكر مكرم متقدما إلى قنطرة أربق ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما
ثم إن الأمير أبا منصور صاحب فارس وهزارسب بن بنكير ومنصور بن الحسين الأسدي ومن معهما من الديلم والأتراك ساروا من أرجان يطلبون تستر فسبقهم الرحيم إليها وحال بينهم وبينها والتقت الطلائع فكان الظفر لعسكر الرحيم ثم إن الأرجاف وقع في عسكر هزارسب بوفاة الأمير أبي منصور بن الملك أبي كاليجار بمدينة شيراز فسقط في أيديهم وعادوا وقصدوا كثير منهم الملك الرحيم فصاروا معه فسير قطعة من الجيش إلى رامهرمز وبها أصحاب هزارسب وقد أفسدوا في تلك الأعمال فلما وصل إليها عسكر الرحيم خرج أولئك إلى قتالهم فاقتتلوا قتالا شديدا أكثر فيه القتل والجراح ثم انهزم أصحاب هزارسب فدخلوا البلد وحصروا فيه ثم ملك البلد عنوة ونهب وأسر جماعة من العساكر التي فيه وهرب كثير منهم إلى هزارسب وهو بايدج وملك الملك الرحيم البلد في ربيع الأول من هذه السنة
ذكر ملك الملك الرحيم اصطخر وشيراز
ص 298
في هذه السنة سير الملك الرحيم أخاه الأمير أبا سعد في جيش إلى بلاد فارس وكان سبب ذلك أن المقيم في قلعة اصطخر وهو أبو نصر بن خسرو وكان له أخوان قبض عليهما هزارسب بن بنكير بأمر الأمير أبي منصور فكتب إلى الملك الرحيم يبذل له الطاعة والمساعدة ويطلب أن يسير إليه أخاخ ليملكه بلاد فارس فسير إليه أخاه أبا سعد في جيش فوصل إلى دولتا باذ فأتاه كثير من عساكر فارس الديلم والترك والعرب والأكراد وسار منها إلى قلعة اصطخر فنزل إليه صاحبها أبو نصر فلقيه وأصعده إلى القلعة وحمل له وللعساكر التي معه الإقامات والخلغ وغيرها ثم سارا منها إلى قلعة بهندر فحصروها وأتاه كتب بعض مستحفظي البلاد الفارسية بالطاعة منها مستحفظ داربجرد وغيرها ثم سار إلى شيراز فملكها في رمضان فلما سمع أخوه الأمير أبو منصور وهزارسب ومنصور بن الحسين الأسدي ذلك ساروا في عسكرهم إلى الملك الرحيم فهزموه على ما نذكره إن شاء الله تعالى وفارق الأهواز إلى واسط ثم عطفوا من الأهواز إلى شيراز لاجلاء الأمير أبي سعد عنها فلما قاربوها لقيهم أبو سعد وقتلهم فهزمهم فالتجؤوا إلى جبل قلعة بهندر وتكررت الحروب بين الطائفتين إلى منتصف شوال فتقدمت طائفة من عسكر أبي سعد فاقتتلوا عامة النها ثم عادوا فلما كان الغد التقى العسكران جميعا واقتتلوا فانهزم عسكر الأمير أبي منصور وظفر أبو سعد وقتل منهم خلقا كثيرا واستأمن إليه كثير منهم وصعد أبو منصور إلى قلعة بهندر واحتمى بها وأقام إلى أن عاد إلى ملكه على ما نذكره إن شاء الله تعالى ولما فارق الأمير أبو منصور الأهواز أعيدت الخطبة للملك الرحيم وأرسل من بها من الجند يستدعونه إليهم
ذكر انهزام الملك الرحيم بالأهواز
ص 299
لما انصرف الأمير أبو منصور وهزارسب ومن معهم من منزلهم قريب تستر على ما ذكرناه مضوا إلى أيذج وأقاموا فيها و خافوا الملك الرحيم واستضعفوا نفوسهم عن مقاومته فاتفق رأيهم على أن راسلوا السلطان طغرلبك وبذلوا له الطاعة وطلبوا منه المساعدة فأرسل إليهم عسكرا كثيرا وكان قد ملك أصبهان وفرغ باله منها وعرف الملك الرحيم ذلك وقد فارقه كثير من عسكره منهم البساسيري ونور الدولة دبيس بن مزيد و العرب والاكراد وبقي في الديلم الأهوازية وطائفة قليلة من الأتراك البغداديين كاونا وصلوا إليه أخيرا فقرر رأيه على أن عاد من عسكر مكرم إلى الأهواز لأنها أحصن وينتظر بالمقام فيها وصول العساكر ورأى أن يرسل أخاه الأمير أبا سعد إلى فارس حيث طلب إلى اصطخر على ما ذكرناه وسير معه جمعا صالحا من العساكر ظنا منه أن أخاه إذا وصل إلى فارس وملكت قلعة اصطخر انزعج الأمير أبو منصور وهزارسب ومن معهما واشتغلوا بتلك النواحي عنه فازداد قلقا وخوفا فلم يلتفت أولئك إلى الأمير أبي سعد بل ساروا مجدين إلى الهواز فوصلوها أواخر بيع الآخر ووقعت الحرب بين الفريقين يومين متتابعين كثر فيهما القتال واشتد فانهزم الملك الرحيم وسار في نفر قليل إلى واسط ولقي في طريقه مشقة وسلم واستقر بواسط فيمن لحق به من المنهزمين ونهبت الأهواز وأحرق فيها عدة محال وفقد في الوقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي بن عبد الرحيم وزير الملك فلم يعرف له خبر
ذكر الفتنة بين العامة ببغداد وإحراق المشهد على ساكنيه السلام
ص 300
في هذه السنة في صفر تجددت الفتنة ببغداد بين السنية و الشيعة وعظمت أضعاف ما كانت قديما فكان الاتفاق في السنة الماضية غير مأمون الانتقاض لما في الصدور من الإحن
وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ شرعوا في عمل باب السماكين وأهل الفلائين في عمل ما بقي من باب مسعود ففرغ أهل الكرخ وعملوا أبراجا كتبوا عليها بالذهب محمد وعلي خير البشر وأنكر السنية ذلك وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبا فقد كفر وانكر اهل الكرخ الزيادة وقالوا ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام نقيب العباسيين ونقيب العلوييين وهو عدنان ببنا لرضي لكشف الحال وإنهائه فكتبا بتصديق قول الكرخيين فأمر حينئذ الخليفة ونواب الرحيم بكف القتال فلم يقبلوا وانتدب ابن المذهب القاضي والزهيري وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد بحمل العامة على الإغراق في الفتنة فأمسك نواب الملك الرحيم عن كفهم غيظا من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة ومنع هؤلاء السنية من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ
وكان نهر عيسى قد انفتح بثقه فعظم الأمر عليهم وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف وصبوا عليه ماء الورد ونادوا الماء للسبيل فأغروا بهم السنية وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا خير البشر وكتبوا عليهما السلام فقالت السنية لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وأن لايؤذن حي على خير العمل وامتنع الشعة من ذلك ودام القتال إلى ثالث ربيع الأول وقتل فيه رجل هاشمي من السنية فحمله أهله على نعش وطافوا به في الحربية وباب البصرة وسائر محال السنة والستنفروا الناس للأخذ بثأره ثم دفنوه عند أحمد بن حنبل وقد اجنمع معهم خلق كثير أضعاف ما تقدم
فلما رجعوا من دفنه قصدوا مشهد باب التبن فأغلق بابه فنقبوا في سورها وتهددوا البواب فخافهم وفتح الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضة وستور وغير ذلك ونهبوا ما في الترب والدور وأدركهم الليل فعادوا فلما كان الغد كثر الجمع فقصدوا المشهد واحرقوا جميع الترب والأراج واحترق ضريح موسة وضريح ابن ابنه محمد بن علي والجوار والقبتان الساج اللتان عليهما واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بويه معن الدولة وجلال الدولة من قبور الوزراء والرؤساء وقبر جعفر بن أبي جعفر المنصور وقبر الأمين محمد بن الرشيدوقبر أمه زبيدة وجرى من الأمر الفظيع ما يجر في الدنيا مثله فلما كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمد بن علي لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر فجاء الحفر إلى جانبه وسمع أبو تمام نقيب العباسيين وغيره من الهاشميين والسنية الخبر فجاؤوا ومنعوا عن ذلك وقصدوا أهل الكرخ إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي وأحرقوا الخان ودور الفقهاء وتعدت الفتنة إلى الجانب الشرقي فاقتتل أهل باب الطاق وسوق بج والأساكفة وغيرهم
ولما انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد عظم عليه واشتد وبلغ منه كل مبلغ لأنه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل وتلك الزلاية كلهم شيعة فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله فروسل في ذلك وعوتب فاعتذر بأن أهل ولايته شيعة واتفقوا على ذلك فلم يمكنه أن يشق عليهم كما أن الخليفة لم يمكنه كف السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا وأعادوا الخطبة إلى حالها
ذكر عصيان بني قرة على المستنصر بالله بمصر
ص 301
في هذه السنة في شعبان عصى بنوقرة بمصر على المستنصر بالله الخليفة العلوي وكان سبب ذلك أنه أمر عليهم رجلا منهم يقال له المقرب وقدمه فنفلاوا من ذلك وكرهوه واستعفوا منه فلم يعزله عنهم فكاشفوا بالخلاف والعصيان وأقاموا بالجيزة مقابل مصر وتظاهروا بالفساد فعبر إليهم المستنصر بالله جيشا يقاتلهم ويكفهم فقاتلهم بنوقرة فانهزم الجيش وكثر القتل فيهم فانتقل بنو قرة إلى طرف الب فعظم الأمر على ذلك تاستنصر بالله وجمع الرعب من طيء وكلب وغيرهما من العساكر وسيرهم في أثر بني قرة فأدركوهم بالبحيرة فواقعوهم واشتد القتال في بني قرة وانهزموا وعاد العسكر إلى مصر وتركوا في مقابل بني قرة طائفة منهم لترد بني قرة إن أرادوا التعرض في البلاد وكفى الله شرهم
ذكر وفاة زعيم الدولة وإمارة قريش بد بدران
ص 302
في هذه السنة في شهر رمضان توفي زعيم الدلوى أبو كامل بركة لن المقلد بتكريت وكان انحدر إليها في حلله قاصدا نحو العارق يبنازع النواب به عن الملك الرحيم وينهب البلاد فلما بلغها انتقض عليه جرح كان أصابه من الغز لما ملكوا الموصول فتوفي ودفن بمشهد الخضر بتكريت واجتمعت العرب من أصحابه على تأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران بن المقلد فعاد بالحلل والعرب إلى الموصل وأرسل إلى عمه قرواش وهو تحت الاعتقال يعلمه بوفاة زعيم الدولة وقيامه بالإمارة وأنه يتصرف على اختياره ويقوم بالأمر نيابة عنه فلما وصل قريش إلى الموصل جرى بينه وبين عمه قرواش مناعزعة ضعف فيها قرواش وقوي ابن اخيه ومالت العرب إليه واستقرت الإمارة له وعاد عمه إلى ما كلن عليه من الاعتقال الجميل والاقتصار به على قليل من الحاشية والنشاء النفقة ثم نقلها إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل فاعتقل بها
ذكر عدة حوادث
ص 302
ظهر ببغداد يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر كوكب غلب نوره على نور الشمس له ذؤابة نحو ذراعين وسار سيرا بطيئا ثم انقض والناس يشاهدونه
وفيها في رمضان أرسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة جوابا عن رسالة الخليفة إليه وشكرا الإنعام الخليفة عليه بالخلع والألقاب وأرسل معه طغرلبك إلى الخليفة عشرة آلاف دينار عينا وأعلاقا نفيسة من الجواهر والثياب والطيب وغير ذلك وأرسل خمسة آلاف دينا ر للحاشية وألفي دينار لرئيس الرؤساء وأنزل الخليفة الرسل بباب المراتب وأمر بإكرامهم ولما جاء العيد أظهر أجناد بغداد الزينة الرائقة والخيول النفيسة والتجانيف الحسنة وأرادوا لإظهار قوتهم عند الرسل
وفيها عاد الغز أصحاب الملك داود أخي طغرلبك عن كرمان وسبب عودهم أن عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة سار إلى خراسان قالتقى هو والملك داود واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم داود فاقتضى الحال عود أصحابه عن كرمان
وفيها أيضا عاد السلطان طغرلبك عن أصبهان إلى الري وفيها توفي أبو كاليجار كرشايف بن علاء الدولة بن كاكويه بالأهواز وكان قد استخلفه بها الأمير أبو منصور عند عودة عنها إلى شيراز فلما توفي خطب للملك الرحيم بالأهواز وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن المرتضى الموسوي وفيها في ربيع الأول توفي أبو الحسن محمد بن محمد البصروي الشاعر وهو منسوب إلى قرية تسمى بصرى قريب عكبرا وكان صاحب نادرة قال له رجل شربت البارحة ماء كثيرا فاحنجت إلى قيام كل ساعة كأني جدي فقال له لم تصغر نفسك ( ومن شعره )
( ترى الدنيا وزينتها فتصبو % وما يخلو من الشهوات قلب )
( فضول العيش أكثرها هموم % وأكثر ما يضرك ما تحب )
( فلا يغررك زخرف ما تراه % وعيش لين الأعطاف رطب )
( إذا ما بلغه جاءتك عفوا % فخذها فالغنى مرعى وشرب )
( إذا اتفق القليل وفيه سلم % فلا ترد الكثير وفيه حرب )
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.