ذكر ملك يمين الدولة سبجستان
ص 21
في هذه السنة ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين سجستان وانتزعها من يد خلف بن أحمد
قال العتبي وكان سبب أخذها أن يمين الدولة لما رحل عن خلف بعد أن صالحه كما تقدم سنة تسعين عهد خلف إلى ولده طاهر وسلم إليه مملكته وانعكف هو على العبادة والعلم وكان عالما فاضلا محبا للعلماء
وكان قصده أن يوهم يمين الدولة أنه ترك الملك وأقبل على طلب الآخرة ليقطع طمعه عن بلاده
فلما استقر في الملك عق أباه وأهمل أمره فلاطفه أبوه ورفق به
ثم إنه تمارض في حصنه المذكور واستدعى ولده ليوصي إليه فحضر عنده غير محتاط ونسي إساءته فلما صار عنده قبض عليه وسجنه وبقي في السجن إلى أن مات فيه وأظهر عنه أنه قتل نفسه ولما سمع عسكر خلف وصاحب جيشه بذلك تغيرت نياتهم في طاعته وكرهوه وامتنعوا عليه في مدينته
وأظهروا طاعة يمين الدولة وخطبوا له وأرسلوا إليه يطلبون من يتسلم المدينة ففعل وملكها واحتوى عليها في هذه السنة وعزم على قصد خلف وأخذ ما بيده والاستراحة من مكره
فسار إليه وهو في حصن الطاق وله سبعة أسوار محكمة يحيط بها خندق عميق عريض لا يخاض إلا من طريق على جسر يرفع عند الخوف فنازله وضايقه فلم يصل إليه
فأمر بطم الخندق ليمكن العبور إليه فقطعت الأخشاب وطم بها وبالتراب في يوم واحد مكانا يعبرون فيه ويقاتلون منه وزحف الناس ومعهم الفيول واشتدت الحرب وعظم الأمر
وتقدم أعظم الفيول إلى باب السور فاقتلعه بنابيه وألقاه وملكه أصحاب يمين الدولة وتأخر أصحاب خلف إلى السور الثاني فلم يزل أصحاب يمين الدولة يدفعونهم عن سور سور
فلما رأى خلف اشتداد الحرب وأن أسواره تملك عليه وأن أصحابه قد عجزوا وأن الفيلة تحطم الناس طار قلبه خوفا وفرقا
فارسل يطلب الأمان فأجابه يمين الدولة إلى ما طلب وكف عنه
فلما حضر عنده أكرمه واحترمه وأمره بالمقام في أي البلاد شاء فاختار أرض الجوزجان فسير إليهما في هيئة حسنة فأقام بها نحو أربع سنين
ونقل إلى يمين الدولة عنه أنه يراسل ايلك الخان يغريه بقصد يمين الدولة فنقله جردين واحتاط عليه هنالك إلى أن أدركه في رجب سنة تسع وتسعين
فسلم يمين الدولة جميع ما خلفه إلى ولده أبي حفص
وكان خلف مشهورا بطلب العلم وجمع العلماء
وله كتاب صنفه في تفسير القرآن من أكبر الكتب
ذكر الحرب بين عميد الجيوش أبي علي وبين أبي جعفر الحجاج
ص 22
في هذه السنة كانت الحرب بين أبي علي بن أبي جعفر أستاذ هرمز وبين أبي جعفر الحجاج وسبب ذلك أن أبا جعفر كان نائبا عن بهاء الدولة بالعراق فجمع وغزا واستناب بعد عميد الجيوش أبا علب فأقام أبو جعفر بنواحي الكوفة ولم يستقر بينه وبين أبي علي صلح وكان أبو جعفر قد جمع جمعا من الديلم والأتراك وخفاجة فجمع أبو علي أيضا جمعا كثرا وسار إليه والتقوا بنواحي النعمانية فاقتتلوا قتالا عظيما وأرسل أبو علي بعض عسكره فأتوا أبا جعفر من وراءه فانهزم أبو جعفر ومضى منهزما
فلما أمن أبو علي سار من العراق بعد الهزيمة إلى خوزستان وبلغ السوس
وأتاه الخبر أن أبا جعفر قد عاد إلى الكوفة فرجع إلى العراق وجرى بينه وبين أبي جعفر منازعات ومراجعات إلى أن آل الأمر إلى الحرب فاستنجد كل واحد منهم بني عقيل وبني خفاجه وبني أسد
فينما هم كذلك أرسل بهاء الدولة إلى عميد الجيوش أبي علي يستدعيه فسار إليه إلى خوزستان لأجل أبي العباس واصل صاحب البطيحة
ذكر عصيان سجستان وفتحها ثانية
ص 22
لما ملك يمين الدولة سجستان عاد عنها واستخلف عليها أميرا كبيرا من أصحابه يعرف بقنجي الحاجب فأحسن السيرة من أهلها
ثم إن طوائف من أهل العيث والفساد قدموا عليهم رجلا يجمعهم وخالفوا على السلطان
فسار إليهم يمين الدولة وحصرهم في حصن أرك ونشبت الحرب في ذي الحجة في هذه السنة
فظهر عليهم وظفر بهم وملك حصنهم وأكثر القتل فيهم وانهزم في آثارهم من يطلبهم فأدركوهم فأكثروا القتل فيهم حتى خلت سجستان منهم وصفت له واستقر ملكها عليه فأقطعها أخاه نصرا مضافة إلى نيسابور
ذكر وفاة الطائع لله
ص 23
في هذه السنة في شوال منها توفي الطائع لله المخلوع ابن المطيع لله وحضر الأشراف والقضاه وغيرهم دار الخلافة للصلاة عليه والتعزيه
وصلى عليه القادر بالله وكبر عليه خمسا
وتكلمت العامة في ذلك فقيل إن هذا مما يفعل بالخلفاء وشيع جنازته ابن حاجب النعمان ورثاه الشريف الرضي فقال
( ما بعد يومك ما يسلو به السالي % ومثل يومك لم يخطر على بالي )
وهي طويلة
ذكر وفاة المنصور بن أبي عامر
ص 24
في هذه السنة توفي أبو عامر محمد بن أبي عامر المعافري الملقب بالمنصور أمير الأندلس مع المؤيد هشام بن الحاكم وقد تقدم ذكره عند ذكر المؤيد وكان أصله من الجزيرة الخضراء من بيت مشهور بها وقدم قرطبة طالبا للعلم وكانت له همة فتعلق بوالدة المؤيد في حياة أبيه المستنصر
فلما ولي هشام كان صغيرا فتكفل المنصور لوالدته القيام بأمره وإخماد الفتن الثائرة عليه وإقرار الملك عليه فولته أمره وكان شهما شجاعا قوي النفس حسن التدبير فاستمال العساكر وأحسن إليهم فقوي أمره وتلقب بالمنصور
وتابع الغزوات إلى الفرنج وغيرهم وسكنت البلاد معه فلم يضطرب منها شيء
وكان عالما محبا للعلماء يكثر مجالستهم ويناظرهم و قد أكثر العلماء ذكر مناقبه وصنفوا لها تصانيف كثيرة
ولما مرض كان متوجها إلة الغزو فلم يرجع ودخل بلاد العدو فنال منهم وعاد وهو مثقل فتوفي بمدينة سالم
وكان قد جمع الغبار الذي وقع على درعه في غزواته شيئا صالحا
فأمر أن يجعل في كفنه تبركا به
وكان حسن الإعتقاد والسيرة عادلا كانت أيامه أعيادا لنضارتها وأمن الناس فيها رحمه الله
وله شعر جيد وكانت أمه تميمية
ولما مات ولي بعده ابنه المظفر أبو مروان عبد الملك فجرى مجرى أبيه
ذكر محاصرة فلفل مدينة قابس وما كان منه
ص 24
في هذه السنة سار يحيى بن علي الأندلسي وفلفل من طرابلس إلى مدينة قابس من عسكر كثير فحصروها ثم زجعوا إلى طرابلس
ولما رأى يحيى بن علي ما هو عليه من قلة المال واختلال حاله وسوء مجاورة فلفل وأصحابه له رجع إلى مصر إلى الحاكم بعد أن أخذ فلفل وأصحابه خيولهم وما اختاروه من عددهم بين الشراء والغضب
فأراد الحاكم قتله ثم عفا عنه
وأقام فلفل بطرابلس إلى سنة أربعمائة فمرض وتوفي وولي أخوه ورو فأطاعته زناتة واستقام أمره
فرحل باديس إلة طرابلس لحرب زناتة
فلما بلغهم رحيله فارقوها وملكها باديس ففر أهلها
وأرسلوا ورو أخو فلفل إلى باديس يطلب أن يكون هو ومن معه من زناتة في أمانه ويدخلون في طاعته ويجعلهم عمالا كسائر عماله فأمنهم واحسن إليهم وأعطاهم نفزاوة وقسطيلة على أن يرحلوا من أعمال طرابلس ففعلوا ذلك
ثم إن خزرون بن سعيد أخا ورو جاء إلى باديس ودخل في طاعته وفارق أخاه فأكرمه باديس وأحسن إليه
ثم إن أخاه خالف على باديس وسار إلى طرابلس فحصرها وسار إليه خزرون لمنعه عن حصارها وكان ذلك سنة ثلاث وأربعمائة
ذكر عدة حوادث
ص 25
في هذه السنة في رمضان طلع كوكب كبير له ذؤابة
وفي ذي القعدة انقض كوكب كبير أيضا كضوء القمر عند تمامه وانمحق نوره وبقي جرمه يتموج
وفيها اشتدت الفتنة ببغداد وانتشر العيارون والمفسدون فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا علي بن أستاذ هرمز إلى العراق ليدبر أمره فوصل إلى بغداد فزينت له وقمع المفسدين ومنع السنية والشيعة من إظهار مذاهبهم ونفي بعد ذلك ابن المعلم فقيه الإمامية فاستقام البلد
وفيها في ذي الحجة ولد الأمير أبو علي الحسن بن بهاء الدولة وهو الذي ملك الأمر وتلقب بمشرف الدولة
وفيها هرب الوزير أبو العباس الضبي وزير مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه من الري إلي بدر بن حسنويه فأكرمه وقام بالوزارة بعده الخطير أبو علي
وفيا ولى الحاكم بأمر الله على دمشق وقيادة العساكر الشامية أبا محمد الأسود واسمه تمضولت فقدم إليها ونزل قصر الإماره فأقام واليا عليها سنة وشهرين ومن أعماله فيها أنه أطاف إنسانا مغربيا وشهره ونادى عليه هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر ثم أخرجه عنها
وفيها توفي عثمان بن جني النحوي مصنف اللمع وغيرها ببغداد وله شعر بارز والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني بالري وكان إماما فاضلا ذا فنون كثره والوليد بن بكر مخلد الأندلسي الفقيه المالكي وهو محدث مشهور وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي الشاعر البغدادي ومن شعره يصف الدرع وهي هذه الأبيات
( يارب سابغة حبتني نعمة % كافأتها بالسوء غير مفند )
( أضحت تصون عن المنايا مهجتي % وظللت أبذلها لكل مهند )
وله من أحسن المديح في عضد الدولة
( وكنت وعزمي والظلام وصارمي % ثلاثة أشباح كما اجتمع النسر )
( وبشرت آمالي بملك هو الورى % ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر )
وقدم الموصل فاجتمع بالخالديين من الشعراء
منهم أبو الفرج الببغاء وأبو الحسين التلعفري فامتحنوه وكان صبيا فبرز عند الامتحان
وفيها توفي محمد بن العباس الخوارزمي الأديب الشاعر وكان فاضلا وتوفي بنيسابور
وفيها توفي محمد بن عبد الرحمن بن زكريا أبو طاهر المخلص المحدث المشهور وأول سماعه سنة اثنتين عشرة وثلاثمائة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.