ذكر وقعة ليمين الدولة بالهند
ص 19
في هذه السنة أوقع يمين الدولة محمود بن سبكتكين بجيبال ملك الهند وقعة عظيمة وسبب ذلك أنه لما اشتغل بأمر خراسان وملكها وفرغ منها ومن قتال خلف بن أحمد وخلا وجهه من ذلك أحب أن يغزو الهند غزوة تكون كفارة لما كان منه من قتال المسلمين
فثنى عنانه نحو تلك البلاد فنزل على مدينة برشور فأتاه عدو الله جيبال ملك الهند في عساكر كثيرة
فاختار يمين الدولة من عساكره والمطوعة خمسة عشر ألفا وسار نحوه فالتقوا في المحرم من هذه السنة
فاقتتلوا وصبر الفريقان فلما انتصف النهار انهزم الهند وقتل فيهم مقاتلة عظيمة وأسر جيبال ومعه جماعة كثيرة من أهله وعشيرته وغنم المسلمون منهم أموالا جليلة وجواهر نفيسة وأخذ من عنق عدو الله جيبال قلادة من الجوهر العديم النظير قومت بمائتي ألف دينار وأصيب أمثالها في أعناق مقدمي الأسرى وغنموا خمسمائة الف رأس من العبيد وفتح من بلاد الهند بلادا كثيرة
فلما فرغ من غزواته أحب أن يطلق جيبال ليراه الهنود في شعار الذل فأطلقه بمال عليه فأدى المال ومن عادة الهند أنهم من حصل منهم في أيدي المسلمين أسيرا لم ينعقد له بعدها رياسة فلما رأى جيبال حاله بعد خلاصة حلق رأسه ثم ألقى نفسه في النار فاحترق بنار الدنيا قبل نار الآخرة
ذكر غزوة أخرى إلى الهند أيضا
ص 20
فلما فرغ يمين الدولة من أمر جيبال رأى أن يغزو غزوة اخرى فسار نحو ويهند فأقام عليها محاصرا لها حتى فتحها قهرا
وبلغه أن جماعة من الهند قد اجتمعوا بشعاب تلك الجبال عازمين على الفساد والعناد فسير إليهم طائفة من عسكره فأوقعوا بهم وأكثروا القتل فيهم ولم ينج منهم إلا الشريد الفريد وعاد غزنة سالما ظافرا
ذكر الحرب بين قرواش وعسكر بهاء الدولة
ص 20
في هذه السنة سير قرواش بن المقلد جمعا من عقيل إلى المدائن فحصروها فسير إليهم أبو جعفر نائب بهاء الدولة جيشا فأزالوهم عنها
فاجتمعت عقيل وأبو الحسن مزيد في بني أسد وقويت شوكتهم فخرج الحجاج إليهم واستنجد خفاجة وأحضرهم من الشام فاجتمعوا معه واقتتلوا بنواحي باكرم في رمضان فانهزمت الديلم والأتراك وأسر منهم خلق كثير واستبيح عسكرهم
فجمع أبو جعفر من عنده من العسكر وخرج إلى بني عقيل وابن مزيد فالتقوا بنواحي الكوفة واشتد القتال بينهم فانهزمت عقيل وابن مزيد وقتل من أصحابهم خلق كثير وأسر مثلهم وسار إلى حلل ابن مزيد فأوقع بمن فيها فانهزموا أيضا فنهبت الحلل والبيوت والأموال ورأوا فيها من العين والمصاغ والثياب ما لا يقدر قدره ولما سار أبو جعفر عن بغداد اختلت الأحوال بها وعاد أمر العيارين ظهر واشتد الفاسد وقتلت النفوس ونهبت الأموال وأحرقت المساكن
فبلغ ذلك بهاء الدولة فسير إلى العراق لحفظه أبا علي بن أبي جعفر المعروف بأستاذ هرمز ولقبه عميد الجيوش
وأرسل إلى أبي جعفر الحجاج وطيب قلبه ووصل أبو علي إلى بغداد فأقام السياسة ومنع المفسدين فسكنت الفتنة وأمن الناس
وفيها توفي محمد بن محمد بن جعفر أبو بكر الفقيه الشافعي المعروف بابن الدقاق صاحب الأصول
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.