ذكر حال الخلافة والسلطنة ببغداد
ص 214
في هذه السنة انحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد حتى إن بعض الجند خرجوا إلى قرية يحيى فلقيهم أكراد فأخذوا دوابهم فعادوا إلى قراح الخليفة القائم بأمر الله فنهبوا شيئا من ثمرته وقالوا للمارين فيه أنتم عرفتم حال الأكراد ولم تعلمونا
فسمع الخليفة الحال فعظم عليه ولم يقدر جلال الدولة على أخذ أولئك الأكراد لعجزه ووهنه واجتهد في تسليم الجند إلى نائب لبخليفة فلم يمكنه ذلك فتقدم الخليفة إلى القضاة بترك القضاء والامتناع عنه وإلى الشهود بترك الشهادة و إلى الفقهاء بترك الفتوى فلما رأى جلال الدولة ذلك سأل أولئك الأجناد ليجيبوه إلى أن يحملهم إلى ديوان الخلافة ففعلوا فلما وصلوا إلى دار الخلافة أطلقوا وعظم أمر العيارين وصاروا يأخذون الأموال ليلا ونهارا ولا مانع لهم لأن الجند يحمون على السلطان ونوابه والسلطان عاجز عن قهرهم وانتشر العرب في البلاد فنهبوا النواحي وقطعوا الطريق وبلغوا إلى أطراف بغداد حتى وصلوا إلى جامع المنصور وأخذوا ثياب ا لنساء في المقابر
ذكر إظهار أحمد ينالتكين العصيان وقتله
ص 214
في سنة خمس وعشرين عاد مسعود بن محمود من الهند لقتال الغز كما ذكرناه ينالتيكن إلى إظهار العصيان ببلاد الهند وجمع الجموع وقصد البلاد بالأذى فسير إليه مسعود جيشا كثيفا وكانت ملوك الهند تمنعه من الدخول إلى بلادهم وتسد منافذ هربه ولما وصل الجيش المنقذ إليه قاتلهم فانهزم ومضى هاربا إلى الملتان وقصد بعض ملوك الهند بمدينة بهاطية ومعه جمع كثير من عساكره الذين سلموا فلم يكن لذلك الملك قدرة على منعه وطلب منه سفنا ليعبر نهر السند فأحضر له السفن وكان في وسط النهر جزيرة ظنها أحمد ومن معه متصلة بالبر من الجانب الآخر ولم يعلموا أن الماء محيط بها فتقدم ملك الهند إلى أصحاب السفن بإنزالهم في الجزيرة والعود عنهم ففعلوا ذلك وبقي أحمد ومن معه فيها وليس معه طعام إلا ما معهم فبقوا بها تسعة أيام ففني زادهم وأكلوا دوابهم وضعفت قواهم فأرادوا خوض الماء فلم يتمكنوا منه لعمقه وشدة الوحل فيه فعبر الهند إليهم عسكر في السفن وهم على تلك الحال فأوقعوا بهم وقتلوا أكثرهم وأخذوا ولدا لأحمد أسيرا فلما رآه أحمد على تلك الحال قتل نفسه واستوعب أصحابه القتل والأسر والغرق
ذكر ملك مسعود جرجان وطبرستان
ص 215
كان الملك مسعود قد أقر دارا بن منوجهر بن قابوس على جرجان وطبرستان وتزوج أيضا بابنة أبي كاليجار القوهي مقدم جيش دارا والقيم بتدبير أمره استمالة فلما سار إلى الهند منعوا ما كان استقر عليهم من المال وراسلوا علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بالاجماع على العصيان والمخالفة وقوى عزمهم على ذلك ما بلغهم من خروج الغز بخراسان فلما عاد مسعود من الهند وأجلى الغز وهزمهم سار إلى جرجان فاستولى عليها وملكها وسار إلى آمل طبرستان وقد فارقها أصحابها واجتمعوا بالغياض والأشجار الملتفة الضيقة المدخل الوعرة المسلك فسار إليهم واقتحمها عليهم فهزمهم وأسر منهم وقتل ثم راسله دارا وأبو كاليجار وطلبوا منه العفو وتقرير البلاد عليهم قأجانهم إلى ذلك وحملوا من الأموال ما كان عليهم وعاد إلى خراسان
ذكر ميسر ابن وثاب والروم إلى بلد ابن مروان
ص 215
فيها جمع ابن وثاب النميري جمعا كثيرا من العرب وغيرهم واستنجد من بالرها من الروم فسار معه منهم جيش كثيف وقصد بلد نصر الدولة بن مروان ونهب وأخرب فجمع ابن مروان جموعه وعساكره واستمد قرواشا وغيره وأتته الجنود من كل ناحية فلما رأى ابن وثاب ذلك وأنه لا يتم له غرض عاد عن بلاده وأرسل ابن مروان إلى ملك الروم يعاتبه على نقض الهدنة وفسح الصلح الذي كان بينهما وراسل أصحاب الأطراف يستنجدهم للغزاة فكثر جمعه من الجند والمتطوعة وعزم على قصد الرها ومحاصرتها فوردت رسل ملك الروم يتعذر ويحلف أنه لم يعلم بما كان وأرسل إلى عسكره الذين بالرها والمقدم عليهم ينكر ذلك وأهدى إلى نصر الدولة هدية سنية فترك ما كان عازما عليه من الغزو وفرق العساكر المتجمعة عنده
ذكر عدة حوادث
ص 216
فيها خرج أبو سعد وزير جلال الدولة إلى أبي الشوك مفارقا للوزارة ووزر بعده أبو القاسم وكثرت مطالبات الجند فهرب فأخرج وحمل إلى دار المملكة مكشوف الرأس في قميص خفيف وكانت وزارته هذه شهرين وثمانية أيام وعاد أبو سعد بن عبد الرحيم إلى الوزارة
وفيها في ذي الحجة وثب الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي بعمه علي ابن ثمال أمير بني خفاجة فقتله وقام بإمارة بني خفاجة
وفيها جمعت الروم وسارت إلى ولاية حلب فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح بن مرداس قتصافوا واقتتلوا فانهزمت الروم وتبعهم إلى عزاز وغنم غنائم كثيرة وعاد سالما
وفيها قصدت خفاجة الكوفة ومقدمهم الحسن بن أبي البركات بن ثمال فنهبوها وأرادوا تخريبها ومنعوا النخل من الماء فهلك أكثره
وفيها هرب الزكي أبو علي النهر سابسي من محبسه وكان قرواش قد اعتقله بالموصل فبقي سنسنتين إلى الآن ولم يحج هذه السنة من العراق أحد
وفي هذه السنة توفي أحمد بن كليب الأديب الشاعر الأندلسي وحديثه مع أسلم بن أحمد بن سعيد مشهور وكان يهواه فقال فيه
( أسلمني في هوى % أسلم هذا الرشا )
( غزال له مقلة % يصيب بها من يشا )
( وشى بيننا حاسد % سيسأل عما وشى )
( ولو شاء أيرتشى % على الوصل روحي رتشى )
( ومات كمدا من هواه % )
وتوفي في جمادى الأولى منها أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن شهيد الأديب الأندلسي ومن شعره
( إن الكريم إذا نالته مخمصة % أبدى إلى الناس شبعا وهو طيان )
( يحني الضلوع على مثل اللظى حرقا % والوجه غمر بماء البشر ملآن )
وله أيضا
( كتبت لها إنني عاشق % على مهرق اللثم بالناظر )
( فردت علي جواب الهوى % بأحور عن مائه حائر )
( منعمة نطقت بالجفون % فدلت على دقة الخاطر )
( كأن فؤادي إذا أعرضت % تعلق في مخلبي طائر )
وفيها توفي أبو المعالي بن سخطة العلوي النقيب بالبصرة وأبو محمد بن معية العلوي بها أيضا وأبو علي الحسين بن أحمد بن شاذان المحدث الأشعري مذهباوكان مولده ببغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وحمزة بن يوسف الجرجاني وكان من أهل الحديث